السلام عليك أيها النبيّ

خطبة الجمعة السلام عليك أيها النبيّ

الخطبة الأولى

الحمد للهِ ربِّ العالمين، الذي مدح سيِّدَ الأولين والآخرين، فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء:107) خاتمَ المرسَلين والنبيين، النبيَّ المكينَ والرسولَ الأمين، أحمدُهُ تعالى حمدَ الصابرين والشاكرين، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له ولا ضد ولا ند له شهادةً أسأل ربي لي ولكم بها النجاةَ يومَ الدّين، وأشهد أن سيدَنا وحبيبَنا محمدا عبدُه ورسولُه أطيبُ الطيبين وأطهرُ الطاهرين،اللهمَّ صلّ صلاةً كاملةً وسلّم سلامًا تامًا على سيدنا محمد الذي تَنْحَلُّ به العقدُ، وتنفرجُ به الكُرَبُ وتُقضى به الحوائج، وتُنال به الرغائب وحسنُ الخواتيم، ويُستسقى الغمامُ بوجهه الكريم، وعلى ءالِهِ وصحبِه وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا يا ربَّ العالمين.

  عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}. وكن على ذكر أخي المسلم لقول الله تعالى:{أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}(العلق:14).

  إخوة الإيمان والإسلام: سأُحدِّثُكمُ اليومَ عن أمرٍ لا تصحُّ ولا تقبلُ ولا تسقطُ عنك صلاتُك إلا به، عن أمرٍ فيه عشرُ كراماتٍ(1) إذا قلتَه: إحداهنَّ: صلاةُ الملكِ الغفار(2)، والثانيةُ: شفاعةُ النبيِّ المختار، والثالثةُ: الاقتداءُ بالملائكةِ الأبرار، والرابعةُ: مخالفةُ المنافقين الكفار، والخامسةُ: محوُ الخطايا والأوزار، والسادسةُ: قضاءُ الحوائجِ والأوطار، والسابعةُ: تنويرُ الظواهرِ والأسرار، والثامنةُ: النجاةُ منَ النار، والتاسعةُ: دخولُ دارِ القَرار(3)، والعاشرةُ: سلامُ العزيزِ الجبار. إنه الصلاةُ(4) والسلامُ(5) على سيّدِنا محمدٍ ﷺ، صلّوا عليه وسلّموا تسليما.

  إخوة الإيمان: نسمعُ كثيرًا قولَ اللهِ تباركَ وتعالى:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(الأحزاب:56) ولكن ما معنى الصلاةِ من اللهِ تعالى والملائكةِ على نبيِّنا ﷺ؟ وما معنى الصلاةِ والسلامِ منا على رسولِ اللهِ ﷺ؟ اسمعْ معي أخي المسلم جيّدا لمعنى ذلك، فالصلاةُ من اللهِ تعالى على النبيِّ ﷺ هي الرحمةُ المقرونةُ بالتعظيم، وإلا فإن اللهَ تعالى رحمَ جميعَ خلقِه في الدنيا، فكانت الرحمةُ مقرونةً بالتعظيمِ تشريفًا للنبيِّ ﷺ، وأما الصلاةُ من الملائكةِ على رسولِ اللهِ ﷺ فالمرادُ منها الدعاءُ، وأما نحنُ إخوةَ الإسلامِ فعندما نقولُ اللهمَّ صلِّ على رسولِ الله فمعناهُ يا ربُّ زدْ سيدَنا محمدًا شرفًا وتعظيما، ومعنى قولنا: السلامُ عليك يا رسولَ الله ﷺ أي: يا ربُّ سلّمْ أمةَ سيِّدِنا محمّدٍ ﷺ مما يخافُهُ سيدُنا محمدٌ ﷺ عليهم.

  يا أحبابَ رسولِ اللهِ ﷺ، يا منْ تصلي وتسلمُ على رسولِ اللهِ ﷺ، روى أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ(6) في سننِهِ عَنْ الصحابيِّ الجليل أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:”مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ رُوحِي(7) حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ”  وعن الصحابي الجليلِ أبي بكرٍ الصّدّيقِ رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ ﷺ قال:“أكثروا الصلاةَ عليَّ فإن اللهَ وكَّلَ بي ملكًا عند قبري فإذا صلى عليَّ رجلٌ من أمتي قال لي ذلك الملكُ يا رسولَ الله إن فلانَ بنَ فلانٍ صلى عليكَ السَّاعَةَ”(8)

هذا النبيُّ محمَّدٌ خيرُ الورى                  ونبيُّهم وبهِ تشرّفَ ءادمُ

هوَ في المدينةِ ثاوِيًا بضريحِهِ               حقًّا ويسمَعُ من عليهِ يُسلِّمُ

صلى عليهِ اللهُ جلَّ جلالُهُ                     ما راحَ حادٍ باسمِهِ يَتَرنَّمُ

  إخوةَ الإسلام: رُوِيَ عن سفيانَ الثوريِّ رضِيَ الله عنهُ أنه قال “رأيتُ رجلا في الباديةِ لا يَرْفَعُ قَدَمًا ولا يَضَعُ أخرى إلا وَهُوَ يُصَلّي على النَّبِيّ ﷺ. فَقُلْتُ يا هَذا قَدْ تَرَكْتَ التَّسبيحَ والتَّهليلَ وأقْبَلْتَ بالصَّلاةِ على النبيّ ﷺ فهَلْ عِنْدَكَ مِنْ هذا شىءٌ؟ قالَ: مَن أنتَ؟ قلتُ: أنا سفيانُ الثوْرِيُّ، فقالَ: لولا أنتَ غريبٌ في أهلِ زمانِكَ ما كَشَفْتُ عَنْ حالي ولا أَطْلَعْتُكَ على سرّي، ثُمَّ قالَ خَرَجْتُ أنا ووالدي حاجَّيْنِ إلى بيتِ الله الحرامِ حتى إذا كنَّا في بعضِ المنازلِ مَرِضَ والدي فقُمْتُ لأُعالِجَهُ فبينما أنا عندَ رَأْسِهِ ماتَ واسوَدَّ وَجْهُهُ، فَجَررتُ الإزارَ على وجْهِهِ، فَغَلَبَتْني عيْنايَ فَنِمْتُ فإذا أنا بِرَجُلٍ لم أرَ أجملَ مِنْهُ وَجْهًا ولا أنظَفَ مِنْهُ ثَوبًا ولا أطْيَبَ مِنْهُ ريحًا يَرْفَعُ قَدَمًا ويَضَعُ قَدَمًا أُخرى، حتّى دنا مِنْ والدي فَكَشَفَ الثّوبَ عَنْ وَجْهِهِ وأمَرَّ بِيَدِهِ على وَجْهِهِ فعادَ وَجْهُهُ أَبْيَضَ ثُمَّ ولَّى راجِعًا، فَتَعَلَّقْتُ بِثَوْبِهِ فقلتُ لَهُ مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُك الله لقدْ منَّ الله بِكَ على والدي في دارِ الغُرْبَةِ؟ فَقَالَ أوَما تَعْرِفُني؟ أنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله، أنا صاحبُ القرءانِ، أمَا إنَّ والدَكَ كانَ مُسْرِفًا على نَفْسِهِ -أي يَقَعُ في المعاصي- لكنْ كانَ يُكْثِرُ من الصَّلاةِ والسلامِ عليَّ، فَلَمّا نَزَلَ بِهِ ما نَزَلَ استَغاثَ بي فأنا غِياثُ مَنْ أَكْثَرَ الصَّلاةَ عليَّ، قالَ فانْتَبَهْتُ مِنْ نومي فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِ أبي فإِذا وَجْهُهُ أَبْيَضُ”(9)  وقد قال النبيُّ ﷺ:” حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحْدِثُونَ وَيُحدثُ لَكُمْ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ ، فَمَا رَأَيْتُ مِنَ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ ، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ”(10)فيا ربِّ صلِّ وسلِّم على سيِّدنا محمّدٍ الذي بلغَ أسنى المطالِبِ والمآرِب، وصلِّ وسلِّم على سيِّدِنا ومولانا محمّدٍ الذي فَضَّلْتَهُ على أهلِ المشارِقِ والمغارِب، هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

الخطبة الثانية

  الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: فها هو شهرُ ربيعٍ الأول قد أهلَّ علينا، الشهرُ الذي ولد فيه خيرُ خلقِ الله محمدٌ ﷺ، فحريٌّ بك أخي المسلم أن تكثرَ من الصلاةِ والسلامِ على رسولِ اللهِ ﷺ في هذا الشهرِ المبارك، كيف لا؟ وقد رحمنا اللهُ تعالى به، فأكثرْ أخي من الصلاةِ والسلامِ على الرحمةِ المهداة، تُكفَ همَّكَ أي أمرَ دنياكَ وأُخراكَ؛ فقد روى الترمذيُّ في سننِهِ وصححه عن الصحابيِّ الجليلِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ:“مَا شِئْتَ”قَالَ: قُلْتُ الرُّبُعَ؟ قَالَ:“مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ”قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ:“مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ”قَالَ: قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ:“مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ”قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ:“إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ”،نسألُ اللهَ تعالى أن يكفيَنا همومَنا، وأن يجمعَنا برسولِ اللهِ ﷺ إنه على كلِّ شيءٍ قدير وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

  عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:{إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم ارزقْنا شفاعةَ نبيّك الكريم، واجمعنا به في جنات النعيم، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

الحاشية

  1. ذكر ذلك الحافظ ابن الجوزي في كتاب بستان الواعظين.
  2. الصلاة من الله تعالى الرحمة الخاصة.
  3. أي الجنة.
  4. وأما الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي ركن في التشهد الأخير كما لا يخفى.
  5. وأما السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ركن كذلك في التشهد الأخير حيث يقول المصلي: “السلام عليك أيها النبي”. 
  6. صححه الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، والنووي في الأذكار.
  7. والمراد أن روحَه صلى الله عليه وسلم رجعت عقبَ دفنِه، وليس المراد أنها تنزعُ ثم تعاد ثم تنزعُ ثم تعاد.
  8. رواه الديلمي، والسيوطي في الجامع الكبير وصححه.
  9. ذكر القصة الحافظ ابن الجوزي في كتاب بستان العارفين
  10. رواه البزار في مسنده.
أنت ومالك لأبيك

أنت ومالك لأبيك

قصَّةٌ مُؤثِّرةٌ وَرَدَتْ في رواية الطبرانيِّ والبيهقيِّ من طريقِ المُنْكَدِرِ بنِ محمدِ بنِ المنكدرِ عن أبيه عن جابرٍ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share