الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق الإنسانَ من نطفةٍ فجعلَه سميعًا بصيرا، وألزمه الحجةَ بإيضاحِ المحجةِ إما شاكرًا وإما كفورا، فمن شكرَ لأنعمِه لقَّاهُ من كرمِه نضرةً وسرورًا، ومن كَفَرَ أعدَّ له سلاسلَ وأغلالا وسعيرا، واستقبل به يومَ حشرِه بعد عذابِ قبرِه يومًا عَبوسًا قَمطريرًا، فويلٌ له إذا قامَ يومَ حشرِه من حُفرتِه حاسرًا وحسيرًا. وأشهدُ ألا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً أشربُ بها من سلسبيلِ الجنةِ نميرًا، وأشهد أن محمدا عبدُه ورسولُه أرسلَه إلى الخلقِ كلِّهم بشيرًا ونذيرًا صلى الله عليه وعلى ءاله وصحبِه وسَلَّمَ تسليما كبيرا.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ”.
وكُنْ على ذُكْرٍ أخي المسلم لقولِ اللهِ تعالى:”أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى” (سورة العلق:14).
إخوةَ الإيمانِ والإسلامِ: يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: “لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ” (سورة إبراهيم: 7)، فيجبُ عليكَ أخي المسلمَ أن تشكرَ اللهَ تعالى على نعمِهِ باستعمالِها في طاعةِ اللهِ تعالى، اشكرِ اللهَ تعالى على ما أعطاكَ من النِّعمِ، وإياكَ أن تستعملَها في الحرامِ، وتذكّر أن نعيمَ الدنيا إلى زوال، وما عندَ اللهِ خيرٌ وأبقى، وتذكّرْ أنك في رحيل، وأنك سُتسألُ يومَ الدين، يقول اللهُ تعالى: “فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ” (سورة الحجر: 92)، ومن هذه النعمِ التي أنعم اللهُ عليك بها، نعمةُ الأولادِ، فهم زينةُ الحياةِ الدنيا كما قال اللهُ تعالى: “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”(سورة الكهف:46)، ولكن هذه النعمةُ وهذه الزينةُ لا بد من شكرِ اللهِ تعالى عليها الشكرَ الواجبَ والشكرَ المندوبَ، وذلك بالإحسانِ والعدلِ بينهم، وهو عنوانُ خطبتِنا بإذنِ اللهِ تعالى.
إخوة الإيمان: روى البخاريُّ في صحيحِه عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنه قال: “أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ، قَالَ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ” فمن هذا الحديثِ وغيرِه أخذَ العلماءُ حكمَ الهبةِ والعطيةِ في حالِ الحياةِ لأحدِ الأبناءِ دون غيرِه بغيرِ سببٍ شرعيّ، فاسمعْ معي أخي وانتبه جيدا لحكمِ ذلك؛ فقد ذهب بعضُ العلماءِ إلى أن ذلك حرام، وذهب البعضُ إلى أنه مكروهٌ وليس حرامًا، ولكن هذا أي قولُ بعضِ العلماءِ بأنه مكروهٌ بحيث لا يؤدي إلى قطيعةِ رحمٍ بين الأبناء، وأما إذا عَلِمَ الوالدُ أنه سيؤدي إلى قطيعةِ الرحمِ بينهم، فإن ذلك محرمٌ عند جميعِ العلماء. وأما إذا كان هناك سببٌ شرعيٌّ كأن خصّ ابنَه البارَّ دون أبناءِه العاقين، أو خصّ ابنَه الفقيرَ دون الأغنياءِ منهم فجائزٌ بلا كراهة. فانتبه أخي المسلم أن في تفضيلِ الأبناءِ بعضِهم على بعضِ من غيرِ مُسوِّغٍ شرعيٍّ قد يورثُ تنافرًا في قلوبِ الإخوان، ويزيدُ الكراهيةَ بينهم، فاتقِ اللهَ في أبناءك.
أيها الموحدون: روى البخاريُّ في صحيحِه عن الصحابيِّ الجليلِ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا فَقَالَ الْأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ“. فإذا أردتَ أخي المسلم أن يرحمَك اللهُ تعالى فارحمْ أبناءَك، ومن مظاهرِ رحمتِهم أن تقبِّلَهم كما كان يفعلُ رسولُ اللهِ ﷺ، ولكن انتبهْ أن تساويَ بينهم حتى في القُبَلِ، فإن ذلك مستحبٌّ، فعن الصحابيِّ الجليلِ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه:”أَنَّ رَجُلا كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ ابْنٌ لَهُ فَقَبَّلَهُ وَأَقْعَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَجَاءَتْهُ بُنَيَّةٌ لَهُ فَأَجْلَسَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا سَوَّيْتَ بَيْنَهُمَا)“[رواه البزار في مسنده])، وهذا يدلُّ على التسويةِ في نحوِ القُبَلِ بين الأبناءِ ذكورا كانوا أو إناثا، ومن هنا إخوةَ الإسلامِ يُعلمُ كيف كانت المرأةُ تعاملُ في الجاهليةِ حيث كانت تدفنُ حيّةً، وكان إذا بُشِّرَ أحدُهم بأنثى جاءته يصير وجهُهُ أسودَ من سوءِ ما يبشَّرُ به في نظرِهم، كما قال الله تعالى: “وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ” (سورة النحل: 58) ، فجاء رسولُ اللهِ ﷺ الرحمةُ المهداةُ فقال: “مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ أَوْ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ” ، فجعل رسولُ اللهِ ﷺ جزاءَ من يُربّي ابنتَه تربيةً موافقةً لشرعِ اللهِ تعالى، دخولَ الجنةِ، فلا تكريمَ ولا عدلَ للمرأةِ إلا في دين الله الإسلامِ وبموافقة شرعِه سبحانه وتعالى. نسأل الله تعالى أن يقويَنا على تربيةِ أبناءنا تربيةً سليمة، إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِه لطيفٌ خبير، أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: رُويَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيز رحمه الله أنه ضمَّ ابنًا له ، وكان يُحبُّه ، فقالَ: “يا فلان ، واللهِ إني لأحبُّك ، وما أستطيعُ أن أوثرَكَ على أخيكَ بلُقمَةٍ” فكيف بمن يحرمُ ابنتَه أو بناتَه من الميراثِ حتى لا يذهبَ لغريبٍ بزعمِه؟! فيخالِفَ شرعَ اللهِ تعالى، لهوًى في نفسِه، ومن المعلومِ عند العلماءِ أن النذرَ أو هبةَ كلِّ المالِ بقصدِ حرمانِ الوارث محرمٌ؛ بل ومن كبائرِ الذنوب، فليتقِ اللهَ امرؤٌ خالف شرع اللهِ تعالى، فالدنيا زوالٌ، وإلى الجنةِ أو النارِ المآل، نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا الجنة وما يقرّبُ إليها من قولٍ أو عملٍ، إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِه لطيفٌ خبير.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، وبلادَنا بالخيراتِ يا ربَّ العالمين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
بارك الله بكم ونفع بكم المسلمين
بارك الله فيك يا دكتور ما شاء الله