بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
سورة الحديد: 21
رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ فِيْ كَلَامِهِ عَنْ شَهْرِ شَعْبَانَ: “ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ“.
وَقَدْ فَضَّلَ اللهُ بَعضَ أَيَّامِ السَّنَةِ وَالشُّهُورِ عَلَى بَعضٍ، وَخَصَّنَا بِمَوَاسِمِ الخَيرِ بِمَا فِيهَا مِنَ النَّفَحَاتِ وَاللَّفَحَاتِ، فَطُوبَى لِمَنِ اغتَنَمَ هَذِهِ الشُّهُورَ وَالأَيَّامَ وَالسَّاعَاتِ بِطَاعَةِ المَوْلَى قَبْلَ الفَوَاتِ، وَمِنْ هَذِهِ المَوَاسِمِ مَوْسِمٌ لِلْصِّيَامِ قُبَيْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ، إِنَّهُ شَهْرُ شَعْبَانَ.
ترتيب شهر شعبان من حيث الأفضلية
شَهْرُ شَعْبَانَ مِنَ الشُّهُورِ الفَاضِلَةِ المُبَارَكَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ تَرْتِيبَ الشُّهُورِ مِنْ حَيْثُ الفَضِيلَةِ، فَذَكَرَ أَوَّلَ مَا ذَكَرَ شَهْرَ الغُفْرَانِ رَمَضَانَ، يَلِيهِ الأَشْهُرُ الحُرُمُ، ثُمَّ شَعْبَانُ.
الصيام في شعبان
يُسْتَحَبُّ الصِّيَامُ فِي شَعْبَانَ مَا خَلَا الأَيَّامَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا النَّهْيُّ عَنِ الصِّيَامِ، لِمَا وَرَدَ مِنَ الأَحَادِيثِ وَالأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ قَالَت رَضِيَ اللهُ عَنهَا: كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ إِلَّا قَلِيلًا.
وَعَنهَا رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانُ، ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ، رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ.
وَعَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصُومُ شَهرَينِ مُتَتَابِعَينِ إِلَّا شَعبَانَ وَرَمَضَانَ.
وَقَد رَجَّحَ طَائِفَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ، مِنهُمُ ابنُ المُبَارَكِ وَغَيرُهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَستَكمِل صِيَامَ شَعبَانَ، وَإِنَّمَا كَانَ يَصُومُ أَكثَرَهُ.
شعبان شهر ترفع فيه الأعمال
عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ!، قَالَ: “ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ“، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ليلة النصف من شعبان
هِيَ لَيْلَةٌ عَظِيمَةٌ مُبَارَكَةٌ، يَغْفِرُ اللهُ بِهَا لِجَمِيعِ خَلْقِهِ غَيْرِ مُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ، فَيَغْفِرُ لِقِسْمٍ مِنْ عِبَادِهِ بَعْضَ ذُنُوبِهِمْ، وَلِقِسْمٍ آخَرَ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ، وَهِيَ لَيْلَةٌ الدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ بِإِذْنِ اللهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِهَا أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: “إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا”، رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ.
وَفِي سُنَنِ ابنِ مَاجَهْ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “فَيَغْفِرُ (أَي فِي لَيلَةِ النِّصفِ مِن شَعبَانَ) لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعَرِ غَنَمِ كَلْبٍ“، وَكَلْبٌ قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ العَرَبِ، وَفِي صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ عَنْ مُعاذِ بنِ جَبلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “يَطَّلِعُ اللهُ عَلَى خَلْقِه لَيلَةَ النِّصفِ مِن شَعبَانَ فيَغفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْركٍ أَو مُشَاحِنٍ“، وَمَعْنَى يَطَّلِعُ اللهُ إِلَى خَلْقِهِ أَيْ يَرحَمُهُمُ الرَّحمَةَ الخَاصَّةَ، وَلَيسَ المَعْنَى أَنَّ اللهَ كَانَتْ تَخْفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِ شَيءٍ عِلْمَا، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَفَرَّغَ فِي تِلْكَ الليلَةِ لِذِكْرِ اللهِ وَدُعَائِهِ بِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَسَتْرِ العُيُوبِ وَتَفْرِيجِ الكُرُوبِ، وَأَنْ يُقْدِّمَ عَلَى ذَلِكَ التَّوْبَةَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَتُوبُ فِيْهَا عَلَى مَنْ يَتُوبُ.
وَلَقَدْ قِيلَ:
فَقُمْ لَيْلَةَ النِّصْفِ الشَّرِيفِ مُصَلِّيًا
فَأَشْرَفُ هَذَا الشَّهْرِ لَيْلَةُ نِصْفِهِ
فَكَمْ مِنْ فَتًى قَدْ بَاتَ فِي النِّصْفِ آمِنًا
وَقَدْ نُسِخَتْ فِيهِ صَحِيفَةُ حَتْفِهِ
فَبَادِرْ بِفِعْلِ الخَيرِ قَبْلَ انقِضَائِهِ
وَحَاذِرْ هُجُومَ المَوْتِ فِيهِ بِصَرفِهِ
وَصُمْ يَوْمَهَا للهِ وَأَحْسِنْ رَجَاءَهُ
لِتَظْفَرَ عِنْدَ الكَرْبِ مِنْهُ بِلُطْفِهِ
بعض الحوادث التي حصلت في شعبان
- فَرْضُ صِيَامِ رَمَضَانَ: فِي شَهْرِ شَعْبَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ فَرَضَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ.
- تَحَوُّلُ قِبْلَةِ المُسْلِمِينَ إِلَى الكَعْبَةِ المُشَّرَفَةِ: أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ إِلَى الكَعْبَةِ المُشَّرَفَةِ، بَعْدَ أَنْ صَلَّوا بِاتِجَاهِ بَيْتِ المَقْدِسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
- غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ: وَيُقَالُ لَهَا غَزْوَةُ المُرَيسِيعِ، وَقَدْ وَقَعَتْ أَحْدَاثَهَا فِي شَعبَانَ مِنَ السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ وَهَزَمَ اللهُ فِيهَا المُشْرِكِينَ وَنَصَرَ نَبِيَّهُ ﷺ.
- مَوْلِدُ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُبَيرِ: فِي السَّنَةِ الأُولَى لِلْهِجْرَةِ فِيْ شَهْرِ شَعْبَانَ كَانَ مَوْلِدُ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، وَقَدْ استَبْشَرَ وسُرَّ المُسْلِمُونَ بِوِلَادَتِهِ، فَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ لِلْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ سَحَرُوا المُهَاجِرِينَ فَلَنْ يُولَدَ لَهُمْ وَلَدٌ، فَجَاءَ مَوْلِدُهُ تَكْذِيبًا لَهُمْ.
- مَوْلِدُ الإِمَامِ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: فِي رِحَابِ المَدِينَةِ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ للهِجْرَةِ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ، وَلَدَتِ السَّيِّدَةُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا سَيِّدَ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
- وَفَاةُ إِمَامَي أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ الأَشعَرِيِّ وَالمَاتُرِيدِيِّ: فِي شَعْبَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثِمائَةٍ وَأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ لِلْهِجْرَةِ، كَانَتْ وَفَاةُ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي الاعْتِقَادِ، الإِمَامِ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ إِسْمَاعِيلَ الأَشْعَرِي وَفِي سَنَةِ ثَلَاثِمائِةٍ وَثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ، كَانَتْ وَفَاةُ الإِمَامِ أَبِي مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيِّ، الَّذِي حَفِظَ اللهُ بِهِ وَبِالإِمَامِ الأَشْعَرِي عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، حَيْثُ قَامَ كُلٌّ مِنَ الإِمَامَينِ بِتَنْقِيحِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَقَمعِ مَنْ خَالَفَهَا، بِنَصْبِ الأَدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ فِي نُصْرَةِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، الَّتِي هِيَ عَقِيدَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَآلِ البَيْتِ الأَطْهَارِ.
خاتمة
يَنْبَغِي لِمَنْ آمَنَ بِيَوْمِ القِيَامَةِ أَنْ يُعِدَّ زَرْعَهُ فِي شَعْبَانَ لِيَحْصُدَ فِي رَمَضَانَ، فَيُبَادِرَ إِلَى التَّوْبَةِ والاسْتِقَامَةِ وَالخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ وَالخَطَايَا، فَرَمَضَانُ فُرْصَةُ العُمْرِ إِلَّا أَنَّ مُرُورَهُ سَرِيعٌ، وَالعُمْرُ قَصِيرٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّسْوِيفَ وَالتَّأجِيلَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ شَعْبَانَ أَغْلَقَ دكانَهُ وَتَفَرَّغَ لِقِرَاءَةِ القُرْآنِ.
فَيَا مَنْ فَرَّطَ فِي الأَوْقَاتِ الشَّرِيفَةِ وَضَيَّعَهَا، وَأَوْدَعَهَا الأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ وَبِئْسَ مَا اسْتَوْدَعَهَا:
مَضَى رَجَبٌ وَمَا أَحْسَنْتَ فِيهِ
وَهَذَا شَهْرُ شَعْبَانَ المُبَارَكْ
فَيَا مَنْ ضَيَّعَ الأَوْقَاتَ جَهْلًا
بُحُرْمَتِهَا أَفِقْ وَاحْذَرْ بَوَارَكْ
فَسَوْفَ تُفَارِقُ اللذَّاتِ قَسْرًا
وَيُخْلِي المَوْتُ كُرْهًا مِنْكَ دَارَكْ
تَدَارَكْ مَا استَطَعْتَ مِنَ الخَطَايَا
بِتَوْبَةِ مُخْلِصٍ وَاجَعَلْ مَدَارَكْ
عَلَى طَلَبِ السَّلَامَةِ مِنْ جَحِيمٍ
فَخَيرُ ذَوِي الجَرَائِمِ مَنْ تَدَارَكْ
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ لِابْنِ رَجَبٍ
- التَّبْصِرَةِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ
- فَتْحِ البَارِي لِابْنِ حَجَرٍ