ما أجمل الصائم حينما ينهل من معاني رمضان ويحوّلها إلى أسلوب حياة يومية في أخلاقه ومعاملاته فلا يقتصر في نهار رمضان على الإمساك عن الطعام والشراب والامتناع عن سائر المفطرات بل يزيد على ذلك التمسك بالأخلاق الحميدة التي دعا إليها الشرع الحنيف في سائر الأيام وأوصانا بالثبات عليها خصوصا في رمضان، فيحفظ الصائم الرأس وما وعى والبطن وما حوى ويكف الجوارحَ عمّا عنه الشرع نهى، وقد هيأ الله لعباده في رمضان الأسباب التي تعينهم على طاعته وتزكيّهم، ففي رمضان تفتح أبواب الجنان وتُغلق أبواب النيران وتُصفد الشياطين وتنكسر شهوة النفس ويسكن الغضب، فينبغي للصائم اغتنام هذه الأسباب؛ ليرتقي إلى أعلى الدرجات، ورمضان مدرسة لتهذيب النفوس وصيانتها وصقل الأخلاق وتنقيتها.
رمضان شهر الصبر
كما سمّاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام أحمد، والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله وصبر عن محارم الله وصبر على البلاء، فينبغي للمؤمن الصبر عما حرم الله تعالى في كل حال ولا سيما الصائم؛ فلا يستوي الصائم المجتنب للمحرمات مع الصائم من عصاة المسلمين. فوجب ترك ما حرم الله من الكذب والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم بغير حق، ولا يقل الصائم: تركت الأكل والشرب لكنّي لا أصبر على ترك الغضب المؤدي إلى الاعتداء على الناس؛ لأن ذلك مجلبة للحسرة والخيبة والخسران، ولهذا
قال رسول الله ﷺ
مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّورِ والعملَ به فَلَيسَ للهِ حاجةٌ في أن يَدَعَ طَعامَهُ وشَرَابَهُ
أخرجه البخاري
ومن معاني الحديث أن الله لا يُثيبه على هذا الصوم وإن صحّ صومه بالإمساك عن المفطرات. وقال بعض السلف: (أهون الصيام ترك الشراب والطعام)، وقال جابر رضي الله عنه: (إذا صُمت فليصُمْ سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودعْ أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء)، ومعنى فليصم سمعك أي ليكُفّ وليمسك فهذا الصوم بالمعنى اللّغوي.
ولقد صدق من قال:
إذا لم يكن في السمع مني تصاونٌ وفي بصري غَضٌّ وفي منطقي صمتُ
فحظّي إذا من صومي الجوعُ والظمأ فإن قلت إني صمت يومي فما صمتُ
أي لم أصم صيام الكاملين.
قال رسول الله ﷺ
رُبَّ قائمٍ ليس لَهُ من قيامِهِ إلَّا السهرُ ورُبَّ صائمٍ ليس له مِن صيامِهِ إلَّا الجوعُ والعَطَشُ
رواه ابن حبان
ومن الصبر الصبرُ على ما ابتلاك الله به فيرجى للصائم الصبر على الأذى إن تعرض له في رمضان، فقد دعانا لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: “والصيامُ جُنَّةٌ، إذا كَان يومُ صيامِ أحدِكُم فلا يَرفُثْ ولا يَصخَبْ، فإن شَاتَمَهُ أَحَدٌ أو قَاتَلَهُ فَلْيقُلْ: إني صائمٌ” أخرجه الشيخان.
رمضان شهر الرحمة والعفو
فنتعلم منه الرحمة بعباد الله والعفو عنهم كما نحب أن يرحمنا الله فيه ويعفو عنا، والله تعالى يرحم من عباده الرحماء، كما قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّمَا يَرحَمُ اللهُ (أي الرحمة الخاصة) مِن عِبادِهِ الرُّحَمَاء”متفق عليه، أي الذين يرحمون عباد الله، فارحم إخوانك واعف عن مسيئهم وسامح وبادل الإساءة بالإحسان، قال تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذلكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمورِ} [سورة الشورى: آية ٤٣]، ومعنى غفر سامح. وقال سيدنا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم: “مَن أُعطِي فَشَكَرَ وابتُلِي فَصَبَرَ وظُلِمَ فَغَفَرَ(أي سامح) وظَلَمَ فاستَغفَرَ أولئكَ لَهُم الأَمنُ وهُم مُهتَدُونَ” رواه الطبراني.
رمضان شهر الجود والمواساة والإحسان
فيتخلق الصائم بأخلاق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الذي كان يزيد فيه من جوده وإحسانه
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال
كانَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أجودَ الناسِ وكانَ أجودَ ما يكونُ في رمضانَ حينَ يَلقَاهُ جبريلُ وكانَ يَلقاهُ في كلِّ ليلةٍ مِن رمضانَ فَيُدَارِسُهُ القرءانَ فَلَرَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلمّ أجودُ بالخيرِ مِن الريحِ المُرسَلَة
رواه البخاري
وكان جوده صلى الله عليه وسلم بجميع أنواع الجود من بذل العلم والمال وإيصال النفع إلى المسلمين بكل طريق من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم وقضاء حوائجهم وتحمّل أثقالهم، اقتد أخي الصائم بهذه الأخلاق الرفيعة فأعن الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم؛ لأن من أعان على الخير ودلّ عليه بنية خالصة كان له أجرٌ يُشبه أجر من فعله. وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: (أحبُّ للرجل الزيادة في الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم).
رمضان شهر القرءان
ويستحب الإكثار من تلاوة القرءان في رمضان والذي هو أفضل الكتب المنزلة والذي يحُثّ على الإحسان ومكارم الأخلاق، ونقرأ فيه قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَمًا} [سورة الفرقان: آية ٦٣]، وقد كان القرءان خلُقا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث كان يرضى لما يُرضي الله ويسخط لسخط الله ويسارع إلى ما حثّ عليه في كتابه ويمتنع ممّا زجر الله في الكتاب عنه، ووصف الله نبيه في كتابه فقال: {وإنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظيم} [سورة القلم: آية٤]، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّمَا بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارمَ الأخلاقِ” رواه البيهقي. ومما نهانا عنه القرءان الغيبة والنميمة فلا ينبغي إتيانهما ولا سيما للصائم فإنهما من المعاصي ويذهبان من ثواب الصيام. روي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر فإن الصدقة طُهرةٌ للصائم من اللغو والرفث، والاستغفار يرقع ما تخرّق من الصيام باللغو والرفث.
في رمضان تُصفد الشياطين
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا دَخَلَ رمضانُ فُتِّحتْ أبوابُ الجنّةِ وغُلِّقتْ أبوابُ جهنمَ وسُلسِلتْ الشياطينُ” متفق عليه، وفي رواية مسلم “وصُفِّدَتْ الشياطينُ”.
ففي رمضان تَسْكُنُ وساوس الشيطان فإن الصيام يُضيّق مجاري الدم من ابن آدم، وتنكسر شهوة النفس وهذا مما يعين العبد على ترك الغضب فإن الغضب من الشيطان، وقد يفتح الغضب لصاحبه أبوابا من الشر فيقع بما لا يرضي الله تعالى ويفوت على نفسه الخيرات والبركات، وترك الطعام والشراب مدعاة للسكينة والوقار وتهذيب النفس لا أن يقع الصائم بعكس هذه المرادات.
بشرى للصائمين
روى الترمذي من حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ في الجنةِ غُرَفًا تُرَى ظهورُها مِن بطونِها وبطونُها من ظهورِها” فقام أعرابي فقال: لِمَن هي يا رسولَ الله؟ قال: “لِمَن أَطابَ الكلامَ وأَطعَمَ الطعامَ وأَدَامَ الصيامَ وَبَاتَ قائمًا والناسُ نِيَام”، فما أعظمها من بشريات وما أرفعها من مقامات. يسر الله لنا هذه الأعمال مجتمعة في رمضان، فاجعل كلامك كلاما طيبا فهو صدقة ولا سيما مع أهل بيتك وجيرانك وأصدقائك، واشكر من بذل خيرا لك، واعف عمن أساء إليك، وتحلَّ بالصبر والإحسان فعسى أن تنال الغفران.
غدًا تُوفَّى النفوسُ ما كَسَبَتْ ويَحصُدُ الزارعون ما زَرَعُوا
إنْ أَحسَنُوا أَحسَنُوا لِأنفسِهِم وإن أَسَاؤُوا فبِئْسَ ما صَنَعُوا