الصلوات المسنونة

الصلوات المسنونة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

سورة البقرة (110)

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “الصَّلَاةُ خَيرُ مَوضُوعٍ فَمَن استَطَاعَ أَن يَستَكثِرَ فَليَستَكثِر“، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الأَوسَطِ.

الصَّلَاةُ هِيَ أَفضَلُ الأَعمَالِ البَدَنِيَّةِ، وَقَد أَعطَى الإِسلَامُ الصَّلَاةَ مَنزِلَةً كَبِيرَةً، وَأَوصَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَيَّامِ شِدَّةِ مَرَضِهِ، فَهِيَ مِنْ أَظهَرِ مَعَالِمِ الإِسلَامِ وَأَعظَمِ شَعَائِرِهِ وَأَنفَعِ ذَخَائِرِهِ وَهِيَ بَعدَ الشَّهَادَتَينِ ءَاكَدُ مَفْرُوضٍ وَأَعظَمُ مَعرُوضٍ وَأَجَلُّ طَاعَةٍ وَأَرجَى بِضَاعَةٍ، خُضُوعٌ وَخُشُوعٌ، وَافتِقَارٌ وَاضطِرَارٌ، وَدُعَاءٌ وَثَنَاءٌ، وَتَحمِيدٌ وَتَمجِيدٌ، وَتَذَلُّلٌ للهِ العَلِيِّ الحَمِيدِ، وَمِن عَظِيمِ رَحمَةِ اللهِ بِنَا أَن جَعَلَ لَنَا هَذَا الخَيرَ مُطلَقًا لَا يَقتَصِرُ عَلَى الأَسبَابِ المَوضُوعَةِ لَهُ، فَلَيسَتِ الصَّلَاةُ مَشرُوعَةً فِي الأَوقَاتِ الخَمسَةِ فَقَط، وَلَا فِي رَمَضَانَ فَقَط أَو نَحوِ ذَلِكَ، بَل إِنَّ النَّفلَ المُطلَقَ (‌أَيْ غَيْرُ الْمُقَيَّدِ بِسَبَبٍ) أَيضًا مِن أَكبَرِ أَبوَابِ الخَيرِ المَفتُوحَةِ لَنَا فِي كُلِّ وَقتٍ، وَفِي هَذَا المَقَالِ سَنَتَكَلَّمُ عَنِ الصَّلَوَاتِ المَسنُونَةِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

أنواع صلاة السنة

الصلوات المسنونات جماعة

وَهِيَ خَمسُ صَلَوَاتٍ:

  1. العِيدَانِ: أَىْ صَلاةُ عِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ الأَضْحَى.
  2. وَالْكُسُوفَانِ: أَىْ صَلاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ.
  3. وَالِاسْتِسْقَاءُ: أَىْ صَلاتُهُ.
  4. وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِى التَّرَاوِيحِ فِى رَمَضَانَ
  5. وَكَذَا تُسَنُّ فِى الْوِتْرِ فِيهِ (أَي فِي رَمَضَانَ) وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ التَّرَاوِيحَ.

رواتب الفرائض

السُّنَنُ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ (وَيُعَبَّرُ عَنْهَا أَيْضًا بِالسُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ) سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، إِحْدَى عَشْرَةَ رَكعَةً مُؤَكَّدَةٌ وَسِتَّةٌ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ، وَهُنَّ:

  • الرَّاتِبُ الْمُؤَكَّدُ عَشْرُ رَكَعَاتٍ:
    • رَكعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ.
    • وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا.
    • وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ.
    • وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَالوِترُ.
    • وَجَمَعَهَا صَاحِبُ الزُّبَدِ بِقَوْلِهِ:
      ثِنْتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ كَذَا *** وَبَعْدَهُ وَمَغْرِبٍ ثُمَّ الْعِشَا
  • وَجُملَةُ الرَّوَاتِبِ المُؤَكَّدَةِ مَعَ غَيرِ المُؤَكَّدَةِ:
    • رَكْعَتَانِ قَبلَ الْفَجْرِ.
    • وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ: وَيُسَنُّ زِيَادَةُ رَكْعَتَيْنِ كَذَلِكَ بَعْدَهُ (أَي يُصَلِّي أَربَعًا بَعدَ الظُّهرِ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ الْمَرْفُوعِ عِنْدَ أَبِى دَاوُدَ وَالنَّسَائِىِّ وَالتِّرْمِذِىِّ وَغَيْرِهِمْ: “مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ“.
    • وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ.
    • وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ.
    • وَثَلاثٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ هِيَ الوِترُ: فَيَنْوِى بِالثِّنْتَيْنِ رَاتِبَةَ الْعِشَاءِ وَبِالْوَاحِدَةِ الْوِتْرَ.
  • فَيَكُونُ غَيرُ المُؤَكَّدِ مِنهَا:
    • زِيَادَةُ رَكعَتَينِ قَبلَ الظُّهرِ وَرَكعَتَينِ بَعدَهُ.
    • وَزِيَادَةُ أَربَعٍ قَبلَ العَصرِ.
    • وَزِيَادَةُ رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ قَبلَ المَغرِبِ.
    • وَالجُمُعَةُ كَالظُّهرِ فِيمَا مَرَّ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التَّحقِيقِ وَغَيرِهِ.

صلاة الوتر

أَقَلُّ الوِترِ رَكعَةٌ وَاحِدَةُ، وَلا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ، وَهُوَ قَولٌ حَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَكَانَ يُقَوِّيهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِأُمُورٍ مِنْهَا: حَدِيثُ الشَّافِعِىِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا: (هِىَ أَىْ صَلاةُ الْوِتْرِ وَاحِدَةٌ أَوْ خَمْسٌ أَوْ سَبْعٌ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْوِتْرُ مَا شَاءَ).

وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أَكْثَرَ الوِترِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَفِى وَجْهٍ ثَلاثَ عَشْرَةَ.

وَوَقْتُهُ بَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَوْ أَوْتَرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.

ثلاث نوافل مؤكدات غير تابعة للفرائض أى أكد الشرع فعلها وهي:

  1. صَلاةُ اللَّيْلِ: أَي بَعْدَ النَّوْمِ وَهِىَ الْمُسَمَّاةُ بِالتَّهَجُّدِ، وَالنَّفْلُ الْمُطْلَقُ فِى اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فِى النَّهَارِ، وَالأَفْضَلُ لِمَنْ قَسَمَ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَقسَامٍ أَن يُصَلِّيَ فِي وَسَطِ اللَّيْلِ، فَيَنَامُ الثُّلُثَ الأَوَّلَ مِنَ اللَّيلِ، ثُمَّ يُصَلِّي فِي الثُّلُثِ الثَّانِي، ثُمَّ يَنَامُ الثُّلُثَ الأَخِيرَ قَبلَ الفَجرِ، وَإِذَا قَسَمَ اللَّيلَ إِلَى قِسمَينِ فَالأَفضَلُ أَن يُصَلِّيَ فِي القِسمِ الأَخِيرِ، وَالأَفضَلُ أَن يَقسِمَ لَيلَهُ أَسدَاسًا وَيُصَلِّيَ فِي القِسمِ الرَّابِعِ وَالخَامِسِ مِنَ اللَّيلِ.
  2. وَصَلاةُ الضُّحَى: وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَالأَفْضَلُ ثَمَانِيَةٌ، وَوَقْتُهَا مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ (بَعدَ الشُّرُوقِ بِنَحوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ) إِلَى زَوَالِهَا (أَي زَوَالِ الشَّمسِ عَن وَسَطِ السَّمَاءِ، أَي إِلَى دُخُولِ وَقتِ الظُّهرِ) كَمَا قَالَهُ النَّوَوِىُّ فِى التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِى شَرْحِ مُسْلِمٍ: (كَانَ ﷺ يَتْرُكُ فِعْلَهَا بَعْضَ الأَوْقَاتِ خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ).
  3. وَصَلَاةُ التَّرَاوِيحِ: وَهِىَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ فِى كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، يَنْوِى الْمُصَلِّى بِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا سُنَّةَ التَّرَاوِيحِ أَوْ قِيَامَ رَمَضَانَ، وَالأَصْلُ أَنَّ السُّنَّةَ هِىَ قِيَامُ رَمَضَانَ بِلَا تَقْيِيدٍ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ وَأَكْثَرُ مَا صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا رَأَتْهُ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَلَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِنِيَّةِ التَّرَاوِيحِ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ خِلافُ الْوَارِدِ لِأَنَّ الأَصْلَ فِى كَيْفِيَّةِ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ، وَوَقْتُهَا بَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ.

الخاتمة

عَلَينَا أَن نُحَافِظَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ وَالضِّيقِ وَالسَّعَةِ وَحَالِ الأَمنِ وَالخَوفِ، فَالصَّلَاةُ سِرُّ النَّجَاحِ وَأَصلُ الفَلَاحِ، وَالمُحَافَظَةُ عَلَيهَا عُنوَانُ الصِّدقِ وَالإِيمَانِ، وَالتَّهَاوُنُ بِهَا عَلَامَةُ الخِزيِ وَالخُسرَانِ.

وَمِنَ الجَدِيرِ بِالذِّكرِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيسَت شَيئًا يُنكَرُ عَلَى فَاعِلِهِ، حَتَّى لَو لَم يَكُن هُنَاكَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ مَشرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي وَقتٍ مُعَيَّنٍ لَا نَقُولُ إِنَّ هَذَا شَيءٌ مُنكَرٌ، فَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: “الصَّلَاةُ خَيرُ مَوضُوعٍ فَمَنِ استَطَاعَ أَن يَستَكثِرَ فَليَستَكثِر“، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الأَوسَطِ. وَهِيَ أَمرٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ فِي الشَّرعِ، وَالأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا الحَثُّ عَلَى الصَّلَاةِ كَثِيرَةٌ مَشهُورَةٌ، فَلَا مَانِعَ لَو أَنَّ شَخصًا صَلَّى فِي وَقتٍ لَم يَرِد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ إِلَّا فِي الأَوقَاتِ الخَمسَةِ المَنهِيِّ عَنهَا، وَمَهمَا كَانَ عَدَدُ الرّكَعَاتِ، فَلَا يُنظَرُ وَلَا يُلتَفَتُ إِلَى مَن يُحَرِّمُ أَو يُبَدِّعُ أَو حَتَّى مَن يَقُولُ لَا تَفعَلُوا لِمُجَرَّدِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَم يَفعَلهُ وَلَيسَ مَعَهُ دَلِيلُ النَّهيِ عَن هَذَا.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  2. فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا.
  3. شَرحِ ابنِ قَاسِمٍ الغَزِّيِّ عَلَى مَتنِ أَبِي شُجَاعٍ.
  4. أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا.
فصل الشتاء - الشتاء ربيع المؤمن

الشتاء ربيع المؤمن

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share