العالم الرباني

ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون

الخطبة الأولى

  الْحَمْدُ للَّهِ المتكرّمِ على العلماءِ الأحبابِ بإعطاءِ الثَّوَابِ وَالأَجْرِ، الخالقِ لظَلامِ اللَّيْلِ يَنْسَخُهُ نُورُ الْفَجْرِ، الْمُحِيطِ عِلْمًا بِخَائِنَةِ الأَعْيُنِ وَخَافِيَةِ الصَّدْرِ، عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَما لَمْ يَدْرِ، الْمُتَعَالِي عَنْ دَرَكِ خَوَاطِرِ النَّفْسِ وَهَوَاجِسِ الْفِكْرِ، جَلَّ وتقدّس سبحانه أَنْ تُدركَه أوهامُ وأفكارُ مخلوقاتِهِ عَلَى مُرُورِ الدَّهْرِ، وَتَقَدَّسَ وتعالى أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَاطِنُ السِّرِّ وَظَاهِرُ الْجَهْرِ، وَأَشْهَدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، ولا أينَ ولا متى ولا كيفَ له، شهادةً أسألُ ربي لي ولكم أن تكون منقذةً من عذاب القبرِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدَنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ منْ أكرمَهُ ربُّه بالقرءانِ المعجزةِ على مرورِ الدهرِ، اللهمَّ صلِّ وسلمْ وأنعمْ وباركْ على سيِّدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبهِ أولي العزِّ والفخرِ.

  أما بعدُ، عبادَ الله: خافوا اللهَ تعالى واحذروه، واتقوا اللهَ تعالى وأطيعوه، فإن الله عز وجلّ يقولُ في القرءانِ الكريمِ: “وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ” (البقرة:235) واتقوا الساعةَ ويومَ القيامةِ فإن اللهَ تعالى يقولُ: “ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ” (البقرة:48) فاللهَ اللهَ عبادَ الله.

  إخوة الإسلام: أتريدُ أن تكونَ ممن أرادَ اللهُ بهم خيرا؟! أتعرفُ ما معنى أن يريدَ اللهُ بكَ خيرًا؟! ليس معناهُ أن يكونَ عندك قصورٌ وأموالٌ فقط !! ولا معناهُ أن تكونَ ذا منصبٍ وجاهٍ فقط !! ولا معناهُ أن تكونَ ذا حسبٍ ونسبٍ وولدٍ وغيرِ ذلك من متاعِ الدنيا الزائل؛ بل معنى أن يريدَ اللهُ بك خيرًا هو ما أخبرنا به رسولُنا ومعلمُنا سيدُنا محمدٌ صلى اللهُ عليه وسلم؛ حيث قال: “مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ” فيا منْ تحبُّ أن تكونَ ممن أرادَ اللهُ بك الخيرَ تفقّهْ في أمورِ دينِك، فيا أخي المسلمَ تاجرًا كنت أو طبيبا أو مهندسًا أو معلّما أو طالبا أو غيرَ ذلك، بادرْ إلى الخيرِ الذي يحبُّهُ اللهُ منك ويرضاه، بادرْ إلى تعلّمِ أحكامِ دينِ اللهِ تعالى الواجبةِ عليك، بادرْ إلى تعلِّم الفرضِ العينيِّ من علم الدين، وانتبه أخي فالتعلُّمُ لا يكونُ بالإنترنتِ ونحوِهِ، فكم من الطامّات والمصائبِ فيه؛ بل يكونُ من أهلِ العلمِ الثقاتِ لا غير، فحذارِ أخي المسلم أن تؤخِّرَ تعلمَ الفرضِ العينيِّ من علمِ الدينِ فالدنيا زائلةٌ والآخرةُ قادمةٌ باقيةٌ نسألُ اللهَ السلامة.

  أيها المسلمون: يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: “وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ” (ءال عمران:79) أي كونوا شديدي التمسكِ بدينِ اللهِ تعالى وطاعتِهِ، وهذا لن تصِلَ إليهِ أخي المسلمَ بدونِ العلمِ، من غيرِ أن تتعلمَ الفرضَ العينيَّ من علمِ الدين، فالربّانيُّ هو من تعلّم ما افترضَ اللهُ عليه من أمورِ الدينِ واستزادَ من ذلك حتى صار عالمًا عامِلا متمسكًا بدينِ اللهِ تعالى وبطاعتِه، ومبتعدًا عن معصيتِه عزَّ وجلّ، فإنما يصل المسلمُ إلى أن يكونَ ربانيًّا إذا تعلّمَ وتفقّه ودرس أمورَ دينِهِ، فبسببِ ذلك يصلُ إلى التمسكِ بطاعةِ اللهِ تعالى، وهل يعرفُ المرءُ الحرامَ من الحلالِ من غيرِ علمٍ؟!  وكفى بالآية دليلا على خَيبةِ سعيِ من جَهَدَ نفسَه وأتعبهَا وكدَّ جسمَه وأرهقهُ في جمعِ العلمِ ثمَّ لم يجعلْهُ ذريعةً إلى العملِ ، فيكونُ كمنْ غرسَ شجرةً حسناءَ تسرُّهُ وتعجبُهُ بمنظرِها ولا تنفعُهُ بثمرِهَا.

  إخوةَ الإيمان: للعالمِ الرّبّانيّ صفاتٌ كثيرة، منها أنه يربّي الناسَ بصغارِ العلمِ قبلَ كبارِهِ(1)، فيبدأُ بتعليمِ الناسِ الفرضَ العينيَّ من علمِ الدينِ قبلَ أيِّ أمرٍ ءاخرَ، إذ سواه من العلومِ ليست فرضًا على كلِّ مسلمٍ أن يتعلَّمَها، فيبدأُ بتعليمِ الناسِ ما يهمهم، والأولى فالأولى. ومن صفاتِ العالمِ الرّبانيّ أنه حليمٌ كما فسّر ذلك الصحابيُّ الجليلُ عبدُ اللهِ بنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما(2)، والحِلمُ أي أن يبتعدَ عن الغضبِ ويتمهلَ ويفكِّرَ بعواقبِ الأمورِ قبلَ أن يقولَ ويفعلَ، وليس الأمرُ كما يفعلُ كثيرٌ من الناسِ حينما يغضبُ لأمرٍ دنيويٍّ حيث يبررُ لنفسِه ولغيرِه بأنَّ هذا طبعُهُ!! فهذا الإمامُ الرّبانيُّ أحمدُ الرفاعيُّ كان ذاتَ يومٍ يمشي مع جمعٍ من تلامذتِهِ فعلم بذلك يهوديٌّ وكان يسمعُ أن الإمامَ أحمدَ الرفاعيَّ حليمٌ متواضعٌ فأرادَ أن يمتحِنَه هل هو كما يصِفُه الناسُ أو لا فأتى إليهِ، وكان بجنبِهِ كلبٌ ميتٌ يعني فطيسة، وقال له: من أفضلُ أنت أو هذا الكلبُ؟ فقال الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه: إنْ أنا نجوتُ على الصِّراطِ فأنا أفضلُ، فأسلمَ اليهوديُّ وأسلم أهلُه وكثيرٌ من معارفِه، فبسببِ حلمِ وتواضعِ هذا العالمِ الرّبانيِّ دخلَ جمعٌ من اليهودِ في دين الإسلامِ. ومن صفاتِ العالمِ الربّانيّ إخوة الإسلام أنه يتّعظُ بكلامِ غيرِهِ من العلماءِ، فقد قال الإمام ذو النونِ المصريُّ: كان العلماءُ يتواعظونَ بثلاثٍ ويكتبُ بعضُهم إلى بعضٍ: من أحسنَ سريرتَه أحسنَ اللهُ علانيتَه، ومن أصلحَ ما بينَه وبينَ اللهِ أصلحَ اللهُ ما بينَه وبينَ الناس، ومن أصلحَ أمرَ ءاخرتِهِ أصلحَ اللهُ أمرَ دُنياه(3) . نسألُ اللهَ تعالى أن يفقِهنا في دينِنا، وأن يجعلَنا من العلماءِ الربانيّين، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم. 

الخطبة الثانية

  الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: فليحذرْ كلُّ واحدٍ منا من أنْ يظنَّ أن كلَّ من تكلّم بأمرٍ من أمور الدين صار عالمًا ربانيّا، فالدينُ أخي المسلم لا يؤخذُ إلا من الثقات، فقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ عن التابعيِّ الجليل مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنه قَالَ: “إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ” وحتى يكونَ عندكَ الميزانُ أخي المسلم لا بد وأن تتعلمَ الفرضَ العينيَّ من علم الدين، فبه تميّزُ بين الحقِّ والباطلِ، وبين من يعلِّم العلمَ الصحيحَ ومن يفتري على اللهِ ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم، وبه تُميّزُ التوبةَ الصحيحةَ من غيرِها، والتي ينبغي أن لا يغفُلَ عنها أيُّ مسلمٍ سيما في هذه الأيامِ حيث كثُرَتِ الزلازل، والتي يخوّفُ اللهُ عباده بها ويحذِرُهم من معصيتِه، فعلى كلِّ واحدٍ منا أن يُسارِعَ بالتوبةِ إلى اللهِ تعالى، وأن يلجأَ إلى دعاءِهِ عزّ وجلّ سيما بما كان يدعو به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فعن الصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم  يَدَعُ أي يتركُ هَؤُلَاءِ اَلْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: “اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ اَلْعَافِيَةَ فِي دِينِي، وَدُنْيَايَ، وَأَهْلِي، وَمَالِي، اَللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَءامِنْ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي(4) أي أن تخسَفَ بيَ الأرض، وهو شاملٌ للزلازلِ ونحوِها، فأكثروا من هذا الدعاء. نسألُ اللهَ تعالى أن يحفظَنا ويسلمَنا، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

  عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ،اللهم ثبت أقدامَنا على الصراط المستقيم يوم تَزِلُّ الأقدامُ في النار، اللهم فرِّجْ كروبَنا واسترْ عيوبَنا وأَذهبْ همومَنا يا ربَّ العالمين. اللهم ارحمْ المسلمينَ الذينَ توفّيتَهم في الزلزالِ، وتقبّلهم في الشهداءِ يا ربَّ العالمين، اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اسقِنا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

الحاشية

  1. روى ذلك البخاري في صحيحه.
  2. روى ذلك البخاري في صحيحه.
  3. ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء.
  4. رواه النسائيُّ والحاكم وصححه.
ابن أبي زيد القيرواني

ابن أبي زيد القيرواني

قال عبد الوهاب بن نصر المالكي: رسالةُ عِلمٍ صاغها العَلَم النَّهدُ *** قَد اجتَمَعَت فِيهَا الفَرائِضُ والزُّهدُ أُصـولٌ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share