الخطبة الأولى
الحمد للهِ الذي خلقَ الإنسانَ من نطفةٍ فجعله سميعًا بصيرًا وألزمه الحُجَّةَ بإيضاحِ المَحَجَّةِ إما شاكرًا وإما كفورًا، فمن شكرَ لأنعُمِهِ لقَّاهُ من كرمِهِ نضرةً وسرورا، ومن كَفَرَ أعدَّ له سلاسلَ وأغلالًا وسعيرًا واستقبلَ به يومَ حشرِهِ بعدَ عذابِ قبرِهِ يومًا عَبوسًا قَمطريرًا، فويلٌ له إذا قام يومَ حشرِهِ من حفرتِه حاسرًا حسيرًا. وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ولدَ ولا زوجةَ ولا هيئةَ له موجودٌ لا زمانَ ولا مكانَ له شهادةً أشربُ بها من سلسبيلِ الجنةِ نَميرا، وأشهدُ أنَّ سيدَنا وحبيبَنا محمدًا عبدُه ورسولُه ﷺ أرسلَهُ اللهُ إلى الخلقِ كلِّهم بشيرًا ونذيرًا صلى الله عليه وعلى ءالِه وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كبيرا.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، فمن لا يتقي اللهَ تشابهتْ عليه السُّبُل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الأنفال:29). فمن خافَ الوعيدَ قصُرَ عليه البعيد، ومن طال أملُهُ ضعُفَ عملُه، فتزودوا من دنياكُم ما تُحصّنونَ به أنفسَكُم غدا، فالأجلُ مستور.
إخوة الإيمان: يجبُ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ أن لا يعترِضَ على الله تعالى فيما قدّر وشاء وخلق، لا اعتقادًا ولا لفظًا، لا باطنًا ولا ظاهرًا، بل يرضى عن اللهِ تعالى في تقديرِهِ الخيرَ والشرَّ والحلوَ والمرَّ والرضا والحزنَ والراحةَ والألمَ، مع التمييزِ بأن المخلوقَ المقدورَ منه ما يحبُّهُ اللهُ تعالى فيجبُ على العبدِ أن يحبَّهُ، ومنه ما لا يحبُّهُ اللهُ تعالى فيجبُ على العبدِ أن يكرَهَهُ، فإذا اعتقد ذلك العبدُ دخل الأملُ قلبَهُ وحياتَه؛ لأنه يعتقدُ أن كلَّ شيءٍ يحصل إنما يحصل بتقدير اللهِ تعالى فتطمئِنُّ نفسُهُ وترتاح، ولكن أخي المسلم لا يعني هذا بحالٍ أن تتركَ العملَ والطاعةَ بدعوى أنّ كلَ شيءٍ يحصلُ بتقديرِ اللهِ تعالى، فأنت لا تعلمُ ماذا قدَّر وشاءَ اللهُ لك، فكيف تحكمُ على ما لا علمَ لك به؟!! بل افتحْ بابَ الجِدِّ والعمل، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}(الكهف:110)فمن كان يأمُلُ أن يرضى اللهُ تعالى عنه ويقبلَهُ فليعملْ عملا صالحا، فالأملُ لا يكونُ من غيرِ العمل، وانتبه أخي المسلم إلى أن ذلك لا يعني أن تُسيءَ الظنَ بالله تعالى، فإن من المعاصي الكبائرِ سوءَ الظنِّ باللهِ تعالى، وذلك أن يظنَّ العبدُ بربِّهِ أنه لا يرحمُه بل يعذِّبُهُ، نسأل اللهَ تعالى السلامة.
إخوة الإسلام: لقد حرِصَ النبيُّ ﷺ على بثِّ الأملِ والتفاؤلِ عند أصحابِهِ رضوانِ اللهِ عليهم، فقد روى البخاريُّ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ خبّابِ بنِ الأرتِّ رضي الله عنه أنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ:”لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ(1) حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ والذِّئبَ على غنمِهِ(2)“وروى الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه في مسندِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ قَالَ وَعَرَضَ لَنَا صَخْرَةٌ فِي مَكَانٍ مِنْ الخَنْدَقِ لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ(3) قَالَ فَشَكَوْهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَوْفٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَضَعَ ثَوْبَهُ ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ:”بِسْمِ اللَّهِ فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ وَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا”
وهكذا كان رسولُ الله ﷺ يبُثُّ الأملَ والتفاؤلَ عند أصحابِهِ رضي الله عنهم، حاثًّا لهم بذلك على العملِ والجِدِّ وتركِ الكسلِ كما قال الشاعر:
تَرجو النَجاةَ وَلَم تَسلُك مَسالِكَها *** إِنَّ السَفينَةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ
فبدلَ أن تجلِسَ أخي يائسا وتقول لو فعلتُ كذا ولو فعلتُ كذا، استعنْ باللهِ تعالى، وتفاءلْ بالخيرِ، فقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِن الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ(4) وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ(5) احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ(6) وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ(7)“، نسأل الله تعالى أن يسدد أعمالَنا، ويصلحَ أحوالَنا، إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِه لطيفٌ خبير، أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله والفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: لقد مرّت على أمتِنا الإسلاميةِ ظروفٌ صعبةٌ على مرِّ التاريخ، ولكن بالأملِ والتفاؤلِ بالخير والجِدِّ والعملِ خرجتْ الأمةُ أقوى مما قبل، فهذا المسجدُ الأقصى وقع في الأسرِ ما يقاربُ الثمانين سنة، ولكن لم يفقدِ السلطانُ نورُ الدين زنكيّ ولا السلطانُ صلاحُ الدين الأيوبيّ أملهما في تحريرِهِ؛ حيث قام السلطانُ نورُ الدين زنكيّ بصناعةِ منبرٍ للمسجدِ الأقصى ليوضعَ فيه بعد تحريرِهِ، فقام السلطانُ صلاحُ الدين الأيوبيُّ بتحريرِهِ ووضعِ المنبرِ فيه، وأملُنا كبيرٌ بإذن اللهِ تعالى بأن يعودَ المسجدُ الأقصى مرةً أخرى محررًا عزيزًا من أيدي الغاصبينَ المحتلين، وسيبقى الأردنُ بقيادتِهِ الهاشميةِ الحكيمةِ القلبَ النابضَ، للشعبِ الفلسطينيِّ والمسجدِ الأقصى حتى يعودَ الحقُّ لأصحابِهِ، قال الله تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)} (المعارج)، واللهُ غالبٌ على أمرِهِ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون . نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا الأملَ وأن يرزقَنا الصلاةَ في المسجدِ الأقصى محررا، إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِه لطيف خبير.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:{إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- أي دين الإسلام.
- أي فلا يخافُ من سارق ونحوِه من الناس.
- الفؤوس.
- أي في أمور الدين، فالمؤمن الكامل خير عند الله من المؤمن الناقص.
- من حيث كونهما مؤمنين.
- تكسلُ عن عمل الطاعة.
- أي لو قالها على أمر من أمور الدنيا متحسرا تزيد طمع الشيطان فيه ليقع في الحرام.