بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
قال الله تعالى
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾
سورة النساء – الآية 115
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
عَلَيكُم بِالجَماعَةِ وَإِيَّاكُم وَالفُرقَةَ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثنَينِ أَبعَدُ، مَن أَرَادَ بُحبُوحَةَ الجَنَّةِ فَليَلزَمِ الجَماعَةَ
رواه الترمذي وغيره
أَوصَى الشَّرعُ الحَنِيفُ بِالتِزَامِ مَا عَلَيهِ جَمَاعَةُ المُسلِمِينَ وَحَذَّرَ مِن مُخَالَفَتِهِم، فَإِنَّ فِي المُخَالَفَةِ لَهُم هَلَاكًا وَضَلَالًا مُبِينًا، فَيَنبَغِي عَلَى مُرِيدِ رِضَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَسَلَامَةِ دِينِهِ أَن يَعرِفَ مَا كَانَ عَلَيهِ سَلَفُ هَذِهِ الأُمَّةِ فِي العَقِيدَةِ وَالأَحكَامِ فَيَلتَزِمَهُ، وَإِنَّ مما أجمعت عليه هَذِهِ الأُمَّةَ بِمَذَاهِبِهَا الأَربَعَةِ جَوَازَ التَّوَسُّلِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
بيان أقوال علماء المذاهب الأربعة في التوسل
من الشافعية
أَلَّفَ الإِمَامُ الفَقِيهُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلِيٌّ السُبكِيُّ كِتَابًا خَاصًّا يُبَيِّنُ فِيهِ جَوَازَ زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ وَسَمَّاهُ شِفَاءَ السَّقَامِ فِي زِيَارَةِ خَيرِ الأَنَامِ، وَقَالَ فِيهِ: (اعلَم أَنَّهُ يَجُوزُ وَيَحسُنُ التَّوَسُّلُ وَالاستِعَانَةُ وَالتَّشَفُّعُ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رَبِّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَجَوَازُ ذَلِكَ وَحُسنُهُ مِنَ الأُمُورِ المَعلُومَةِ لِكُلِ ذِي دِينٍ المَعرُوفَةِ مِن فِعلِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ وَسِيَرِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَالعُلَمَاءِ وَالعَوَامِِّ مِنَ المُسلِمِينَ).
من المالكية
قَالَ ابنُ الحَاجِّ المَالِكِيُّ المَعرُوفُ بِإِنكَارِهِ لِلبِدَعِ فِي كِتَابِهِ المَدخَلِ مَا نَصُّهُ: (فَالتَّوَسُّلُ بِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ مَحَلُّ حَطِّ أَحمَالِ الأَوزَارِ وَأَثقَالِ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا، لِأَنَّ بَرَكَةَ شَفَاعَتِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعِظَمَهَا عِندَ رَبِّهِ لَا يَتَعَاظَمُهَا ذَنبٌ إِذ إِنَّهَا أَعظَمُ مِنَ الجَمِيعِ، فَليَستَبشِرْ مَن زَارَهُ وَيَلجَأْ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِشَفَاعَةِ نَبِيِّهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَن لَم يَزُرْهُ، اللهم لَا تَحرِمْنَا مِن شَفَاعَتِهِ بِحُرمَتِهِ عِندَكَ ءَامِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، ومَنِ اعتَقَدَ خِلَافَ هَذَا فَهُوَ المَحرُومُ، أَلَم يَسمَعْ قَولَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، [سورة : ] فَمَنْ جَاءَهُ وَوَقَفَ بِبَابِهِ وَتَوَسَّلَ بِهِ وَجَدَ اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مُنَزَّهٌ عَن خُلفِ المِيعَادِ، وَقَد وَعَدَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِقَبُولِ التَّوبَةِ لِمَن جَاءَهُ وَوَقَفَ بِبَابِهِ وَسَأَلَهُ وَاستَغفَرَ رَبَّهُ، فَهَذَا لَا يَشُكُّ فِيهِ وَلَا يَرتَابُ إِلَّا جَاحِدٌ لِلدِّينِ مُعَانِدٌ للهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الحِرمَانِ).
سَأَلَ الخَلِيفَةُ المَنصُورُ الإِمَامَ مَالِكًا لَمَّا حَجَّ فَزَارَ قَبرَ النَّبِيِّ ﷺ قَائِلًا: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ أَستَقبِلُ القِبلَةَ وَأَدعُو أَم أَستَقبِلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: (وَلِمَ تَصرِفُ وَجهَكَ عَنهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟ بَلِ استَقبِلهُ وَاستَشفِع بِهِ فَيُشَفِّعهُ اللهُ) ذكرهُ القاضي عياضٌ في كتابِ الشّفا.
من الحنابلة
ذَكَرَ المردَاوِيُّ الحَنبَلِيُّ فِي كِتَابِ الإِنصَافِ تَحتَ عُنوَانِ “فَوَائِدُ” مَا نَصُّهُ: (وَمِنهَا [أَي وَمِنَ الفَوَائِدِ] يَجُوزُ التَّوَسُّلُ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ المَذهَبِ وَقِيلَ يُستَحَبُّ، وَقَد قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِلمَروَذِيِّ: يَتَوَسَّلُ [أَيِ الدَّاعِي عِندَ القَحطِ وَقِلَّةِ المَطَرِ أَوِ انقِطَاعِهِ] بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي دُعَائِهِ).
وَممن أجاز التوسل بالصالحين إمام أهل السنة أحمدُ بن حنبل فقد قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ مُرتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي كِتَابِ إِتحَافِ السَّادَةِ المُتَّقِينَ بِشَرحِ إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ بَعدَ أَن ذَكَرَ صَفوَانَ بنَ سُلَيمٍ المَدَنِيَّ القُرَشِيَّ الزُهرِيَّ الفَقِيهَ العَابِدَ: (قَالَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: هُوَ يُستَسقَى بِحَدِيثِهِ وَيَنزِلُ القَطرُ مِنَ السَّمَاءِ بِذِكرِهِ).
من الحنفية
سُئِلَ خَلِيْلُ أَحْمَدَ سَهَارَنْفُوْرِيُّ فِيْ كِتَابِهِ الْمُهَنَّدِ عَلَىْ الْمُفَنَّدِ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ حَنَفِيَّةِ الْهِنْدِ: هَلْ لِلْرَّجُلِ أَنْ يَتَوَسَّلَ فِيْ دَعْوَتِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالصَّالِحِيْنَ وَالصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ؟ فقَالَ: (عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَشَايِخِنَا يَجُوْزُ التَّوَسُّلُ بِهِمْ فِيْ حَيَاتِهِمْ وَبَعْدَ وَفَاتِهِمْ بِأَنْ يَقُوْلَ: (اللهم إِنِّيْ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِفُلَانٍ أَنْ تُجِيْبَ دَعْوَتِيْ وَتَقْضِيَ حَاجَتِيْ)، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّاهُ مُحَمَّدُ إِسْحَقَ الدِّهْلَوِيُّ وَالْمُهَاجِرُ الْمَكِّيُّ وَرَشِيْدُ أَحْمَدَ الْكَنْكُوْهِيُّ).
وَجَاءَ فِيْ تَنْقِيْحِ الْفَتَاوَىْ الْحَامِدِيَّةِ لِابْنِ عَابِدِيْنَ الْحَنَفِيِّ فِيْ ذِكْرِ حَالِ بَعْضِ الْجَرَادِ الَّذِيْ غَزَا الْبِلَادَ: (وَادْفَعْ شَرَّهَا عَنْ أَرْزَاقِ الْمُسْلِمِيْنَ بِجَاهِ النَّبِيِّ الْأَمِيْنِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ).
وَجَاءَ فِيْ حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِيْنَ الْحَنَفِيِّ: (فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَىْ التَّوْفِيْقَ وَالْقَبُوْلَ، بِجَاهِ الرَّسُولِ).
وَقَالَ ابن عابدين فِيْ سِيَاقِ دُعَائِهِ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: (دَامَ فِيْ عِزٍّ وَإِنْعَامٍ، وَمَجْدٍ وَاحْتِرَامٍ، بِجَاهِ مَنْ هُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ خِتَامٌ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ السَّادَةِ الْكِرَامِ، عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ، فِي الْبَدْءِ وَالْخِتَامِ، وَلِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ، آمِيْنَ آمِيْنَ آمِيْنَ).
وَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ فِيْ رَدِّ الْمُحْتَارِ عَلَىْ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ أَيْضًا: (يَقُوْلُ أَسِيْرُ الذُّنُوْبِ جَامِعُ هَذِهِ الْأَوْرَاقِ رَاجِيًا مِنْ مَوْلَاهُ الْكَرِيْمِ، مُتَوَسِّلًا بِنَبِيِّهِ الْعَظِيْمِ وَبِكُلِّ ذِيْ جَاهٍ عِنْدَهُ تَعَالَىْ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ كَرَمًا وَفَضْلًا بِقَبُوْلِ هَذَا السَّعْيِ وَالنَّفْعِ بِهِ لِلْعِبَادِ فِيْ عَامَّةِ الْبِلَادِ، وَبُلُوْغِ الْمَرَامِ بِحُسْنِ الْخِتَامِ وَالِاخْتِتَامِ، آمِيْنَ).
مسألة مهمة
الْإِمَامُ أَبُوْ حَنِيْفَةَ النُّعْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ يُجِيْزُ التَّوَسُّلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِيْ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، فَعَلَى هَذَا انعَقَدَ إِجْمَاعُ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا نَقَلَ تَقِيُّ الدِّيْنِ السُّبْكِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
أَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِيْ حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فُلَانٍ، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ تَحْرِيْمَ التَّوَسُّلِ عَلَىْ الْإِطْلَاقِ فِيْ جَمِيْعِ صُوَرِهِ وَأَلْفَاظِهِ، إِنَّمَا كَرِهَ أَبُوْ حَنِيْفَةَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ: بِحَقِّ فُلَانٍ، كَمَا قَالَ أَهْلُ مَذْهَبِهِ، لِأَنَّهَا تُوْهِمُ أَنَّ لِلْعِبَادِ حَقًّا لَازِمًا عَلَىْ اللهِ، وَهَذَا الْمَعْنَىْ مَوْجُوْدٌ فِيْ حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِيْنَ الَّتِيْ هِيَ مِنْ أَشْهَرِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِيْنَ، وَأَهْلُ مَذْهَبِهِ أَدْرَىْ بِكَلَامِهِ، فَالْحَنَفِيَّةُ مَا زَالُوْا يَتَوَسَّلُوْنَ بِأَنْبِيَاءِ اللهِ وَيَرَوْنَ ذَلِكَ قُرْبَةً إِلَىْ اللهِ تَعَالَى، وَقَد ذَكَرنَا نُقُولَاتٍ عَنهُم فِي ذَلِكَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيْفَةَ مَا بَلَغَهُ هَذَا الْحَدِيْثُ الَّذِيْ فِيْهِ التَّوَسُّلُ بِلَفْظِ بِحَقِّ، وَلَوْ بَلَغَهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَالْعَمَلُ عَلَىْ جَوَازِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ، لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَىْ لَا يُقَدِّمُوْنَ كَلَامَهُمْ عَلَىْ كَلَامِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَلِذَلِكَ عَمِلَ أَهْلُ مَذْهَبِهِ عَلَىْ اسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ فِيْ التَّوَسُّلِ، وَمَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنْهُمْ يَسْتَنْكِرُ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ بِحَقِّ فِيْ التَّوَسُّلِ، وَالَّذِيْ يَعْتَقِدُهُ كُلُّ الْأَئِمَّةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيْثُ فَهُوَ مَذْهَبِيْ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ وَالنُّقُولَاتُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- شِفَاءِ السَّقَامِ فِي زِيَارَةِ خَيرِ الأَنَامِ لِتَقِيِّ الدِّينِ السُّبكِيِّ.
- حَاشِيَةِ ابنِ عَابِدِينَ.
- المَدخَلِ لِابنِ الحَاجِّ.
- الإِنصَافِ لِلمَردَاوِيِّ.
- المُهَنَّدِ عَلَى المُفَنَّدِ لِخَلِيلِ أَحْمَدَ سَهَارَنْفُوْرِيِّ.