قد رود السؤال التالي:
مَا حُكمُ رِوَايَةِ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ؟
بِسمِ اللهِ الرَّحمَن الرَّحِيم
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمين، وَالصَّلَاة وَالسَّلَامُ عَلى سَيِّدِنَا مُحمَّدٍ رَسُول اللهِ، أمَّا بَعدُ:
متى يأخذ العلماء بالحديث الضعيف؟
يأخذ العلماء بالحديث الضعيف إذا جاء في السيرة وفضائل الأعمال، لأنها مواضيعُ لا تتعلق بالحلال والحرام.
العمل بالضعيف في فضائل الأعمال
يقبل العلماء العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال فإنه لا يضر. وقد ذكر النووي في كتابه الأذكار أن الأحاديث الضعيفة يؤخذ بها في فضائل الأعمال بالإجماع.
ونصه هو: قال العلماءُ من المحدّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُستحبّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يُعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك، كما إذا وردَ حديثٌ ضعيفٌ بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزّه عنه ولكن لا يجب.اهـ
الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار، لأبي زكريا النووي (ص8).
طريقة رواية السيرة وحكم العمل بالحديث الضعيف فيها
ليعلم أن علماء السيرة كانوا يتساهلون في الرواية عندما يكون الكلام عن السير والمغازي والأيام وفضائل الأعمال، فلا يُطلب هنا هل هذا صحيح أم غير صحيح لأن موضوع السيرة ليس موضوعا لاستنباط الأحكام وما كان يستنبط منه الأحكام مما مرده إلى السيرة فإنه يروى في كتب السنة، فإننا نجد في الصحيحين والسنن كتاب المغازي والسير والمناقب وبدء الخلق وغيرها، وهذه كلها من السيرة لكنها لما كانت موضعا لاستنباط الأحكام رويت عند أهل الحديث فذلك موضع لاستنباط الأحكام، ولم يكن العلماء يجلسون فيبسطون أمامهم كتاب الله وسنن الرسول وكتب السيرة ليستنبطوا منها الأحكام وهذا كان دأبَ الناس في التعامل مع المرويات في السير، الإمام أحمد رضي الله عنه ينقل عنه السخاوي في شرحه لألفية العراقي قولَه: ابن إسحاق (وهو كان من أشهر من روى السيرة النبوية) رجل تؤخذ عنه هذه الأحاديث (أي في السيرة مع ضعفها)، لكن الإمام أحمد لم يكن يتشدد في ابن إسحاق إذا كان الكلام عن المغازي والسير، يقول أحمد: ابن إسحاق رجل تؤخذ عنه هذه الأحاديث فإذا أخذنا في الحلال والحرام طلبنا رجالا هكذا وقبض أصابع يديه. اهـ
قال الحافظ زين الدين العراقي عندما جاء ينظم في السيرة:
وَليَعلَمِ الطَّالِبُ أَنَّ السِّيَرَا *** تَجمَعُ مَا صَحَّ وَمَا قَد أُنكِرَا
وَالقَصدُ ذِكرُ مَا أَتَى أَهلُ السِّيَرْ *** بِهِ وَإِنْ إِسنَادُهُ لَمْ يُعتَبَرْ
حكم العمل بالحديث الموضوع
لا يجوز العمل بالحديث الموضوع ولو في فضائل الأعمال، فالكلام في تسهيل الرواية هو في الحديث الضعيف أما الحديث الموضوع فلا يقبل في أي محل ولا يروى إلا مع بيان حاله، أما الضعيف له تعامل غير تعامل الموضوع.
الخلاصة
هذا المنقول عن أحمد وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك وغيرهم من رؤوس السلف الصالح.
فلا يُعْتَرَضُ على من يروي في السير وفضائل الأعمال ويقال لهم هذا إسناده ضعيف وهذا ضعّفه فلان وفلان لأن الكلام هنا في السير وفضائل الأعمال كما ثبت عن الأئمة. وهذا طريقهم في رواية السيرة والفضائل فما يروى فيها منه ما هو صحيح ومنه ما هو ضعيف ولكنه يروى ويقبل عندهم، وهم الذين بلغوا رتبة في الورع والفهم مما لم يبلغه أكثر أهل عصرنا هذا.
نَسأَلُ اللهَ حُسنَ الاقتِدَاءِ بِهم رَضِي اللهُ عَنهُم وَجَزَاهُم اللهُ عَنَّا كُلَّ خَيرٍ.