التبرك بالنبي ﷺ: ريقه، دمه، شعره، وضوؤه، وآثاره بعد وفاته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الَّذِي كوَّنَ الأشياءَ وأحْكمهَا خَلْقًا، وفتقَ السموات والأرضَ وكانتا رَتْقًا، وقسَّمَ بحكمتِه العبادَ فأسعدَ وأشْقى وجعلَ للسعادةِ أسبابًا فسَلكهَا منْ كانَ أتْقَى، فَنَظَر بعينِ البصيرةِ إلى العواقبِ فاختارَ ما كَان أبْقَى، أحمدُه وما أقْضِي له بالحمد حقًّا، وأشكُره ولم يزَلْ لِلشُّكر مستحِقًّا، 

وأشْهدُ أنْ لا إِلهَ إِلَّا الله وحده لا شريكَ له مالكُ الرّقاب كلِّها رِقًّا، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه أكملُ البشر خُلُقًا وخَلْقًا، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الصّديق الحائز فضائلَ الأتباعِ سَبْقًا، وعلى عُمرَ العادلِ فما حَابَى خَلْقًا، وعلى عثمانَ الَّذِي استسْلَمَ للشهادةِ وما تَوَقَّى، وعلى عليٍّ الذي بَاعَ ما يَفْنَى واشترى ما يبْقى، وعلى آلِهِ وأصحابِه الناصرينَ لدينِ الله حقًّا، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا، 

أما بعد

فنكمل في سياق حديثنا في المقارنة بين ما أوتيه أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام وما أوتيه نبينا محمّد ﷺ، وكنّا نتكلّم في المقارنة بين عطاء الله لمحمّد ﷺ ولعيسى عليه الصلاة والسلام، 

فإذا كان عيسى عليه الصّلاة والسّلام يبرئ الأكمه والأبرص، فنبينا ﷺ قد شفيت على يديه مئات العلل والعاهات وبرئت من ساعتها ببركته ﷺ، وكنا ذكرنا العديد منها في درسنا الماضي ونذكر منها كذلك في هذا الدرس.

وروى الترمذي وحسّنه والبيهقي وصححه عن أبي زيد الأنصاري قال: مسح رسول الله ﷺ بيده على رأسي وقال: ((اللهم جمله وأدم جماله)) قال: فبلغ بضعا ومائة سنة وما في لحيته بياض، ولقد كان منبسط الوجه، ولم ينقبض وجهه حتى مات.

وروى الإمام أحمد عن الذّيال بن عبيد أنه سمع جده حنظلة بنَ حذيم بن حنيفة التميمي أنّ أباه قدم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّ لي بنين ذوي لحى وإن هذا أصغَرُهم، فادع الله له، فمسح رأسه، وقال: ((بارك الله فيك)) أو قال: ((بورك فيك))، قال الذّيال: فلقد رأيت حنظلة يؤتى بالإنسان الوارم وجهه فيتفل على يديه، ويقول: بسم الله، ويضع يده على رأسه موضع كف رسول الله ﷺ ثم يمسح موضع الورم، فيذهب الورم. 

وكلّ هذا يدلّ على بركة نبينا ﷺ وعلى جواز التّبرّك بآثاره الشريفة ﷺ، ولقد أحسن من قال: 

ومسحُ أحمد لرأس حنظلـهبكفّه وداعيًــا بالخير له
من جاءه والوجه منه وارمُبمسحة يعـود وهو سالم
بركـة النبي طاب عَرْفُــــهُموضعُ كفه فكيــف كفّهُ

فقد روى البخاري في تاريخه والبيهقي عن يونس بن محمد بن أنس الظَّفَري عن أبيه قال: قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن أسبوعين، فأتي بي فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة قال يونس: ولقد عَمَّر أبي حتى شاب كل شيء منه، وما شاب موضعُ يد النبي ﷺ من رأسه، ولا من لحيته.

وروى ابن سعد وابن شاهين أنه وَفَد من بني البَكَّاءِ على رسول الله ﷺ ثلاثة نفر: معاوية بن ثور، وابنه بشر، والفجيع بن عبد الله، فقال معاوية: يا رسول الله، إنّي أتبرّك بمَسِّكَ فامسح وجه ابني بِشر، فمسح وجهه، ودعا له، فكانت في وجهه مسحة النبي ﷺ كالغُرة().

  وكان لا يمسح شيئا إلا برأ وأعطاه أعنزا عفرا أي صغيرة، قال الجعد: فالقحط ربما أصابت بني البكاء ولا تصيبهم.

قال محمد بن بشر بن معاوية:

‌وَأَبي ‌الَّذى ‌مَسَحَ ‌الرَّسُولُ بِرَأْسِهوَدَعَــــــا لَهُ بالخَيْرِ والبركـــاتِ
أعطـــــاه أحمـــــدُ إذْ أتاه أَعْنُزًاعُفْرًا نَوَاجِلَ() لَسْـنَ باللَّجِباتِ()
يَمْلَأْنَ رِفْدَ() الحىّ كـــلَّ عشيّـةوَيَعُـــودُ ذاك المَلْءُ بالغَـــدَوَاتِ
بُورِكْــنَ من مَنْحٍ وبورك مَانِـحًاوعليــه مِنِّى ما حَيِيتُ صَلَاتــى

وروى البيهقي عن أبي العلاء قال: عدت قتادة بنَ مَلحان في مرضه، فمرّ رجل في مؤخرة الدّار، فرأيته في وجه قتادة، وكان رسول الله ﷺ مسح وجهه.

وروى المدائني عن خاله أنّ أسيد بن أبي إياس رضي الله عنه مسح رسول الله ﷺ وجهه وألقى يده على صدره فكان أسيد يدخل البيت المظلم فيضيء.

وروى الطبراني بسند جيد عن أم عاصم امرأةِ عتبة بن فَرقد قالت: كنا عند عتبة أربع نسوة ما منا امرأة إلا وهي تجتهد في الطيب، لتكون أطيب من صاحبتها، وما يَمسُ عتبةُ الطيبَ، وهو أطيب منا، وكان إذا خرج إلى الناس قالوا: ما شممنا ريحًا أطيب من ريح عتبة، فقلنا له في ذلك، فقال: أخذني الشِرى على عهد رسول الله ﷺ فشكوت ذلك إليه فأمرني أن أتجرّد من أثوابي فتجردت، وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي فنفث في يده، ثم وضع يده على ظهري وبطني فعلق هذا الطيب من يومئذ.

وروى البيهقي وابن عساكر عن وائل بن حُجر رضي الله عنه قال: كنت أصافح النّبي ﷺ أو يمس جلدي جلده فأعرف في يدي بعد ثالثة أصيب من ريح المسك. 

وروى البخاري وغيره عن عروة عن المسورِ بن مَخرمة ومروانَ بنِ الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، ولا يريد قتالا، فذكر الحديث، وفيه: أن قريشا بعثت إليه عروةَ بن مسعود الثقفي رضي الله عنه فجعل عروة يَرْمُقُ أصحاب رسول الله ﷺ بعينيه قال: فو الله ما تنخّم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ما يحدون النظر إليه تعظيما له، فرجع إلى أصحابه، وقد رأى ما يصنع برسول الله ﷺ فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، فو الله ما رأيت ملكا قط يُعَظِّمُه أصحابُه ما يعظم أصحابُ محمدٍ محمّدا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وكفّه، وإن أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فانظروا رأيكم فيه.

 وروى أبو القاسم البغوي أنّ أبا محذورة ‌كَانَتْ ‌لَهُ ‌قُصَّةٌ في مقدم رأسه يرسلها فتبلغ الأرض إذا جلس فقلنا له: ألا تحلقها؟ فقال: إن رسول الله ﷺ مسح عليها بيده، فلم أكن لأحلقها حتى أموت، فما حلقها حتى مات. 

 وروى عبد الرزاق عن الزهري، قال: حدثني من لا أتهم من الأنصار أن رسول الله ﷺ كان إذا توضّأ أو تنخّم ابتدروا نخامته، فمسحوا بها وجوههم وجلودهم، فقال رسول الله ﷺ: ((لم تفعلون هذا؟)) فقالوا: نلتمس البركة.  

وروى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ كحَّلَ عليا ببزاقه.

وروى أبو الحسن بن الضحاك وأبو يعلى بسند صحيح عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: اعتمرنا مع رسول الله ﷺ فحلق شعره فاستبق الناس إلى شعره، فسبقت إلى الناصية فأخذتها فاتخذت قلنسوة فجعلتها في مقدمة القلنسوة فما وجهت في وجه إلا فتح لي.

روى بقي بن مَخْلَد() عن عبد الله بن عمر الخطابي عن ابن فُديك قال: حدثتني برثة بنت عمير بن سفينة عن أبيه عن جده، قال: حجم رسولَ الله ﷺ حجامٌ فأمر أن يواري الدم من الطّير والدّواب فذهبت فشربته ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك فضحك ولم يقل لي شيئا. 

وقال أبو القاسم البغوي قال أبو محمد مولى آل الزبير: سمعت أسماء بنت أبي بكر تقول للحجاج: إن النبي ﷺ احتجم، فدفع دمه إلى ابني فشربه فأتاه جبريل فأخبره فقال: ((ما صنعت؟)) قال: كرهت أن أصبّ دمّك. فقال النبي ﷺ: ((لا تمسك النار))، ومسح على رأسه، وقال: ((ويل للناس منك، وويل لك من الناس)). وظلت رائحة المسك تخرج من فمه إلى أن مات.

وهنا نذكر ما ورد في مقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، على يدي الحجاج بن يوسف الثقفي، المبير، قبّحه الله وأخزاه. حاصر أهلُ الشام أهلَ مكة، وقد نصب الحجاج المنجنيق على مكة؛ ليحصر أهلها، حتى يخرجوا إلى الأمان والطّاعة لعبد الملك، وكان مع الحجاج خلق قدموا عليه من أرض الحبشة، فجعلوا يرمون بالمنجنيق، فقتلوا خلقا كثيرا، وكان معه خمسَ مجانيق، فصار يرميها من كل مكان، وحبس عنهم الميرة فجاعوا، وكانوا يشربون من ماء زمزم، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة، والحجاج يصيح بأصحابه: يا أهل الشام، الله الله في الطاعة!! فكانوا يحملون على ابن الزبير، فيشد عليهم ابن الزبير وليس معه أحد، حتى يخرجهم من باب بني شيبة، ثم يكرون عليه فيشد عليهم؛ فعل ذلك مرارا، وقتل يومئذ جماعة منهم وهو يقول: خذها وأنا ابن الحواري.

وذكر غير واحد أنهم لمّا رموا بالمنجنيق، جاءت الصواعق والبروق والرعود، حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق، ونزلت صاعقة فأصابت من الشاميين اثني عشر رجلا، فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة، فلم يزل الحجاج يشجعهم، ويقول: إني خبير بهذه البلاد، هذه بروق تهامة ورعودها وصواعقها، وإن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم.

فنزلت صاعقة على المنجنيق فأحرقته، فتوقف أهل الشام عن الرمي والمحاصرة، فخطبهم الحجاج فقال: ويحكم، ألم تعلموا أن النار كانت تنزل على من كان قبلنا فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم؟ فلولا أنّ عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته. فعادوا إلى المحاصرة.

وما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان، ويتركون ابن الزبير، حتى خرج إليه قريب من عشرة آلاف، فأمنهم، وقلّ أصحاب ابن الزبير جدا، 

ودخل عبد الله بن الزبير على أمّه فشكا إليها خِذلان النّاس له، وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده، وأنّه لم يبقَ معه إلا اليسير، ولم يبق لهم صبر ساعة، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: يا بني، أنت أعلم بنفسك؛ إن كنت تعلم أنّك على حقّ وتدعو إلى حقّ فاصبر عليه، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك، يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت؛ أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك. 

فدنا منها، فقبّل رأسها، وقال: هذا والله رأيي. ثم قال: والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتيني بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أماه، فإني مقتول من يومي هذا، فلا يشتدُ حزنك، وسلمي لأمر الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عمل بفاحشة قط، ولم يَجُر في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم، اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي، اللهم أنت أعلم بي مني ومن غيري، ولكني أقول ذلك تعزية لأمي لتسلو عني. 

فقالت أمه: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني. فقال: جزاك الله يا أمه خيرا، فلا تدعي الدعاء لي. فقالت: لا أدعه أبدا،
ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب، والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبِرَّه بأبيه وبي، اللهم إني قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فقابلني في عبد الله بن الزبير بثواب الصابرين الشاكرين، ثم قالت له: ادن مني أودعك. فدنا منها فقبلته، ثم أخذته إليها فاحتضنته لتودعه، واعتنقها ليودعها، وجعلت تذكره بأبيه الزبير، وجده أبي بكر الصديق، وجدته صفية بنت عبد المطلب أم أبيه، وخالته عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترجيه القدوم عليهم إذا هو قتل شهيدا، ثم خرج من عندها، فكان ذلك آخر عهده بها رضي الله عنهما وعن أبيه وأبيها، ثم قالت: امض على بصيرة. فودعها، وكان يخرج من باب المسجد الحرام، وهناك خمسمائة فارس وراجل، فيحمل عليهم فيتفرقون عنه يمينا وشمالا، ولا يثبت له أحد، وكانت أبواب الحرم قد قل من يحرسها من أصحاب ابن الزبير، وكان ابن الزبير لا يخرج على أهل باب إلا فرقهم وبدد شملهم، حتى يخرجهم إلى الأبطح، ثم يصيح:

لو كان قرني واحدا كفيته لكن أقرانَ الظهور كثير

ولقد كان حجر المنجنيق يقع على طرف ثوبه فلا ينزعج بذلك، ثم يخرج إليهم، فيقاتلهم كأنه أسد ضار، حتى جعل الناس يتعجبون من إقدامه وشجاعته، فلما كان ليلة الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى من سنة ثلاث وسبعين بات ابن الزبير يصلي طول ليلته، ثم جلس فاحتبى بحميلة سيفه، فأغفى ثم انتبه مع الفجر على عادته، ثم قال: أذن يا سعد. فأذّن عند المقام، وتوضأ ابن الزبير، ثم صلى ركعتي الفجر، ثم أقيمت الصلاة فصلى الفجر، ثم قرأ سورة “ن” حرفا حرفا، ثم سلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال لأصحابه: 

ما أراني اليوم إلا مقتولا؛ فإني رأيت في منامي كأن السماء فرجت لي، فدخلتها، وإني والله قد مللت الحياة، وجاوزت سني اثنتين وسبعين سنة، ثم نهض للقتال، فحمل، فجاءته آجره فأصابته في وجهه، فارتعش لها، فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه تمثل بقول بعضهم:

ولسنـا على الأعقاب تَدمى كُلومُنا ولكن على أقدامنا تَقطرُ الدِما 

ثم رجع، فجاءه حجر منجنيق من ورائه فأصابه في قفاه فوقذه، وقع إلى الأرض على وجهه، فكثروا عليه، فابتدروه بالسيوف، فقتلوه رضي الله عنه، وجاءوا إلى الحجاج فأخبروه.

وروى ابن عساكر في ترجمة الحجاج أنه لما قتل ابن الزبير ارتجت مكة بكاء على عبد الله بن الزبير رحمه الله، فخطب الحجاج الناس فقال: أيها الناس، إن عبد الله بن الزبير كان من خيار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة، ونازعها أهلها، فخلع طاعة الله، وإن ابن الزبير غير كتاب الله، فقال له عبد الله بن عمر: كذبت والله، إن ابن الزبير لم يغير كتاب الله، بل كان قوّاما به، صوّاما، عاملا بالحقّ.

ثم أمر الحجاج بجثّة ابن الزبير فصلبت على ثنية كداء عند الحجون، فما زالت مصلوبة حتى مرّ به عبد الله بن عمر فقال: رحمة الله عليك يا أبا خبيب، أما والله لقد كنت صوّاما قوّاما، ثم قال: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فبعث الحجاج، فأنزل عن الجذع، ودفن هناك.

وروى أبو علي بن السكن وغيره عن أبي سعيد أنّ أباه مالك بن سنان لمّا أصيب رسول الله ﷺ في وجهه يوم أحد مصّ دم رسول الله ﷺ وازدرده() فقال له: ((أتشرب الدم؟)) قال: أشرب دم رسول الله ﷺ. فقال النبي ﷺ: ((من خالط دمي دمه لا تمسه النار)). وفي رواية قال: ((من أحب أن ينظر إلى من خالط دمي دمه فلينظر إلى مالك بن سنان)).

وقد ذكر جمع من أهل العلم أن دم النبي صلى الله عليه وسلم طاهر، فقد صرّح بذلك جمع منهم النووي في المجموع، والمردواي في الإنصاف، والحطاب في شرح المختصر، والشيخ زكريا الأنصاري الشافعي، والبهوتي في كشاف القناع، والصالحي في كتابه الهدى والرشاد في سيرة خير العباد.

وروى أبو يعلى والحاكم عن أم أيمن رضي الله عنها: قام رسول الله ﷺ إلى فخارة في جانب البيت، فبال فيها فقمت من الليل، وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبي ﷺ قال: ((يا أم أيمن قومي فأهريقي ما في تلك الفخارة)) قالت: قد والله شربت ما فيها، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قال: ((أما إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك)). وفي رواية قال لها: ((لَقَدِ احْتَظَرْتِ مِنَ النَّارِ بِحِظَار -أي امتنعت-)).

وروى الطبراني عن أبي عقيل الديلي رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فآمنت به، وصدقت وسقاني رسول الله ﷺ شربة سويق() وهو  شرب رسول الله ﷺ أولها وشربت آخرها فما زلت أجد بلتها على فؤادي إذا ظمئت، وبردها إذا أضحيت. 

وروى الحميدي برجال ثقات عن وائل بن حُجر رضي الله عنه قال: أتى رسول الله ﷺ بدلو من ماء زمزم، فشرب، ثم توضأ، ثم مجه في الدلو مسكا أو أطيب من المسك.

روى البخاري أن النبي ﷺ أمر النساء اللاتي تولين غسل ابنته زينب بعد وفاتها أن يخبرنه بعد فراغهن، فلما فرغن أعطاهن حِقوة – أي إزاره- ليجعلنه على جسدها ثم بعد الكفن لتنالها بركته ﷺ ببركة ثوبه وفي رواية أنه ﷺ قال: ((أشعرنه إياها)) ().

قال الحافظ ابن حجر: الحكمة في تأخير الإِزار معه إلى أن يفرغن من الغسل ولم يناولهن إياه أولًا ليكون قريب العهد من جسده الكريم حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين.اهـ وقال النووي في شرحه لمسلم: ومعنى أشعرنها إياه اجعلنه شعارًا لها وهو الثوب الذي يلي الجسد سمي شعارًا لأنه يلي شعر الجسد والحكمة في إشعارها به تبريكها به، ففيه التبرك بآثار الصالحين ولباسهم.اهـ 

وروى ابن أبي شيبة عن أبي مودودة قال: قال حدثني يزيد ابن عبد الملك  قال: رأيت نفرًا من أصحاب النبيّ ﷺ إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمانة المنبر القرعاء فمسحوها ودعوا، قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك.

وفي مسند أحمد عن جعفر بن محمد قال: «كان الماءُ، ماءُ غُسْلِهِ ﷺ حين غَسَّلوه بعد وفاته، يستنقع في جفون النبي ﷺ فكان عليٌّ يحسوه». أي يشربه أثناء غسلهم للنبي ﷺ بعد وفاته. 

وفي العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل قال ابنه عبد الله: سألته عن الرجل يمس منبر النبي ﷺ ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرّب إلى الله جلّ وعزّ، فقال: لا بأس بذلك. 

وروى البيهقي في السنن الكبرى وغيره عن ابن عمر وأنس بن مالك قالَا: كانَ عِنْدَ عليَ رضي الله عنه مِسْكٌ، فأَوْصَى أَنْ يُحَنَّطَ بهِ، قالَ: وقالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: هُوَ فَضْلُ حَنُوْطِ رسولِ الله ﷺ.

وقد روى الطَّبَرَانِيُّ فِيْ الْمُعْجَمِ الصَّغِيْرِ: عن عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ() إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ()، فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي، وَتَذْكُرُ حَاجَتَكَ، وَرُحْ إِلَيَّ حَتَّى أَرُوحَ مَعَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ الْبَوَّابُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ، وَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ، فَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ السَّاعَةُ، وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَأْتِنَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ حَتَّى كَلَّمْتَهُ فِيَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: وَاللهِ مَا كَلَّمْتُهُ وَلَكِنْ شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ، فَشَكَا عَلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((أَفَتَصْبِرُ؟)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ)) قَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: فَوَاللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَطَالَ بِنَا الْحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضَرَرٌ قَطُّ. قال الطبراني: وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ. 

وهذه القصة تعتبر من دلائل نبوة سيدنا محمد ﷺ، فببركته وببركة التوسل به ﷺ رجع بصر هذا الأعمى ورَدَّ الله عليه بصره، وهذا الحديث صحيح لم يضعفه أحد من علماء الحديث المعتبرين وفيه بيان جواز التوسل بالنبي ﷺ في حياته وبعد وفاته ﷺ وبيان جواز ندائه وبيان ما كان عليه الصحابة من التوسل بالنبي ﷺ واتخاذه وسيلة إلى الله على معنى السبب مما ألمَّ بهم من الكروب، فلو تكلم متكلم في هذه الأيام على خلاف ذلك فلا عبرة به لأن التوسل بالنبي ﷺ مجمع عليه بين أفراد الأمة عوامها وعلمائها سلفا وخلفا، قال الفقيه المجتهد عليّ السبكي في كتابه شفاء السَقام: “اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي ﷺ إلى ربه سبحانه وتعالى، وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ولم ينكر أحدٌ ذلك”. أي من العلماء المعتبرين. اهـ 

والتوسل هو طلب حصول منفعة أو اندفاع مضرة من الله بذكر اسم نبي أو ولي إكرامًا للمُتوَسِّل به. الطلب من الله لأن الأنبياء والأولياء لا يخلقون مضرة ولا منفعة ولكن نحن نسأل الله بهم رجاء تحقيق مطالبنا فنقول: اللهمّ إني أسألك بجاه رسول الله أو بحرمة رسول الله أن تقضي حاجتي وتفرّج كربي، فالتوسّل بالأنبياء والأولياء جائز في حال حضرتهم وفي حال غيبتهم، ومناداتهم جائزة في حال غيبتهم وفي حال حضرتهم كما دلّت على ذلك الأدلّة الشرعية. فرسول الله ﷺ علّم الأعمى أن يتوسّل به فتوسل الأعمى الضرير برسول الله، توسّل بحبيب الله، توسّل بأفضل خلق الله فردّ الله تعالى إليه بصره. فلقد علّمه رسول الله ﷺ أن يقول: اللهمّ إني أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبي الرحمة يا محمّد إني أتوجّه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي.

 وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: “وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمّان عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحطٌ() في زمن عمر() فجاء رجل() إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسقِ لأمتك فإنهم قد هلكوا()، فأتى الرجل في المنام فقيل له إيتِ عمر فأقرئه مني السلام وأخبره أنهم يسقون()، وقل له عليك بالكيس الكيس(). فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: “يا ربّ ما ءالوا إلا ما عجزت” أي لا أقصّر مع الاستطاعة أي سأسعى ما في وسعي لخدمة الأمّة. وهذا الرجل هو بلال بن الحارث المزني الصحابي قصد قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم للتبَرّك وقال: « يا رسول الله استسقِ لأمّتك فإنهم قد هلكوا» فلم ينكر عليه عمر ولا غيره.اهـ 

وَقَدْ وَقَعَ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ إِبْرَاءُ الْأَعْمَى بعد الدعاء عليه بالعمى أيضا، وقد ذكرنا أن ما كان كرامة لولي فإنه يعتبر معجزة لهذا النبي ﷺ،

 فقد روى الحافظ ابن عساكر مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا دخل منزله وبَلَغَ وَسَطَ الدَّارِ كَبَّرَ وَكَبَّرَتِ امْرَأَتُهُ، فإذا دخل البيت كبر وكبرت امرأته فيدخل فينزع رداءه وحذاءه وتأتيه بطعام يأكل، فَجَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَكَبَّرَ فَلَمْ تُجِبْهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَابِ الْبَيْتِ فَكَبَّرَ وَسَلَّمَ فَلَمْ تُجِبْهُ، وَإِذَا الْبَيْتُ لَيْسَ فِيهِ سِرَاجٌ، وَإِذَا هى جالسة بيدها عود تنكت فى الأرض به، فقال لها: مالك؟ فقالت: الناس بخير، وأنت لَوْ أَتَيْتَ مُعَاوِيَةَ فَيَأْمُرُ لَنَا بِخَادِمٍ وَيُعْطِيكَ شَيْئًا تَعِيشُ بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ مَنْ أَفْسَدَ عَلَيَّ أَهْلِي فَأَعْمِ بَصَرَهُ، قَالَ: وَكَانَتْ أَتَتْهَا امرأةٌ فقالت لها: لَوْ كَلَّمْتِ زَوْجَكِ لِيُكَلِّمَ مُعَاوِيَةَ فيُخدِمُكُم وَيُعْطِيَكُمْ؟ قَالَ: فَبَيْنَمَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ فِي مَنْزِلِهَا والسراج مزهر، إذ أنكرت بصرها، فقالت: سراجكم طفىء؟ قالوا: لا، قالت: إن الله أَذْهَبَ بَصَرِي، فَأَقْبَلَتْ كَمَا هِيَ إِلَى أَبِي مسلم فلم تزل تناشده وتتلطف إِلَيْهِ، فَدَعَا اللَّهَ فَرَدَّ بَصَرَهَا، وَرَجَعَتِ امْرَأَتُهُ على حالها التى كانت عليها.

فائدة

ورد الإمام السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه لرد الكيد وللحفظ من الشيطان بإذن الله:

  • حَوْلِيْ وَقُوَّتِيْ بِكَ يَا اللهُ (3 مرات)
  • اللَّهُمَّ احْجُبْنِيْ مِنْ شَرِّ الأَشْرَارِ وكَيْدِ الفُجَّارِ ومِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ وظَالِمٍ وسَارِقٍ وفَاجِرٍ وبَاغ وحاسدٍ وشَيْطَانٍ مَّارِدٍ (مرة واحدة)
  • فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (3 مرات)
  • يَا كَبِيْرُ يَا عَظِيْمُ يَا سَلامُ اكْفِنِيْ شَرَّ مَا أَخَافُ شَرَّهُ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وقَوْلُكَ الحَقُّ (أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) بلى (مرة واحدة)

 مِن خواصِّ اسمِ اللهِ “الجبارِ”

للحفظِ مِنْ ظلمِ الجبابرةِ والمعتدينَ سفرًا وحضرًا يُذْكَرُ صباحًا ومساءً.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ