المقدمة
الحمدُ للهِ محكِمِ المخلوقِ ومُتقنِ الصَّنعة، ومالكِ يومِ البعثِ والحشرِ والجزاءِ والرّجفة، المقدِّرِ ما شاءَ فمن ذا الذي يستطيعُ دَفعه، العالمِ بمن أخلصَ النيّةَ ومن مقصودُهُ السّمعة. شرَعَ فَشَهِدَتِ العقول بصحّةِ الشِّرعَة، ومَنَعَ فمن ذا الذي يُعطي ما قدّرَ منعه، صفاتُهُ أزليّةٌ كذاتِهِ ولا يشبِهُ الصّانِع صُنعه.
أحمدُهُ تعالى حمدًا يدومُ ما دامت الأيامُ السّبعة، وأشهدُ أنّهُ فالقُ الحبِّ عن الطَّلعة، وأُصلّي وأسلّم على رسولِهِ محمّدٍ الْمَبْعُوثِ بِأَفْضَلِ شِرْعَةٍ، وعلى صاحبهِ أبي بكرٍ الصّديقِ ذي الرِّفعة، وعلى عُمَرَ الفاروقِ فاتِحِ الأمصارِ فكم قَلَعَ قلعة، وعلى عثمانَ الصابِرِ على مَضيضِ تِلكَ الصّرعة، وعلى عليِّ الذي مدائِحهُ أنفقُ من كلِّ سلعة.
أما بعد:
الشرح
الثاني والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا أحمد بن حميد حدثنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله أَوْصِني وأَقْلِلْ لَعَلِّي أَعِيْه. قال: «لَا تَغْضَبْ» فسأله مرّةً أو مرتين كل ذلك يقول: «لَا تَغْضَبْ» (ومُناسبة ذِكر هذا الحديث في هذا الكِتاب أنّ مِن الغَضَب ما يَمنَعُ مِن بِرِّ الوالِدَين ويُوقِعُ في عُقُوقِهما. ومُناسبة ذِكر هذا الحديث هُنا أيضًا أنّ المرء يَحتاج إلى مُغالَبة نَفْسِه والصّبر على بِرِّ والِدَيه. وَكَرَّر عَلَيه قولَه: «لا تَغْضَب» لِمَا يَعرِفُ ما فِي الغَضَبِ مِن مهالِكَ وبَلايَا مَع أنّه ﷺ لو أرادَ لذَكَرَ له فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَصِيَّةً غَيرَ الأُخرَى ولكِنَّه أكَّد عَليهِ الأمرَ بِلَفظِ «لا تَغْضَب» ليَحمِلَهُ على حِفظِ نَفسِه مِن المهالِك الدُّنيويّة والأُخرويّة) (والمعنى أَيْ إِيّاكَ أَنْ تَغْضَبَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدُّنْيا، فِيما يَتَعَلَّقُ بِحَظِّ النَّفْس، فِيما يَتَعَلَّقُ بِما يَدْعُو إِلَيْهِ الهَوَى، «لا تَغْضَب» أَيْ فِى مِثْلِ هذه الأُمُور، وَلَمْ يُرِدْ رَسُولُ اللهِ ﷺ “لا تَغْضَبْ” إِذا انْتُهِكَت مَحارِمُ الله! بَلِ الغَضَبُ إِذا انْتُهِكَت مَحارِمُ الله عِنْدَ ذلِكَ مَحمُود. مَطْلُوبٌ أَنْ يَغْضَبَ الِإنْسانُ إِذا انْتُهِكَت مَحارِمُ الله. فَمَن عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إِذا غَضِبَ ساقَهُ ذلِكَ إِلَى أَنْ يَعْصِيَ اللهَ تَعالى، إِلَى أَنْ يَفْعَلَ ما لا تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، إِلَى أَنْ يَقَعَ فِيما لا يَنبَغِي، فَلْيَمْنَع نَفْسَهُ مِنَ الغَضَب وَلْيُمْسِك نَفْسَهُ عنِ الغَضَب، حَتّى لا يَجُرَّهُ هذا إِلَى ما لا تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، حَتّى لا يَكُونَ ذلِكَ سَبَبًا فِى هَلاكِهِ! كَمْ مِنْ قَتْلٍ بِغَيرِ حَقّ حَصَلَ بِسَببِ الغَضَب! كَمْ مِنْ ظِهارٍ، كَمْ مِنْ إِنْسانٍ ظاهَرَ زَوْجَهُ بِسَبَبِ الغَضَب! وَالظِّهارُ حَرام! كَمْ مِنْ إِنْسانٍ ضَرَبَ غَيرَهُ بِغَيرِ حَقّ بِسَببِ الغَضَب! كَمْ مِنْ إِنْسانٍ شَتَمَ غَيرَهُ، كَمْ مِنْ إِنْسانٍ أَخَذَ مالَ غَيرِهِ بِسَببِ الغَضَب! بَلْ كَمْ مِنْ إِنْسانٍ كَفَرَ بِاللهِ تعالى بِسَببِ الغَضَب! فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الإِنْسانُ غَضَبَهُ حاكِمًا عَلَيْهِ، فالغضب ليس عذرا لمن يقع في الكفر أو يطلق زوجته).
الثالث والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا مسَدَّد حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروقٍ عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ (أي مَن قهَرَها وغَلَبَها وَمنَعها مِن الحرام لا سيّما عِندَ الغَضَب. وَرَوى الحافِظُ السُّيوطيّ في «الجامع الصغير» عن عليٍّ رضي الله عنه موقوفًا: «أَشَدُّكم مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ عندَ الغَضَبِ وأحْلَمُكُمْ مَنْ عَفا بعدَ القُدْرَةِ») (وهذا الأمر يحتاج إلى كسر نفس ومخالفة هوى، بعض الناس قد يهلك بسبب الغضب ويجرّه غضبه إلى الكبائر أو إلى الكفر والعياذ بالله تعالى، كما حصل مع جبلةَ بنِ الأيهمِ الغسّاني، ملك آل جَفْنَة، كتب إلى عمر رضي الله عنه يُعلمه بإسلامه ويستأذنه في الوفود عليه فسُرَّ بذلك هو والمسلمون، فكتب إليه عمر: أنْ أقدم فلك ما لنا وعليك ما علينا، فقدم في خمسمائة فارس من جفنة فلما دنا من المدينة ألبَسهم الثياب المنسوجة بالذهب والحرير الأصفر وجلّل الخيل بجِلال الدّيباج وطوَّقها بالذهب والفضة ولبس جَبَلة تاجه فلم يبق بالمدينة أحدٌ إلا خرج للقائه وفرح المسلمون بقدومه وإسلامه. ثم حضر موسمَ الحجِّ من عامه ذلك، فبينا هو يطوف بالبيت إذ وطِىء على إزاره رجل من فَزارة فَحَلَّه، فالتفت إليه جبلة مُغضَبًا ولطمه فهشم أنفه فاشتكى عليه إلى عمر رضي الله عنه، فبعث إليه يقول: ما دعاك إلى أن لطَمت أخاك فهشمت أنفه؟ قال: إنّه وطِئ إزاري فحلّه فلولا حرمةُ البيت لأخذت الذي فيه عيناه. فقال له عمر: أمّا أنت فقد أقررت فإمّا أن تُرضيَه وإلّا أقَدْتهُ منك. قال: أتُقِيدُه منّي وأنا ملك وهو سُوقة؟ قال عمر: يا جَبَلة إنّه قد جمعك وإيّاه الإسلام فما تفضلُه إلّا بالتّقوى. قال: والله لقد رجوت أن أكون في الإسلام أعزَّ مني في الجاهلية. قال عمر: هو ذاك. قال: إذًا أتنصَّر. قال: إن تنصّرت ضربت عُنقك، فقال جبلة: أخّرْني إلى غدٍ يا أمير المؤمنين. قال: ذلك لك، فلمّا كان الليل خرج هو وأصحابه فلم يلبث أن دخل قُسطنطينية على هرقلَ فتنصّر، فأعظمَ قدومَه وسُرَّ به وأقطعه الأموال والأرضين والرِّباع، فبكى بعد ذلك بكاءً شديدًا ثمّ أنشأ يقول:
| تَنَصَّرتِ الأشراف من أجل لطمةٍ | وما كان فيها لو صبرتُ لهـا ضَرَرْ |
| تكَنَّفَني منهـــا لَجـــــــــاجٌ ونخوةٌ | وبِعــتُ لها العَيْنَ الصحيحة بالعَوَرْ |
| فيا ليـــــت أمّــي لم تلدني وليتني | رجعت إلى القول الذي قالـــه عمرْ |
| ويا ليتني أرعـــى المَخاضَ بقفرةٍ | وكنت أسيـرًا في ربيعةَ أو مضـــرْ |
ولم يسلم جبلة ومات كافرًا والعياذ بالله تعالى).
الرابع والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدّثنا الفضل بن المقاتل حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كَيْسان عن أبيه قال: مَكَثَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ رَحِمَهُ اللهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ يُؤْذِي بِهَا جَلِيسَهُ (الإمام البخاري رضي الله عنه بعد أن ذكر الحديث السّابق والذي فيه بيان أنّ الشّديد من غلب نفسه وليس من غلب النّاس، أكّد هذا المعنى بهذا المثال فذكر عن ابن أبي نجيح رحمه الله أنّه كان مخالفا لنفسه شديدا عليها فلم يتكلّم بكلمة يؤذي بها جليسه مدة ثلاثين سنة، وكم يحتاج هذا الأمر لكسر النّفس وتتبعها ومخالفتها لتستقيم بعد ذلك على طاعة الله، فكأنّ البخاري رحمه الله يقول: كما خالف هؤلاء الأكابر أنفسهم بكلّ ما ذكرت فأنت تستطيع مجاهدة نفسك وحملها على برّ والديك. وبإشارة أخرى كأنّه يقول رحمه الله: أجدر من تعامله بطيب الخلق وبهذه الأعمال هما الوالدان).
الخامس والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا محمد بن سلام عن ابن عيينة: أَتَدْرُونَ مَا السَّلَامُ؟ السَّلَامُ: أَنْتَ ءَامِنٌ مِنِّي (أي أنتَ في أمانٍ مِنِّي فلا أؤذِيكَ) أَنْتَ سَالِمٌ مِنِّي (ومُناسبة ذِكر هذا الحديث هُنا هُو بيان حُسن الخُلُق الذي مِنهُ بِرُّ الوالِدَين، ومِثل ذلك ما يأتي مِن الأحاديث التي فيها دليل على حُسن الخُلُق والإشفاق على العباد والرحمة بهم، وكلّ هذا يحتاج إلى كسر نفس ومخالفة لها).
السادس والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): سمعت أبا عبد الله الْمُسْنَدِي يقول: جَاءَ سَلْمُ بنُ سَالِمٍ إِلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللهُ فَجَعَلَ يُسْمِعُهُ يَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَفَعَلْتُ كَذَا، قالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: أَشْفَانِي مِنْكَ عَقْلُكَ (أي كفانِي وَمنَعَنِي أن أُكَلِّمَك ما بَدَا لِي مِن عَقْلِك) قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾[سورة الأعراف/ الآية 199] (وتمام الآية قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، قال القرطبي: هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ، تَضَمَّنَتْ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ فِي الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ. فَقَوْلُهُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دَخَلَ فِيهِ صِلَةُ الْقَاطِعِينَ، وَالْعَفْوُ عَنِ الْمُذْنِبِينَ، وَالرِّفْقُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُطِيعِينَ وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صِلَةُ الْأَرْحَامِ، وَتَقْوَى اللَّهِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَغَضُّ الْأَبْصَارِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِدَارِ الْقَرَارِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الْحَضُّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْعِلْمِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ أَهْلِ الظُّلْمِ، وَالتَّنَزُّهُ عَنْ مُنَازَعَةِ السُّفَهَاءِ، وَمُسَاوَاةِ الْجَهَلَةِ الْأَغْبِيَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ. وهَذِهِ الْخِصَالُ تَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ، وَقَدْ جَمَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ. قَالَ جَابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ أَبُو جُرَيٍّ: رَكِبْتُ قَعُودِي ثُمَّ أَتَيْتُ إِلَى مَكَّةَ فَطَلَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَنَخْتُ قَعُودِي بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَدَلُّونِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ بُرْدٌ مِنْ صُوفٍ فِيهِ طَرَائِقُ حُمْرٍ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: “وَعَلَيْكَ السَّلَامُ”. فَقُلْتُ: إِنَّا مَعْشَرُ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، قَوْمٌ فِينَا الْجَفَاءُ، فَعَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا. قَالَ: “ادْنُ” ثَلَاثًا، فَدَنَوْتُ فَقَالَ: “أَعِدْ عَلَيَّ” فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: (اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَأَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَإِنِ امْرُؤٌ سَبَّكَ بِمَا لَا يَعْلَمُ مِنْكَ فَلَا تَسُبُّهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ أَجْرًا وَعَلَيْهِ وِزْرًا، وَلَا تَسُبَّنَّ شَيْئًا مِمَّا خَوَّلَكَ اللَّهُ تَعَالَى). قَالَ أَبُو جُرَيٍّ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ شَاةً وَلَا بَعِيرًا.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ”. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ. وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيَّ ﷺ: “مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ”؟ فَقَالَ: “لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّيَ” فَذَهَبَ فَمَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: “إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ”. فَنَظَمَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ:
| مَكَارِمُ الأخـــلاق في ثلاثــــة | وممن كَمُلَتْ فِيهِ فَذَلِكَ الْفَتَى |
| إِعْطَاءُ مَنْ تَحْرِمُهُ وَوَصْلُ مَنْ | تَقْطَعُهُ وَالْعَفْوُ عَمَّـنِ اعْتَدَى |
وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَجْمَعُ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ ﷺ: (بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخلاق). وقال الشاعر:
| كُـلُّ الْأُمُورِ تَزُولُ عَنْـكَ وَتَنْقَضِي | إِلَّا الثَّنَــــــاءَ فَإِنَّــــهُ لَكَ بَاقِــــــي |
| وَلَــــوْ أَنَّنِــــي خُيِّرْتُ كُـلَّ فَضِيلَةٍ | مَا اخْتَرْتُ غَيْرَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ). |
السابع والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدّثنا إبراهيم بن موسى أخبرني ابن أبي زائدةَ أخبرنا أبي عن خالد بن سلمة عن البَهِيِّ عن عُرْوة عن عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ ﷺ قال لها: «دُوْنَكِ فَانْتَصِرِي» (أي خُذِي حَقَّكِ يا عائشةُ مِن زَينَبَ مِن أَدنَى مكانٍ مِنكِ، وذَلِكَ أنّ زَينَبَ بِنتَ جَحشٍ رضي الله عنها زَوجَ رسول الله ﷺ كانَتْ قَد دخلَتْ على عائشةَ رضي الله عنها بغير إذْنِها وهِيَ غَضْبَى وكَلَّمَتْها بكلام أَوْجَعَهَا، فبَيَّن لها ﷺ جوازَ أخذِ حَقِّها مِن زَينَب بالقَول بِلا مُجاوزةٍ للحَدِّ لأنّهُ كان يُرجَى لَها في مثل تِلك الحالةِ دفعُ الخِصام بانتِصارِ عائشةَ مِن زَينَب، لأنّه لَمّا كانت زينبُ هي التي بدأتها بالإيذاء كانت ظَالِمةً لَها كما جاء في الآية الكريمة، فجَاز لعائشة أن تَنتَصِر بالمِثل كما دلَّ على ذلك قَولُه تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [سورة الشورى/ الآية 41]، وقال النُّور السِّنْدِيّ في «كفاية الحاجة في شرح سُنَن ابن ماجَه»: «كأنّه أمَرَ بذلك لبيان الجواز ودَفع الخِصام فأشار إلى أنّه مَحمُود حيث يُرجَى به دفع الخِصام وإلا فالعَفوُ أَحسَنُ». والإشارة التي تُعلَم من ذِكرِ البخاريّ لهذا الحديث هو أنّه يوجد أعمال هي جائزة مع غير الوالدين، ولكن عند التعامل مع الوالدين أنت مطالب بالإحسان لهما وإن أساءا وإن ظلما، مراعاة لبرّك بهما).
الثامن والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدّثنا مسَدَّد حدّثنا يحيى بن سعيد عن ثور حدّثني حبيب بن عبيد عن الْمِقْدَام بن مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه وكان قد أدركه قال: قال النّبيّ ﷺ: «إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُم أَخَاهُ (أي في الدِّين، يعني أن يُحِبّ المسلِمُ المسلِمَ للهِ تعالَى) فَلْيُعْلِمْهُ أَنَّهُ أَحَبَّهُ» (الأمرُ للنَّدب لا للوُجوب ومعناه لِيَقُل له: «أُحِبُّكَ في الله»، فهذا صِنفٌ مِن الَّذِين أخبَر النّبيّ ﷺ عنهم أنّهم يَكُونون تحت ظِلِّ العَرْش يوم القيامة ءامِنُونَ مِن حَرِّ الشَّمسِ حِين تَدنُو مِن رؤوس العِباد) (يشير البخاري رحمه الله هنا أنّ الواحد إذا أحبّ أخاه المسلم فليعلمه بمحبته إيّاه، فالوالدان أولى من تحبهما من رحمك ولتعلمهما بحبك لهما فهذا أبلغ في البّرّ والطّاعة) (وقد روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا – أَيْ وَكَّلَهُ بِحِفْظ المدْرَجة، وَهِيَ الطَّرِيقُ، وَجَعَلَهُ رَصَدًا: أَيْ حَافِظًا مُعَدًا -، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ». وروي عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: “رُبَّ قَائِمٍ مَشْكُورٍ لَهُ، وَرُبَّ نَائِمٍ مَغْفُورٍ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ يَتَحَابَّانِ فِي اللَّهِ فَقَامَ أَحَدُهُمَا يُصَلِّي فَرَدَّ اللَّهُ صَلَاتَهُ، وَدَعَاهُ فَلَمْ يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ دُعَائِهِ شَيْئًا، فَذَكَرَ أَخَاهُ فِي دُعَائِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أَخِي فُلَانٌ اغْفِرْ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ وَهُوَ نَائِمٌ. قَالَ كَعْبٌ: إِنَّ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ عَلَى عَمَدٍ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ، عَلَى رَأْسِ الْعَمُودِ أَلْفُ بَيْتٍ، مُشْرِفِينَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، مَكْتُوبٌ فِي جِبَاهِهِمْ: هَؤُلَاءِ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ، إِذَا اطَّلَعَ أَحَدُهُمْ مَلَأَ حُسْنَهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ كَمَا تَمْلَأُ الشَّمْسُ أَهْلَ الْأَرْضِ، تَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ، يَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِهِ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ).
التّاسع والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): سمعت موسى بن إسماعيل سمعت أبا عاصم يقول: مَا اغْتَبْتُ أَحَدًا (أي بغير حقّ) مُذْ عَلِمْتُ أَنَّ الغِيبَةَ تَضُرُّ أَهْلَهَا (أي ازدَدتُ يَقِينًا بِعَظِيم ضَررِ الغِيبة لأنّها تُفَرِّق الأحِبّةَ وتُوَلِّدُ الخَصُومةَ والبغضاءَ وتَكون سَبَبًا في قَطِيعة الرَّحِم وتمزّق الموَدَّةَ بين المؤمنِين ومفاسِدُها كثيرةٌ جِدًّا) (وقد ذكر الإمام البخاري رضي الله عنه هذا الأثر كأنّه يقول لنا إنّ الغيبة قد تكون سببًا في قطيعة الأرحام وعقوق الوالدين، فاقتدوا بهذا الرّجل الصّالح في تركه الغيبة فهي حرام).
الخمسون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا مسدَّد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا زياد بن مخراق عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رجل: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها أو إني لأرحم الشاة أن أذبحها. قال: «وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ» مَرَّتَيْنِ (أي قد يكون مِن سَبَبِ رحمة الله بِكَ أنّك تَرحمُ الشاةَ حِينَ تَذبَحُها. ومِن رَحمة الذابِح بالشّاةِ أن يُرِيحَها قَبل الذَّبح، وأن لا تكون مضطربةً وقتَ الذّبح، وأن لا يَذبَح شاةً أمامَها، وأن لا يضربها لِغَير مَصلَحةٍ، وأن تكونَ السِّكِّينُ حادّةً، وأن يُسرِعَ عِندَ الذّبحِ إمرارَ السِّكِين لِيَكُون ذَلِكَ أهوَنَ علَيها) (ولعلّ الإشارة التي أرادها البخاري رحمه الله هنا أن هذا المذكور من نيل رحمة الله هو جزاء لك عندما ترحم البهائم فكيف إذا رحمت والديك وبررتهما).
الحادي والخمسون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا مَعْنٌ عن معاوية عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير عن أبيه عن نواس بن سمعان الأنصاري رضي الله عنه أنّه سأل رسول الله ﷺ عن البِّرِ والإثم؟ فقال: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ (أي حُسنُ الخُلُق مِن أعظَمِ خِصالِ البِرِّ) وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ فَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» («الإثم ما أثّر في الصَّدْر حرجًا وضِيقًا وقلقًا واضطرابًا فلم يَنْشَرِح له الصَّدرُ، ومع هذا فهو عند خِيارِ النّاس مُسْتَنْكَرٌ بِحَيث يُنكِرُونه عند اطِّلاعِهم علَيه، وهَذَا أَعْلَى مراتِبِ مَعرِفة الإثم عِندَ الاشتِباه وهو ما استَنْكَرَهُ النّاسُ فاعِلُه وغَيرُ فاعِلِه، ومِن هذا المعنَى قَولُ ابنِ مَسعُودٍ: «مَا رَءَاهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ وَمَا رَءَاهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ قَبِيحٌ») (وقد أورد الإمام البخاري هذا الحديث هنا حتّى يذكر القارئ أنّ أولى من تحسن خلقك معهم هم والداك).
الثاني والخمسون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): (يذكر البخاري عدّة أحاديث عن الفتن في هذا الموضع، وهذا منه إشارة إلى أنّ من الفتن ما يكون سببا في عقوق الوالدين، فللتحذير مما يترتب على كثرة الفتن من عقوق الوالدين يذكرها هنا، وهذا إذا دلّ على شيء فإنّه يدلّ على دقّة نظر البخاري ورجاحة عقله رضي الله عنه، فإنّه يذكر أسباب العقوق ليحذرها المسلم) حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري حدثني سالم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «أَلَا إِنَّ الفِتْنَةَ (أي الفِتنةَ في الدِّين تَظهَرُ مِن هذه الجِهة ابتِداءً) هُنَا» يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ (أي إلى جِهةِ الشَّرقِ بالنِّسبة للْمَدِينة المنوّرة فيكون المقصودُ ناحيةَ نَجْدِ الحجازِ لا نَجدِ العِراق) مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ (أي حيث يَظهَرُ حِزبُ الشيطان وأتباعُه وأعوانُه وأحبابُه الذي يُضِلُّون النّاس ويُوقِعُونهم في الكفر. وقال الشِّهاب الكَورانيّ الشّافعيّ ثُمّ الحنَفِيّ: “هُوَ مَجازٌ عَن كَثرةِ الفَسادِ والشُّرورِ، لأَنّ قَرْنَ الحَيوانِ سِلاحُه والَّذِي بِه يُفْسِدُ”).
الثالث والخمسون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثني عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قام يخطب الناس فقال: «إِنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» يَعْنِي الْمَشْرِقَ. (فسّر مفتي الشافعية في الحجاز، قبل أكثر من مائتي سنة تقريبا أحمد بن زيني دحلان رحمه الله تعالى، هذا الحديث وغيره من أحاديث الفتن بفرقة ظهرت من جهة المشرق في بلاد الحجاز وكفّرت المسلمين واستباحوا قتل المسلمين وقالوا عن المسلمين إنّهم وثنيون لأنّهم يزورون قبر النّبيّ ﷺ، ولأنّهم يتبرّكون بآثار سيدنا رسول الله ﷺ ولأنّهم يتوسّلون بالأنبياء والأولياء والصّالحين، والحقيقة هي أنّ العبادة ليست التوسّلَ والتوسّل ليس العبادةَ، فهؤلاء الذين يحرّمون التوسّل ويعتبرونه شركًا ما فهموا معنى التوسّل في لغة العرب، وهم كذلك أساؤوا الظنّ بالمسلمين، يقولون إنّ المتوسّلين بالأنبياء والصّالحين يعتقدون أنّهم يخلقون من دون الله، فكفّروهم لأجل ذلك بزعمهم، حتى قال بعضهم: “أبو جهل وأبو لهب ومَن على دينهم مِن المشركين، كانوا يؤمنون بالله ويوحدونه في الربوبية خالقًا ورازقًا، محييا ومميتا، ضارًّا ونافعًا، لا يشركون به في ذلك شيئًا؟؟ ليس هذا عجيبًا ولا غريبًا، بل هذا هو الواقع”.اهـ وبعدها قال: “الدليل على توحيد المشركين وإيمانهم بالله”!! وقال: “المشركون كانوا يعترفون بأنّ الله خالق رازق محيي مميت، فقد قال تعالى مؤكّدا إيمان أولئك المشركين الأولين به سبحانه وتعالى، ربًّا خالقًا ورازقًا، ومحييًا ومميتًا، ضارًّا ونافعًا، قال تعالى لنبيه محمد ﷺ في حقّ هؤلاء المشركين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة العنكبوت/ الآية 61]. فهذه الآيات البينات هي دليلنا الذي لا يقبل الجدل على أنّ المشركين الأولين ما كانوا يكفرون بوجود الله، وما كانوا يعتقدون أنّ له شريكًا يشاركه التصرّف في شيء من ملكه بل كانوا يوحدونه (في الربوبية) توحيدًا كاملًا، فصحّ بهذا يقينًا، أنهم ما كانوا يلجأون إلى أوليائهم (عندما يدعونهم) ليهبوا لهم حياة أو يدفعوا عنهم موتا أو ينزلوا لهم غيثًا، فعلى ضوء هذا الدليل الدامغ، يتّضح لكم بطلان هذا الشرط الهزيل الذي تتمسكون به حين تعتقدون أنّ من يدعو غير الله لا يكون مشركا إلا إذا اعتقد أنّ الضّرّ والنّفع بيد من يدعوه كما يعتقد في الله”.اهـ وقال: “أمّا الدّليل على أنّ توحيد المشركين الأوّلين وإيمانهم بربّهم كان أقوى من توحيد القبوريين وإيمانهم في هذا الزّمن فهو أيضًا من القرآن، فقد قال الله تعالى في حقّ أولئك المشركين: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [سورة العنكبوت/ الآية 65]، فهذه الآيات تثبت أنّ أولئك المشركين إذا ركبوا في البحر وتعرّضوا للخطر فتوقعوا نزول قارعة نسوا آلهتهم من الأولياء وغيرهم وكفروا بهم، وأخلصوا الدّين لله وحده، وتوجّهوا إليه بالدعاء، معلقين عليه وحده الرجاء”.اهـ
نسأل الله أن ينتقم من هؤلاء الجفاة النفاة، الذين اعتبروا أبا جهل وأبا لهب بزعمهم موحدين لله، ما هذا الفهم المعكوس، مَن قال بمقالتهم قبل هؤلاء من أهل السنة؟ لا أحد.
بل أهل السّنة سلفهم وخلفهم كانوا يعتقدون التّوسل بأنّه جائز لا ضرر فيه، وهؤلاء الخوارج الذين يصدق فيهم ما جاء في البخاري في صفة الخوارج، حيث قال البخاري في صحيحه: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللهِ، وَقَالَ إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.اهـ يحملون آيات نزلت في صفة المشركين فيحملونها على المؤمنين، فيؤدي هذا إلى تكفيرهم للمؤمنين، والعياذ بالله تعالى. مثلا يأتون إلى قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر/ الآية 3]، فيقولون: أنتم أيّها المتوسلون بالأنبياء والصالحين عبدتم الأنبياء والمرسلين، فأنتم مشركون. يجوز بزعمهم قتلهم،
وقد نقل أحمد بن زيني دحلان، مفتي الشافعية في الحجاز زمن مشايخهم عنهم في بداية خروجهم أنّهم كانوا يقتلون المسلمين، ويبقرون بطن الحامل ويقتلون الطفل الرضيع على صدر أمّه، لاعتقادهم أنّ هؤلاء كلّهم مشركون يتوسلون فيجوز بزعمهم قتلهم ولو كانوا أطفالا ونساء، ذكر ابن دحلان هذا في أكثر من كتاب، في كتاب خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام، وفي كتاب الفتوحات الإسلامية، وفي كتاب فتنة الوهابية، وفي كتاب الدرر السنية في الرّدّ على الوهابية، وهو أي ابن دحلان من الشافعية الذين عاصروا محمد بن عبد الوهاب وعاصر فتنتهم.
ومن الحنفية في حاشية ابن عابدين وهو من أشهر كتب الحنفية المتأخرين، قال فيها: مطلب في أتباع ابن عبد الوهاب الخوارج في زماننا، كَمَا وَقَعَ فِي زَمَانِنَا فِي أَتْبَاعِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ نَجْدٍ وَتَغَلَّبُوا عَلَى الْحَرَمَيْنِ وَكَانُوا يَنْتَحِلُونَ مَذْهَبَ الْحَنَابِلَةِ، لَكِنَّهُمْ اعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْمُسْلِمُونَ وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ اعْتِقَادَهُمْ مُشْرِكُونَ، وَاسْتَبَاحُوا بِذَلِكَ قَتْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَقَتْلَ عُلَمَائِهِمْ حَتَّى كَسَرَ اللَّهُ تَعَالَى شَوْكَتَهُمْ وَخَرَّبَ بِلَادَهُمْ وَظَفِرَ بِهِمْ عَسَاكِرُ الْمُسْلِمِينَ عَامَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.اهـ
ومن المالكية العلّامة الصّاوي في حاشيته على تفسير الجلالين، قال فيها: هذه الآية نزلت في الخوارج الذين يحرّفون تأويل الكتاب والسّنة، ويستحلّون بذلك دماء المسلمين وأموالهم، لما هو مشاهد الآن في نظرائهم وهم فرقة بأرض الحجاز يقال لهم الوهابية يحسبون أنّهم على شيء ألا إنّهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشّيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشّيطان ألا إنّ حزب الشّيطان هم الخاسرون، نسأل الله أن يقطع دابرهم.اهـ
جاؤوا إلى الآية الكريمة: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر/ الآية 3]، وقالوا: أنتم أيها المتوسلون بالأنبياء والصالحين عبدتم الأنبياء والمرسلين!!!
أوّلًا: هم لم يعرفوا معنى العبادة في لغة العرب، نقول لهم: العرب السليقيون، لا نحن التقينا بهم ولا أنتم، العرب السليقيون انقرضوا منذ مئات السنين، منذ سنة 132 للهجرة انقرض العرب السليقيون من المدن الإسلامية، منذ سقوط الخلافة الأموية انقرض العرب السليقيون، وكلمة العبادة كلمة عربية ليست هندية، فنقول لهم كيف سنعرف ماذا أراد العرب السليقيون بكلمة العبادة، ماذا كانوا يقصدون منها عند الحديث وعند نطقها، ما السبيل لمعرفة ذلك والعرب السليقيون انقرضوا منذ زمان بعيد، الوسيلة لمعرفة ذلك هم علماء اللغة، وهنا بيت القصيد، لا أحد من علماء اللغة قال إن العبادة هي التوسل، ولا أحد من أصحاب معاجم اللغة الموجودة بين المسلمين قال إن العبادة في لغة العرب هي التوسل أو التبرك، فمن أين جاء هؤلاء بتعريفهم المبتدع لكلمة العبادة؟!! فأدَّى بهم فهمهم المعكوس إلى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وتبديعهم، ففي كتاب “الجواهر المضية لمجدد الدعوة النجدية” بزعمهم في صحيفة 437 قال: “وقد أطبق على ترك الإسلام جمهور أهل البسيطة في كلّ مصر من الأمصار وفي كل بلد من البلدان”.اهـ هذا كلامه بحروفه، والعياذ بالله تعالى، منشأ قولهم عدم فهمهم بلغة العرب، لم يفهموا معنى العبادة فحملوها على غير معناها وقالوا بتكفير غيرهم والعياذ بالله تعالى، وهذا خطر عظيم أدّى بهم إلى الطّامات والبلايا في بعض البلاد، فهم إذا تمكّنوا في البلاد يقتلون وينهبون، ويستبيحون دماء المسلمين، وهذا خطر عظيم عام وبلاء شديد).
الرابع والخمسون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن الزّبير رضي الله عنهما قال: قال الزّبير رضي الله عنه: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [سورة الزمر/ الآية 31] قال الزّبيررضي الله عنه: يا رَسُولَ اللهِ، يُكَرَّرُ عَلَيْنَا الخُصُومَةُ بَعْدَ الَّذِي كَانَ لَنَا فِي الدُّنْيَا؟ قال: «نَعَم» قُلتُ: إِنَّ الأَمْرَ لَشَدِيدٌ. (أي يَكُون بعضُكم خصمًا لبعضٍ في الْمظالِم يوم القيامة فيَحكُم الله بينَكُم). (وَكَلِمَةُ “عِنْدَ” أحيانا ترد لِلتَّشْرِيفِ ولَيْسَ لإِثْبَاتِ تَحَيُّزِ اللَّهِ فَوْقَ الْعَرْشِ لِأَنَّ “عِنْدَ” تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ الْمَكَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [سورة هود/ الآية 82-83] إِنَّمَا تَدُلُّ “عِنْدَ” هُنَا أَنَّ ذَلِكَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ تِلْكَ الْحِجَارَةَ مُجَاوِرَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْمَكَانِ. فَمَنْ يَحْتَجُّ بِمُجَرَّدِ كَلِمَةِ عِنْدَ لإِثْبَاتِ الْمَكَانِ وَالتَّقَارُبِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ الْجَاهِلِينَ، وَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ إِنَّ تِلْكَ الْحِجَارَةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى أُولَئِكَ الْكَفَرَةِ نَزَلَتْ مِنَ الْعَرْشِ إِلَيْهِمْ وَكَانَتْ مُكَوَّمَةً بِمَكَانٍ فِي جَنْبِ اللَّهِ فَوْقَ الْعَرْشِ عَلَى زَعْمِهِمْ!!). (يذكر الإمام البخاري رضي الله عنه في هذا الموضع بعض الأحاديث التي فيها بيان أنّ النّاس يستوفون حقوقهم يوم القيامة ويأتون يتخاصمون في الموقف ويعطى كلّ ذي حقّ حقّه، وذكره لهذه الأحاديث هنا فيه إشارة إلى أن ينبّه القارئ أنّ الأمر على هذا المنوال بين النّاس عمومهم فهو أشدّ بين الوالدين وأولادهما، فإيّاك أن تعقهما وتقصّر في حقّهما والزم برهما حتى لا تأتي يوم القيامة ويخاصموك في الموقف).
الخامس والخمسون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا محمد بن عبيد الله أبو ثابت المدني قال: حدثنا عمر بن طلحة الوقاصِيّ عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمـن سمعت عبد الله بن الزبير يقول: لَمّا نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [سورة الزمر/ الآية 31] قَالَ الزُّبَيرُ رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللهِ، يُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ مِنَّا فِي الدُّنْيَا مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ؟ قالَ: «نَعَمْ، لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُم حَتَّى يُؤَدَّى إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ» قَالَ الزُّبَيرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَاللهِ إِنَّ الأَمْرَ لَشَدِيدٌ. قال البخاري: ورواه حماد بن سلمة عن حبيب عن الحسن قال الزّبير. ورواه شَدّاد بن سعيد عن غَيْلان عن مُطَرِّف قال: قال الزّبير، وألفاظهم متقاربة والصّحيح حديث الأول. (قال القرطبي: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا وَنَحْنُ نَرَى هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِينَا وَفِي أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ فَقُلْنَا: وَكَيْفَ نَخْتَصِمُ وَنَبِيُّنَا وَاحِدٌ وَدِينُنَا وَاحِدٌ، حَتَّى رَأَيْتُ بَعْضَنَا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا فِينَا نَزَلَتْ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: كُنَّا نَقُولُ رَبُّنَا وَاحِدٌ وَدِينُنَا وَاحِدٌ وَنَبِيُّنَا وَاحِدٌ فَمَا هَذِهِ الْخُصُومَةُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّينَ وَشَدَّ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ قُلْنَا نَعَمْ هُوَ هَذَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَعَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: مَا خُصُومَتُنَا بَيْنَنَا؟ فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالُوا: هَذِهِ خُصُومَتُنَا بَيْنَنَا. وَقِيلَ تَخَاصُمُهُمْ هُوَ تَحَاكُمُهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَسْتَوْفِي مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَيَرُدُّهَا فِي حَسَنَاتِ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ. وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَظَالِمِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “أَتَدْرُونَ مَنَ الْمُفْلِسُ؟” قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. قَالَ: “إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ” خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ).
السادس والخمسون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود حدّثنا يعقوب القُمِّي حدّثنا جعفر هو: ابن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال لمّا نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [سورة الزمر/ الآية 31] لَمْ نَدْرِ مَا تَفْسِيرُهَا، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قُلْنَا: هَذَا الَّذِي وَعَدَنَا رَبُّنَا أَنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ. (الفتن التي تحصل في الأمّة ليست حديثة بل هي منذ زمن الصّحابة والسّلف الصّالح، ولكن العاقل يعرف ما المراد منه وكيف يحارب هذه الفتن بسلاح العلم والعمل، فقد كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَدِينُهُم قَائِما فِي خِلاَفَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَلَمَّا اسْتُشْهِدَ قُفْلُ بَابِ الفِتْنَةِ؛ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَانكسرَ البَابُ، قَامَ رُؤُوْسُ الشَّرِّ عَلَى الشَّهِيْدِ عُثْمَانَ حَتَّى ذُبِحَ صَبرا، وَتَفرَّقتِ الكَلِمَةُ، وَتَمَّتْ وَقعَةُ الجَمَلِ، ثُمَّ وَقعَةُ صِفِّيْنَ. فَظَهَرَتِ الخَوَارِجُ وَكَفَّرتْ سَادَةَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ ظَهَرَتِ الرَّوَافِضُ وَالنَّوَاصِبُ. وَفِي آخِرِ زَمَنِ الصَّحَابَةِ ظَهرتِ القَدَرِيَّةُ، ثُمَّ ظَهرتِ المُعْتَزِلَةُ بِالبَصْرَةِ، وَالجَهْمِيَّةُ وَالمُجَسِّمَةُ بِخُرَاسَانَ فِي أَثْنَاء عَصرِ التَّابِعِيْنَ مَعَ ظُهورِ السُّنَّةِ وَأَهْلِهَا إِلَى بَعْدِ المائَتَيْنِ، فَظَهَرَ المَأْمُوْنُ الخَلِيْفَةُ وَكَانَ ذَكِيّا مُتَكَلِّما، لَهُ نَظَرٌ فِي المَعْقُوْلِ فَاسْتجلَبَ كُتبَ الأوَائِلِ، وَعَرَّبَ كتبَ اليُونَانِ، وَقَامَ فِي ذَلِكَ وَقَعَدَ، وَخَبَّ وَوَضَعَ، وَرَفَعَتِ الجَهْمِيَّةُ وَالمُعْتَزِلَةُ رُؤُوْسَهَا، بَلْ وَالشِّيْعَةُ، فَإنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ. وَآلَ بِهِ الحَالُ أَنْ حَمَلَ الأُمَّةَ عَلَى القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَامتَحنَ العُلَمَاءَ، فَلَمْ يُمْهَلْ. وَهَلَكَ لِعَامِه، وَخَلَّى بَعْدَهُ شَرّا وَبَلاءً فِي الدِّيْنِ، فَإِنَّ الأُمَّةَ مَا زَالتْ عَلَى أَنَّ القُرْآنَ العَظِيْمَ كَلامُ اللهِ تَعَالَى وَوَحْيُه وَتَنْزِيْلُه، لا يَعْرِفُوْنَ غَيْرَ ذَلِكَ، حَتَّى نَبَغَ لَهُمُ القَوْلُ بِأَنَّهُ كَلامُ اللهِ مَخْلُوْقٌ مَجْعُولٌ. فَأَنكرَ ذَلِكَ العُلَمَاءُ، وَلَمْ تَكُنِ الجَهْمِيَّةُ يَظهرُوْنَ فِي دَوْلَةِ المَهْدِيِّ وَالرَّشِيْدِ وَالأَمِيْنِ، فَلَمَّا وَلِيَ المَأْمُوْنُ، أَظهرُوا المَقَالَةَ).
السابع والخمسون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سليمان بن كثير عن الزّهري عن عروة عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنّ النبي ﷺ قال: «هَلْ تَدْرُونَ مَا أَرَى؟ أَرَى الفِتَنَ تَقَعُ خِلاَلَ بُيُوتِكُم» (كان النّبيّ ﷺ يستعيذ بالله من الفتن فإنّها مهلكة، وموقف المؤمن من الفتن الثّبات على الحقّ والدّعاء، فكم للدّعاء والاستعاذةِ بالله تعالى من الفتن من أثرٍ عظيم في الثّبات والنّصر، ففي الحديث المتفق عليه: «وأعُوذُ بِكَ مِنْ فتنةِ المحيَا والممَات»، والعبادة وقتَ الفتن هي وصيّة النبي ﷺ لأمّته حيث قال: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» رواه مسلم، وهذا الحديث كأننا نعيش في واقعه، ألا ترى من الناس من يبيع الدين بشىء من الدنيا؟!! وذلك لغلبة الفتن وشدّة الغفلة وكثرة الجهل بدين الله تعالى. وعن عبدِ اللَّهِ بن عَمرو رضي اللَّه عنه قال: كُنَّا مَع رسول اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَنَزَلْنا منْزِلًا، إذْ نادَى مُنَادي رسول اللَّهِ ﷺ: الصَّلاةَ جامِعةً. فاجْتَمعْنَا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نبيّ قَبْلي إلَّا كَانَ حَقّا علَيْهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلى خَيرِ ما يعْلَمُهُ لهُمْ، ويُنذِرَهُم شَرَّ ما يعلَمُهُ لهُم، وإنَّ أُمَّتَكُمْ هذِهِ جُعِلَ عَافيتُها في أَوَّلِها، وسَيُصِيبُ آخِرَهَا بلاءٌ وأُمُورٌ تُنكِرُونَهَا، وتجيءُ فِتَنٌ يُرقِّقُ بَعضُها بَعْضًا، وتجيء الفِتْنَةُ فَيقُولُ المؤمِنُ: هذِهِ مُهْلِكَتي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ وتجيءُ الفِتنَةُ فَيَقُولُ المُؤْمِنُ: هذِهِ هذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عن النَّارِ ويُدْخَلَ الجنَّةَ فَلْتَأْتِهِ منيّته وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وليَأْتِ إلى الناسِ الذي يُحِبُّ أَنْ يُؤتَى إلَيْهِ» رواهُ مسلم. وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا. قَالَ: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ. وَكَيْفَ قَالَ؟ قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيامُ وَالصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ». فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَـذَا أُرِيدُ. إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ. بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: ذلِكَ أَحْرَى أَنْ لاَ يُغْلَقَ أَبَدا، قَالَ: فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: نَعَمْ. كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ. إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. قَالَ: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ: مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. فَسَأَلَهُ: فَقَالَ: عُمَرُ).
الثامن والخمسون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا الفَضْل بن دُكَين حدثنا ابن عُيَينة عن الزّهري عن عُرْوة عن أسامة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُم كَمَواقِعِ القَطْر. (قَالَ الْمُهَلَّبُ: “مُثِّل لِلنَّبِيّ ﷺ الفِتَنُ الَّتِي حَدَثَتْ بَعدَه فَرءَاها عيانًا، وأَنْذَر بِهَا علَيه السَّلاَمُ قَبلَ وُقُوعِها، وَهَذِه عَلامَةٌ مِن عَلاَماتِ نُبُوَّتِهِ لإِخْبَارِهِ عَنِ الغَيْبِ في ذَلِك، فكَانَتِ الفِتَن بَعْدَه كالقَطْر كما أَخْبَر”) (وفي صحيح البخاري قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
| الْحَرْبُ أَوَّلُ مَــا تَكُــونُ فَتِيَّــــــةً | تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُـــــلِّ جَهُولِ |
| حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا | وَلَّـتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ |
| شَمْطَـــاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَــــا وَتَغَيَّرَتْ | مَكْرُوهَـــةً لِلشَّــــمِّ وَالتَّقْبِيلِ). |
التاسع والخمسون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا عَبدان حدثنا عبد الله أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن كُرْز بن علقمة قال: قَالَ أَعْرَابِيٌّ للنَّبِيِّ ﷺ: هَلْ لِلإِسْلاَمِ مُنْتَهًى؟ قال: «نَعَم، أَيُّمَا أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ العَرَبِ أَوِ العَجَمِ أَرَادَ اللهُ بِهِم خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيهِمُ الإِسْلاَمَ، ثُمَّ تَقَعُ الفِتَنُ كَأَنَّها الظُّلَمُ» (أي فِتَن مُتكاثِرة ومُتراكِمة كتَراكُم ظلامِ اللَّيل)، فقَالَ الأَعْرَابِيُّ: كَلَّا (لَعَلَّ هذَا الجوابَ صَدَر مِن الأعرابِيّ عن سَبق لِسان مِن الدّهشة التي أصابَتْهُ لأنّه أرادَ التَّعَجُب مِمّا يَكُون مِن فجأة ما سَمِعَهُ)، قال: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ (أي تَحتَ مَشِيئَتِه وتصَرُّفِه، وأمّا اليَدُ بِمَعنَى العُضوِ فالله تعالَى مُنَزَّهٌ عنها لأنّه سُبحانَهُ لَيس جِسمًا ولا يَتَّصِفُ بشىء مِن صِفات الأجسامِ فَهُوَ مُنَزَّه عن الجَوارِح والأعضاءِ والأدَواتِ والحَركاتِ والسَّكَنَات والاتّصالِ والانفِصالِ والتّأثُّرِ والانفِعال والإحساسِ والشُّعورِ والأَلَمِ والتَّغَيُّر والتَّطَوُّرِ، قال اللهُ عَزّ وجلّ: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11])، ثُمَّ تَعُودُونَ فِيهَا أَسَاوِدَ صُبًّا (قال ابن قُرْقول في «المطالِع»: «الأساود نَوعٌ مِن الحَيّات عِظامٌ فِيهَا سَوَادٌ وَهُو أَخبَثُها، والصُّبُّ مِنهَا الَّتِي تَنْهَش ثُمّ تَرتَفِع ثُمّ تَنْصَبُّ، شَبَّهَهُم فيما يَتَوَلَّونَه مِن الفِتَن والقَتْل والأذَى بالصُّبِّ مِن الحَيّاتِ») يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْضٍ» (أي تتقاتَلون فيما بَينَكُم، وقد جاء في رواية أُخرَى: «لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْضٍ» أي لاَ تَعْمَلُوا عَمَل الكُفّار ولا تَتَشَبَّهُوا بِهِم).
الستون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني نافع عن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: «أَلَا إِنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا أَلَا إِنَّ الفِتْنَةَ مِن هَهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ». (تكرّر في القرءان الكريم كلمة الفتنة كثيرًا وكذا في الأحاديث الشّريفة، وقد جاءت في القرءان الكريم بعدّة معانٍ على حسب سياق الآيات ومعانيها. قال الأزهري وهو من أكابر اللغويين: جماع معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب، أذبتهُما بالنار ليتميزَ الرديءُ من الجيد، ومن هذا قول الله عز وجل: ﴿يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ﴾ [سورة الذاريات/ الآية 13] أي يحرقون بالنار. وقد لخّص ابنُ الأعرابي معانيَ الفتنة بقوله: الفتنة: الاختبار، والفتنة: المحنة، والفتنة: المال، والفتنة: الأولاد، والفتنة: الكفر والشّرك، والفتنة: اختلاف النّاس بالآراء، والفتنة: الإحراق بالنّار. أمّا معاني الفتنة في الكتاب والسنة: فقد جاء ذكر الفتنة في القرءان الكريم في عدّة مواضع أشهرها الآية المتداولة بين الناس وهي قوله تعالى: ﴿وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 191] فهنا الفتنة على معنى أنّ الكفر والشّرك أشدُّ من قتل النفس التى حرّم الله؛ لأنّ القتل هو أكبر ذنب بعد الكفر بالله تعالى، وجاءت بمعنى الابتلاء والاختبار كما في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [سورة العنكبوت/ الآية 2]، أي وهم لا يبتلون، وجاءت على معنى الإضلال: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ [سورة المائدة/ الآية 41]، فإنّ معنى الفتنة هنا الإضلال أي من يُردِ الله يُضله لأنّ الهداية والضّلال بخلق الله تعالى، فمن يهدِ الله لا مُضلَ له ومن يُضلل لا هاديَ له، وجاءت أيضًا على معنى تعذيب أهل الأخدود كما في سورة البروج من أن قومًا حرقوا المؤمنين بالنار وبهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [سورة البروج/ الآية 10]، وهكذا في كثيرٍ من مواضع القرءان وردت كلمة الفتنة.
والذي ينبغي التحذير منه ما جرى على ألسن الكثير من إيراد الآية الكريمة ﴿وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 191] على معنى أنّ من يُحرّش بين الناس ويعمل الفتن ذنبه أشدُّ مِمَّن قتل نفسًا!! وهذا غلط ومخالف لنصوص القراءن الكريم، بل وفيه تكذيب لحديث رسول الله ﷺ حين سئل عن أي الذنوب فأجاب: الشرك بالله، قيل له: ثم أيّ؟ قال: قتل النفس التى حرم الله. فمن المقطوع به عند المسلمين أنّ قتل النفس أكبرُ وأشدّ ذنب عند الله بعد الكفر بالله، وليس عمل المشاكل والفتن بأشدّ فاحذر أنْ تورد الآية بغير محلّها واحذر حذرًا شديدًا من أنْ تعتقد أنّ معنى الآية هكذا، بل الآية سبب نزولها أن مشركي العرب منعوا القتال في أشهر معينة، ثم قوتلوا فيها فأنكروا، قالوا هذا محمد يدّعي الخير ثم يرفع السيف في مثل هذا الشهر!؟ فأنزل الله في تبكيتهم وزجرهم: ﴿وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أي كفركم بالله وعبادتكم للأصنام أشدُّ من القتال في مثل هذا الشهر، وليس معنى الآية أنّ الفتن أشدّ ذنبًا عند الله من القتل، وإن كان عمل الفتن بين الناس أمرٌ نهى عنه الشّرع وحذّر منه وهو طبع أهل الفساد والنفاق والرذائل. وهاك عدد من أهم كتب التفسير لتكن على علم أن معنى: الفتنة أشد من القتل هو الكفر بالله، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 191]، فالمراد بالفتنة هنا هو الشرك وليس النميمة كما يتوهم بعض الناس فيوردون هذه الآية عند حصول أي شجار ناتج عن نميمة، قال بعض المفسرين في ذلك منهم المفسّر الإمام الطبري قال: القول في قوله تعالى: ﴿وَالفِتْنَةُ أشَدّ مِنَ القَتْل﴾ يعني: والشّرك بالله أشدّ من القتل).
الحادي والستون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا سعيد بن محمد الجَرْمي حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح حدثنا نافع أن عبد الله أخبره عن النبي ﷺ نحوه.
الثاني والستون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال أخبرنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير إلى المشرق يقول: «إِنَّ الفِتْنَةَ مِن هَهُنَا، إِنَّ الفِتْنَةَ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (روى أبو داود عن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: جَاءَ الصحابي الجليل الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ رضي الله عنه فِي حَاجَةٍ، فَقُلْنَا: اجْلِسْ حَتَّى نَطْلُبَ لَكَ حَاجَتَكَ فَجَلَسَ، فَقَالَ: عَجِبْتُ لِقَوْمٍ مَرَرْتُ بِهِمْ يَتَمَنَّوْنَ الْفِتَنَ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ – يُرَدِّدُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ – إِلَّا مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ». وكان هذا الصحابي رضي الله عنه يخشى الفتن وهو من فرسان الصحابة رضي الله عنه، فقد قال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ: جَلَسْنَا إِلَى الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ يَوْمًا، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: طُوبَى لِهَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللهِ لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتَ، فَاسْتَمَعْتُ فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ، مَا قَالَ إِلَّا خَيْرًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا يَحْمِلُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَنْ يَتَمَنَّى مَحْضَرًا غَيَّبَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ، لَا يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ فِيهِ، وَاللهِ لَقَدْ حَضَرَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَامٌ كَبَّهَمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ، لَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، أَوَ لَا تَحْمَدُونَ اللهَ إِذْ أَخْرَجَكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا تَعْرِفُونَ إِلَّا رَبَّكُمْ، مُصَدِّقِينَ بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ كُفِيتُمُ الْبَلَاءَ بِغَيْرِكُمْ، وَاللهِ لَقَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَشَدِّ حَالٍ بُعِثَ عَلَيْهِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي فَتْرَةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ مَا يَرَوْنَ دِينًا أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَجَاءَ بِفُرْقَانٍ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرَى وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ أَخَاهُ كَافِرًا وَقَدْ فَتْحَ اللهُ تَعَالَى قُفْلَ قَلْبِهِ لِلْإِيمَانِ، لِيَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ مَنْ دَخَلَ النَّارَ فَلَا تَقَرُّ عَيْنُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ حَمِيمَهُ فِي النَّارِ، وَأَنَّهَا لَلَّتِي قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 74]).
الثالث والستون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا ءادم بن أبي إياس حدثنا شعبة حدثنا عيينة بن عبد الرحمن سمعت أبي يحدث عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ (أَي مِن جملَة ما هُوَ أولَى وأجدَر بِتَعجِيل العُقُوبةِ لِصَاحِبِه في الدُّنيا غير ما يكونُ لَهُ مِن العذابِ في الآخِرة) مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالبَغْيِ» (أَي الظُّلْم، فقد قال ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ») (وذكر البخاري رحمه الله الحديث الذي فيه التحذير من قطيعة الرّحم في كتابه برّ الوالدين كما قلنا لأنّ الوالدين من أخصّ الأرحام وأقربهم، وقد روي عن النبي ﷺ قوله: [الجنّةُ تحتَ أقدام الأمّهَات] رواه الخطيب في الجامع عن أنس وهو ضعيفٌ، ومعناهُ إن أطَعْتم أُمّهاتِكُم مع الإيمانِ تَكسِبُون الجنّةَ. طَاعةُ الأمّ أَعظَمُ مِن طَاعةِ الأب لأنّ أكثرَ تعَبِ الولد على الأمّ، وفي هذا يُذْكَرُ أنّه كان رجل من النّساك يقبّل كل يوم قدم أمّه، فأبطأ يوما على إخوانه، فسألوه، فقال: كنت أتمرغ في رياض الجنة، فقد بلغنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات، وبلغنا أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام فقال: أوصيتك بأمّك حسنا. ثم قال: يا موسى ألا إن رضاها رضاي، وسخطها سخطي.اهـ وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لابن مهران: لا تخلون بامرأة وإن علمتها سورة من القرآن، ولا تصحبن عاقّا، فإنّه لن يقبلك وقد عقّ والديه. وقال بعضهم: من عقّ والديه عقّه ولده).
الرابع والستون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا أُمَيّة بن بِسطام حدثنا يزيد بن زُرَيع عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إِنَّ لي قَرابةً أَصِلُهم ويَقطَعُون، وأَحْلُم عَنهُم (أي بالعَفو والتحَمُّل) ويَجْهَلُون عَلَيَّ (أي بالسَبّ والغَضَب أو يغضَبون عَلَيّ)، وأُحسِنُ إِلَيهم ويُسِيئُون إِلَيَّ، قال: «لَئِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ كَأَّنَهُم تُسِفُّهُم الملَّ (أي إحسانُك إليهم إذا كانوا يقابِلُونه بالإساءة فإنّه يَعُود عليهم وبالًا، فكأَنَّك في إحسانِك إليهم معَ إساءَتهم إليك قَد أَطْعَمْتَهُم الْمَلَّ أي الرَّماد الحارَّ)، فَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرًا مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» (أي لا يَزالُ مَعَك مِن عِند الله مُعينٌ لَك علَيهم ودافِع عَنكَ أذاهُم ما دُمتَ على إِحسانِك مَهما دامُوا علَى إِساءَتِهم.) (روي عن كعب الأحبار أنّه قال: والذي فلق البحر لموسى بن عمران إنّ في التوراة لمكتوبا: يا ابن آدم اتق ربك وبر والديك وصل رحمك، أزد في عمرك، وأيسر لك في يسيرك، وأصرف عنك عسيرك. وبركة بر الوالدين تظهر على صاحبها في الدنيا والآخرة، روى ابن أبي الدنيا عَنْ مُزَاحِمِ بْنِ ذَوَّادِ بْنِ عُلْبَةَ قَالَ: ” مَاتَ أَخٌ لِي وَكَانَ بَرًّا بِأَبِيهِ، فَرَأَيْتُهُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، فَقُلْتُ لَهُ: “أَيْ أَخِي، إِنَّ أَبَاكَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ إِلَى أَيِّ شَيءٍ صِرْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين