الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمدَ لِلهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلا هَادِىَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ.
اللهم صَلِّ وَسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
أَمَّا بَعدُ، عِبَادَ اللهِ أُوصِيكُم وَنَفسِيَ بِتَقوَى اللهِ العَظِيمِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى القَائِلَ فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ﴾، [سورة الحشر:18].
أَيُّهَا المُوَحِّدُونَ: إِنَّ مِن أَخطَرِِ الأُمُورِ فِي زَمَانِنَا أَنَّ بَعضَ النَّاسِ لَم يَتَجَرَّأ عَلَى مَعصِيَةِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ وَحَسبُ؛ بَل صَارَ يُحَلِّلُ الحَرَامَ مُبَرِّرًا لِنَفسِهِ فِعلَهُ، فَإِذَا مَا كَلَّمتَهُ بِحُرمَةِ شُربِ الخَمرِ أَوِ الرِّبَا أَو بِكَشفِ المَرأَةِ رَأسَهَا أَمَامَ مَن لَا يَحِلُّ لَهَا كَشفُهُ أَمَامَه أَو بِحُرمَةِ الوَشمِ أَو نَحوِ ذَلِكَ، قَالَ لَك: لَا يُوجَدُ فِي القُرءَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِذَا بَيَّنتَ لَهُ مَا وَرَدَ فِي القُرءَانِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَحرِيمِ هَذِهِ الأُمُورِ، وَزِدتَ الأَمرَ بَيَانًا بِذِكرِ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ؛ قَالَ لَكَ: أَنَا لَا ءَاخُذُ إِلَّا بِالقُرءَانِ الكَرِيمِ، وَلَا ءَاخُذُ بِالحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، وَكَفَاهُ خِزيًا وَكَذِبًا أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلَا مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، [سُورَةُ الأَحزَابِ:36]، فَإِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمرًا، وَحَكَمُوا حُكمًا لَيسَ لِأَيِّ مُؤمِنٍ أَو مُؤمِنَةٍ أَن يَقُولَ بَعدَ ذَلِكَ: أَنَا رَأيِي كَذَا أَو كَذَا عَلَى مَا يُخَالِفُ الشَّرعَ؛ بَل يَجِبُ عَلَيهِ التَّسلِيمُ للهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ.
إِخوَةَ الإِسلَامِ: أَينَ هَؤُلَاءِ الزَّاعِمُونَ اتِّبَاعَ القُرءَانِ الكَرِيمِ مِن أَحكَامِ دِينِ اللهِ تَعَالَى؟! فَبِاللهِ عَلَيكُم أَينَ نَجِدُ فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ عَدَدَ رَكَعَاتِ كُلِّ صَلَاةٍ؟!! وأَينَ نَجِدُ فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ وَقتَ دُخُولِ كُلِّ صَلَاةٍ مُفَصَّلًا، وَوَقتَ خُرُوجِ كُلِّ صَلَاةٍ؟! أَينَ نَجِدُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ أَذكَارَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؟ وَكَيفَ تَكُونُ صَلَاةُ الجَمَاعَةِ؟ وَكَيفَ تَكُونُ صَلَاةُ الجِنَازَةِ؟ وَصَلَاةُ العِيدِ؟ وَسَجدَةُ الشُّكرِ؟ وَسَجدَةُ التِّلَاوَةِ؟ وَصَومُ رَمَضَانَ؟!! أَفتِنِي مِنَ القُرءانِ، مَا هِيَ الأَموَالُ الَّتِي تُؤخَذُ مِنهَا الزَّكَاةُ؟ مَا هُوَ النِّصَابُ؟ وَكَيفَ تَكُونُ التَّلبِيَةُ فِي الحَجِّ؟ وَكَم عَدَدُ أشواطِ الطوَافِ؟ وَكَم عَدَدُ أشواطِ السَّعيِ؟ وَكَم عَدَدُ الرَّميِ فِي الجَمَرَاتِ؟!! وَغَيرُهَا مِن أَحكَامِ الدِّينِ الإِسلَامِيِّ؛ بَل وَمِن تَفَاصِيلِ أَركَانِ الإِسلَامِ الَّتِي لَا يُنكِرُهَا إِلَّا جَاهِلٌ.
إِخوَةَ الإِسلَامِ: لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُنكِرُونَ السُّنَّةَ شُبُهَاتٌ عَدِيدَةٌ، مِنهَا أَنَّهُم يَقُولُونَ: كَيفَ نَعرِفُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ صَحِيحٌ؟ فَهَذَا حَدِيثٌ صَارَ لَهُ أَلفٌ وَأَربَعُمِائَةِ سَنَةٍ، فَلَعَلَّ هُنَاكَ مَن زَادَ فِيهِ أَو أَنقَصَ.
وَالرَّدُّ عَلَيهِم سَهلٌ بَسِيطٌ لِمَن أَلهَمَهُ اللهُ الفَطَانَةَ، فَنَحنُ المُسلِمِينَ لَم نَحكُم عَلَى حَدِيثٍ بِصِحَّةٍ أَو ضَعفٍ مِن تِلقَاءِ أَنفُسِنَا؛ بَل نَقُولُ إِنَّ كُلَّ صَنعَةٍ مِنَ الصَّنعَاتِ لَهَا أَهلٌ، فالنِّجَارَةُ، وَالحِدَادَةُ، وَالهَندَسَةُ، وَالطِّبُّ، وَغَيرُ ذَلِكَ لَهَا أَهلُهَا، وَكُلُّ أَهلِ صَنعَةٍ يَعرِفُونَ صَنعَتَهُم وَلَهُم فِيهَا خُبرَةٌ، وَكَذَلِكَ الصَّنعَةُ الحَدِيثِيِّةُ، فَأَئِمَّةُ الحَدِيثِ يَعرِفُونَ صَنعَتَهُم وَلَهُم فِيهَا خُبرَةٌ، تَعِبُوا وَبَذَلُوا الجُهدَ الكَبِيرَ مُنذُ الزَّمَنِ القَدِيمِ حَتَّى يُفَنِّدُوا الأَحَادِيثَ المَوضُوعَةَ وَالأَحَادِيثَ المَردُودَةَ وَالأَحَادِيثَ المَكذُوبَةَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَحَتَّى يُمَيِّزُوهَا مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم يَعرِفُ حَدَّهُ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَلَا يَتَجَاوَزُهُ، فَهَذَا الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ وَالحَافِظُ النَّوَوِيُّ وَالحَافِظُ البَيهَقِيُّ مَثَلًا كُلُّهُم مَعَ كَونِهِم يَحفَظُونَ مِئَاتِ الآلَافِ مِنَ الأَحَادِيثِ، إِلَّا أَنَّهُم فِي الفِقهِ وَاستِنبَاطِ الأَحكَامِ يَتبَعُونَ المَذهَبَ الشَّافِعِيَّ؛ لِأَنَّهُم عَرَفُوا أَنَّ هَذِهِ الصَّنعَةَ لَيسَت صَنعَتَهُم؛ بَل هِيَ لِلمُجتَهِدِينَ كَالإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَنَحوِهِ، فَعَلَينَا فِي هَذَا أَن نَتبَعَ أَهلَ الصَّنعَةِ.
وَهَذَا عَبدُ الكَرِيمِ بنُ أَبِي العَوجَاءِ لَمَّا قُدِّمَ لِلقَتلِ اعتَرَفَ بِأَنَّهُ وَضَعَ أَربَعَةَ آلَافِ حَدِيثٍ كَذِبًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُحَرِّمُ فِيهَا الحَلَالَ وَيُحَلِّلُ فِيهَا الحَرَامَ، فَقَالَ لَهُ مَن عِندَهُ: يَا خَبِيثُ، أَتَحسَبُ أَنَّهَا تَغِيبُ عَلَى ابنِ عُيَينَةَ وَابنِ المُبَارَكِ؟!! فَالسَّنَدُ عِندَنَا مَعرُوفٌ مَعلُومٌ؛ بَل إِنَّ أَعدَاءَ هَذِهِ الأُمَّةِ شَهِدُوا بِأَنَّهُ لَيسَت هُنَاكَ أُمَّةٌ عُنِيَت بِالسَّنَدِ وَبِتَنقِيحِ الأخبَارِ -وَلَا سِيَّمَا المَروِيَّةَ عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ- كَهَذِهِ الأمَّةِ.
نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا اتِّبَاعَ النَّبِيِّ ﷺ اتِّبَاعًا كَامِلًا، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم.
الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ لَهُ النِّعمَةُ وَلَهُ الفَضلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ البَشَرِ، عِبَادَ اللهِ اتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ.
أَمَّا بَعدُ عِبَادَ اللهِ: لَعَلَّكُم لَاحَظتُم إِلَى أَنَّنِي لَم أُسَمِّ هَؤُلَاءِ بِمَا شَاعَ عِندَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بِتَسمِيَتِهِم بِهِ وَهُوَ لَفظُ “القُرءَانِيِّينَ” فَهَذَا خَطَأٌ وَخَطَرٌ، فَمَا هُم بِقُرءَانِيِّينَ، لِأَنَّ القُرءَانَ الكَرِيمَ أَوجَبَ طَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا يَقرُبُ مِن مِائَةِ آيَةٍ، وَاعتَبَرَ طَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ مِن طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، بَل إِنَّ القُرءانَ الكَرِيمَ الَّذِي يَدَّعُونَ التَّمَسُّكَ بِهِ نَفَى الإيمَانَ عَمَّن رَفَضَ طَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ وَلَم يَقبَل حُكمَهُ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾، [سُورَةُ النِّسَاءِ:65]، فَلَو كَانُوا يَتَّبِعُونَ القُرءانَ كَمَا يَزعُمُونَ لَمَا أَنكَرُوا مَا أَوجَبَ اللهُ اتِّبَاعَهُ، بَل هُم أَهلُ زَيغٍ وَخُسرَانٍ.
حَفِظَنَا اللهُ تَعَالَى وَإِيَّاكُم مِنَ الزَّلَلِ وَالزَّيغِ وَالضَّلَالِ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَربَ عَنِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّت المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين، اللهم اجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّق مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُم لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.