رَبِّ نجني من القوم الظالمين

رَبِّ نجني من القوم الظالمين

تآمر فرعونُ وأتباعه على موسى عليه الصلاة والسلام وأرَادوا قتله، فخرجَ سيدُنا موسى عليهِ السلامُ مِنْ أَرضِ مِصرَ يُريدُ النجاةَ مِنْ كيدِ فرعونَ وجنودِهِ، ودعا ربَّهُ عزَّ وجلَّ بقولهِ ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ولم يكن خروجُهُ جُبنًا لأنَّ الأَنبياء يَستحيلُ عليهِمُ الجُبنُ، وتَوَجَّهَ عليهِ السلامُ إلى مَدْيَنَ ماشِيًا على قَدَمَيْهِ بغيرِ زادٍ ولا دابةٍ يركَبُها.

ومَدْيَنُ هي المدينةُ التي أَهلكَ اللهُ تعالى فيها قَومَ نَبِيّـِهِ شُعَيبٍ، وبَقِيَ يـمشِي مسِيرةَ ثمانيةِ أيامٍ حتى وَصَلَ إلى مَدْيَنَ وقد أَثَّرَ بِهِ الجوعُ والتعَبُ، فجلسَ تحتَ ظِلِّ شَجرةٍ فأبصَرَ امرأتَينِ وكانتا أختَينِ تَرْعَيانِ الأَغنامَ وتُرِيدانِ سَقْيَ أغنامِهِما مِنْ بئرٍ كبيرةٍ. كانَ الرعاةُ يَسْقُونَ مَواشِيَهُم منها وكانت هاتانِ الأُختانِ تحبسانِ غنَمَهُما لِئلا يَختَلِطَ بغنمِ الآخرينَ، فأَشْفَقَ مُوسى عليهِ السلامُ عليهِما فسألَهما عَنْ سببِ تَعَهُّدِهما لرعايةِ الغنمِ بأنفسِهما، فأَخبرتاهُ بأنَّ أباهما شيخٌ كبيرٌ وليسَ عندَهُ مِنَ الأولادِ الذكورِ مَنْ يَرعَى لهُ هذهِ الأغنامَ.

وكانَ مُوسى عليهِ السلامُ لَمَّا وردَ ماءَ مَدينَ وهو البئرُ وجدَ عليهِ جماعةً مِنَ الرُّعاةِ يَسْقُونَ أَغنَامَهم منهُ فلمَّا فَرَغُوا أَعادُوا صخرةً كبيرةً عليهِ، وكانَت هذهِ الصَّخْرةُ لا يُطِيقُ رَفْعَهَا إلا عشرةُ رجالٍ، فلمَّا حدَّثَتْ هاتانِ الأُختانِ خبرَهما لِموسى عليهِ السلامُ تقدَّمَ نحوَ الصخرةِ الكبيرةِ الموضوعةِ على فَمِ البئرِ فرفعَها وحدَهُ ثم استقى منها الماءَ وسَقَى لهاتَينِ الفتاتَينِ غَنَمَهُما ورَدَّ الحجرَ مكانَهُ، فلما فرغَ مِنْ ذلكَ انصرفَ إلى ظِلِّ شجرةٍ وجلسَ تحتَها يدعُو اللهَ تعالى ويَشْكُرُهُ. 

بعدَ أن سقى موسى عليهِ السلامُ غنمَ المرأتَينِ رَجَعَتَا إلى أَبِيهِما نَبِيّ اللهِ شُعَيْبٍ عليهِ السلامُ مُسْرِعَتَينِ وأَخْبَرَتاهُ بخبرِ مُوسى عليهِ السلامُ، وكَيفَ سَقَى لهما غَنَمَهُما وأَخْبَرَتاهُ بقُوَّتِهِ، وطلبَتَا مِنْهُ أَنْ يُكْرِمَهُ على هذا الصَّنِيعِ الحَسَنِ مَعَهُما، فسُرَّ شُعَيبٌ عليهِ السلامُ لحُسْنِ صَنِيعِ مُوسى وبَعَثَ إحدى ابْنَتَيهِ هاتَينِ لِدَعْوَتِهِ إليهِ، فجاءَتْ إلى موسى عليهِ السلامُ تمشِي على استحياءٍ وَوَقارٍ وَحِشْمَةٍ وطَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يَذْهَبَ مَعَها إلى أَبِيها لِيَجْزِيَهُ على عَظِيمِ صُنْعِهِ مَعَها ومَعَ أُخْتِها وعلى سَقْيِهِ غَنَمَهُما، فقامَ معَها موسى عليهِ السلامُ وقالَ لها: امشِي خلفِي وانعَتِـي لِـيَ الطريقَ فإني أَكْرَهُ أَنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فتَصِفَ جَسَدَكِ، فَمَشَتْ خَلْفَهُ تَصِفُ لهُ الطريقَ حتى وَصَلَ إلى أَبِيها شُعيبٍ عليهِ السلامُ. 

فلمَّا جاءَهُ أَخبَرَهُ بأمْرِهِ مِنْ حينِ وُلِدَ وبالسببِ الذي أخرجَهُ مِنْ أَرضِ مِصْرَ، فلمَّا سَمِعَ نَبِيُّ اللهِ شُعيبٌ خبرَ مُوسى عليهِ السلامُ طَمْأَنَهُ قائلا لَهُ: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القومِ الظالمينَ، لأنَّهُ لا سلطانَ لفرعونَ وجُنْدِهِ في أَرضِ مَدْيَنَ. يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. 

اللهم أنت القوي ونحن الضعفاء فارحم ضعفنا

عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

هو عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ (البَحْرُ أَبُو العَبَّاسِ الهَاشِمِيُّ حَبْرُ الأُمَّةِ، وَفَقِيْهُ العَصْرِ، وَإِمَامُ التَّفْسِيْرِ، أَبُو العَبَّاسِ، ابْنُ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share