المقدمة
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ لَهُ الحَمدُ وَلَهُ الفَضلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، صَلَوَاتُ اللهِ البَرِّ الرَّحِيمِ وَالمَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَى سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ طَهَ الأَمِينِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ وَمَنِ استَنَّ بِسُنَّتِهِم وَاتَّبَعَ نَهجَهُم إِلَى يَومِ الفَصلِ وَالدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:
المعصية الرابعة: التكبر على عباد الله
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالتَّكَبُّرُ عَلَى عِبَادِهِ وَهُوَ رَدُّ الْحَقِّ عَلَى قَائِلِهِ وَاسْتِحْقَارُ النَّاسِ.
الشرح
أَنَّ مِنْ مَعَاصِي القَلبِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ التَّكَبُّرَ عَلَى عِبَادِ اللهِ وَهُوَ نَوْعَانِ:
النوع الأول: رد الحق على قائله
أَوَّلُهُمَا رَدُّ الْحَقِّ عَلَى قَائِلِهِ مَعَ العِلْمِ بِأَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الْقَائِلِ لِنَحْوِ كَوْنِ الْقَائِلِ صَغِيرَ السِّنِّ فَيَسْتَعْظِمُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ مِنْ أَجْلِ أَنَّ قَائِلَهُ صَغِيرُ السِّنِ.
النوع الثاني: استحقار الناس
وَثَانِيهِمَا اسْتِحْقَارُ النَّاسِ أَيِ ازْدِرَاؤُهُمْ كَأَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَى الْفَقِيرِ وَيَنْظُرَ إِلَيْهِ نَظَرَ احْتِقَارٍ أَوْ يُعْرِضَ عَنْهُ أَوْ يَتَرَفَّعَ عَلَيْهِ فِي الْخِطَابِ لِكَوْنِهِ أَقَلَّ مِنْهُ مَالًا.
قصة قارون: عبرة في التكبر
وَهَذَا مِثلُ مَا حَصَلَ مَع قَارُونَ لَعَنَهُ اللهُ:
كَانَ قَارُونُ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَقَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَعَةً فِى الرِّزْقِ وَكَثْرَةً فِى الأَمْوَالِ حَتَّى فَاضَتْ بِهَا خَزَائِنُهُ وَاكْتَظَّتْ صَنَادِيقُهُ بِمَا حَوَتْهُ مِنْهَا فَلَمْ يَعُدْ يَسْتَطِيعُ حَمْلَ مَفَاتِيحِهَا مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ الأَقْوِيَاءِ وَكَانَ يَعِيشُ بَيْنَ قَوْمِهِ عِيشَةَ التَّرَفِ فَكَانَ يَلْبَسُ الْمَلابِسَ الْفَاخِرَةَ وَلا يَخْرُجُ إِلَّا فِى زِينَتِهِ وَيَسْكُنُ الْقُصُورَ وَيَخْتَارُ لِنَفْسِهِ الْخَدَمَ وَالْعَبِيدَ وَيَسْتَمْتِعُ بِمَلَذَّاتِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ.
قارون يغتر بنفسه
لَكِنْ قَارُونُ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا شَكُورًا فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ أَخَذَ يَغْتَرُّ بِنَفْسِهِ وَيَتَكَبَّرُ عَلَى قَوْمِهِ وَيَفْتَخِرُ بِكَثْرَةِ مَا ءَاتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الأَمْوَالِ وَالْكُنُوزِ فَنَصَحَهُ النُّصَحَاءُ مِنْ قَوْمِهِ وَوَعَظُوهُ وَنَهَوْهُ عَنْ فَسَادِهِ وَبَغْيِهِ وَلَكِنَّهُ أَجَابَهُمْ جَوَابَ مُغْتَرٍّ مَفْتُونٍ مُسْتَكْبِرٍ مُدَّعِيًا أَنَّهُ لا يَحْتَاجُ إِلَى نَصَائِحِهِمْ لِأَنَّهُ اكْتَسَبَ مَالَهُ بِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ مُعْتَقِدًا عَلَى زَعْمِهِ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَلِذَلِكَ أَعْطَاهُ الْمَالَ الْكَثِيرَ.
فرض الزكاة ومؤامرة قارون
وَيُرْوَى أَنَّهُ عِنْدَمَا أُنْزِلَتْ فَرْضِيَّةُ الزَّكَاةِ عَلَى سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَخْبَرَ قَوْمَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ لِقَارُونَ مُذَكِّرًا إِيَّاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَقِّهِ عَلَيْهِ إِنَّ عَلَى كُلِّ أَلْفِ دِينَارٍ دِينَارًا وَعَلَى كُلِّ أَلْفِ دِرْهَمٍ دِرْهَمًا فَحَسَبَ قَارُونُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ زَكَاةٍ فَاسْتَكْثَرَهُ فَشَحَّتْ نَفْسُهُ فَكَفَرَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ.
ثُمَّ جَمَعَ قَارُونُ بَعْضَ مَنْ يَثِقُ بِهِمْ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَقَالَ لَهُمْ إِنَّ مُوسَى أَمَرَكُمْ بِكُلِّ شَىْءٍ فَأَطَعْتُمُوهُ وَهُوَ الآنَ يُرِيدُ أَخْذَ أَمْوَالِكُمْ فَقَالُوا لَهُ مُرْنَا بِمَا شِئْتَ. قَالَ ءَامُرُكُمْ أَنْ تُحْضِرُوا سِبَرْتَا الْعَاصِيَةَ فَتَجْعَلُوا لَهَا أُجْرَةً عَلَى أَنْ تَزْعُمَ أَنَّ مُوسَى أَرَادَ الزِّنَى بِهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأَرْسَلُوا لَهَا طَسْتًا مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءًا قِطَعًا ذَهَبِيَّةً.
افتضاح قارون وتوبة سبرتا
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ لَهُمْ أَتَى قَارُونُ لَعَنَهُ اللَّهُ إِلَى سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَظَاهِرًا بِالْوِدِّ فَقَالَ لَهُ إِنَّ قَوْمَكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِتَأْمُرَهُمْ وَتَنْهَاهُمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نَبِىُّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَالَ لَهُمْ مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَا يَدَهُ وَمَنْ زَنَى وَهُوَ غَيْرُ مُتَزَوِّجٍ جَلَدْنَاهُ وَإِنْ تَزَوَّجَ وَزَنَى رَجَمْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ.
فَقَالَ لَهُ قَارُونُ وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ. قَالَ مُوسَى أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ إِنَّنِى لا أَقْرَبُ هَذِهِ الْفَوَاحِشَ. فَقَالَ لَهُ قَارُونُ إِنَّ بَنِى إِسْرَائِيلَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ فَجَرْتَ بِـسِبَرْتَا فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ادْعُوهَا.
فَلَمَّا جَاءَتْ اسْتَحْلَفَهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللَّهِ الَّذِى فَلَقَ الْبَحْرَ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ أَنْ تَصْدُقَ فَتَدَارَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ فَتَابَتْ وَتَبَرَّأَتْ مِمَّا نَسَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَالَتْ كَذَبُوا بَلْ جَعَلَ لِى قَارُونُ أُجْرَةً عَلَى أَنْ أَتَّهِمَكَ بِالزِّنَى.
دعاء موسى وخسف قارون
فَسَجَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَدَعَا اللَّهَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مُرِ الأَرْضَ بِمَا شِئْتَ فَإِنَّهَا مُطِيعَةٌ لَكَ.
وَفِى الْيَوْمِ التَّالِى خَرَجَ قَارُونُ كَعَادَتِهِ فِى مَوْكِبٍ كَبِيرٍ يَضُمُّ ءَالافَ الْخَدَمِ وَالْحَشَمِ وَقَدْ تَزَيَّنَتْ ثِيَابُهُمْ بِالذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ وَرَكِبُوا عَلَى بِغَالِهِمْ وَأَفْرَاسِهِمْ وَهُوَ يَتَقَدَّمُهُمْ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ زَيَّنَهَا وَقَدِ ارْتَدَى أَجْمَلَ ثِيَابِهِ وَأَفْخَرَهَا مَزْهُوًّا بِنَفْسِهِ مُتَطَاوِلًا وَالنَّاسُ عَلَى الْجَانِبَيْنِ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ وَمِنْهُمْ مَنِ اغْتَرَّ بِهِ فَقَالَ هَنِيئًا لِقَارُونَ إِنَّهُ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مَالٌ وَجَاهٌ.
فَلَمَّا سَمِعَهُمْ بَعْضُ الصَّالِحِينَ مِنْ قَوْمِهِمْ نَصَحُوهُمْ أَنْ لا يَغْتَرُّوا بِزَهْرَةِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَرَّارَةٌ.
الموقف النهائي وخسف الأرض
وَقِيلَ إِنَّ قَارُونَ مَرَّ فِى مَسِيرِهِ عَلَى مَجْلِسٍ لِسَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأَوْقَفَ الْمَوْكِبَ وَخَاطَبَهُ قَائِلًا يَا مُوسَى أَمَا لَئِنْ كُنْتَ فُضِّلْتَ عَلَىَّ بِالنُّبُوَّةِ فَلَقَدْ فُضِّلْتُ عَلَيْكَ بِالْمَالِ وَلَئِنْ شِئْتَ فَاخْرُجْ فَادْعُ عَلَىَّ وَأَدْعُو عَلَيْكَ.
فَخَرَجَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَابِتَ الْقَلْبِ مُتَوَكِّلًا عَلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَبَدَأَ قَارُونُ بِالدُّعَاءِ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ وَدَعَا سَيِّدُنَا مُوسَى وَقَالَ اللَّهُمَّ مُرِ الأَرْضَ فَلْتُطِعْنِى الْيَوْمَ.
فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فَقَالَ مُوسَى يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ فَأَخَذَتِ الأَرْضُ قَارُونَ الْمَلْعُونَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ الْخُبَثَاءِ إِلَى أَقْدَامِهِمْ ثُمَّ قَالَ يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبِهِمْ ثُمَّ إِلَى مَنَاكِبِهِمْ ثُمَّ قَالَ أَقْبِلِى بِكُنُوزِهِ وَأَمْوَالِهِ فَاهْتَزَّتِ الأَرْضُ تَحْتَ دَارِهِ وَمَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالٍ ثُمَّ أَشَارَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِيَدِهِ فَقَالَ يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ فَابْتَلَعَتْهُمْ جَمِيعًا.
العبرة من قصة قارون
وَلَمَّا حَلَّ بِقَارُونَ مَا حَلَّ مِنْ خَسْفِ الأَرْضِ وَذَهَابِ الأَمْوَالِ وَخَرَابِ الدَّارِ وَخَسْفِهَا نَدِمَ مَنْ كَانَ تَمَنَّى مِثْلَ مَا أُوتِىَ وَشَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى الَّذِى لَمْ يَجْعَلْهُمْ كَقَارُونَ طُغَاةً مُتَجَبِّرِينَ مُتَكَبِّرِينَ فَيَخْسِفَ بِهِمُ الأَرْضَ.
الآيات القرآنية في النهي عن التكبر
وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ التَّكَبُّرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [سُورَةَ لُقْمَان:١٨]
أَيْ وَلَا تُعْرِضْ عَنْهُمْ مُتَكَبِّرًا وَالْمَعْنَى أَقْبِلْ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِكَ مُتَوَاضِعًا.
«لِذَلِكَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي دُعَائِهِ «اللَهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا» أَيْ مُتَوَاضِعًا «وَأَمِتْنِي مِسْكِنًا» أَيْ مُتَوَاضِعًا «وَاحْشُرْنِي فِي زَمْرَةِ المَسَاكِين»
وَلَا تُوَلِّهِمْ شِقَّ وَجْهِكَ وَصَفْحَتَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَكَبِّرُونَ. ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا ﴾ [سُورَةَ الإِسْرَاء:٣٧]
أَيْ لَا تَمْشِ مِشْيَةَ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ.
عقوبة المتكبرين يوم القيامة
«بَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيث أَنَّ هَؤُلَاءِ يُصِيبُهُم مَا يُصِيبُهُم يَوْمَ القِيَامَةَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَجْعَلُهُم بِصُوَرِ الذَّر يَطَئُهُم النَّاسُ بِأَقْدَامِهِم يَوَمَ القِيَامَةِ».
حديث الرجل الذي خسفت به الأرض
وَمِن شُؤمِ التَّكَبُّرِ وَمَا يَؤُولُ إِلَيهِ أَخبَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَن قِصَّةِ رَجُلٍ كَانَ يَمشِي مُتَبَختِرًا فَأَصَابَهُ العَذَابُ،
الرَّسُولُ ﷺ حَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ كَانَ يَمْشِى مُتَبَخْتِرًا يَنْظُرُ فِى جَانِبَيْهِ أَعْجَبَهُ ثَوْبُهُ وَشَعَرُهُ تَهْيِئَةُ شَعَرِهِ وَحُسْنُ شَعَرِهِ، بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِى مُتَبَخْتِرًا أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ الأَرْضَ فَبَلَعَتْهُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا. هَذِهِ الْحَادِثَةُ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا عِبْرَةً حَتَّى يَعْتَبِرَ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ.
فائدة: حكم قيام الناس تكبرا
«الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَقِفَ لَهُ النَّاسُ تَكَبُّرًا فَهَذَا حَرَامٌ كَعَادَةِ مُلُوكِ الْحَبَشَةِ كَانُوا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّاسُ يَبْقَوْنَ وَاقِفِينَ لَهُ حَتَّى يَخْرُجَ الْمَلِكُ مِنَ المَجْلِسِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا وَهُوَ قَاعِدٌ فَلْيَتَبَوَّءُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
أَمَّا وُقُوفُ الأَفْضَلِ لِلْمَفْضُولِ وَالعَكْسُ فَهَذَا جَائِزٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ عِنْدَمَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ يَقِفُ لَهَاَ وَيُصَافِحُهَا وَيُقَبِّلُهَا وَيُجْلِسُهَا فِي مَكَانِهِ وَكانَتْ عِنْدَمَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا تَقِفُ لَهُ وَتُقَبِّلُهُ وَتُجْلِسُهُ مَكَانِهَا»
«فَهَذَا شَىْءٌ وَالبَقَاءُ إِلَى آخِرِ المَجْلِس كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ مُلُوكُ الْحَبَشَةَِ هَذَا الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ».
فائدة في بيان حكم تقبيل يد الرجل الصالح
لَيسَ مِنَ الكِبَرِ بَل لَيسَ حَرَامًا تَقبِيلُ يَدِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ لِلبَرَكَةِ وَالاحتِرَامِ وَالتَّعظِيمِ لَهُ بِمَا هُوَ أَهلُهُ، هَذَا لَيسَ مِنَ التَّكَبُّرِ وَلَيسَ مِنَ المَذمُومِ.
الأدلة على جواز تقبيل يد الصالح
رَوَى التِّرمِذِيُّ أَنَّ رَجُلَينِ مِنَ اليَهُودِ قَالَا فِيمَا بَينَهُمَا: تَعَالَ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ ﷺ لِنَسأَلَهُ عَن تِسعِ ءايَاتٍ الَّتِي أَنزَلَهَا اللهُ عَلَى مُوسَى، وَكَانَ قَصدُهُمَا تَعجِيزَهُ لِأَنَّهُ أُمِّيٌّ، فَلَمَّا بَيّنَ لَهُمَا دُهِشَا وَقَبَّلَا يَدَيهِ وَرِجلَيهِ. وَهَذَا الحَدِيثُ قَالَ فِيهِ التِّرمِذِيُّ: “حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ”.
وَرَوَى ابنُ مَردَوَيهِ عَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنهُ قَالَ: “لَمَّا نَزَلَتْ تَوبَتِي أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَبَّلتُ يَدَيهِ وَرُكبَتَيهِ”.
وَرَوَى البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الأَدَبِ المُفرَدِ أَنَّ علَيَِّ بنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَبَّلَ يَدَ العَبَّاسِ وَرِجلَيْهِ مَع أَنَّ عَلِيًّا أَفضَلُ مِنهُ دَرَجَةً لَكِن مِن أَجلِ أَنَّهُ عَمُّهُ وَأَنَّهُ صَالِحٌ قَبَّلَ لَهُ يَدَهُ وَرِجلَيهِ.
كَذَلِكَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَكَانَ مِن صِغَارِ الصَّحَابَةِ لَمَّا تُوُفِّي الرَّسُولُ ﷺ صَارَ يَذهَبُ إِلَى بَعضِهِم لِيَتَعَلَّمَ مِنهُم، وَكَانَ يَذهَبُ إِلَى زَيدِ بنِ ثَابِتٍ الَّذِي كَانَ أَكثَرَ الصَّحَابَةِ كِتَابَةً لِلوَحيِ، لَمَّا خَرَجَ مِن بَيتِهِ ذَاتَ يَومٍ أَمسَكَ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ لَهُ رِكَابَ الدَّابَةِ أَي المَحَلََّ الَّذِي يَضَعُ فِيهِ رَاكِبُ الدَّابّةِ رِجلَهُ، فَقَبَّلَ زَيدُ بنُ ثَابِتٍ يَدَ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ مِن ءالِ بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: “هَكَذَا نَفعَلُ بِأَهلِ بَيتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ “، مَعَ أَنَّهُ أَكبَرُ سِنًّا مِن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ. رَوَاهُ الحَافِظُ أَبُو بَكرِِ بنِ المُقرِي فِي جُزءِ تَقبِيلِِ اليَدِ.
وَرَوَى ابنُ سَعدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِإِسنَادِهِ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ زَيدٍ العِرَاقِيِّ قَالَ: “أَتَينَا سَلَمَةَ بنَ الأَكوَعِ بَالرَّبَذَةِ فَأَخرَجَ إِلَينَا يَدَهُ ضَخمَةً كَأَنَّهَا خُفُّ البَعِيرِ قَالَ: بَايَعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدِي هَذِهِ، فَأَخذْنَا يَدَهُ فَقَبَّلنَاهَا” اهـ.
وَصَحَّ أَنَّ مُسلِمًا كَانَ يُقَبِّلُ يَدَ البُخَارِيِّ وَيَقُولُ لَهُ: “وَلَو أَذِنتَ لِي لَقَبَّلتُ رِجلَكَ”.
كلام ابن حجر في التلخيص الحبير
وَفِي كِتَابِ التَّلخِيصِ الحَبِيرِ لِلعَسقَلَانِيِّ مَا نَصُّهُ:
“وَفِي تَقبِيلِ اليَدِ أَحَادِيثُ جَمَعَهَا أَبُو بَكرِ بنُ المُقرِي فِي جُزءٍ جَمَعنَاهُ، مِنهَا حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ فِي قِصَّةٍ قَالَ: فَدَنَونَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَبَّلنَا يَدَهُ وَرِجلَهُ“، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَمِنهَا حَدِيثُ صَفوَانَ بنِ عَسَّالٍ قَالَ: “قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ اذهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ” الحَدِيثَ وَفِيهِ: “فَقَبَّلَا يَدَهُ وَرِجلَهُ وَقَالَا: نَشهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ“، رَوَاهُ أَصحَابُ السُّنَنِ بِإِسنَادٍ قَوِيٍّ.
وَمِنهَا حَدِيثُ الزَّارِعِ أَنَّهُ كَانَ فِي وَفدِ عَبدِ القَيسِ قَالَ: “فَجَعَلنَا نَتَبَادَرُ مِن رََوَاحِلِنَا فَنَقُبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ ﷺ” الحَدِيثَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَرُوِيَ عَن عَائِشَةَ قَالَت: “مَا رَأَيتُ أَحَدًا كَانَ أَشبَهَ سَمتًا وَهَدْيًا وَدَلاًّ بِرَسُولِ اللهِ مِن فَاطِمَةَ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيهِ قَامَ إِلَيهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجلَسَهَا فِي مَجلِسِهِ، وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَ عَلَيهَا قَامَتْ إِلَيهِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقبَّلَتْهُ، وَأَجلَسَتْهُ فِي مَجلِسَهَا“ انتَهَى كَلَامُ الحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
القيام للداخل إكراما
وَفِي هَذَا أَيضًا إِثبَاتُ جَوَازِ القِيَامِ لِلدَّاخِلِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجهِ الإِكرَامِ لَا عَلَى وَجهِ التَّعَاظُمِ.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: “مَن أَحَبَّ أَن يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَليَتَبَوَأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ”
فَهُوَ القِيَامُ الَّذِي كَانَ يَقُومُهُ الرُّومُ وَالفُرسُ لِمُلُوكِهِم، كَانُوا إِذَا دَخَلَ مُلُوكُهُم المَجلِسَ يَقُومُونَ فَيَتَمَثَّلُونَ أَي فَيَظَلُّونَ قَائِمِينَ إِلَى أَن يَخرُجَ المَلِكُ مِنَ المَجلِسِ، وَذَلِكَ مَعنَى التَّمَثُّلِ لُغَةً. اهـ
تنبيه مهم: وجوب التواضع
لَا يَنبَغِي عَلَى العَاقِلِ أَن يَكُونَ مُتَكَبِّرًا بَل يَنبَغِي أَن يَتَوَاضَعَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِإِخوَانِهِ المُسلِمِينَ، يَنبَغِي أَن يَكُونَ هَذَا الخُلُقُ بَينَنَا أَهلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
وصية في التواضع
«الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ تَحْتَاجُ إِلَى أُمُورٍ، مِنْـهَا التَّوَاضُعُ وَالتَّحَابُّ وَالْحِلْمُ وَالتَّطَاوُعُ.
أَمَّا التَّوَاضُعُ فَإِنَّـهُ يَدْعُو إِلَى التَّآلُفِ. الرَّسُولُ سَمَّاهُ أَفْضَلَ الْعِبَادَةِ «إِنَّكُمْ لَتَغْفُلُونَ عَنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ التَّوَاضُعُ»، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
«مَنْ تَوَاضَعَ للهِ دَرَجَةً رَفَعَهُ اللهُ دَرَجَةً حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى عِلِّيِّـينَ»
وَقَالَ: «مَنْ تَكَبَّرَ دَرَجَةً خَفَضَهُ اللهُ دَرَجَةً حَتَّى يَبْلُغَ أَسْفَلَ سَافِلِينَ»
مَن استمَرَّ عَلَى التكبُّرِ يَصِلُ إِلَى أسفلِ السَّافِلِينَ فِي الانْحِطَاطِ الْمَعْنَوِيِّ وهو الْخُسرانُ معناه هو أَخْسَرُ الْخَاسِرِينَ. وَأَهْلُ العلمِ يَكْثُرُ الاسْتِفَادَةُ مِنْهُمْ عَلَى حَسَبِ تَوَاضُعِهِمْ، وبِفَقْدِ التَّوَاضُعِ أهْلُ العِلْمِ يَقِلُّ الانتفاعُ بِهمْ.
وَأَمَّا التَّحَابُّ وَالتَّـوَادُّ فَهُوَ أَسَاسُ النَّفْعِ وَالِانتفاعِ، فَقَدْ قَالَ رسولُ اللهِ: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»
معنَاهُ وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَيْ لَا يَكُونُ إِيْمَانُ الْمَرْءِ كَامِلًا حَتَّى يُحِبَّ إخْوَانَـهُ، يُحِبُّ لَهم الْخَيْرَ ويَكْرَهُ لَهم الشَّرَّ، يَفْرَحُ لفَرَحِ إخوانِـه وَيَحْزَنُ لِحُزْنِهِمْ، مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلِينَ إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِيهِ هذِهِ الْمَحَبَّةُ.
وَأَمَّا التَّـطَاوُعُ فَهُوَ مَطْلُوبٌ لأَنَّ الِاسْتِفَادَةَ بَيْنَ الإِخْوَانِ لَا تَتِمُّ بدُونِـهِ، وَمَعْنَى التَّطَاوُعِ هو التَوَافُقُ عَلَى مَا فِيهِ خَيْرٌ، يَسْتَضِيءُ الْمُؤْمِنُ بِمَا عندَ أخِيهِ مِنَ الفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ ويستفِيدُ الآخَرُ مِنْهُ ذلِكَ.
وَأَمَّا الْحِلْمُ فَهُوَ الصَّبْرُ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ خُصُوصًا وَعَلَى غَيْرِهِمْ عُمُومًا، لأَنَّ الْمُعَلِّمَ إِذَا عَوَّدَ نفسَه الْحِلْمَ تكونُ إفادَتُـهُ أَكْثَرَ، وذلِكَ لأنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُعَلِّمِينَ يضجَرُونَ مِنْ كَمَالِ الْإِفَادَةِ وَيُحْرَمُونَ خَيْرًا كَثِيرًا».
الوصية في التواضع
«أخْلِصُوا النِّيَّةَ للهِ، اللهُ تَعَالَى لاْ يَقْبَلُ عَمَلًا إلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ، أَخْلِصُوا النِّيَّةَ للهِ وتَوَاضَعُوا، كُلٌ مِنْكُمْ يَتَوَاضَعُ ويُعَامِلُ أخَاهُ بِمَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِه، لا يَذهَبْ أَحَدُكُمْ مَذْهَبَ الِاسْتِبْدَادِ والتَّرَفُّعِ، هَذَا خَرَابٌ، هَذَا لا يُنَاسِبُ الدَّعْوَةَ إلى اللهِ، الدَّعْوَةُ إلى اللهِ تحتاجُ إلى التَّواضُعِ والتَّوَافُقِ والتَّحَابِّ، اسْلُكُوا هذا الْمَسْلَكَ حَتىَّ تَنْجَحُوا في عَمَلِ الدَّعْوَةِ».
وصايا أخرى
«١. أُوصِيكُمْ بِالحِـلمِ والتَّوَاضُـعِ، أَنْ يَتَوَاضَعَ الْمُعَلِّمُ لِمَن يُعَـلِّمُ والْمُتَعَلِّمُ يَـتَوَاضَعُ لِمَنْ يُعَلِّمُهُ».
«٢. التَّوَاضُعُ مَطْلُوبٌ مَعَ الكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَالأغْنِيَاءِ وَالفُقَرَاءِ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى».
«٣. لِيَكُنْ يَوْمُكُمْ خَيْرًا مِنْ أَمْسِكُمْ وَتَوَاصَوْا فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالْحِلْمِ، وَفَّقَكُمُ اللهُ».
«٤. كُونُوا مُتَحَابِّينَ نَاصِحِينَ مُتَشَاوِرِينَ مُتَزَاوِرِينَ».
«٥. اللهُ تَعَالى يُحِبُّ لِعِبَادِهِ أَنْ يَكُونُوا مُتَوَاضِعِينَ فَلا يُحِبُّ أَهْلَ الفَخْرِ وَالعُجْبِ وَالكِبْرِيَاءِ».
الوصية في عدم الترفع
«إِيَّاكُمْ وَالتَّرَفُّعَ عَلَى الْإِخْوَانِ الَّذِينَ يَجْمَعُكُمْ وَإِيَّاهُمُ التَّوْحِيدُ وَالتَّنْزِيهُ، فَلَا يَعْقِدْ أَحَدُكُمْ قَلْبَهُ عَلَى التَّرَفُّعِ عَنْ قَبُولِ رَأْيِ غَيْرِهِ نَظَرًا لِكَوْنِهِ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ أَوْ لِكَوْنِهِ أَعْلَمَ مِنْهُ.
تَأَسَّوْا بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ الَّذِينَ جَرَّدُوا نِيَّاتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ وَلْيَكْفِكُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه أَمَّرَ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِي أَرْسَلَهُ لِمُحَارَبَةِ الْمُرْتَدِّينَ مِنَ الْعَرَبِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ. مَا أَمَّرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي هُوَ أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ وَالَّذِي هُوَ أَشْهَرُ الشُّجْعَانِ فَيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَتَلَكَّأْ عَنِ الْكَوْنِ تَحْتَ إِمَارَةِ خَالِدٍ وَالْعَمَلِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَلْ قَامَ حَقَّ الْقِيَامِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ وَلَا تَوَانٍ.
وَلَا يَعْقِدْ أَحَدُكُمْ قَلْبَهُ عَلَى أَنْ لَا يُطِيعَ إِلَّا مَنْ هُوَ كَامِلُ الْأَوْصَافِ فَإِنَّ كَامِلَ الْأَوْصَافِ نَادِرٌ فِي النَّاسِ. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ:
«النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً»
وَأَلْزِمُوا أَنْفُسَكُمُ التَّوَاضُعَ فَإِنَّ التَّوَاضُعَ مِرْقَاةٌ إِلَى الْكَمَالِ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
«إِنَّكُمْ لَتَغْفُلُونَ عَنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ التَّوَاضُعُ»
تَوَاضَعُوا لِمَنْ فَوْقَكُمْ وَلِمَنْ دُونَكُمْ. فَالَّذِي لَا يَتَوَاضَعُ لَا يَتَرَقَّى لِأَنَّ تَرْكَ التَّوَاضُعِ حَاجِزٌ بَيْنَ الشَّخْصِ وَبَيْنَ التَّرَقِّي».
التواضع بين أهل السنة والجماعة
لَا يَنبَغِي أَن نَكُونَ مُتَكَبِّرِينَ مَعَ بَعضِنَا البَعضِ، بَل أَن نَكُونَ عَلَى التَّوَاضُعِ وَالتَّذَلُّلِ لِإِخوَانِنَا وَأَخَوَاتِنَا، كَمَا وَصَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ صَحَابَةَ الرَّسُولِ ﷺ حَيثُ قَالَ:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]
وَصَفَهُم بِأَنَّهُم ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، لِذَلِكَ يَنبَغِي أَن نَكُونَ مُتَوَافِقِينَ مُتَذَلِّلِينَ لِبَعضِنَا البَعضِ وَهَذَا فِيهِ قُوةٌ لِلدِّينِ وَقُوَّةٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةَ.
معاملة من تحت مسؤوليتك بالتواضع
رَوَى مُسلِمٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ قَالَ:
«أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَسَأَلَت عَن أَمِيرِهِم فِي بَعضِ الغَزَوَاتِ، فَقَالَ: مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا، إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ، وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ فِي بَيْتِي هَذَا:
اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ»اهـ.
مَعنَاهُ الطُف بِهِ يَا رَبُّ، هَذَا يُعطِينَا مَعنًى مُهِمًّا أَنَّهُ إِذَا صِرنَا إِلَى عَمَلٍ نَحنُ فِيهِ مَسؤُولُونَ عَن غَيرِنَا أَن نَتَلَطَّفَ بِبَعضِنَا البَعضَ وَلَا نَتَكَبَّرَ عَلَى بَعضِنَا البَعضِ، وَهَذَا هُوَ الأَنفَعُ وَالأَقوَى لِلدِّينِ.
التكبر يمنع من الرجوع إلى الصواب
وَكَذَلِكَ أُنَبِّهُكُم عَلَى أَمرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ التَّكَبُّرَ أَحيَانًا يُثنِي وَيُبعِدُ البَعضَ عَنِ الرُّجُوعِ عَنِ الخَطَأِ إِذَا وَقَعَ فِيهِ، كَم وَكَم مِنَ الأَشخَاصِ عَرَفنَاهُم أَخطَؤُوا فَمَنَعَهُم كِبَرُهُم أَن يَرجِعُوا إِلَى الصَّوَابِ وَبَقَوا عَلَى فَسَادِهِم حَتَّى هَلَكُوا وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
قصة جبلة بن الأيهم: عبرة في الكبر
جَبَلَةُ بنُ الأَيهَمِ وَاحِدٌ مِنهُم، كَانَ مَلِكَ نَصَارَى العَرَبِ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَأَدرَكَ الإِسلَامَ وَأَسلَمَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ.
إسلامه وقدومه على عمر
فَقَد كَتَبَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُعلِمُهُ بِإِسلَامِهِ وَيَستَأذِنُهُ فِي الوُفُودِ عَلَيهِ فَسُرَّ بِذَلِكَ هُوَ وَالمُسلِمُونَ فَكَتَبَ إِلَيهِ عُمَرُ: أَنْ أَقدِم فَلَكَ مَا لَنَا وَعَلَيكَ مَا عَلَينَا، ثُمَّ حَضَرَ المَوسِمَ مِن عَامِهِ ذَلِكَ.
الحادثة التي أدت إلى ردته
فَبَينَا هُوَ يَطُوفُ بِالبَيتِ إِذ وَطِىءَ عَلَى إِزَارِهِ رَجُلٌ مِن فَزَارَةَ فَحَلَّهُ، فَالتَفَتَ إِلَيهِ جَبَلَةُ مُغضَبًا وَلَطَمَهُ فَهَشَمَ أَنفَهُ فَاستَعدَى عَلَيهِ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَبَعَثَ إِلَيهِ يَقُولُ: مَا دَعَاكَ إِلَى أَن لَطَمتَ أَخَاكَ فَهَشَمتَ أَنفَهُ؟
قَال:َ إِنَّهُ وَطِئَ إِزَارِي فَحَلَّهُ فَلَولَا حُرمَةُ البَيتِ لَأَخَذتُ الَّذِي فِيهِ عَينَاهُ.
حكم عمر بن الخطاب
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَمَّا أَنتَ فَقَد أَقرَرتَ فَإِمَّا أَن تُرَضِّيَهُ وَإِلَّا أَقَدْتهُ مِنكَ.
قَالَ: أتُقِيدُهُ مِنِّي وَأَنَا مَلِكٌ وَهُوَ سُوقَةٌ؟
قَالَ عُمَرُ: يَا جَبَلَةُ إِنَّهُ قَد جَمَعَكَ وَإِيَّاهُ الإِسلَامَ فَمَا تَفضُلُهُ إِلَّا بِالعَافِيَةِ.
قَالَ: وَاللهِ لَقَد رَجَوتُ أَن أَكُونَ فِي الإِسلَامِ أَعَزَّ مِنِّي فِي الجَاهِلِيَّةِ.
قَالَ عُمَرُ: هُوَ ذَاكَ.
طلب المهلة والهروب
فَقَالَ جَبَلَةُ: أَخِّرْنِي إِلَى غَدٍ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ.
قَالَ: ذَلِكَ لَكَ.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيلُ خَرَجَ هُوَ وَأَصحَابُهُ فَلَم يَلبَث أَن دَخَلَ قُسطَنطِينِيَّةَ عَلَى هِرَقلَ فَتَنَصَّرَ، فَأَعظَمَ قُدُومَهُ وَسُرَّ بِهِ وَأَقطَعَهُ الأَموَالَ وَالأَرَضِينَ وَالرِّبَاعِ.
ندمه بعد الردة
وَكَانَ جَبَلَةُ بَعدَ ذَلِكَ يَقُولُ وَهُوَ فِي القُسطَنطِينِيَّةِ:
تَنَصَّرتِ الأَشرَافُ مِن عَارِ لَطمَةٍ * وَمَا كَانَ فِيهَا لَو صَبَرتُ لَهَا ضَرَرْ
تَكَنَّفَنِي مِنهَا لَجاجٌ وَنَخوَةٌ * وَبِعتُ لَهَا العَيْنَ الصَّحِيحَةَ بالعَوَرْ
فَيَا لَيتَ أُمِّي لَم تَلِدنِي وَلَيتَنِي * رَجَعتُ إِلَى القَولِ الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ
وَيَا لَيتَنِي أَرعَى المَخَاضَ بِقَفرَةٍ * وَكُنتُ أَسيرًا فِي رَبِيعَةَ أَو مُضَرٍ
الخاتمة
نسأل الله السلامة وحسن الختام.