عبد الله بن رواحة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المُقَدِّمَةُ

تَزخَرُ سِيرَةُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم بِالنَّمَاذِجِ المُشرِقَةِ الَّتِي جَمَعَت بَينَ الإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ وَالتَّضحِيَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى. وَمِن هَؤُلَاءِ الأَعلَامِ الكِبَارِ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الَّذِي جَمَعَ بَينَ شَرَفِ الصُّحبَةِ وَصِدقِ الإِيمَانِ وَقُوَّةِ البَيَانِ وَالشَّجَاعَةِ فِي مَيَادِينِ الجِهَادِ، حَتَّى خَتَمَ حَيَاتَهُ بِالشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفِي هَذَا المَقَالِ نَسْتَعْرِضُ جُمْلَةً مِنْ أَخْبَارِهِ وَفَضَائِلِهِ وَمَوَاقِفِهِ المَشْهُودَةِ.

نسبه ومكانته

عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ امْرِئِ القَيْسِ الأَنْصَارِيُّ ابْنُ ثَعْلَبَةَ. الأَمِيرُ، السَّعِيدُ، الشَّهِيدُ، الخَزْرَجِيُّ، البَدْرِيُّ. أَحَدُ كِبَارِ الأَنصَارِ وَنُقَبَائِهِم، وَمِنَ السَّابِقِينَ إِلى الإِسلَامِ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ. وَكَانَ مَعرُوفًا بِفَصَاحَتِهِ وَشِعرِهِ، حَتَّى عُدَّ مِن شُعَرَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِين نَافَحُوا عَنِ الإِسلَامِ وَرَدُّوا عَلى المُشرِكِينَ بِأَلسِنَتِهِم كَمَا جَاهَدُوا بِسُيُوفِهِم.

وَرَوَاحَة: بِفَتحِ الرَّاءِ، وَتَخفِيفِ الوَاوِ، وَبِالحَاءِ المُهمَلَةِ.

من فضائله رضي الله عنه

امتَازَ عَبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِصِدقِ الطَّاعَةِ وَسُرعَةِ الامتِثَالِ لِأَمرِ النَّبِيِّ ﷺ. وَمِن أَشهَرِ مَوَاقِفِهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ: «اجْلِسُوا». فَجَلَسَ مَكَانَهُ خَارِجَ المَسْجِدِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، امتِثَالًا لِلأَمرِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ،فَقَالَ: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا عَلَى طَوَاعِيَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلى كَمَالِ طَاعَتِهِ وَحِرصِهِ عَلى مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنْ كُنَّا لَنَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ فِي اليَوْمِ الحَارِّ، مَا فِي القَوْمِ أَحَدٌ صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ.

بَكَى ابْنُ رَوَاحَةَ، وَبَكَتِ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ: مَا لَكِ؟ قَالَتْ: بَكَيْتُ لِبُكَائِكَ. فَقَالَ: تَذَكَّرتُ النَّارَ، وَمَا أَدْرِي أَنَاجٍ مِنْهَا أَمْ لَا.

عَنِ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ كَانَ لَهُ مَسْجِدَانِ: مَسْجِدٌ فِي بَيْتِهِ، وَمَسْجِدٌ فِي دَارِهِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي بَيْتِهِ، وَإِذَا دَخَلَ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي دَارِهِ، وَكَانَ حَيْثُمَا أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ (وَهُوَ رَاكِبٌ بَعِيرَهُ) أَنَاخَ (بَعِيرَهُ وَصَلَّى مُحَافَظَةً عَلى أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الوَقتِ).

عبد الله بن رواحة والشعر

كَانَ عَبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ مِن أَبرَزِ شُعَرَاءِ الإِسلَامِ، وَقَد سَخَّرَ مَوهِبَتَهُ لِلدِّفَاعِ عَنِ الدَّعوَةِ الإِسَلَامِيَّةِ وَنُصرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَكَانَ شِعرُهُ يَحمِلُ مَعَانِيَ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ وَالثَّبَاتِ، وَيَرُدُّ بِهِ عَلى المُشرِكِينَ وَيَكشِفُ ضَلَالَهُم، وَلِذَلِكَ أَثنَى النَّبِيُّ ﷺ عَلى شِعرِهِ وَشَجَّعَهُ عَلَيهِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ (قَالَ الطَبَرِيُّ: هُم شُعَرَاءُ المُشرِكِينَ، مَا كَانَ يَتَّبِعُهُم إِلَّا غُوَاةُ النَّاسِ)، قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ: أَنَا مِنْهُمْ. فَاستَثنَاهُ اللهُ بِقَولِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

وَمَرَّ ابن رَوَاحَةَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ ﷺ: «كَيْفَ تَقُوْلُ الشِّعْرَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَقُوْلَ» (كَأَنَّهُ يَتَعَجَّبُ لِذَاكَ) قَالَ: أَنْظُرُ ثُمَّ أَقُوْلُ، قَالَ: «فَعَلَيْكَ بِالمُشْرِكِيْنَ»، ولَمْ يَكُنْ قَد هَيَّأَ شَيْئاً، ثُمَّ قُالَ:

فَخَبِّرُوْنِي أَثْمَانَ العَبَاءِ مَتَى … كُنْتُمْ بَطَارِقَ أَوْ دَانَتْ لَكُم مُضَرُ؟

فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ قَدْ كَرِهَ هَذَا أَنْ جَعَلْتُ قَوْمَهُ أَثْمَانَ العَبَاءِ، فَقُلْتُ:

يَا هَاشِمَ الخَيْرِ، إِنَّ اللهَ فَضَّلَكُمْ … عَلَى البَرِيِّةِ فَضْلًا مَا لَهُ غِيرُ

إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيْكَ الخَيْرَ أَعْرِفُهُ … فِرَاسَةً خَالَفَتْهُم فِي الَّذِي نَظَرُوا

وَلَوْ سَأَلْتَ إِنْ اسْتَنْصَرْتَ بَعْضَهُمُ … فِي حِلِّ أَمْرِكَ مَا آوَوْا وَلَا نَصَرُوا

فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ … تَثْبِيْتَ مُوْسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا

فَأَقْبَلَ ﷺ بِوَجْهِهِ مُسْتَبْشِرًا، وَقَالَ: «وَإِيَّاكَ فَثَبَّتَ اللهُ».

عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ:

خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهْ … الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهْ

ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهْ … وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهْ

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، أبَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَفِي حَرَمِ اللهِ تَقُولُ الشِّعْرَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خَلِّ عَنْهُ، فَلَهُوَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ»، رواه النسائي.

وَكَانَ ابنُ رَوَاحَةَ فِي مَسِيرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: «انْزِلْ، فَحَرِّكِ الرِّكَابَ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدْ تَرَكْتُ قَولِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اسْمَعْ وَأَطِعْ، فَنَزَلَ، وَقَالَ:

تَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا.

أَخرَجَهُ البَيهَقِيُّ.

أمانته وعدله

مِنَ المَوَاقِفِ العَظِيمَةِ فِي سِيرَتِهِ مَا كَانَ عِندَ بَعثِهِ إِلى يَهُودِ خَيبَرَ لِتَقدِيرِ الثِّمَارِ وَقِسمَةِ الحُقُوقِ. فَقَد حَاوَلُوا استِمَالَتَهُ بِالهَدَايَا لِيُخَفِّفَ عَنهُم فِي التَّقدِيرِ، فَجَمَعُوا حُلِيًّا مِنْ نِسَائِهِم، فَقَالُوا: هَذَا لَكَ، وَخَفِّفْ عَنَّا. فَرَفَضَ ذَلِكَ رَفضًا قَاطِعًا، قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُوْدَ، وَاللهِ إِنَّكُم لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إِلَيَّ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيْفَ عَلَيْكُم (أي لَا أَظلِمُكُم)، وَالرِّشْوَةُ سُحْتٌ (حَرَامٌ). فَبَيَّنَ أَنَّ الرِّشوَةَ حَرَامٌ، وَأَنَّ بُغضَهُ لَهُم لَا يَدفَعُهُ إِلى الظُّلمِ، وَهَذَا مِمَّا يُظهِرُ عَدلَهُ وَأَمَانَتَهُ وَتَمَسُّكَهُ بِأَحكَامِ الشَّرعِ.

غزوة مؤتة

تُعَدُّ غَزَوَةُ مُؤتَةَ مَوقِفًا عَظِيمًا فِي حَيَاةِ عَبدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. فَقَد جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ثَالِثَ القَادَةِ بَعدَ زَيدِ بنِ حَارِثَةَ وَجَعفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم. فَقَالَ ﷺ: «عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ»، أَخرَجَهُ ابنُ حِبَّانَ.

فَلَمَّا سَارُوا بِنَاحِيَةِ معَانَ، فَبَلَغَهُم أَنَّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ بِمَآبَ فِي مَائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرُّوْمِ، وَانضَمَّ إِلَيهِم مَائَةُ أَلْفٍ مِنَ العَرَبِ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا عَلَى مَعَانَ لَيْلَتَيْنِ يُفَكّرُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَاسْتَشَارَ زَيْدٌ أَصْحَابَهُ، فَقَالُوا: قَدْ وَطِئْتَ البِلَادَ، وَأَخَفْتَ أَهْلَهَا، فَانْصَرِفْ، أَي أَشَارَ البَعضُ عَلَيهِ بِأَن يَرجِعَ، وَقَالَ القَومُ: نَكْتُبُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوِّنَا، فَإِمّا أَنْ يُمِدّنَا بِالرّجَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَأمُرَنَا بِأَمرِهِ، وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ: يَا قَوْمِ، وَاللهِ إِنَّ الَّتِي تَكْرَهُونَ، لَلَّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةُ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدِ وَلَا قُوّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا، فَإِنّمَا هِيَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، إمّا ظُهُورٌ وَإِمّا شَهَادَةٌ، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ وَاللهِ صَدَقَ ابْنُ رَوَاحَةَ، فَمَضَى النّاسُ، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ.

وَأَنشَدَ عَبْدُ الله بنُ رَوَاحَةَ فِي مَحبَسِهِم ذَلِكَ:

جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ أَجَإٍ وَفَرْعٍ *** تُغَرّ مِنْ الْحَشِيشِ لَهَا الْعُكُومُ

حَذَوْنَاهَا مِنْ الصّوّانِ سِبْتًا *** أَزَلّ كَأَنّ صَفْحَتَهُ أَدِيمُ

أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَعَانٍ *** فَأَعْقَبَ بَعْدَ فَتْرَتِهَا جُمُومُ

فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ مُسَوّمَاتٌ *** تَنَفّسُ فِي مَنَاخِرِهَا السّمُومُ

فَلَا وَأَبِي مَآبَ لَنَأْتِيَنْهَا *** وَإِنْ كَانَتْ بِهَا عَرَبٌ وَرُومُ

فَعَبّأْنَا أَعِنّتَهَا فَجَاءَتْ *** عَوَابِسَ وَالْغُبَارُ لَهَا بَرِيمُ

بِذِي لَجَبٍ كَأَنّ الْبَيْضَ فِيهِ *** إذا بررت قَوَانِسُهَا النّجُومُ

فَرَاضِيَةُ الْمَعِيشَةِ طَلّقَتْهَا *** أَسِنّتُهَا فَتَنْكِحُ أَوْ تَئِيمُ

وَبَعدَ استِشهَادِ زَيدٍ وَجَعفَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، أَخَذَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ الرّايَةَ، ثُمّ تَقَدّمَ بِهَا وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، فَجَعَلَ يَسْتَنْزِلُ نَفْسَهُ وَيَتَرَدَّدُ بَعْضَ التّرَدّدِ، ثُمّ قَالَ:

أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ … طَائِعَةً أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ

إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرَّنَّهْ … مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّةْ

قَدْ طَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّةْ … هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّةْ

وَقَالَ أَيْضًا:

يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي … هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صُلِيتِ

وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ … إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ

يُرِيدُ صَاحِبَيهِ زَيْدًا وَجَعْفَرًا، ثُمّ نَزَلَ، فَلَمّا نَزَلَ أَتَاهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ بِعَرْقٍ مِنْ لَحْمٍ فَقَالَ: شُدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ لَقِيتَ فِي أَيّامِكَ هَذِهِ مَا لَقِيتَ، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمّ انْتَهَسَ مِنْهُ نَهْسَةً، ثُمَّ سَمِعَ الْحَطْمَةَ فِي نَاحِيَةِ النّاسِ، فَقَالَ: وَأَنْتَ فِي الدّنْيَا! ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَتَقَدَّمَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.

الرُّوَاةُ عَنْهُ

حَدَّثَ عَنْهُ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَرَوَى عَنهُ بِوَاسِطَةٍ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَغَيْرُهُمْ.

الخَاتِمَةُ

وَفِي خِتَامِ هَذِهِ السِّيرَةِ المُبَارَكَةِ، يَبْرُزُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ رضي الله عنه نَمُوذَجًا فِي الصِّدْقِ وَالإِيمَانِ وَالجِهَادِ وَالتَّضْحِيَةِ. فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ العِلْمِ وَالعِبَادَةِ، وَبَيْنَ الشِّعْرِ وَالدَّعْوَةِ، وَبَيْنَ الشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ، فَكَانَ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَتَبْقَى سِيرَتُهُ دَرْسًا عَظِيمًا فِي حُسْنِ الطَّاعَةِ، وَصِدْقِ اليَقِينِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ، وَالتَّطَلُّعِ إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى. فَرَضِيَ اللهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَجَزَاهُ عَنِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ خَيْرَ الجَزَاءِ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَةِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

القُرءَانِ الكَرِيمِ.

السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.

صَحِيحِ البُخَارِيِّ.

صَحِيحِ مُسلِمٍ.

سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ.

لِسَانِ العَرَبِ لِابنِ مَنظُورٍ.

أُسدِ الغَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.

البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابنِ كَثِيرٍ.