بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة
يُعَدُّ السَّلَامُ مِن أَعظَمِ شَعَائِرِ الإِسلَامِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الشَّرعُ الحَنِيفُ، وَهُوَ تَحِيَّةُ المُسلِمِينَ بَعضِهِم لِبَعضٍ، وَسَبَبٌ لِتَألِيفِ القُلُوبِ، وَنَشرِ الأُلفَةِ وَالمَحَبَّةِ بَينَهُم. وَقَد وَرَدَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ التَّأكِيدُ عَلى فَضلِهِ وَأَثَرِهِ فِي حَيَاةِ المُسلِمِ، حَتَّى صَارَ شِعَارًا مُمَيَّزًا لِأَهلِ الإِيمَانِ.
غَيرَ أَنَّ لِلسَّلَامِ أَحكَامًا تَفصِيلِيَّةً تَتَعَلَّقُ بِوُجُوبِ رَدِّهِ، وَجَوَازِ ابتِدَائِهِ أَو مَنعِهِ، تَختَلِفُ بِاختِلَافِ الأَشخَاصِ وَالأَحوَالِ. وَمِن هُنَا تَأتِي أَهَمِيَّةُ هَذَا البَحثِ لِبَيَانِ تِلكَ الأَحكَامِ بِدِقَّةٍ، وَفقَ مَا قَرَّرَهُ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيرُهُم.
وجوب رد السلام
- الوُجُوبُ العَيِنِيُّ: إِذَا صَدَرَ السَّلَامُ مِن مُسلِمٍ مُكَلَّفٍ إِلى مُسلِمٍ مُعَيَّنٍ، وَجَبَ عَلى المُخَاطَبِ بِعَينِهِ الرَّدُ عَلَيهِ.
- الوُجُوبُ الكِفَائِيُّ: إِذَا سَلَّمَ المُسلِمُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ كَفَى أَن يَرُدَّ وَاحِدٌ مِنهُم وَسَقَطَ الإِثمُ عَنِ البَاقِينَ.
دليل وجوب رد السلام
الدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، [سورة النساء:86].
حكم السلام بين الجنسين
- إِذَا سَلَّمَت شَابَّةٌ عَلى رَجُلٍ أَجنَبِيٍّ أَوِ العَكسُ لَم يَجِبِ الرَّدُّ، بَل يَبقَى الجَوَازُ بِشَرطِ أَمْنِ الفِتنَةِ.
- لَم يُنقَلْ عَنِ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي تَحرِيمِ ابتِدَاءِ الشَّابَّةِ الأَجنَبِيَّةِ بِالسَّلَامِ عَلى الرَّجُلِ، بَل كَلَامُ أَبِي عَبدِ اللهِ الحَلِيمِيِّ وَأَبِي سَعِيدٍ المُتَوَلِّي يَدُلُّ عَلى الجَوَازِ عِندَ أَمنِ الفِتنَةِ.
- قَالَ الْحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: قَالَ الْحَلِيمِىُّ فِى مَسْئَلَةِ السَّلامِ عَلَى الأَجْنَبِيَّةِ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ لِلْعِصْمَةِ مَأْمُونًا مِنَ الْفِتْنَةِ، فَمَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِالسَّلامَةِ فَلْيُسَلِّمْ وَإِلَّا فَالصَّمْتُ أَسْلَمُ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ مَرْفُوعًا: «يُسَلِّمُ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ وَلا يُسَلِّمُ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ»، وَسَنَدُهُ وَاهٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَثَبَتَ فِى مُسْلِمٍ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ -أَي بِدُونِ أَن تَرَاهُ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ.اهـ
ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْمُتَوَلِّى (وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ): إِنْ كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَةٌ أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ أَمَةٌ فَكَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً نُظِرَ إِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً يُخَافُ الِافْتِتَانُ بِهَا لَمْ يُشْرَعِ السَّلامُ لا ابْتِدَاءً وَلا جَوَابًا، فَلَوِ ابْتَدَأَ أَحَدُهُمَا كُرِهَ لِلآخَرِ الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لا يُفْتَتَنُ بِهَا جَازَ. انْتَهَى.
المواطن التي لا يجب فيها رد السلام
- المَكرُوهُ: مِثلُ السَّلَامِ عَلَى قَاضِي الحَاجَةِ حَالَ خُرُوجِهِ، أَو عَلى الآكِلِ وَفِي فَمِهِ اللُّقمَةُ، فَلَا يَجِبُ الرَّدُّ حِينَهَا.
- البِدعِيُّ المُخَالِفُ فِي الاعتِقَادِ مِمَّن لَم تَبلُغْ بِدعَتُهُ إِلى الكُفرِ: لَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلى المُبتَدِعِ إِذَا لَم تَبلُغ بِدعَتُهُ الكُفرَ.
- الفَاسِقُ: لَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيهِ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ فِي تَركِ الرَّدِ زَجرٌ لَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: “وَأَمَّا المُبتَدِعُ وَمَنْ اقتَرَفَ ذَنبًا عَظِيمًا وَلَم يَتُبْ مِنهُ فَيَنبَغِي أَن لَا يُسلّمَ عَلَيهِم، وَلَا يَرُدَّ عَلَيهِمُ السَّلَامَ، كَذَا قَالَهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ مِنَ العُلَمَاءِ”.
- حَالَ الخُطبَةِ يَومَ الجُمُعَةِ: لَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلى مَن سَلَّمَ فِي المَسجِدِ أَثنَاءَ الخُطبَةِ.
السلام على المجنون والسكران
ذَكَرَ أَبُو زُرعَةَ فِي نُكَتِهِ أَنَّ فِي وُجُوبِ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيهِمَا وَجهَينِ بِلَا تَرجِيحٍ:
- رَجَّحَ بَعضُهُم أَنَّهُ لَا يَجِبُ، إِلَّا إِذَا خِيفَ مِن تَركِهِ شَرٌّ فَيَجِبُ حِينَهَا دَفعًا لِلشَّرِّ.
- وَصَحَّحَ فِي شَرحِ المُهَذَّبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الرَّدُّ مُطلَقًا، وَلَا يُستَحَبُّ كَذَلِكَ.
منظومة لطيفة في حكم رد السلام
قَالَ فِي إِعَانَةِ الطَّالِبِينَ: وَقَد نَظَمَ الجَلَالُ السُّيُوطِيُّ المَسَائِلَ الَّتِي لَا يَجِبُ فِيهَا الرَّدُّ فَقَالَ:
رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ إِلَّا عَلَى *** مَن فِي صَلَاةٍ أَو بِأَكلٍ شُغِلَا
أَو شُربٍ او قِرَاءَةٍ أَو أَدعِيَهْ *** أَو ذِكرٍ او فِي خُطبَةٍ أَو تَلبِيَهْ
أَو فِي قَضَاءِ حَاجَةِ الإِنسَانِ *** أَو فِي إِقَامَةٍ أَوِ الأَذَانِ
أَو سَلَّمَ الطِّفلُ أَوِ السَّكرَانُ *** أَو شَابَّةٌ يُخشَى بِهَا افتِتَانُ
أَو فَاسِقٌ أَو نَاعِسٌ أَو نَائِم *** أَو حَالَةَ الجِمَاعِ أَو تَحَاكُم
أَو كَانَ فِي حَمَّامٍ او مَجنُونَا *** فَوَاحِدٌ مِن بَعدِهِ عِشرُونَا
ابتداء غير المسلمين بالسلام
- ظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِذَا لَقِيتُمُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى فَلَا تَبدَؤُوهُم بِالسَّلَامِ» رَوَاهُ مُسلِمٌ، يَدُلُّ عَلى تَحرِيمِ ابتِدَائِهِم بِالسَّلَامِ، وَهُو قَولُ الأَكثَرِينَ.
- ذَهَبَت طَائِفَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ إِلى جَوَازِ ابتِدَائِهِم بِالسَّلَامِ، مُحتَجِّينَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ﴾، [سورة الممتحنة: 8]. وَبِقَولِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامِ لِأَبِيهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾، [سورة مريم: 47].
- إِلَّا أَنَّ الحَافِظَ ابنَ حَجَرٍ رَجَّحَ فِي “الفَتحِ” أَنَّ حَدِيثَ النَّهيِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَولَى بِالاتِّبَاعِ.
رأي بعض السلف في السلام على أهل الذمة
- رُوِيَ عَن أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مَن لَقِيَهُ، وَقَالَ: “إِنَّ اللهَ جَعَلَ السَّلَامَ تَحِيَةً لِأُمَّتِنَا وَأَمَانًا لِأَهلِ ذِمَّتِنَا”.
- وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ أَنَّهُ استَثنَى مَا إِذَا احتَاجَ لِذلِكَ المُسلِمُ لِضَرُورَةِ دِينِيَّةٍ أَو دُنيَوِيَّةٍ كَقَضَاءِ حَقِّ المُرَافَقَةِ.
- لَكِن حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ فِي النَّهِي عَن ابتِدَائِهِم بِالسَّلَامِ أَولَى وَأَصَحُّ فِي الدِّلَالَةِ، كَمَا مَرَّ عَنِ الحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ.
خلاصة
وَمِن أَهَمِّ القَوَاعِدِ المُستَفَادَةِ:
• وُجُوبُ رَدِّ السَّلَامِ عَلى المُسلِمِ بِعَينِهِ أَو عَلَى الجَمَاعَةِ.
• جَوَازُ السَّلَامِ بَينَ الجِنسَينِ مَع أَمْنِ الفِتنَةِ.
• عَدَمُ وُجُوبِ الرَّدِّ فِي حَالَاتٍ مَخصُوصَةٍ كَالمُبتَدِعِ وَالفَاسِقِ وَالمَجنُونِ.
• النَّهيُ عَنِ ابتِدَائِهِم لِغَيرِ المُسلِمِينَ بِالسَّلَامِ، وَهُوَ الأَصَحُّ عِندَ جُمهُورِ العُلَمَاءِ.
خاتمة
السَّلَامُ عِبَادَةٌ قَلبِيَّةٌ وَلِسَانِيَّةٌ، تُظهِرُ تَوَاضُعَ المُسلِمِ وَحُبَّهُ لِإِخوَانِهِ. وَقَد جَاءَ الشَّرعُ بِتَفصِيلِ أَحكَامِهِ بَينَ الوُجُوبِ وَالجَوَازِ وَالمَنعِ، بِحَسَبِ حَالِ المُسلِمِ أَو غَيرِهِ، وَبِحَسَبِ المَقَامِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ السَّلَامُ. وَبِهَذَا يَظهَرُ أَنَّ الإِسلَامَ أَرَادَ بِالسَّلَامِ أَن يَكُونَ وَسِيلَةَ مَحَبَّةٍ وَتَعَارُفٍ بَينَ المُؤمِنِينَ، وَشِعَارًا يُمَيِّزُهُم عَن غَيرِهِم، مَعَ صِيَانَةِ أَحكَامِهِ عَمَّا يُخِلُّ بِالمَقَاصِدِ الشَّرعِيَّةِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
القُرءَانِ الكَرِيمِ.
السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
صَحِيحِ مُسلِمٍ.
سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
فَتحِ البَارِي شَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
إِعَانَةِ الطَّالِبِينَ.
فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
الأَذكَارِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.