بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى قَامَتْ عَلَى أَكْتَافِ رِجَالٍ صَادِقِينَ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَرْوَاحَهُمْ فِي سَبِيلِ نَشْرِ دِينِ اللهِ، وَتَحَمَّلُوا فِي ذَلِكَ أَنْوَاعَ المَشَاقِّ وَالأَذَى. وَكَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَبْطَالِ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ الحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ الأَزْدِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، الَّذِي اخْتَارَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَكُونَ سَفِيرَهُ وَحَامِلَ رِسَالَتِهِ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، فَأَدَّى الأَمَانَةَ بِصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ، حَتَّى خَتَمَ حَيَاتَهُ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَتُعَدُّ قِصَّتُهُ مِنَ المَوَاقِفِ المُؤَثِّرَةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ إِذْ كَانَ مَقْتَلُهُ سَبَبًا مُبَاشِرًا فِي خُرُوجِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ إِلَى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، تِلْكَ الغَزْوَةِ الَّتِي سَجَّلَتْ أَعْظَمَ مَعَانِي الثَّبَاتِ وَالتَّضْحِيَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى.
نسبه وإسلامه
هُوَ الحَارِثُ بنُ عُمَيرٍ الأَزدِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن بَنِي لِهْبٍ، أَحَدُ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمِنَ السَّابِقِينَ إِلى خِدمَةِ الدَّعوَةِ الإِسلَامِيَّةِ. اصطَفَاهُ النَّبِيُّ ﷺ لِحَملِ رِسَالَتِهِ إِلى مَلِكِ بُصرَى مِن أَرضِ الشَّامِ، وَهِيَ مُهِمَّةٌ لَا يُختَارُ لَهَا إِلَّا مَن جَمَعَ الحِكمَةَ وَالثَّبَاتَ وَحُسنَ التَّصَرُّفِ.
سفير رسول الله ﷺ
بَعدَ انتِشَارِ الإِسلَامِ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، بَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ يُرَاسِلُ المُلُوكَ وَالأُمَرَاءَ يَدعُوهُم إِلى الإِسلَامِ، فَبَعَثَ عَدَدًا مِن أَصحَابِهِ سُفَرَاءَ يَحمِلُونَ كُتُبَهُ إِلى حُكَّامِ البِلَادِ.
وَكَانَ الحَارِثُ بنُ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَسُولَ النَّبِيِّ ﷺ إِلى مَلِكِ بُصرَى، يَحمِلُ كِتَابًا يَدعُوهُ فِيهِ إِلى الإِسلَامِ، فِي مُهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ تَدُلُّ عَلى ثِقَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ، وَعَلى مَا كَانَ يَتَحَلَّى بِهِ مِن أَمَانَةٍ وَحُسنِ خُلُقٍ.
استشهاده رضي الله عنه
فِي طَرِيقِهِ إِلى الشَّامِ، وَصَلَ الحَارِثُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلى مِنطَقَةِ مُؤتَةَ، فَاعتَرَضَهُ شُرَحبِيلُ بنُ عَمرٍو الغَسَّانِيُّ، وَكَانَ عَامِلًا لِلرُّومِ عَلى تِلكَ النَّاحِيَةِ، فَقَالَ: أَينَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الشَّامَ. قَالَ:لَعَلَّكَ مِن رُسُلِ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَم أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَوثَقَهُ رِبَاطًا، ثُمَّ قَدَّمَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ صَبرًا (أي ظُلمًا وَعُدوَانًا).
وَلَم يُقتَل لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَسُولٌ غَيرُهُ.
سبب غزوة مؤتة
لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَبَرُ استِشهَادِ الحَارِثِ بنِ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ اشتَدَّ عَلَيهِ ذَلِكَ.
فَجَهَّزَ النَّبِيُّ ﷺ جَيشًا قِوَامُهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ مُقَاتِلَ، وَأَمَّرَ عَلَيهِم زَيدَ بنَ حَارِثَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ثُمَّ جَعفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ عَبدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَاتَّجَهَ الجَيشُ إِلى مُؤتَةَ، حَيثُ وَقَعَتِ الغَزوَةُ المَشهُورَةُ الَّتِي أَظهَرَ فِيهَا المُسلِمُونَ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ مَا بَقِيَ مُدَوَّنًا فِي التَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ.
مكانته رضي الله عنه
لَم يُنقَلْ عَنِ الحَارِثِ بنِ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَثرَةُ الرِّوَايَةِ أَو طُولُ الصُّحبَةِ، لَكِن يَكفِيهِ شَرَفًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اختَارَهُ سَفِيرًا لَهُ، وَهَذِهِ مَنزِلَةٌ لَا يَنَالُهَا إِلَّا أَهلُ الثِّقَةِ وَالفَضلِ. كَمَا اقتَرَنَ اسمُهُ بِأَحَدِ أَعظَمِ أَحدَاثِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهُوَ غَزوَةُ مُؤتَةَ.
الخَاتِمَةُ
وَفِي خِتَامِ هَذِهِ القِصَّةِ، نَرَى فِي الحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ الأَزْدي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِثَالًا مُشْرِقًا لِلصِّدْقِ وَالوَفَاءِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ، فَقَدْ خَرَجَ مُبَلِّغًا رِسَالَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَا يَبْتَغِي إِلَّا رِضَا اللهِ تَعَالَى، فَنَالَ شَرَفَ الشَّهَادَةِ وَهُوَ يَقُومُ بِخِدْمَةِ الإِسْلَامِ.
وَلَقَدْ كَانَ اسْتِشْهَادُهُ حَدَثًا عَظِيمًا أَثَّرَ فِي المُسْلِمِينَ، وَكَشَفَ عَنْ مَدَى حِرْصِهِمْ عَلَى حِفْظِ الدِّينِ وَالدِّفَاعِ عَنْ الدَّعْوَةِ، فَكَانَ سَبَبًا فِي خُرُوجِ جَيْشِ مُؤْتَةَ. فَرَضِيَ اللهُ عَنْ الحَارِثِ بْنِ عُمَيرٍ، وَجَزَاهُ عَنِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ خَيرَ الجَزَاءِ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ.
أُسدِ الغَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.
البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابنِ كَثِيرٍ.