بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج الآية:٤٦].
رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ لِكُلِّ إِنسَانٍ أَربَعَ أَعيُنٍ: عَينَانِ فِي رَأْسِهِ لِدُنيَاهُ، وعَينَانِ فِي قَلبِهِ لِآخِرَتِهِ، فَإِنْ عَمِيَتْ عَينَا رَأسِهِ وَأَبصَرَتْ عَينَا قَلبِهِ فَلَمْ يَضُرَّهُ عَمَاهُ شَيئًا، وَإِنْ أَبصَرَتْ عَينَا رَأسِهِ وَعَمِيَت عَينَا قَلبِهِ فَلَم يَنفَعهُ نَظَرُهُ شيئًا.
الورع أخص من التقوى
ما هي التقوى؟
التَّقوَى أَدَاءُ جَمِيعِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابُ جَمِيعِ المُحَرَّمَاتِ فَمَن أَدَّى جَمِِيعَ الوَاجِبَاتِ وَاجتَنَبَ جَمِيعَ المُحَرَّمَاتِ صَارَ عَبدًا تَقِيًّا وَهُوَ مَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ لِأَنَّ اللهَ قَد أَمَرَنَا بِفِعلِ جَمِيعِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابِ جَمِيعِ المُحَرَّمَاتِ وَمَن أَدَّى ذَلِكَ دَخَلَ الجَنَّةَ بِلَا سَابِقِ عَذَابٍ، وَقَد جَاءَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البُّخَارِيُّ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ». فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».
ما هو الورع؟
الوَرَعُ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عََلَى التَّقوَى بِأَن يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الوَاجَِبَاتِ وَيَجتَنِبَ جَمِيعَ المُحَرَّمَاتِ وَيَزِيدَ بِاجتِنَابِ الأَشيَاءِ المَشكُوكِ فِيهَا. وَقَالَ أَهلُ اللُّغَةِ: الوَرَعُ: التَّقْوَى، وَالتَّحَرُّجُ، وَالكَفُّ عَنِ المَحَارِمِ، وَأَصْلُ الوَرَعِ: الكَفُّ عَنِ المَحَارِمِ، وَالتَحَرُّجُ مِنْهُ، ثُمَّ استُعِيرَ لِلكَفِّ عَنِ الحَلَالِ وَالمُبَاحِ.
قال رسول الله ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَع مَا يَرِيبُكَ إِلى مَا لَا يَرِيبُكَ» مَعنَاهُ اتْرُك مَا يَرِيبُكَ أَي مَا تَشُكُّ فِيهِ وَتَتَرَدَّد، وانْتَقِل إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ أَي إِلى مَا لَا تَشُكُّ فِيهِ وَلَا تَتَرَدَّد، مَعْنَاهُ: إِذَا شَكَكْتَ فِي أَمْرٍ، هَلْ هُوَ حَلَالٌ أَوْ هُوَ حَرَامٌ، حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ، سُنَّةٌ أَوْ بِدْعَةٌ، مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فاتْرُكْهُ وَانْتَقِل إِلَى شَيءٍ تَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي شَرْعِ اللهِ تَعَالَى، وَهٰذَا بَابٌ مِنَ الوَرَعِ عَظِيمٌ.
بعض أقوال العلماء في الورع
قَالَ الأُستَاذُ الإِمَامُ عَبدُ الكَرِيمُ القُشَيرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الرِّسَالَةِ القُشَيرِيَّةِ: أَمَّا الوَرَعُ فَإِنَّهُ تَركُ الشُبُهَاتِ، كَذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدهَمَ: “الوَرَعُ تَركُ كُلِ شُهبَةٍ وَتَركُ مَا لَا يَعنِيكَ”، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “كُنَّا نَدَعُ سَبعِينَ بَابًا مِنَ الحَلَالِ مَخَافَةَ أَن نَقَعَ فِي بَابٍ مِنَ الحَرَامِ”، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: “ثَوَابُ الوَرَعِ خِفَّةُ الحِسَابِ”، وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: “الوَرَعُ الخُرُوجُ مِن كُلِّ شُبهَةٍ وَمُحَاسَبَةُ النَّفسِ فِي كُلِّ طَرفَةٍ”، وَعَنْ حَسَّانَ بنِ أَبِي سِنان قَالَ: “الوَرَعُ سَهْلٌ إِذَا شَكَكْتُ فِي شَيءٍ، تَرَكْتُهُ” وَهٰكَذَا رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: “مَا شَكَكْتُ فِي شَيء إِلَّا تَرَكْتُهُ” وَقَالَ: “مَا رَأَيتُ أَسهَلَ مِنَ الوَرَعِ، مَا حَاكَ أَي تَرَدَّدَ فِي نَفسِكَ تَرَكتَهُ” وَجَاءَ عَنْ بَعضِ السَّلَفِ وَهُوَ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: “لَا يَبْلُغُ الإِنْسَانُ كَمَالَ الإِيمَانِ –لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الكَمَالِ- حَتَّى يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحَرَامِ حَاجِزًا مِنَ الحَلالِ لَا يَقْرَبُهُ“، يَعْنِى حَتَّى يَصِيرَ مِنْ أَهْلِ الكَمَالِ، لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَرَّعَ عَنْ شَيءٍ مِنَ الحَلَالِ، أَي أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِمَّا يَحِلّ. مَثَلًا يَكُونُ هُناك دُكَّانٌ يَبِيعُ الخَمْرَ وَغَيرَهُ. يَقُولُ الفُقَهَاءُ، يَجُوزُ أَنْ تَشْتَرِيَ مَنْهُ لٰكِن خَيرٌ لَكَ أَنْ لا تَفْعَلَ، لِأَنَّكَ لَسْتَ مُتَأَكِّدًا أَنَّ هٰذَا الشَّيءَ الحَلَالَ الَّذِي تَشْتَرِيهِ أَنْتَ جَاءَ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ أَم حَلَالٍ، فَالشِّرَاءُ مِنْ هٰذَا الدُّكَّانِ مَكْرُوهٌ.
الحَلَالُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وبينهما مشتبهات
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَد استَبرَأَ لِدِينِهِ وَعِرضِهِ، وَمَن وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرعَى حَولَ الِحمَى يُوشِكُ أَن يَرتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى عِظَمِ وَقْعِ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَثْرَةِ فَوَائِدِهِ، وَسَبَبُ عِظَمِ مَوْقِعِهِ أَنَّهُ ﷺ نَبَّهَ فِيهِ عَلَى إِصْلَاحِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي تَرْكُ الْمُشْتَبِهَاتِ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِحِمَايَةِ دِينِهِ وَعِرْضِهِ وَحَذَّرَ مِنْ مُوَاقَعَةِ الشُّبُهَاتِ، وَأَوْضَحَ ﷺ ذَلِكَ بِضَرْبِ الْمَثَلِ بِالْحِمَى.
وأما قَوْلُهُ ﷺ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
- حَلَالٌ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا يَخْفَى حِلُّهُ، كَالْخُبْزِ وَالْفَوَاكِهِ وَالزَّيْتِ وَالْعَسَلِ وَالسَّمْنِ وَلَبَنِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَبَيْضِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَطْعُومَاتِ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ وَالنَّظَرُ وَالْمَشْيُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، فِيهَا حَلَالٌ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا شَكَّ فِي حِلِّهِ.
- وَأَمَّا الْحَرَامُ الْبَيِّنُ، فَكَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْبَوْلِ وَالدَّمِ المَسفُوحِ وَكَذَلِكَ الزِّنَى وَالْكَذِبُ وَالْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالنَّظَرُ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
- وَأَمَّا الْمُشْتَبِهَاتُ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاضِحَةِ الْحِلِّ وَلَا الْحُرْمَةِ، فَلِهَذَا لَا يَعْرِفُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَعْلَمُونَ حُكْمَهَا، وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَيَعْرِفُونَ حُكْمَهَا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ أَوِ اسْتِصْحَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَإِذَا تَرَدَّدَ الشَّيْءُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ اجْتَهَدَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ فَأَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا بِالدَّلِيلِ الشَّرعِيِّ، فَإِذَا أَلحَقَهُ بِهِ صَارَ حَلَالًا، وَقَد يَكُونُ دَلِيلُهُ غَيْرَ خَالٍ عَنِ الِاحْتِمَالِ الْبَيِّنِ فَيَكُونُ الْوَرَعُ تَرْكَهُ وَيَكُونُ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ ﷺ: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ»، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُجْتَهِدِ فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ مُشْتَبَهٌ.
ما حكم المشتبه؟
هَلْ يُؤْخَذُ بِحِلِّهِ أَمْ بِحُرْمَتِهِ أَمْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُخَرَّجَةٌ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ وَلَا إِبَاحَةٍ وَلَا غَيْرِهَا لِأَنَّ التَّكْلِيفَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَالثَّانِي أَنَّ حُكْمَهَا التَّحْرِيمُ، وَالثَّالِثُ الْإِبَاحَةُ، وَالرَّابِعُ التَّوَقُّفُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقَوْلُهُ ﷺ: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَد استَبرَأَ لِدِينِهِ وَعِرضِهِ» أَيْ حَصَلَ لَهُ الْبَرَاءَةُ لِدِينِهِ مِنَ الذَّمِّ الشَّرْعِيِّ وَصَانَ عِرْضَهُ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ فِيهِ.
وقوله ﷺ: «وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى» بَيَّنَ ﷺ فِي الحَدِيثِ أَنَّ الوَاقِعَ فِي الشُّبُهَاتِ غَالِبًا مَا يَقَعُ فِي الحَرَامِ، وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِمَن يَرعَى غَنَمَهُ مَثَلًا قُرْبَ أَرضٍ لَا يُسمَحُ بِالرَّعيِ فِيهَا، حَيثُ يَقتَرِبُ شَيئًا فَشَيئًا مِن دُخُولِهَا، وَهَكَذَا مَن يَفعَلُ الشُّبُهَاتِ، فَإِنَّهُ يَقتَرِبُ مِنَ الحَرَامِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلى الوُقُوعِ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وَإِنْ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ» مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُلُوكَ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ يَكُونُ لِكُلِّ مَلِكٍ مِنْهُمْ حِمًى يَحْمِيهِ عَنِ النَّاسِ وَيَمْنَعُهُمْ دُخُولَهُ فَمَنْ دَخَلَهُ أَوْقَعَ بِهِ الْعُقُوبَةَ، وَمَنِ احْتَاطَ لِنَفْسِهِ لَا يُقَارِبُ ذَلِكَ الْحِمَى خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِيهِ، وَلِلَّهِ تَعَالَى أَيْضًا حِمًى وَهِيَ مَحَارِمُهُ أَيْ الْمَعَاصِي الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْخَمْرِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذَا حِمَى اللَّهِ تَعَالَى مَنْ دَخَلَهُ بِارْتِكَابِهِ شَيْئًا مِنَ الْمَعَاصِي اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ، وَمَنْ قَارَبَهُ يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، فَمَنِ احْتَاطَ لِنَفْسِهِ لَم يُقَارِبهُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِشَيءٍ يُقَرِّبُهُ مِنَ المَعصِيَةِ فَلَا يَدخُلُ فِي شَيءٍ مِنَ الشُّبُهَاتِ.
بعض ما قاله الصالحين عن ترك ما فيه شبهة
رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيّ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ، أَنَّهُ سَأَلَهُ إِنْسَانٌ: “أَشْرَبُ مِنْ زَمْزَمٍ؟ فَقَالَ لَهُ سُفيَانُ: “إِنْ وَجَدْتَ دَلْوًا فاشْرَب” يَعْنِى إِذَا كَانَ الدَّلُوُ حَلَالًا، فَاشْرَب، يَعنِي لَا تُفَكِّر فَقَط بِالشُّربِ بَلْ أَيْضًا بِالدَّلوِ الَّذِي سَتَشْرَبُ بِهِ المَاءَ مِنْ زَمْزَمٍ، حَتَّى لَا يَكُونَ الدَّلُوُ مِنْ حَرامٍ أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ.
كَذَلِكَ مِثْلُهُ ما يُرْوَى عَنْ أَبِي إِسْحاق الشِّيرَازِيّ رَحِمَهُ الله تَعَالى صَاحِبِ كِتَابِ التَّنْبِيهِ، الفَقِيهِ الشَّافِعِيِّ الْمَعْرُوفِ، كَانَ فِي المسْجِدِ مَعَهُ دِينَارٌ خَرَجَ مِنَ المسْجِدِ وَقَدْ تَرَكَ الدِّينَارَ فِي المَسْجِدِ بَعْدَمَا مَشَى مَسَافَةً تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَسِيَهُ فِي المسْجِدِ، فرَجَعَ إِلَى المسْجِدِ، وَوَصَلَ إِلَى الدِّينَارِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَعَلَّ هٰذَا لَيسَ دِينَارِي! لَعَلَّهُ وَقَعَ مِنْ غَيْرِي، فَتَرَكَهُ وَخَرَجَ.
وَهَذَا الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَوَى عَنهُ مُلا عَلِيّ القَارِي وَغَيرُهُ أَنَّهُ تَرَكَ أَكلَ لَحمِ الغَنَمِ سَبعَ سََنَوَاتٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فُقِدَت شَاةٌ فِي الكُوفَةِ وَاختَلَطَت بِغَيرِهَا مِنَ الشِّيَاهِ، فَمِن وَرَعِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سَأَلَ عَن أَكثَرِ عُمُرٍ تَعِيشُهُ الشَّاةُ غَالِبًا، فَقِيلَ لَهُ: سَبعُ سِنِينَ، فَتَرَكَ أَكلَ لَحمِهَا سَبعَ سِنِينَ تَوَرُّعًا مِنهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
أخبار الصالحين في الورع
قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى التَّاهرتِيُّ: “وَقَعَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ فَلسٌ فِي بِئرِ قَذرَةَ فَاكتَرَى عَلَيْهِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِينَارًا حَتَّى أَخْرَجَهُ -أَيِ استَأجَرَ شَخصًا بِثَلَاثَ عَشرَةَ دِينَارًا لِإِخرَاجِهِ-، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: كَانَ عَلَيْهِ اسمُ اللَّهِ تَعَالَى”.
وَقَالَ ابْنُ الجَلاءِ: “مَن لَمْ يَصحَبهُ التُّقَى فِي فَقرِهِ أَكَلَ الحَرَامَ”.
وَقَالَ بِشرُ بْنُ الْحَارِثِ: “أَشَدُّ الأَعمَالِ ثَلَاثَةٌ: الجُودُ فِي القِلَّةِ، وَالوَرَعُ فِي الخَلوَةِ، وَكَلِمَةُ الحَقِّ عِنْدَ مَن يَخَافُ مِنهُ وَيُرجَى”.
وَقِيلَ: جَاءَت أُختُ بِشرٍ الحَافِي إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنبَلٍ وَقَالَتْ: إِنَّا نَغزِلُ عَلَى سُطُوحِنَا فَتَمُرُّ بِنَا مَشَاعِلُ الظَّاهِرِيَّةِ وَيَقَعُ الشُّعَاعُ عَلَيْنَا، أَفََيَجُوزُ لَنَا الغَزلُ فِي شُعَاعِهَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: مَن أَنْتِ عَافَاكِ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَتْ: أُختُ بِشرٍ الحَافِي، فَبَكَى أَحْمَدُ وَقَالَ: مِن بَيتِكُم يَخرُجُ الوَرَعُ الصَّادِقُ، وَأَجَابَهَا رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى.
وَقَالَ عَلِيٌّ العَطَّارُ: “مَرَرتُ بِالبَصرَةِ فِي بَعْضِ الشَّوَارِعِ فَإِذَا مَشَايِخُ قُعُودٌ وَصِبيَانُ يَلعَبُونَ، فَقُلْتُ: أََمَا تَستَحُونَ مِن هَؤُلاءِ المَشَايِخِ؟ فَقَالَ صَبِيٌّ مِن بَينِهِم: هَؤُلاءِ المَشَايِخُ قَلَّ وَرَعُهُم فَقَلَّت هَيبَتُهُم”.
وَقِيلَ لِإِبرَاهِيمَ بْنِ أَدهَمَ: “أَلَا تَشرَبُ مِن مَاءِ زَمزَمٍ؟ فَقَالَ لو كَانَ لِي دَلوٌ لَشَرِبتُ”.
وَدَخَلَ الْحَسَنُ البِصرِيُّ مَكَّةَ فَرَأَى غُلَامًا مِن أَولَادِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ أَسْنَدَ ظَهرَهُ إِلَى الْكَعْبَة يَعِظُ النَّاسَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ وَقَالَ مَا مِلَاكُ الدِّينِ؟ -أَيِ الذِي يَجمَعُهُ- قَالَ: الوَرَعُ، قَالَ: فَمَا آفَةُ الدِّينِ؟ -أَيِ المُؤَدِّي إِلَى إِفسَادِهِ- فَقَالَ: الطَّمَعُ، فَتَعَجَّبَ الْحَسَنُ مِنهُ.
وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَانَ الحِيرِيُّ عَنِ الوَرَعِ، فَقَالَ: “كَانَ أَبُو صَالِح حَمدُونَ عِنْدَ صَدِيقٍ لَهُ وَهُوَ فِي النَّزعِ (فِي مَرَضِ مَوتِهِ)، فَمَاتَ الرَّجُلُ، فَنَفَثَ أَبُو صَالِح فِي السِّرَاجِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِلَى الآن كَانَ الدُّهنُ لَهُ فِي المَسرَجَةِ، وَمِن الآن صَارَ لِلوَرَثَةِ، اطلُبُوا دُهنًا غَيرَهُ”.
وَرَهَنَ أَحْمَدُ بْنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَطلًا لَهُ عِنْدَ بَقَّالٍ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا أَرَادَ فِكَاكَهُ أَخرَجَ البَقَّالُ إِلَيْهِ سَطلَينِ، وَقَالَ: خُذ أَيَّهُمَا لَكَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَشكَلَ عَلَيَّ سَطلِي، فَهُوَ لَكَ وَالدَّرَاهِمُ لَكَ، فَقَالَ البَقَّالُ: سَطلُكَ هَذَا، وَأَنَا أَرَدتُ أَن أُجَرِّبَكَ، فَقَالَ: لَا آخُذُهُ، وَمَضَى وَتَرَكَ السَّطلَ عِندَهُ.
وَوَقَفَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانَ عَلَى أَصْحَابِ الْحَسَنِ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أََشَدُّ عَلَيكُم؟ قَالُوا: الوَرَعُ.
خلاصة ما جاء في معنى الورع؟
الوَرَعُ هُو أَن تَترُكَ مَا يَتَرَدَّدُ فِي صَدرِكَ وَلَا تَدرِي أَحَلَالٌ هُوَ أَو حَرَامٌ. وَعَجَبًا مِن حَالِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ اليَومَ، إِذ إِنَّهُم يَفعَلُونَ الأَمرَ مِنَ الأُمُورِ مِن غَيرِ مُبَالَاةٍ لِمَعرِفَةِ حُكمِهِ أَحَلَالٌ أَو حَرَامٌ هُو، ثُمَّ إِنَّ بَعضَهُم يَسعَى بَعدَ أَن يَفعَلَ الأَمرَ لِمَعرِفَةِ حُكمِهِ، وَلَيتَهُ وَضَعَ نُصبَ عَينَيهِ قَولَ العُلَمَاءِ: “إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلمُكَلَّفِ أَن يَدخُلَ فِي أَمرٍ حَتَّى يَعلَمَ مَا أَحَلَّ اللهُ مِنهُ وَمَا حَرَّمَ” وَذَلِكَ يَكُونُ بِأَن يَسأَلَ الثِّقَةَ العَارِفَ.
الخاتمة
هُنَاكَ أُمُورٌ حَلَّلَهَا الشَّرعُ وَهِيَ وَاضِحَةٌ بَيِّنَةٌ، أَي هِيَ مِنَ الحَلَالِ المَنصُوصِ عَلَيهِ نَصًّا صَرِيحًا وَاضِحًا، وَذَلِكَ كَأَكلِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الزُّرُوعِ مَثَلًا، وَهُنَاكَ أُمُورٌ حَرَّمَهَا الشَّرعُ وَحُرمَتُهَا وَاضِحَةٌ بَيِّنَةٌ، أَي هِيَ مِنَ الحَرَامِ المَنصُوصِ عَلَيهِ نَصًّا صَرِيحًا وَاضِحًا، كَأَكلِ لَحمِ الخِنزِيرِ وَشُربِ الخَمرِ، وَقَد حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَلى اجتِنَابِ الشُّبُهَاتِ وَالابتِعَادِ عَنهَا، وَبَيَّنَ أَنَّ مَن يَجتَنِبُهَا فَقَد حَصَّلَ السَّلَامَةَ فِي دِينِهِ وَعِرضِهِ، فَلَا يُذَمُّ شَرعًا وَلَا يُعَابُ مِنَ النَّاسِ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ فِيهَا، وَقَد بَيَّن عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الحَدِيثِ أَنَّ الوَاقِعَ فِي الشُّبُهَاتِ غَالِبًا مَا يَقَعُ فِي الحَرَامِ، وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِمَن يَرعَى غَنَمَهُ مَثَلًا قُرْبَ أَرضٍ لَا يُسمَحُ بِالرَّعيِ فِيهَا، حَيثُ يَقتَرِبُ شَيئًا فَشَيئًا مِن دُخُولِهَا، وَهَكَذَا مَن يَفعَلُ الشُّبُهَاتِ، فَإِنَّهُ يَقتَرِبُ مِنَ الحَرَامِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلى الوُقُوعِ فِيهِ، فَإِنَّ مَن لَم يَتَّقِ اللهَ تَعَالَى وَتَجَرَّأَ على الشُّبُهَاتِ أَظلَمَ عَليهِ قَلبُهُ، وَفَقَدَ نُورَ الوَرَعِ، فَيَحمِلُهُ التَّسَاهُلُ فِي الوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ عَلَى الجُرأَةِ على الوُقُوعِ فِي الحَرَامِ، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.
وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَع مَا يَرِيبُكَ إِلى مَا لَا يَرِيبُكَ».
نَسألُ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا حُبَّ الآخِرَةِ وَيُجَنِّبَنا الحَرَامَ وَالشُّبُهَاتِ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٍ وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.
المراجع والمصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري للإمام البخاري.
- صحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجاج.
- جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي.
- الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة.
- الرسالة القشيرية للقشيري.
- الأربعون النووية للحافظ النووي.
- الرسالة القشيرية للإمام عبد الكريم القشيري.