بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾،
سورة آل عمران (133)
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
إِذَا كَانَت لَيلَةُ النِّصفِ مِن شَعبَانَ فَقُومُوا لَيلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا
رَوَاهُ ابنُ مَاجَه
إِنَّ فِي شَهرِ شَعبَانَ لَيلَةً تُمحَقُ فِيهَا الذُّنُوبُ، وَيُصَبُّ فِيهَا الخَيرُ صبًّا، لَيلَةٌ يَرحَمُ اللهُ فِيهَا بَعضَ العِبَادِ رَحمَةً خَاصَّةً، فَيَغفِرُ لِكُلٍّ مَا عَدَا أَهلَ الكُفرِ وَالمُشَاحَنَةِ، إِنَّهَا اللَّيلَةُ العَظِيمَةُ، لَيلَةُ النِّصفِ مِن شَعبَانَ.
بعض ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان
قَد وَرَدَ فِي فَضلِ لَيلَةِ النِّصفِ مِن شَعبَانَ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ، مِنهَا مَا ثَبَتَ وَصَحَّ، وَمِنهَا مَا لَم يَصِحَّ، وَلَكِنْ لَهَا أَصلٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تَدُلُّ بِجُملَتِهَا عَلَى عَظِيمِ تِلكَ اللَّيلَةِ.
وَمِمَّا وَرَدَ فِي فَضلِ هَذِهِ اللَّيلَةِ مَا رُوِيَ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: “أَمَا تَدرِينَ مَا هَذِهِ اللَّيلَةُ؟ هَذِهِ لَيلَةُ عُتَقَاءَ مِنَ النَّارِ بِعَدَدِ شَعَرِ غَنَمِ كَلْبٍ“، (وَكَلبٌ هِيَ قَبِيلَةٌ مِن قَبَائِلِ العَرَبِ)، قُلتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ وَمَا بَالُ غَنَمِ كَلْبٍ؟ قَالَ: “لَيسَ فِي العَرَبِ قَومٌ أَكثَرَ غَنَمًا مِنهُم“، رَوَاهُ الحَافِظُ ابنُ الجَوزِيِّ.
وَرُوِيَ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “يَسُحُّ اللهُ الخَيرَ (السَّحُّ هُوَ الصَّبُّ الكَثِيرُ) فِي أَربَعِ لَيَالٍ سَحًّا: الأَضحَى، وَالفِطرِ، وَلَيلَةِ النِّصفِ مِن شَعبَانَ، وَفِي لَيلَةِ عَرَفَةَ إِلَى الأَذَانِ“، رَوَاهُ الحَافِظُ بنُ الجَوزِيِّ.
وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “مَن أَحيَا لَيلَتَيِ العِيدَينِ وَلَيلَةَ النِّصفِ مِن شَعبَانَ لَم يَمُتْ قَلبُهُ يَومَ تَمُوتُ القُلُوبِ“، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى“، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبرَى.
وَليُحذَر مِنَ الفَهمِ الخَاطِئِ لِبَعضِ رِوَايَاتِ هَذَا الحَدِيثِ، فَإِنَّ فِيهَا لَفظَ: “يَنزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا“، فَقَد يَعتَقِدُ البَعضُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَنزِلُ بِذَاتِهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِنَ الضَلَالِ، فَإِنَّ النُّزُولَ الحِسِّيَّ مِن صِفَةِ المَخلُوقَاتِ، وَقَد قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي عَقِيدَتِهِ المَشهُورَةِ: وَمَن وَصَفَ اللهَ بِمَعنًى (أَي بِصِفَةٍ) مِن صِفَاتِ البَشَرِ فَقَد كَفَرَ.اهـ بَلِ المُرَادُ أَنَّ اللهَ يَأمُرُ مَلَكًا فَيَنزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا وَيُنَادِي بِهَذَا كَمَا تُفَسِّرُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ، كَمَا يُقَالُ جَاءَ المَلِكُ وَيَكُونُ المُرَادُ جَاءَ مَبعُوثُ المَلِكِ، فَإِنَّ هَذَا مَوجُودٌ فِي لُغَةِ العَرَبِ مُستَعمَلٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِيْ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِيْ شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ فِيْ أَثْنَاءِ شَرْحِهِ لِحَدِيْثِ النُّزُوْلِ.
مغفرة الذنوب في ليلة النصف من شعبان
عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ
يَطَّلِعُ اللهُ عَلَى خَلقِهِ لَيلَةَ النِّصفِ مِن شَعبَانَ، فَيَغفِرُ لِجَمِيعِ خَلقِهِ إِلَّا لِمُشرِكٍ أَو مُشَاحِنٍ.
رَوَاهُ ابنُ مَاجَه
وَمَعنَى يَطَّلِعُ اللهُ إِلَى خَلقِهِ أَي يَرحَمُهُمُ الرّحمَةَ الخَاصَّةَ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ كَانَتْ تَخْفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِ شَيءٍ عِلْمَا.
وَلَيسَ مَعنَاهُ أَيضًا أَنَّ اللهَ فِي جِهَةِ فَوقٍ فَيَنظُرُ إِلَى عِبَادِهِ فَيَغفِرُ لَهُم كَمَا قَد يَظُنُّ بَعضُ النَّاسِ، بَلِ اللهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيهِ التَّحَيُّزُ فِي مَكَانٍ أَو جِهَةٍ، لَا يَسكُنُ السَّمَاءَ، وَلَا يَجلِسُ عَلَى العَرشِ، وَلَا يَتَّصِفُ بِصِفَةٍ مِن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ وَلَا يُشبِهُهَا، فَلَيسَ جِسمًا وَلَا حَجمًا، وَلَيسَ لَهُ شَكلٌ أَو لَونٌ أَو حَدٌّ أَو صُورَةٌ أَو هَيأَةٌ.
وَمَعْنَى لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، أَيْ مَا خَلَا الكَافِرَ وَالمُشَاحِنَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ لِلْكَافِرِ سَواءً كَانَ مُشْرِكًا أَوْ غَيْرَ مُشْرِكٍ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا، إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾
سورة النساء (168-169)
وَأَمَّا المُشَاحِنُ فَهُوَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسلِمٍ عَدَاوَةٌ وَحِقْدٌ وَبَغْضَاءٌ لِأَمرِ الدُّنيَا، فَلَا يَغفِرُ اللهُ لَهُ.
فضل الدعاء في ليلة النصف من شعبان
لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَيْلَةٌ عَظِيمَةٌ مُبَارَكَةٌ، والدُّعَاءُ فِيهَا سِرُّهُ عَظِيمٌ قَرِيبُ الإِجَابَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَمْسُ لَيَالٍ لَا يُرَدُّ فِيهِنَّ الدُّعَاءُ: لَيْلَةُ الجُمُعَةِ، وَأَوْلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَتَا العِيدِ، رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ.
وَقَالَ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ الأُمُّ
بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ فِي خَمْسِ لَيَالٍ: فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَةِ الْأَضْحَى، وَلَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
فضل قيام ليلة النصف من شعبان وصيام نهارها
رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا“، رَوَاهُ ابنُ مَاجَه.
فائدة
هَذَا الْحَدِيْثُ الَّذِيْ وَرَدَ فِيْ قِيَامِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَإِنْ كَانَ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّهُمْ أَجَازُوْ الْعَمَلَ بِهِ كَمَا يُعلَمُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ الَّتِيْ سَنَنْقُلُهَا، وَالْقَاعِدَةُ الَّتِيْ عِنْدَهُم هِيَ أَنَّهُمْ يَقبَلُونَ العَمَلَ بِالحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الأَعمَالِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَقَد ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَذكَارِ أَنَّ الأَحَادِيثَ الضَّعِيفَةَ يُؤخَذُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الأَعمَالِ بِالإِجمَاعِ.
وَنَصُّهُ هُوَ: قَالَ العُلَمَاءُ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَالفُقَهَاءِ وَغَيرِهِم: يَجُوزُ وَيُستَحَبُّ العَمَلُ فِي الفَضَائِلِ وَالتَّرغِيبِ وَالتَّرهِيبِ بِالحَدِيثِ الضَّعِيفِ مَا لَم يَكُن مَوضُوعًا، وَأَمَّا الأَحكَامُ كَالحَلَالِ وَالحَرَامِ وَالبَيعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيرِ ذَلِكَ فَلَا يُعمَلُ فِيهَا إِلَّا بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَوِ الحَسَنِ إِلَّا أَن يَكُونَ فِي احتِيَاطٍ فِي شَيءٍ مِن ذَلِكَ، كَمَا إِذَا وَرَدَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِكَرَاهَةِ بَعضِ البُيُوعِ أَوِ الأَنكِحَةِ، فَإِنَّ المُستَحَبَّ أَن يَتَنَزَّهَ عَنهُ وَلَكِن لَا يَجِبُ.اهـ
فَإِذًا يَجُوْزُ الْعَمَلُ بِقِيَامِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِلَا ضَرَرٍ فِيْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَدِيْثُهَا ضَعِيْفًا.
قالَ فِي فَتَاوَى الرَّمْلِيِّ عِندَ ذِكرِ هَذَا الحَدِيثِ: يُسَنُّ صَوْمُ نِصْفِ شَعْبَانَ، بَلْ يُسَنُّ صَوْمُ ثَالِثَ عَشَرِهِ وَرَابِعَ عَشَرِهِ وَخَامِسَ عَشَرِهِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يُحْتَجُّ بِهِ.
وكَانَ التَّابِعُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ كَخَالِدِ بنِ مَعْدَانَ وَمَكْحُولٍ وَلُقْمَانَ بنِ عَامِرٍ وَغَيْرِهِمْ يُعَظِّمُونَها وَيَجْتَهِدُونَ فِيهَا فِي الْعِبَادَةِ.
وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ (أَيْ صِيَام نَفْلٍ)، كَانَ يَصُومُ شَعْبَاْنَ كُلَّهُ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
وَعَن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا.
وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ تَصُومُ فِي شَعْبَانَ صَوْمًا لَا تَصُومُهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الشُّهُورِ، إِلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فقَالَ ﷺ: “ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَشَهْرِ رَمَضَانَ، تُرْفَعُ فِيهِ أَعْمَالُ النَّاسِ، فَأُحِبُّ أَنْ لَا يُرْفَعَ عَمَلِي إِلَّا وَأَنَا صَائِمٌ“، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ.
وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ وَغَيْرُهَا أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى سُنِّيَّةِ صِيَامِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
تنبيه
شَاعَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ اللَّيلَةَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾،[سورة الدخان: 4]، هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ اللَّيلَةَ هِيَ لَيْلَةُ القَدْرِ.
وَمَعنَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُطْلِعُ مَلَائِكَتَهُ فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ، لَيلَةِ القَدْرِ، عَلَى تَفَاصِيلِ مَا يَحْدُثُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى العَامِ القَابِلِ، مِنْ مَوْتٍ وَحَيَاةٍ وَوِلَادَةٍ وَأَرْزَاقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
دعاء لا يصح ولا يجوز أن يدعو به
رَاجَ عَلَى لِسَانِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِيْ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ هَذَا الدُّعَاءُ الَّذِي فِيهِ: اللهم إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ، فَامْحُ اللهم بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي وَإِقْتَارَ رِزْقِي…، فَهَذَا اللَّفْظُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَو أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابِةِ الْكِرَامِ، بَل فِيهِ أَمرٌ مُخَالِفٌ لِلشَّرعِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يُوهِمُ أَنَّ اللهَ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ، وَيَجِبُ الِاعْتِقَادُ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا تَغَيُّرٌ وَلَا تَحَوُّلٌ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ، كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَغَيْرِهَا، فَلَا تَتَغَيَّرُ مَشِيئَةُ اللهِ بِدَعْوَةِ دَاعٍ أَوْ صَدَقَةِ مُتَصَدِّقٍ أَوْ نَذْرِ نَاذِرٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ أَنَّ اللهَ تَحْدُثُ لَهُ مَشِيئَةٌ جَدِيدَةٌ أَوْ عِلْمٌ جَدِيدٌ، وَمَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَقَدْ فَسَدَتْ عَقِيدَتُهُ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاَثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً“، وَفِيهِ: “قَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ“، رَوَاهُ مُسلِمٌ، أَي لَا يَجُوزُ أَن تَتَغَيَّرَ مَشِيئَةُ اللهِ مِن شَيءٍ إِلَى شَيءٍ.
وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، [سورة الرعد: 39]، فَلَيسَ مَعْنَاهُ الْمَحْوَ وَالإِثْبَاتَ فِي تَقْدِيرِ اللهِ، وَقَدْ فَسَّرَ الشَّافِعِيُّ هَذَا بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، أَيْ أَنَّ اللهَ يَمْحُو مَا يَشَاءُ مِنَ الْقُرْءَانِ، أَيْ يَرْفَعُ حُكْمَهُ وَيَنْسَخُهُ بِحُكْمٍ لَاحِقٍ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْقُرْءانِ فَلَا يَنْسَخُهُ، وَمَا يُبَدَّلُ وَمَا يُثْبَتُ كُلُّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ، وَهَذَا يَحصُلُ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ فَقَط، فَلَا يَحصُلُ فِي أَيَّامِنَا، قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي تَأوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ.
الخاتمة
الدُّنْيَا أَيْامٌ وَلَيالٍ وَسَاعَاتٌ وَدَقَائِقُ، وَشَهْرُ شَعْبَانَ وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْهُ مُقَدِّمَةٌ لِرَمَضَانَ، وَلَعَلَّ الوَاحِدَ مِنَّا لَا يَعِيشُ إِلَى رَمَضَانَ فَيُدْرِكَهُ، فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ العَظِيمَةُ قَدْ تَكُونُ لِلْوَاحِدِ مِنَّا فُرْصَةَ العُمُرِ الَّتِي لَا تَتَكَرَّرُ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَخْرُجَ فِيهَا مِنَ المَظَالِمِ، وَأَنْ نَبْتَعِدَ عَنِ الشَّحْنَاءِ وَالبَغْضَاءِ، وَأَنْ نَقْتَدِيَ بِالصَّالِحِينَ فَنُقِيمَ هَذِهِ اللَّيلَةَ المُبَارَكَةَ وَنَصُومَ نَهَارَهَا، عَسَى رَبُّنَا أَنْ يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا، اللهم بَارِكْ لَنَا فِيمَا بَقِي مِنْ شَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ سَالِمِينَ غَانِمِينَ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- كِتَابِ الأُمِّ لِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ.
- شُعَبِ الإِيمَانِ لِلإِمَامِ البَيهَقِيِّ.
- لَطَائِفِ المَعَارِفِ لِابنِ رَجَبٍ الحَنبَلِيِّ.
- التَّبصِرَةِ لِابنِ الجَوزِيِّ.
- الْقَضَاءِ والْقَدَرِ لِلْبَيْهَقِيِّ.
- الْأَسْمَاءِ والصِّفَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ.