معاذ بن جبل رضي الله عنه| إمام العلماء وفقيه الأمة ومعلّم الأجيال

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المُقَدِّمَةُ

إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ هُمْ خَيرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا، اصْطَفَاهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَحَمْلِ رِسَالَةِ الإِسْلَامِ إِلَى النَّاسِ، فَكَانُوا مَشَاعِلَ هُدًى وَمَنَارَاتِ عِلْمٍ وَفَضْلٍ. وَمِنْ أَعْلَامِهِمُ الْبَارِزِينَ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، الَّذِي جَمَعَ بَينَ شَرَفِ الصُّحْبَةِ وَغَزَارَةِ الْعِلْمِ وَسَعَةِ الْفِقْهِ، حَتَّى شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّهُ أَعْلَمُ الأُمَّةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.

وَكَانَ مُعَاذٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ جَمَعَ بَينَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَبَينَ الدَّعْوَةِ وَالتَّعْلِيمِ، وَبَينَ التَّوَاضُعِ وَالْوَرَعِ، فَبَقِيَت      سِيرَتُهُ مَنْهَلًا لِطَالِبِي الْعِلْمِ وَالْمُقْتَدِينَ بِالصَّالِحِينَ. وَفِي هَذَا الْمَقَالِ نَتَعَرَّفُ عَلَى شَيءٍ مِنْ سِيرَتِهِ الْعَطِرَةِ، وَمَنَاقِبِهِ الْعَظِيمَةِ، وَفَضَائِلِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي جَعَلَتْهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَأَعْلَامِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِمْ.

نسبه ومولده ونشأته

هُوَ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ مُعَاذُ بنُ جَبَلِ بنِ عَمرِو بنِ أَوسِ، السَّيِّدُ، الإِمَامُ، الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، المَدَنِيُّ، البَدْرِيُّ.

يَنتَمِي إِلى قَبِيلَةِ الخَزرَجِ، إِحدَى القَبِيلَتَينِ العَظِيمَتَينِ اللَّتَينِ شَكَّلَتَا الأَنصَارَ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَهُمَا الأَوسُ وَالخَزرَجُ، وَقَد كَانَ لِهَاتَينِ القَبِيلَتَينِ فَضلٌ عَظِيمٌ فِي نُصرَةِ الإِسلَامِ وَإِيوَاءِ المُهَاجِرِينَ.

وُلِدَ مُعَاذٌ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ قَبلَ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَنَوَاتٍ.

وَكَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ شَابًّا جَمِيلَ الهَيئَةِ، حَسَنَ الصُّورَةِ، طَوِيلَ القَامَةِ، أَبيَضَ اللَّونِ، مُشرِقَ الوَجهِ، حَسَنَ الأَسنَانِ، بَهِيَّ الطَّلعَةِ، حَتَّى كَانَ مِن أَجمَلِ شَبَابِ الأَنصَارِ.

لَكِن جَمَالُهُ الحَقِيقِيُّ لَم يَكُن فِي صُورَتِهِ، وَإِنَّمَا فِي قَلبِهِ المَملُوءِ بِالإِيمَانِ، وَعَقلِهِ المُزَيَّنِ بِالعِلمِ، وَنَفسِهِ المُتَحَلِّيَةِ بِالتَّقوَى.

المدينة قبل الإسلام ودور الأنصار

قَبلَ الإِسلَامِ كَانَتِ المَدِينَةُ تَعِيشُ حَالَةَ مِنَ الصِّرَاعِ بَينَ الأَوسِ وَالخَزرَجِ، وَاستَمَرَّتِ الحُرُوبُ بَينَهُم سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، حَتَّى جَاءَت دَعوَةُ الإِسلَامِ فَوَحَّدَتِ القُلُوبَ بَعدَ الفُرقَةِ، وَجَمَعَتِ النُّفُوسَ بَعدَ العَدَاوَةِ.

فَلَمَّا قَدِمَ الإِسلَامُ إِلى المَدِينَةِ وَجَدَ قُلُوبًا مُتَعَطِّشَةً لِلحَقِّ، فَدَخَلَ الأَنصَارُ فِي دِينِ اللهِ أَفوَاجًا، وَأَصبَحُوا السَّنَدَ الأَكبَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعدَ المُهَاجِرِينَ.

وَكَانَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ وَاحِدًا مِن أُولَئِكَ الشَّبَابِ الَّذِين أَدرَكُوا قِيمَةَ هَذَا الدِّينِ، فَبَادَرُوا إِلى اعتِنَاقِهِ وَحَملِ رِسَالَتِهِ.

إسلامه وبيعة العقبة

أَسلَمَ مُعَاذٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَلَهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً.

وَشَهِدَ بَيعَةَ العَقَبَةِ الثَّانِيَةَ مَعَ السَّبعِينَ مِنَ الأَنصَارِ، الَّتِي كَانَ جَزَاؤُهَا الجَنَّةَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ اشتَرَطَ عَلَيهِم شُرُوطًا وَجَعَلَ لَهُم عَلى الوَفَاءِ بِهَا الجَنَّةَ، وَكَانَت هَذِهِ البَيعَةُ نُقطَةَ التَّحَوُّلِ الكُبرَى الَّتِي مَهَّدَت لِلهِجرَةِ.

صفته الخلقية

كَانَ طَوِيلًا، حَسَنًا، جَمِيلًا، حَسَنَ الثَّغْرِ (مَا تَقَدَّمَ مِنَ الأَسنَانِ)، بَرَّاقَ الثَّنَايَا (وُصِفَت ثَنَايَاهُ بِالحُسْنِ وَالضِّيَاءِ، وَأَنَّهَا تَلْمَعُ كالبَرْقِ)، عَظِيمَ العَينَينِ، أَبْيَضَ، جَعْدًا (غَلِيظَ الشَّعرِ غَيرَ السَّبطِ)، قَطَطًا (أَي شَدِيدَ الجُعُودَةِ). 

ملازمته للنبي ﷺ

شَهِدَ مُعَاذٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ غَزوَةَ بَدرٍ، وَهِيَ مِن أَعظَمِ مَعَارِكِ الإِسلَامِ، الَّتِي سَمَّاهَا اللهُ يَومَ الفُرقَانِ. كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَومَ بَدرٍ رَمَى حَجَرًا بَينَ الصَّفَّينِ، وَقَالَ: لَا أَفِرُّ هَذَا الحَجَرَ، وَمَضَى يَقتَحِمُ الصُّفُوفَ وَيصُولُ صَولَةَ الأَسَدِ الشَّدِيدِ. 

وَأَصَابَهُ يَومَ أُحُدٍ تِسعُ جِرَاحَاتٍ وَيَسِيلُ دَمُهُ وَهُوَ ثَابِتٌ يَرجُو نَصرًا أَو شَهَادَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكَانَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الرُّمَاةِ المَذكُورِينَ.

كَمَا شَهِدَ الخَندَقَ وَالحُدَيبِيَةَ وَفَتحَ مَكَّةَ وَسَائِرَ المَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَكَانَ قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، مُلَازِمًا لَهُ، حَرِيصًا عَلَى تَلَقِّي العِلمِ مِنهُ، فَجَمَعَ بَينَ الجِهَادِ بِالسَّيفِ وَالجِهَادِ بِالعِلمِ. وَلِهَذَا لَم يُعرَفْ بَينَ الصَّحَابَةِ بِالشَّجَاعَةِ العَسكَرِيَّةِ فَقَط، بَل عُرِفَ قَبلَ ذَلِكَ وَبَعدَهُ بِالعِلمِ وَالفِقهِ.

مكانته العلمية وفضله

بَلَغَ مُعَاذٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَنزِلَةً عَظِيمَةً فِي العِلمِ، حَتَّى شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةً بَقِيَت وِسَامَ شَرَفٍ لَهُ عَبرَ التَّارِيخِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَرَامِ اللهِ وَحَلاَلِهِ»، أَخرَجَهُ السُّيُوطِيُّ. وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ تَدُلُّ عَلى رُسُوخِ عِلمِهِ وَفِقهِهِ، إِذ إِنَّ مَعرِفَةَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ هِيَ أَسَاسُ الفِقهِ، وَلَا يَنَالُهَا إِلَّا مَن جَمَعَ بَينَ فَهمِ النُّصُوصِ، وَفِقهِ المَقَاصِدِ، وَحُسنِ الاستِنبَاطِ.

وَقَالَ ﷺ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَقْرَؤُهَا لِكِتَابِ اللهِ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُهَا بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ»، رَوَاهُ أَحمَدُ.

كَمَا كَانَ مِمَّن أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالأَخذِ عَنهُم فِي القُرآنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعَاذٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ»، أي تَعَلَّمُوا مِنهُم، رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَالأَربَعَةُ المَذكُورُونَ اثنَانِ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَاثنَانِ مِنَ الأَنصَارِ. 

وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَرجِعُونَ إِلَيهِ فِي الفَتوَى، وَيَستَشِيرُونَهُ فِي المَسَائِلِ.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مُعَاذٌ إِمَامُ العُلَمَاءِ يَومَ القِيَامَةِ بِرَتوَةٍ أَو رَتوَتَينِ»، أَي رَميَةِ سَهمٍ، وقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ: وَالرَّتْوَةُ: الْمَنْزِلَةُ. رَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ أَمَامَ الْعُلَمَاءِ بِرَتْوَةٍ»، أَخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الكَبِيرِ.

وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: “أَتَانِي مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ مِن عِندِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ:«مَن شَهِدَ أَن لَا إِلهَ إِلَّا الله مُخلِصًا بِهَا قَلبُهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ»، فَذَهَبتُ إِلى رَسُولِ اللهِﷺ، فَقُلتُ: “يَا رَسُولَ اللهِ، حَدَّثَنِي مُعَاذٌ أَنَّكَ قُلتَ: «مَن شَهِدَ أَن لَا إِله إِلَّا الله، مُخلِصًا بِهَا قَلبُهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ»، قَالَ: «صَدَقَ مُعَاذٌ. صَدَقَ مُعَاذٌ. صَدَقَ مُعَاذ»”، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الكَبِيرِ.

وَفِي أُسدِ الغَابَةِ عَن سَهلِ بنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: “كَانَ الَّذينَ يُفتُونَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ المُهَاجِرِينَ: عُمَرُ، وَعُثمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَثَلَاثَةٌ مِنَ الأَنصَارِ: أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَزَيدُ بنُ ثَابِتٍ”. وَعَنْ نِيَارٍ الأَسْلَمِيِّ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَسْتَشِيْرُ هَؤُلَاءِ، فَذَكَرَ مِنْهُم مُعَاذًا.

 وخَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ بِالجَابِيَةِ، فَقَالَ: “مَنْ أَرَادَ الفِقْهَ، فَلْيَأْتِ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، لَوْلَا مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ”. أَخرَجَهُ الحَاكِمُ.

وَقَالَ عُمَرُ: عَجِزَتِ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَ مُعَاذٍ، لَولَا مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ. رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ.

منزلته عند الصحابة

كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا تَحَدَّثُوا وَفِيهِم مُعَاذٌ، نَظَرُوا إِلَيهِ هَيبَةً لَهُ.

وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ حِينَ خَرَجَ مُعَاذٌ إِلَى الشَّامِ: لَقَدْ أَخَلَّ خُرُوجُهُ بِالمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا فِي الفِقْهِ، وَفِيمَا كَانَ يُفْتِيهِم بِهِ، وَلَقَدْ كُنْتُ كَلَّمْتُ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَحْبِسَهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيهِ، فَأَبَى عَلَيَّ، وَقَالَ: رَجُلٌ أَرَادَ وَجْهًا – يَعْنِي الشَّهَادَةَ – فَلَا أَحْبِسُهُ، قُلْتُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُرْزَقُ الشَّهَادَةَ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ.

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الخَولاَنِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ حِمْصَ، فَإِذَا فِيهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلاَثِينَ كَهْلًا مِنَ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا فِيهِم شَابٌّ أَكْحَلُ العَينَينِ، بَرَّاقُ الثَّنَايَا، سَاكِتٌ، فَإِذَا امْتَرَى القَومُ، أَقْبَلُوا عَلَيهِ، فَسَألُوهُ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ. فَوَقَعَتْ مَحَبَّتُهُ فِي قَلْبِي.

وَاستَخلَفَهُ أَبُو عُبَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلى النَّاسِ حِينَ اشتَدَّ بِهِ مَرَضُ طَاعُون عَمَوَاسٍ.

بعثه إلى اليمن

بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى اليَمَنِ مُعَلِّمًا وَقَاضِيًا وَدَاعِيًا إِلى اللهِ، وَكَانَ اليَمَنُ يَومَئِذٍ بِحَاجَةٍ إِلى مَن يُعَلِّمُ النَّاسَ الإِسلَامَ وَيَقضِي بَينَهُم بِالعَدلِ. وَاختِيَارُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ لِهَذِهِ المُهِمَّةِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلى ثِقَتِهِ بِعِلمِهِ وَكَفَاءَتِهِ.

حديث القضاء وأهميته

قَبلَ سَفَرِهِ دَارَ بَينَهُ وَبَينَ النَّبِيِّ ﷺ الحِوَارُ، فَقَالَ ﷺ لَهُ: «كَيفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ قَضَاءٌ؟»، قَالَ: قُلْتُ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَبِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا قَضَى بِهِ الرَّسُولُ؟»، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي (أي أَطلُبُ تِلكَ الوَاقِعَةَ بِالقِيَاسِ عَلى المَسَائِلِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا نَصٌّ، فَإِن وَجَدتُ مُشَابَهَةً بَينَ تِلكَ الوَاقِعَةِ وَبَينَ المَسأَلَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا نَصٌّ، أَحْكُمُ فِيهَا بِمِثلِ المَسأَلَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا نَصٌّ لِمَا بَينَهُمَا مِنَ المُشَابَهَةِ) وَلَا آلُو (أَي لَا أُقَصِّرُ فِي الاجتِهَادِ وَبُلُوغِ الوُسعِ مِنهُ فِي طَلَبِ الحَقِّ)، فَضَرَبَ صَدْرِي، وَقَالَ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ» (وَهَذَا يَدُلُّ عَلى جَوَازِ الاجتِهَادِ وَحُجِّيَّةِ القِيَاسِ)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُ. 

فائدة متعلقة بالقضاء

رِضَا النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ أَن يَجتَهِدَ إِذَا لَم يَجِد نَصًّا مِنَ القُرآنِ أَوِ الحَدِيثِ لِأَجلِ أَنَّ مُعَاذًا اكتَمَلَت عِندَهُ آلَةُ الاجتِهَادِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِن أَعلَمِ الصَّحَابَةِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِذَلِكَ، وَلَيسَ كُلُّ النَّاسِ لَهُم هَذِهِ الأَهلِيَّةَ، كَمَا أَفهَمَنَا قَوْلُهُ ﷺ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ لا فِقْهَ عِنْدَهُ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. فَأَفْهَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ النَّاسَ قِسْمَانِ؛ قِسْمٌ يَرْوِي الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الأَحْكَامِ وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَقِسْمٌ يَعْرِفُونَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الأَحْكَامِ وَهُمُ الأَقَلُّ وَهَذَا الْقِسْمُ هُمُ الْمُجْتَهِدُونَ، فَمَنْ ثَمَّ كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مُقَلِّدِينَ، وَيَكْفِي شَاهِدًا لِذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْحُفَّاظِ مِنْهُمْ مُقَلِّدُونَ لِلشَّافِعِيِّ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ مَالِكٍ أَوْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ.

دعاء النبي ﷺ له

وَفِي سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ  إِلَى اليَمَنِ، خَرَجَ يُوصِيهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ، وَرَسُولُ اللهِ  يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ، إِنَّكَ عَسَى أَنْ لاَ تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي». فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا (أي جَزَعًا) لِفِرَاقِ رَسُولِ اللهِ. قَالَ: «لاَ تَبْكِ يَا مُعَاذُ»، ثُمَّ دَعَا لَهُ «حَفِظَكَ اللهُ مِنْ بَينِ يَدَيكَ وَمِنْ خَلْفِكَ، وَدَرَأَ عَنْكَ شَرَّ الإِنْسِ وَالجِنِّ» فَسَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُبْعَثُ لَهُ رَتْوَةٌ فَوقَ العُلَمَاءِ».

حب رسول الله ﷺ لمعاذ

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ»، أَخرَجَهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ.

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». وَهَذَا الحَدِيثُ مَشهُورٌ بِالحَدِيثِ المُسَلسَلِ بِالمَحَبَّةِ.

وَفِي هَذِهِ الوَصِيَّةِ بَيَانٌ لِعَظِيمِ مَنزِلَةِ الذِّكرِ وَالشُّكرِ، وَأَنَّ العَبدَ مَهمَا بَلَغَ مِنَ الطَّاعَةِ فَهُوَ مُحتَاجٌ إِلى مَعُونَةِ اللهِ تَعَالَى.

معاذ المربي والداعية

لَم يَكُن مُعَاذٌ عَالِمًا مُنعَزِلًا عَنِ النَّاسِ، بَل كَانَ مُعَلِّمًا وَمُرَبِّيًا، فَقَد قَضَى سَنَوَاتٍ يُعَلِّمُ النَّاسَ العَقِيدَةَ وَالعِبَادََةَ وَالأَخلَاقَ. وَكَانَ يَبدَأُ بِالأَهَمِّ فَالمُهِمِّ، مُقتَدِيًا بِمَنهَجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ انتَشَرَ العِلمُ عَلى يَدَيهِ فِي اليَمَنِ وَالشَّامِ.

زهده وورعه

كَانَ مُعَاذٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ زَاهِدًا فِي الدُّنيَا، مُقبِلًا عَلَى الآخِرَةِ. وَلَم يَكُن هَمُّهُ جَمعَ المَالِ أَو طَلَبَ الجَاهِ، بَل كَانَ هَمُّهُ أَن يَرضَى اللهُ عَنهُ. وَكَانَ يَخَافُ مِنَ الرِّيَاءِ خَوفًا شَدِيدًا، وَيُحَاسِبُ نَفسَهُ دَائِمًا، وَكَانَ يَرَى أَنَّ العِلمَ أَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَنَّ العَالِمَ مَسؤُولٌ أَمَامَ اللهِ عَن عِلمِهِ. 

وَمَرَّ عُمَرُ بِمُعَاذٍ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَدْنَى الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَأَحَبُّ العَبِيدِ إِلَى اللهِ الأَتْقِيَاءُ الأَخْفِيَاءُ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِذَا شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا، أُولَئِكَ مَصَابِيحُ العِلْمِ، وَأَئِمَّةُ الهُدَى» أَخرَجَهُ الحَاكِمُ وَغَيرُهُ.

وَرَوَى الحَاكِمُ وَغَيرُهُ؛ عن فَرْوةَ بنِ نَوفَلٍ الأَشجَعِيِّ، قَالَ: قَالَ ابنُ مَسعُودٍ: إِنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا، فَقُلتُ (أي فَروَةُ) فيِ نَفسِي: غَلِطَ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ (أَيِ ابنُ مَسعُودٍ)، إِنَّمَا قَالَ اللهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٠]، قَالَ (ابنُ مَسعُودٍ): أَتدَرِي مَا الأُمَّةُ، وَمَا القَانِتُ؟ فَقُلتُ: اللهُ أَعلَمُ، قَالَ: الأُمَّةُ الَّذِي يُعلِّمُ الخَيرَ، وَالقَانِتُ المُطِيعُ للهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ، وَكَذَلِكَ كَانَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، كَانَ مُعلِّمَ الخَيرِ، وَكَانَ مُطِيعًا للهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ.

كرمه وسخاؤه

كَانَ مُعَاذٌ شَابًّا، جَمِيلًا، سَمْحًا، مِنْ خَيرِ شَبَابِ قَومِهِ، لَا يُسْأَلُ شَيئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، حَتَّى كَانَ عَلَيهِ دَينٌ أَغْلَقَ مَالَهُ كُلَّهُ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُكَلِّمَ لَهُ غُرَمَاءَهُ، فَفَعَلَ، فَلَمْ يَضَعُوا لَهُ شَيئًا، فَلَو تَرَكَ أَحَدٌ لِكَلاَمِ أَحَدٍ، لَتُرِكَ لِمُعَاذٍ لِكَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى بَاعَ مَالَهُ، وَقَسَمَهُ بَينَهُم. فَقَامَ مُعَاذٌ وَلَا مَالَ لَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ عَلَى اليَمَنِ لِيَجْبُرَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَجَرَ فِي هَذَا المَالِ.

وَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ لَكَ يَا مُعَاذُ أَنْ تُطِيعَنِي؟ تَدْفَعُ هَذَا المَالَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَإِنْ أَعْطَاكَهُ فَاقْبَلْهُ. فَقَالَ: لاَ أَدْفَعُهُ إِلَيهِ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي نَبِيُّ اللهِ لِيَجْبُرَنِي. فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: خُذْ مِنْهُ، وَدَعْ لَهُ. قَالَ: مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ، وَإِنَّمَا بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَجْبُرَهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ مُعَاذٌ، انْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: مَا أَرَانِي إِلَّا فَاعِلَ الَّذِي قُلْتَ، لَقَدْ رَأَيتُنِي البَارِحَةَ – أَظُنُّهُ قَالَ – أُجَرُّ إِلَى النَّارِ، وَأَنْتَ آخِذٌ بِحُجْزَتِي. فَانْطَلَقَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ، حَتَّى جَاءَهُ بِسَوطِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ لَكَ، لَا آخُذُ مِنْهُ شَيئًا. فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا حِينَ حَلَّ وَطَابَ. وَخَرَجَ مُعَاذٌ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى الشَّامِ.

وَأَخَذَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَرْبَعَمَائَةِ دِينَارٍ، فَقَالَ لِغُلاَمٍ: اذْهَبْ بِهَا إِلَى أَبِي عُبَيدَةَ، ثُمَّ تَلَهَّ سَاعَةً فِي البَيتِ حَتَّى تَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ. قَالَ: فَذَهَبَ بِهَا الغُلاَمُ، فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ: خُذْ هَذِهِ. فَقَالَ: وَصَلَهُ اللهُ وَرَحِمَهُ. ثُمَّ قَالَ: تَعَالَي يَا جَارِيَةُ، اذْهَبِي بِهَذِهِ السَّبْعَةِ إِلَى فُلاَنٍ، وَبِهَذِهِ الخَمْسَةِ إِلَى فُلاَنٍ، حَتَّى أَنْفَذَهَا.

فَرَجَعَ الغُلاَمُ إِلَى عُمَرَ، وَأَخْبَرَهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ أَعَدَّ مِثْلَهَا لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، فَأَرْسَلَهُ بِهَا إِلَيهِ. فَقَالَ مُعَاذٌ: وَصَلَهُ اللهُ، يَا جَارِيَةُ! اذْهَبِي إِلَى بَيتِ فُلَانٍ بِكَذَا، وَلِبَيتِ فُلَانٍ بِكَذَا. فَاطَّلَعَتْ امْرَأَةُ مُعَاذٍ، فَقَالَتْ: وَنَحْنُ وَالله مَسَاكِينُ، فَأَعْطِنَا. وَلَمْ يَبْقَ فِي الخِرْقَةِ إِلَّا دِينَارَانِ، فَدَحَا بِهِمَا إِلَيهَا (أي دَفَعَهُمَا لَهَا).  وَرَجَعَ الغُلَامُ، فَأَخْبَرَ عُمَرَ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّهُم إِخْوَةٌ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.

تواضعه

كُلَّمَا ازدَادَ عِلمُ الإِنسَانِ ازدَادَ تَوَاضُعُهُ، فَكَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَجلِسُ مَعَ النَّاسِ بِلَا تَكَلُّفٍ، وَيُعَامِلُهُم بِرِفقٍ وَلِينٍ، وَلَم تَمنَعْهُ مَكَانَتُهُ العِلمِيَّةُ مِن قَبُولِ الحَقِّ أَوِ الاستِفَادَةِ مِن غَيرِهِ، وَهَذِهِ مِن صِفَاتِ العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ الَّذِينَ جَمَعُوا بَينَ العِلمِ وَالأَدَبِ.

وَرَوَى البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ عَن أَبِي قِلَابَةَ وَعَن غَيرِ وَاحِدٍ: “أَنَّ فُلَانًا مَرَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَوصُونِي. فَجَعَلُوا يُوصُونَهُ، وَكَانَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ فِي آخِرِ القَومِ، فَمَرَّ بِالرَّجُلِ فَقَالَ: أَوصِنِي يَرْحَمْكَ اللهُ. قَالَ: قَدْ أَوصَوكَ فَلَمْ يَأْلُوا (أي لَم يُقَصِّرُوا)، وَإِنِّي سَأَجْمَعُ لَكَ أَمْرَكَ بِكَلِمَاتٍ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا غِنَى بِكَ عَنْ نَصِيبِكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ إِلَى نَصِيبِكَ إِلَى الآخِرَةِ أَفْقَرُ، فَابْدَأْ بِنَصِيبِكَ مِنَ الآخِرَةِ، فَإِنَّهُ سَيَمُرُّ بِكَ عَلَى نَصِيبِكَ مِنَ الدُّنْيَا، فَيَنْتَظِمَهُ انتِظَامًا لَم يَزل مَعَكَ أَينَمَا زِلْتَ”.

طاعون عمواس واستخلاف أبي عبيدة له

فِي خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَقَعَ طَاعُون عَمَوَاس بِالشَّامِ، وَكَانَ مِن أَعظَمِ الأَوبِئَةِ الَّتِي أَصَابَتِ المُسلِمِينَ، وَأُصِيبَ بِهِ عَدَدٌ مِن كِبَارِ الصَّحَابَةِ، مِنهُم أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا. 

وَلَمَّا أُصِيبَ أَبُو عُبَيدَةَ وَاشْتَدَّ الوَجَعُ عَلَيهِ، اسْتَخْلَفَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، فَصَرَخَ النَّاسُ إِلَى مُعَاذٍ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنَّا هَذَا الرِّجْزَ. فَقَالَ: “إِنَّهُ لَيسَ بِرِجْزٍ، وَلَكِنْ دَعْوَةُ نَبِيِّكُم، وَمَوتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُم، وَشَهَادَةٌ يَخُصُّ اللهُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْكُم”، أَخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الكَبِيرِ.

وَفِي رِوَايَةٍ عِندَ أَحمَدَ: وَاسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَقَامَ خَطِيبًا بَعْدَهُ فَقَالَ: “أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ مُعَاذًا يَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَقْسِمَ لِآلِ مُعَاذٍ مِنْهُ حَظَّهُ”. قَالَ: فَطُعِنَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ، فَمَاتَ، ثُمَّ قَامَ فَدَعَا رَبَّهُ لِنَفْسِهِ، فَطُعِنَ فِي رَاحَتِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ يُقَبِّلُ ظَهْرَ كَفِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: “مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِمَا فِيكِ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا”.

صبره عند البلاء

قَالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سَتُهَاجِرُونَ إِلَى الشَّامِ، فَيُفْتَحُ لَكُم، وَيَكُونُ فِيهِ دَاءٌ كَالدُّمَّلِ، أَو كَالوَخْزَةِ، يَأْخُذُ بِمَرَاقِّ الرَّجُلِ (مَرَاقُّ البَطنِ: مَا رَقَّ مِنهُ وَلَانَ أَسافِلُهُ وَنَحوُهَا)، فَيَشْهَدُ اللهُ بِكُمْ أَنْفُسَكُم، وَيُزَكِّي بِهَا أَعْمَالَكُم» رَوَاهُ أَحمَدُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مُعَاذًا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَعْطِهِ هُوَ وَأَهْلَ بَيتِهِ الحَظَّ الأَوفَرَ مِنْهُ. فَمَاتَتْ ابْنَتَاهُ، فَدَفَنَهُمَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَطُعِنَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لِابْنِهِ لَمَّا سَأَلَهُ كَيفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: ﴿الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [سورة آلُ عِمْرَانَ: ٦٠]، قَالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الصَّافَّاتُ: ١٠٢].

وَطُعِنَ مُعَاذٌ فِي كَفِّهِ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا، وَيَقُولُ: هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمرِ النَّعَمِ.

وَرَأَى مُعَاذٌ رَجُلًا يَبْكِي، قَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: مَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَا كُنْتُ أَصَبْتُهَا مِنْكَ، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى العِلْمِ الَّذِي كُنْتُ أُصِيبُهُ مِنْكَ. قَالَ: وَلَا تَبْكِهِ، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِ كَانَ فِي الأَرْضِ، وَلَيسَ بِهَا عِلْمٌ، فَآتَاهُ اللهُ عِلْمًا، فَإِنْ أَنَا مِتُّ، فَاطْلُبِ العِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ: عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، وَسَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، وَعَبْدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ، وَعُوَيمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ.

وفاته رضي الله عنه

اتَّفَقَ أَهلُ التَّارِيخِ أَنَّ مُعَاذًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ تُوُفِّيَ بِطَاعُون عَمَوَاس بِنَاحِيَةِ الأُردُنِّ مِنَ الشَّامِ سَنَةَ ثَمَانِ عَشرَةَ وَقَبرُهُ الآنَ فِي نَاحِيَةٍ يُقَالُ لَهَا الأَغوَار وَهُوَ مَعرُوفٌ يُزَارُ.

وَاختَلَفُوا فِي عُمُرِهِ فَقِيلَ: ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ، وَقَيلَ ثَلَاثٌ وَأَربَعُونَ سَنَةً. وَعَن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ قَالَ: “رُفِعَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَمَاتَ مُعَاذٌ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ الفَارُوقِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَن سَيِّدِنا مُعَاذٍ وَأَرضَاهُ. وعَنِ الحَارِثِ بنِ عُمَيرَةَ، قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ عِنْدَ مُعَاذٍ وَهُوَ يَمُوتُ، وَهُوَ يُغْمَى عَلَيهِ وَيُفِيقُ، فَقَالَ: اخْنُقْ خَنْقَكَ، فَوَعِزَّتِكَ إِنِّي لَأُحِبُّكَ.

وَهِيَ مُدَّةٌ قَصِيرَةٌ فِي حِسَابِ الأَعمَارِ، لَكِنَّهَا كَانَت حَافِلَةً بِالعِلمِ وَالدَّعوَةِ وَالتَّعلِيمِ وَالجِهَادِ، فَمَاتَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَالِمًا عَامِلًا، تَارِكًا خَلفَهُ إِرثًا عَظِيمًا مِنَ العِلمِ وَالفِقهِ.

أثره في الأمة

لَم يَنقَطِع أَثَرُ مُعَاذٍ بِوَفَاتِهِ، فَقَدِ انتَشَرَ عِلمُهُ بَينَ الأُمَّةِ، وَرَوَى عَنهُ الخَلقُ الكَثِيرُ، وَنَذكُرُ لَهُ بَعضَ الأَحَادِيثَ:

رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: «أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

وَرُوِيَ بِإِسنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ؛ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ للهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمَنَارُ سُبُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْأُنْسُ فِي الْوَحْشَةِ، وَالصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ، وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالزَّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ، يَرْفَعُ اللهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً يُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، وَيُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ وَيُنْتَهَى إِلَى رَأْيِهِمْ، تَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خُلَّتِهِمْ وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَحِيتَانُ الْبَحْرِ وَهَوَامُّهُ وَسِبَاعُ الْبَرِّ وَأَنْعَامُهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْجَهْلِ، ‌وَمَصَابِيحُ ‌الْأَبْصَارِ ‌مِنَ ‌الظُّلَمِ، يَبْلُغُ الْعَبْدُ بِالْعِلْمِ مَنَازِلَ الْأَخْيَارِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامَ وَمُدَارَسَتُهُ تَعْدِلُ الْقِيَامَ بِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ، وَهُوَ إِمَامٌ وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ، يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ وَيُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءُ»

وَرَوَى أَحمَدُ: عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحكِي عَن رَبِّهِ يَقُولُ: «حَقَّت [أَي ثَبَتَت] مَحَبَّتِي لِلمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّت مَحَبَّتِي لِلمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّت مَحَبَّتِي لِلمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالمُتَحَابُّونَ فِي اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِن نُورٍ فِي ظِلِّ العَرشِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، أَي ظِلُّ عَرشِهِ.

وَرَوَى البُخَارِيُّ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ — ثَلَاثًا — قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا»، وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.

من مناقبه وفضائله

هُوَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ:

  • مِنَ السَّابِقِينَ إِلى الإِسلَامِ مِن شَبَابِ الأَنصَارِ.
  • شَهِدَ بَيعَةَ العَقَبَةَ الثَّانِيَةَ.
  • شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ المَشَاهِدَ كُلَّهَا.
  • لَازَمَ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَخَذَ عَنهُ العِلمَ مُبَاشَرَةً.
  • شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَولِهِ: «أَعلَمُ أُمَّتِي بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ».
  • أَرشَدَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ أَن يَتَعَلَّمُوا مِنهُ القُرآنَ.
  • كَانَ مَرجِعًا لِلصَّحَابَةِ فِي الفَتوَى، يَرجِعُونَ إِليهِ فِي النَّوازِلِ.
  • بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلى اليَمَنِ مُعَلِّمًا وَقَاضِيًا وَدَاعِيَةً، ثِقةً بِعِلمِهِ وَفِقهِهِ.
  • خَصَّهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالمَحَبَّةِ، وَقَالَ لَهُ: «إِنِّي أُحِبُّكَ».
  • جَمَعَ بَينَ العِلمِ وَالعَمَلِ وَالدَّعوَةِ وَالجِهَادِ.
  • اشتَهَرَ بِالزُّهدِ وَالوَرَعِ، وَشِدَّةِ الخَوفِ مِنَ الرِّيَاءِ.
  • عُرِفَ بِالتَّوَاضُعِ، وَلِينِ الجَانِبِ، وَحُسنِ الخُلُقِ.
  • كَانَ مِن أَكرَمِ الصَّحَابَةِ وَأَسخَاهُم، كَثِيرَ الإِنفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
  • استَخلَفَهُ أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى النَّاسِ فِي طَاعُون عَمَوَاس.
  • صَبَرَ عَلى البَلَاءِ، وَرَجَا الشَّهَادَةَ، حَتَّى تُوُفِّيَ فِي طَاعُون عَمَواس رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

الرواة عنه

رَوَى عَنْهُ: ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ، وَمَالِكُ بنُ يَخَامِرَ، وَأَبُو مُسلمٍ الخَولاَنِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ غَنْمٍ، وَجُنَادَةُ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَأَبُو بَحْرِيَّةَ عَبْدُ اللهِ بنُ قَيسٍ، وَيَزِيدُ بنُ عُمَيرَةَ، وَأَبُو الأَسْوَدِ الدِّيلِيُّ، وَكَثِيرُ بنُ مُرَّةَ، وَأَبُو وَائِلٍ، وَابْنُ أَبِي لَيلَى، وَعَمْرُو بنُ مَيمُونٍ الأَودِيُّ، وَالأَسْوَدُ بنُ هِلاَلٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَأَبُو ظَبْيَةَ الكَلاَعِيُّ، وَآخَرُونَ.

الخَاتِمَةُ

وَفِي خِتَامِ هَذَا الْمَقَالِ، يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِلْمًا وَفِقْهًا وَفَضْلًا، وَأَنَّهُ مَثَّلَ صُورَةَ الْعَالِمِ الصَّادِقِ الَّذِي سَخَّرَ عِلْمَهُ لِنَفْعِ الأُمَّةِ وَهِدَايَتِهَا. فَقَدْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعِلْمِ، وَأَحَبَّهُ، وَدَعَا لَهُ، وَاخْتَارَهُ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ وَتَفْقِيهِهِمْ، فَكَانَ أَهْلًا لِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ.

وَقَدْ تَرَكَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ سِيرَةً زَاخِرَةً بِالدُّرُوسِ وَالْعِبَرِ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ وَالإِخْلَاصِ، فَاسْتَحَقَّ أَنْ يَبْقَى ذِكْرُهُ فِي صُفُوفِ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَأَعْلَامِ الأُمَّةِ. 

فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَجَزَاهُ عَنِ الإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيرَ الْجَزَاءِ، وَجَمَعَنَا بِهِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

القُرءَانِ الكَرِيمِ.

السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.

صَحِيحِ البُخَارِيِّ.

صَحِيحِ مُسلِمٍ.

سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ.

لِسَانِ العَرَبِ لِابنِ مَنظُورٍ.

أُسدِ الغَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.

البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابنِ كَثِيرٍ.