المحتويات
نسبه
هو الوزير نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي. ولد في بلدة صغيرة من نواحي طوس تسمى نوقان سنة 408هـ، وكان من أولاد الدهاقين (الفلاحين) الذين يعملون في البساتين.
مناقبه
كان رحمه الله من خيار الوزراء، كثرت محاسن أفعاله وعم عدله حتى تناقلت ذلك الألسنة. يقول صاحب “طبقات الشافعية الكبرى” تاج الدين السبكي في معرض ترجمته إياه: (الوزير الكبير العالم العادل أبو علي الملقب بنظام الملك، وزير غالى الملوك في سمعتها وغالب الضراغم، وكانت له النصرة مع شدة منعتها، وضاهى الخلفاء في عطائها، وباهى الفراقد كأنه فوق سمائها، ملك طائفة الفقهاء بإحسانه، وسلك سبيل البر معهم سبيلا لم يعهد قبل زمانه، هو أشهر من بنى لهم المدارس وشيد أركانها لولاه خيف أن يكون كالطلل الدارس… طمس ذكره من كنا نسمع في المكارم من الملوك خبره، وغرس في القلوب شجرات إحسانه المثمرة، دولته كلها فضل وأيامه جميعها عدل، ووقته وابل مغدق، ومجلسه بجماعة العلماء مصباح مشرق…).
وفي خطبة “العباب” لإمام الحرمين الجويني في مدحه كلام عذب جميل جاء فيه: (ومؤيد الدين والدنيا، وملاذ الأمم، مستخدم للسيف والقلم، ومن ظَلَّ ظِلُّ الملك بيُمن مساعيه ممدودا، ولواء النصر معقودا… وتحصنت المملكة بنصله، وتحسنت الدنيا بإفضاله وفضله، وعم بره ءافاق البلاد، ونفى الغي عنها بالرشاد، وجلى ظلام الظلم عدله، وكسر قفار الفقر بذله، وكانت خطة الإسلام شاغرة وأفواه الخطوب فيها فاغرة، فجمع الله برأيه الثاقب شملها…).
الثناء عليه
أما أبو الوفاء ابن عقيل فكان من جملة من بالغ في مدحه والثناء عليه فقال في “الفنون” ما نصه: (أبهرت العقول سيرته جودًا وكرمًا وعدلًا، وأحيا لمعالم الدين بناء المدارس، ووقف الوقوف ونعش من العلم وأهله ما كان خاملا مهملًا في أيام من قبله، وفتح طريق الحج وعمره وعمر الحرمين واستقام الحجيج، وابتاع الكتب بأوفر الأثمان وأدار الجرايات للخُزَّان، وكانت سوق العلم في أيامه قائمة والنعم على أهله دائرة).
إقباله على العلم
حفظ القرءان الكريم واشتغل في الفقه منذ صغره على مذهب الإمام الشافعي، فكان شافعيًّا أشعريًّا عالمًا فقيهًا ديِّنًا خيِّرًا متواضعًا عادلًا يحب أهل الدِّين ويكرمهم، مجلسه كان عامرا بالفقهاء والصوفية، وكان كثير الإنعام عليهم، ولما سئل عن سبب ذلك قال: أتاني صوفي وأنا في خدمة بعض الأمراء فوعظني وقال: اخدم من تنفعك خدمته ولا تشتغل بمن تأكله الكلاب غدا، فلم أعلم معنى قوله حتى شرب ذلك الأمير مسكرًا وخرج بالليل وكانت له كلاب كالسباع تفترس الغرباء فوثبت عليه ومزقته، فعلمت أن الرجل كوشف بذلك، فأنا أخدم الصوفية لعلي أظفر بمثل ذلك.
جلس للإملاء ببغداد في مجلسين أحدهما بجامع المهدي بالرصافة والآخر بمدرسته، وكان يقول في ذلك: (إني لست أهلًا لما أتولاه من الإملاء، لكني أريد أن أربط نفسي على قطار نقلة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم).
صفاته
واشتهر الوزير نظام الملك رحمه الله بكثرة الحلم والإغضاء، فمما يروي عنه تاج الدين السبكي أن بعض أصحاب الحوائج قد رمى إليه رقعة ليوقعها، فأتت على دواته فأوقعتها وكان بها مداد كثير، فوقع المداد على عمامة الوزير وثيابه فاسودت، فلم يغضب لذلك ولم يتغير، فأخذ الرقعة ووقع عليها فتعجب الحاضرون من ذلك أشد التعجب.
ومما يظهر شدة تواضعه على ما به من الملك والسلطان حوادث كثيرة منها ما حدث معه حين دعا إلى مأدبته عددا من الأعيان والفقراء، وكان من بينهم رجل من الأعيان يدعى العميد خليفة، فجلس إلى جانبه رجل فقير مقطوع اليد فتنزه العميد من مؤاكلة هذا الفقير، فقال الوزير نظام الملك للفقير: تقدَّم إليَّ فأجلسه إلى جانبه وجعل يؤاكله.
وكان لا يُحدث إلا توضأ ولا توضأ إلا صلى، وكان يقرأ القرءان حفظًا وكان يستصحب المصحف معه أينما توجه، ويحافظ على أوقات الصلوات محافظة لا يتقدمه فيها المتفرغون للعبادة حتى إنه كان إذا غفل المؤذن أمره بالأذان وإذا سمع المؤذن أمسك عن كل شغل هو فيه وأجابه، وكان يصوم كل اثنين وخميس، ولا يمنع أحدًا من الدخول عليه في وقت الطعام ولا غيره فقد ذكر التاج السبكي أن امرأة دخلت عليه وهو قاعد للطعام فزجرها بعض الحُجَّاب، فالتفت الوزير إليه وقال له: إنما أريدك وأمثالَك لإيصال مثل هذه، ثم أدخلها ونظر في حاجتها.
وأما صدقاته ووقوفه فشيء عظيم ومدارسه في الناس مشهورة وأعماله الحسنة وصنائعه الجميلة مذكورة في التواريخ بحيث لم يدركه أحد بعده فيها، فأخذ في بناء المساجد في البلاد وبنى المدارس في بغداد وبلخ ونيسابور وهراة وأصبهان والبصرة ومرو وءامل وطبرستان والموصل، وكثرت البيمارستانات (المستشفيات) التي بناها للمرضى.
وهو أول من فرَّق الإقطاعات على الجند، فكان يوزع لكل مقطع قرية أو نحوها كي لا تكون الأرض المقتطعة شاسعة بحيث يحدث عجز في عمارتها، فكان ذلك سببًا في عمارة العديد من البلدان وكثرة غلاتها.
وفاته
بلغ الوزير الصالح نظام الملك الطوسي من الزهد والتقوى وأعمال البر وحسن الخلق مبلغًا عظيمًا جعل المسلمين عامتهم وعلماءهم وصوفيتهم يحبونه ويعظمونه ويجلّونه فكان ذلك سببًا في أن حسده البعض وحاول أن يقيله من منصب الوزارة، ولكن قوة الوزير وهيبته وتقواه وكثرة مناصريه حالت دون ذلك، حتى كانت ليلة العاشر من شهر رمضان سنة 485هـ وهي الليلة التي كيد له فيها فأُرسل إليه غلام ديلمي مستغيثًا به فقربه منه ليسمع شكواه فضربه بسكين في صدره فحمل إلى مضربه فمات شهيدًا سعيدًا حميدًا، عمَّر دار ءاخرته بما ادخره من تقوى الله والإعراض عن ملذات الدنيا وزخرفها. وقد قال أحد خدامه أن ءاخر كلامه كان: (لا تقتلوا قاتلي فإني قد عفوت عنه) وتشهد ومات رحمه الله فضج لموته الناس رحمات الله تعالى عليه.