الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ العليِّ العظيمِ الكبيرِ، يخلق ما يشاء ويختار، وما كان للإنسانِ في الخلقِ من تأثير، رفع الناسَ بعضَهم فوق بعضٍ درجاتٍ ليبلوَهم، فهذا غنيٌ وذاك فقير، خلق الخيرَ والشرَّ وقدَّرهما، وما لأحدٍ في الخلقِ من تدبير، سبحانه قَبِلَ من خلقِه اليسيرَ، وأعطى من رزقِهِ الكثير.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له تعالى وتنزّه وتقدّس عن مثيلٍ وشبيهٍ ونظير، ليس كمثلِه شيء وهو السميعُ البصير، وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا محمدا عبدُه ورسولُه ، الهادي البشيرُ النذير، اللهم صلِّ وسلم وأنعمْ وأكرمْ وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه ما تردّد نفَسٌ بين شهيقٍ وزفير.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيَ بتقوى اللهِ العظيم، اتَّقوا الله فإنّ تقواهُ أفضلُ مكتَسَبٍ، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ” (ءال عمران: 102)، فاللهَ اللهَ عبادَ الله.
إخوةَ الإيمانِ والإسلامِ: يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في القرءانِ الكريمِ:”إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ”(ءال عمران:19) فالدينُ المَرضيُّ عند اللهِ تعالى والشرطُ الأساسيُّ لدخولِ الجنةِ هو الإسلامُ، وهو دينُ كلِّ الأنبياءِ عليهمُ الصلاةُ والسلام، فالله تعالى هو الذي أرسل جميعَ الأنبياءِ بلا شكٍّ، ولا دينَ مقبولَ عند اللهِ تعالى إلا الإسلام، فيكونُ دينُ كلِّ الأنبياءِ بلا شكٍّ هو الإسلام، لأنَّ الذي أرسَلَهُم وَاحِدٌ وهو اللهُ بلا شَكّ، يقولُ اللهُ تعالى: “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ“(ءال عمران:85) فالفائزُ والرابحُ من دانَ بالإسلامِ وثبتَ عليه حتى الممات، فالله تعالى يقول: “وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ“(ءال عمران:101) أي فمن اعتصم بدين اللهِ الإسلامِ أي تمسَّكَ به، فقد هُديَ وأُرشِدَ إلى الطريقِ الصحيحِ والنهجِ السليم.
إخوةَ الإسلامِ: روى الإمامُ أحمدُ في مسندِهِ عن السيدةِ عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّهُمْ – أي اليهودَ – لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا وَعَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ ءامِينَ” فأعداءُ هذه الأمةِ لا يُرضِيهم ولا يُعجِبُهم ثباتُنا وتمسُّكُنا بدِينِنَا وأنْ نَكُونَ على قلبِ رَجلٍ وَاحدٍ، لذلك يَسعُونَ جَاهِدِين لِتَفرِقَتِنا، وَقَد رَوَى الإمام مسلمٌ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ جَابِر بنِ عبد الله رضي الله عنه أنَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ فَيُدْنِيهِ – أي يُقَرِّبُهُ – مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ” فهذا إبليسُ رئيسُ الشياطين يسعى جاهدا للتفرقةِ بين الرجلِ وزوجتِهِ؛ بل وبَينَ المُسلِمِينَ كافَّةً، لِمَا يَعلمُ مِن أنَّ فِي التفرقةِ ضعفًا، وأنَّ في الثباتِ على الحقِّ قوةً، فلا يُرضيه ذلك. فهل نتركُ ما يُرضِي اللهَ تعالى ونَتَّبِعُ ما يُرضِي الشيطَانَ وغَيرَه مِن أعداءِ هذه الأمةِ؟!! هذا شَاسُ بنُ قَيسٍ اليَهُودِيُّ مَرَّ على جماعةٍ مِن أصحَابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأوسِ والخَزرَجِ، فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِن أُلفَتِهِم واجتِمَاعِهِم عَلى الإسلَامِ بَعدَ الذِي كَانَ بَينَهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَطَلَبَ مِن شَابٍ مِن اليَهُودِ أن يَدخُلَ بَينَهُم ويُذَكِّرَهم بِيومِ بُعاث وَهُوَ يَومٌ اقتَتَلَ فِيهِ الأوسُ والخَزرَجُ، وسُمِّيَت بِبُعَاث نِسبَة لِلمَكَانِ الذِي حَصَل فِيهِ القِتَالُ، فَفَعَلَ ذلك اليَهوديُّ، وصار بينَهُم فِتنَةٌ وعَمَدُوا لِقَتلِ بَعضِهِم بَعضًا، فَوَصَلَ الخبرُ لرسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فعَمِل بِتَوفِيقِ اللهِ تَعَالَى عَلَى إيقَافِ الفِتنَةِ بَينَهُم، وقَال لَهُم: “أَبِدَعوَى الجَاهِلِيَّةِ وأنَا بَينَ أظهُرِكُم بَعدَ إذْ هَدَاكُم اللهُ إلى الإسلامِ وأكرَمَكُم بِه وقَطَعَ عنكم أمرَ الجاهليةِ، واستَنقَذَكُم بِه مِنَ الكُفرِ وألَّفَ بينَ قُلُوبِكُم” فَعَرَف القومُ أنَّها نَزغَةٌ مِن الشيطَانِ وَكَيدٌ مِن عَدُوِّهِم، فَألقَوا السِّلاحَ وبَكَوا وَعَانقَ بَعضُهم بَعضًا، ثُم انصَرَفُوا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سامعينَ مُطِيعِين(1).
إخوة الإسلام: لِيَثْبُتْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا عَلَى دِينِ الإسلَام، وَلْيُعَلِّقْ قَلبَه بِهَذَا الدِّينِ السَّلِيمِ، فَأكثَرُ الشَّبَابِ اليومَ لَو سَألتَهُم فِي الرِّيَاضَةِ عَن عَدَدِ لَاعِبِي فَرِيقِ كُرَةِ القَدَمِ أو كُرَةِ السلةِ أو اسمِ اللاعِبِ الفُلانيِّ أو عَن نَحوِ ذَلِك، لَأجَابَك مِن غَيرِ أن يُفَكِّرَ، وَلَو سَألتَهُم فِي السيَّارَاتِ مَثَلًا أو الهَواتِفِ أو النِّتِّ يُجِيبُكَ، ولَكِن لَو سَألتَهُ عَن عَدَدِ سُوَرِ القُرآنِ الكريمِ أو عَدَدِ أولَادِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثلًا أو شَيءٍ مِن سيرَتِهِ أو أسمَاءِ العَشَرَةِ المُبشرينَ بالجَنَّةِ من الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم أو شيءٍ مِن سِيرَتِهِم لَمَا أَجَابَ، وإن أجَابَ فَيَكُونُ بَعدَ تَفكِيرٍ وحَزْرٍ وَتَخْمِينٍ، نسألُ اللهُ السلامَةَ، ونَسأَلُهُ تَعَالَى أن يُثَبِّتَنَا عَلَى دِينِنَا وأَن يَجعَلَ قُلُوبَنَا مُتَعَلِّقَةً بِه، هَذَا وأستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:
سيدُنا عمرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَرَجَ فِي رِحلَةٍ لِاستِلَامِ مَفَاتِيح المَسجدِ الأقصَى، فَقَطَعَ الصَّحَارِي، مَاشِيًا فِي الليلِ المعتمِ، قَاطِعًا تِلكَ المَسَافَةَ الكَبِيرَةَ فِي رِحلَةٍ شَاقَّةٍ، بِنَاقَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ خَادِمِه، يَركَبُ هُو سَاعَةً أي وَقتًا، وساعةً يَركَبُ خَادِمُه، وساعةً يُرِيحَانَ النَّاقةَ، حَتَّى وَصَلَ سَيِّدُنا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قُربَ مُعَسكَرِ المُسلِمِينَ فِي مَعرَكَةِ اليَرمُوك بِقِيَادَةِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ أبِي عُبَيدَةَ رَضِيَ الله عَنهُ، فَمَشَى سيدُنا عمرُ رضي الله عنه على قَدَمَيهِ فِي الطِّينِ، والكُفَّارُ يَنظُرُونَ إِلَيهِ، فيقولُ لهُ سيدُنَا أبو عبيدَةَ رَضِي الله عنه: لَو جَعَلنَا لَك رَكُوبًا (أَيْ شَيئًا تَركَبُهُ) فَإنَّهُم يَنظُرُونَ إلَينَا، فَيَقُولُ سَيِّدُنا عُمَرُ لِسَيِّدِنَا أَبِي عبيدةَ رضي الله عنهُما: “لو أَنَّ غَيرَك قَالَها يَا أبَا عُبيدةَ، لَقَد كُنَّا قَومًا أَذِلَّةً – أَي حِينَ كُنَّا عَلَى الكُفرِ قَبلَ الإسلَام – فَأَعزَّنَا اللهُ بالإسلامِ، فَإِنَّا إذَا ابتَغَيْنَا العِزَّةَ بِغَيرِ الإسلَامِ أَذَلَّنَا اللهُ”(2)
فاحفظْ هَذا جَيدًا أخي المسلمُ: “إنَّا إذا ابتَغَينَا العِزةَ بغير الإسلامِ أذلّنا الله” فإنْ أرَدتَ أخِي العِزّة فاثبُتْ على دينِ اللهِ، واثبُتْ على طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى.
نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى دِينِهِ وَطَاعَتِهِ، إنَّه عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وبِعِبَادِه لَطِيفٌ خَبِيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:”إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا“لبيكَ اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمدٍ كما صليتَ على سيدنا إبراهيمَ وعلى آلِ سيدنا إبراهيمَ وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمدٍ كما باركتَ على سيدنا إبراهيمَ وعلى آلِ سيدنا إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من الصَّابِرِينَ القَانِتِينَ القَائِمِينَ العَابِدِينَ، اللَّهُمَّ ارفَعِ البلاءَ والأمراضَ عَنِ المُسلِمِينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، واحفظْ فيه المُسلِمِينَ المُرَابِطِينَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كُرُوبَنَا واستُر عُيُوبَنَا وأذهِب هُمُومَنَا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليَقِينِ، اللهم اسقِنَا الغَيثَّ ولا تَجعلْنَا مِن القَانِطِين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ وارزُقْهُ البِطَانَةَ الصالحةَ التِي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسَانِ وإيتَاءِ ذِي القُربَى ويَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ والمُنكَرِ والبَغيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ وأقِمِ الصَّلَاةَ.
الحاشية
- ذكر القصة الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري وفي كتاب الإصابة في تمييز الصحابة.
- روى القصة الحاكم في المستدرك وصححها، وكذا الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق.