المقدمة
الحمد لله رب العالمين له الحمد وله الفضل وله الثناء الحسن، صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد طه الأمين وعلى آله وأصحابه الغر الميامين ومن استن بسنتهم واتبع نهجهم إلى يوم الفصل والدين، أما بعد:
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ: وَالتَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِي الْقَلْبِ التَّكْذِيبَ بِالْقَدرِ وَهُوَ كُفْرٌ وَذَلِكَ بِأَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْجَائِزَاتِ الْعَقْلِيَّةِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ اللهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سُورَةَ الْقَمَر:49] وَقَدْ فُسِّرَ الْقَدَرُ بِالتَّدْبِيرِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ دَبَّرَ فِي الأَزَلِ الأَشْيَاءَ فَإِذَا وَقَعَتْ تَكُونُ عَلَى حَسَبِ تَقْدِيرِهِ الأَزَلِيِّ. «قَالَ الْحَنَفِيَة أَوْ قَالَ الْمَظْلُومُ هَذَا بِتَقْدِير اللهِ تَعَالَى فَقَالَ الْظَالِمُ أَنَا أَفْعَلُ بِغَيرِ تَقْدِيرُ اللهِ تَعَالَى كَفَرَ اﻫ قَالَهُ الْنَّوَوِيُّ عَنْهُمْ فِي الْرَوْضَةِ وَأَقَرَهُ».
معنى القدر
قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ القَدَر: إِنَّهُ إِيْجَادُ اللهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى مِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ وَمَشيئَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُم: الْقَدَرُ هُوَ التَّدْبِيرُ أَيْ تَدْبِيرُ اللهِ الْأَزَلِيُّ الْأَشْيَاءَ عَلَى وَجْهِ مُطَابِقٍ لِعِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
عقيدة المعتزلة
المُعْتَزِلَةُ يَعْتَقِدُونَ جُمْلَةً مِنَ الْعَقَائِدِ شَذُّوا فِيهَا عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْهَا:
- قَوْلُهُمْ بِأَنَّ اللهَ مَا شَاءَ حُصُولَ الْمَعَاصِي وَالشُّرُورِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْكُفْرُ وَالْمَعَاصِي بِغَيْرِ مَشِيئَةِ اللهِ.
- وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ إِنَّ الإِنْسَانَ هُوَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ بِقُدْرَةٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهَا وَلَيْسَ اللَّهُ يَخْلُقُهَا. يَقُولُونَ إِنَّ اللهَ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ حَرَكَاتِ الْعِبَادِ وَسَكَنَاتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُمُ الْقُدْرَةَ عَلَى خَلقِهَا فَبَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُمُ القُدْرَةَ عَلَيْهَا صَارَ عَاجِزًا.
- وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ بِنَفْيِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عِلمٍ وَقُدْرَةٍ وَحَيَاةٍ وَبَقَاءٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ وَكَلامٍ فَهُمْ يَقُولُونَ اللهُ عَالِمٌ بِذَاتِهِ لا بِعِلْمٍ، قَادِرٌ بِذَاتِهِ لا بِقُدْرَةٍ، حَيٌّ بِذَاتِهِ لا بِحَيَاةٍ وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ.
وَهَذِهِ الأَقْوَالُ الثَّلاثَةُ يَجِبُ تَكْفِيرُهُمْ بِهَا وَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ لا يُكَفَّرُونَ بِهَا وَإِنْ كَانُوا يُفَسَّقُونَ بِهَا وَيُبَدَّعُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِلُوا إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ كَمَا قَالَ عَدَدٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّ هَؤُلاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ خَالَفُوا مَا نَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺوَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ لا يُعْرَفُ بَيْنَهُمْ مُخَالِفٌ وَهَذَا هُوَ قَوْلُ سَلَفِ الأُمَّةِ فَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ وَمَا خَالَفَهُ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ، لِأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِلا خِلافٍ لِقَوْلٍ مُسْتَحْدَثٍ مُخَالِفٍ، بَلْ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا: »مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ «اهـ وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْخَلَفِ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِمْ وَلَمْ يَرْتَضُوا قَوْلًا سِوَاهُ.
تكفير من قال: لا قدر
فَأَمَّا الأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنْهَا:
مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قال: »إِنَّ اللهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ أَرْضِهِ وَسَمَوَاتِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللهِ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ« اهـ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: »الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ« اهـ وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا كَذَلِكَ »لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ وَمَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا قَدَرَ« اهـ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْعَقِيدَةِ وَلِذَلِكَ احْتَجَّ بِهِ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ الْخَمْسِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: »صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا نَصِيبٌ فِي الإِسْلامِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ«.اهـ وَالْقَدَرِيَّةُ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ أَكْثَرِ مِنْ طَرِيقٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ زرارة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سُورَةَ الْقَمَر] قَالَ: »نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أُمَّتِي يَكُونُونَ فِي ءَاخِرِ الزَّمَانِ يُكَذِّبُونَ بِقَدَرِ اللَّهِ« اهـ.
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَتْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخَاصِمُونَهُ فِي الْقَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ اهـ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَكْفِيرَهُمْ وَأَنَّهُمْ يَكُونُونَ أَتْبَاعَ الدَّجَّالِ عِنْدَ ظُهُورِهِ.
فَهَذِهِ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى كُفْرِ نُفَاةِ الْقَدَرِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَفْعَلُ بِغَيْرِ مَشِيئَةِ اللهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُفْرِهِمْ.
أقوال الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في القدرية
- وَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَمِنهُم:
- رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَالَ أَمَامَهُ فِي الْجَابِيَةِ »إِنَّ اللهَ لا يُضِلُّ أَحَدًا« فَغَضِبَ عُمَرُ وَقَالَ:»كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ وَلَوْلا أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ هُوَ أَضَلَّكَ وَهُوَ يُدْخِلُكَ النَّارَ« اهـ.
- وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ أَيْضًا عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: »إِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَخْلُصَ الإِيـمَانُ إِلَى قَلْبِهِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ يَقِينًا غَيْرَ شَكٍّ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَيُقِرُّ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ «اهـ.
- وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ بنِ الْيَمَانِ وَزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ قَوْلَهُمْ: »لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللهِ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ«اهـ
- وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَنْزِعُ مِنْ زَمْزَمَ وَقَدِ ابْتَلَّتْ أَسَافِلُ ثِيَابِهِ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ تُكُلِّمَ فِي الْقَدَرِ، فَقَالَ: أَوَفَعَلُوهَا، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إِلَّا فِيهِمْ ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أُولَئِكَ شِرَارُ هَذِهِ الأُمَّةِ فَلا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ وَلا تُصَلُّوا عَلَى مَوْتَاهُمْ إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ فَقَأْتُ عَيْنَيْهِ بِأَصْبَعَيَّ هَاتَيْنِ اهـ.
- وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ: كَلامُ الْقَدَرِيَّةِ كُفْرٌ اهـ
- وَقَدْ أُخْبِرَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَيْضًا بِحُدُوثِ الْقَوْلِ فِي الْقَدَرِ فِي الْعِرَاقِ عَلَى مُقْتَضَى كَلامِ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ لِلْمُخْبِرِ وَكَانَ يَحْيَى بنُ يَعْمُرَ مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ: أَخْبِرْهُمْ بِأَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَءَاءُ مِنِّي وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ اهـ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
- وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ عَنْ لَبِيدٍ قَالَ: سَأَلْتُ وَاثِلَةَ بنَ الأَسْقَعِ عَنِ الصَّلاةِ خَلْفَ الْقَدَرِيِّ فَقَالَ: لا تُصَلِّ خَلْفَ الْقَدَرِيِّ أَمَّا أَنَا لَوْ صَلَيْتُ خَلْفَهُ لَأَعَدْتُ صَلاتِي اهـ.
- وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَيِّدِنَا الْحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: وَاللهِ مَا قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ بِقَوْلِ اللهِ وَلا بِقَوْلِ الْمَلائِكَةِ وَلا بِقَوْلِ النَّبِيِّينَ وَلا بِقَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلا بِقَوْلِ أَهْلِ النَّارِ وَلا بِقَوْلِ صَاحِبِهِمْ إِبْلِيسَ اهـ
- وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَمِنْهُمُ:
- أَبُو سُهَيْلٍ عَمُّ الإِمَامِ مَالِكٍ وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْقَدَرِ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَاسْتَشَارَنِي فِي الْقَدَرِيَّةِ فَقُلْتُ: أَرَى أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا عَرَضْتَهُمْ عَلَى السَّيْفِ، فَقَالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَذَلِكَ رَأْيِي، قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ رَأْيِي اهـ
- وَلِعُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رِسَالَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، رَوَاهَا أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ.
- وَمِنْهُمُ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ، فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْقَدَرِ مِنَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِ اللهِ فَلا أَدْرِي مَنْ هُمْ اهـ
- وَمِنْهُمُ الْحَسَنُ البِصْرِيُّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيْخِهِ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ سَمِعْتُالْحَسَنَ الْبِصْرِيَّ يَقُولُ: مَنْ كَذَّبَ بِالْقَدَرِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالحَقِّ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَّرَخَلْقًا وَقَدَّرَ أَجَلًا وَقَدَّرَ بَلاءً وَقَدَّرَ مَعْصِيَةً وَقَدَّرَ مُعَافَاةً فَمَنْ كَذَّبَ بِالْقَدَرِ فَقَدْ كَذَّبَبِالْقُرْءَانِ اهـ.
- وَأَفْتَى الزُّهْرِيُّ عَبْدَ الْمَلِكِ بنَ مَرْوَانَ بِدِمَاءِ الْقَدَرِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ التَّمِيمِيُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ.
- وَلَعَنَهُمْ سَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بنَ عَبْدِ اللهِ يَلْعَنُ الْقَدَرِيَّةَ اهـ.
- وَمِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ:
صَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ جَمَاعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْهُمُ:
- الإِمَامُ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بنِ مُحَمَّدٍ الْفرويِّ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ تَزْوِيجِ الْقَدَرِيِّ فَقَالَ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّنْ مُّشْرِكٍ﴾ [سُورَةَالْبَقَرَة:221] اهـ.
- وَمِنْهُمُ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا صَرَّحَ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ وَقَدْ قَالَ: الْكَلامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ فِي حَرْفَيْنِ يُقَالُ لَهُمْ: هَلْ عَلِمَ اللهُ مَا يَكُونُ مِنَ الْعِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا، فَإِنْ قَالُوا لا كَفَرُوا لِأَنَّهُمْ جَهَّلُوا رَبَّهُمْ، وَإِنْ قَالُوا عَلِمَ يُقَالُ لَهُمْ: هَلْ شَاءَ خِلافَ مَا عَلِمَهُ، فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ كَفَرُوا لِأَنَّهُمْ قَالُوا شَاءَ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا، وَإِنْ قَالُوا لا رَجَعُوا إِلَى قَوْلِنَا اهـ
- وَلِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: الْقَدَرِيُّ إِذَا سَلَّمَ الْعِلْمَ خُصِمَ.اهـ وَقَدْ كَفَّرَ الشَّافِعِيُّ حَفْصًا الْفَرْدَ مِنْ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ لَهُ: لَقَدْ كَفَرْتَ بِاللهِ الْعَظِيمِ اهـ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ.
- وَأَمَّا تَكْفِيرُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ لَهُمْ فَمَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنْهُ رَوَاهُ عَدَدٌ مِنْهُمُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمَا.
- وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ تَكْفِيرَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَهُمْ بَلْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِيهِمْ: إِنَّهُمْ زَنَادِقَةٌ اهـ
- وَمِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ كَمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بنِ يُونُسَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: إِنَّ لَنَا إِمَامًا قَدَرِيًّا قَالَ: لا تُقَدِّمُوهُ، قَالَ: لَيْسَ لَنَا إِمَامٌ غَيْرُهُ، قَالَ: لا تُقَدِّمُوهُ اهـ.
- وَمِنْهُمْ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَيُّوبَ بنِ حَسَّانَ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ مَا لَمْ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلا الْمَلائِكَةُ وَلا النَّبِيُّيونَ وَلا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلا أَهْلُ النَّارِ وَلا مَا قَالَ أَخُوهُمْ إِبْلِيسُ… إِلَخ اهـ.
- وَمِنْهُمْ مُحَمَّدُ الْبَاقِرُ بنُ عَلِيٍّ زَيْنُ الْعَابِدِينَ كَمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَارِثِ بنِ شُرَيْحٍ الْبَزَّارِ قَالَ قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ إِنَّ لَنَا إِمَامًا يَقُولُ فِي هَذَا الْقَدَرِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الْفَارِسِيِّ انْظُرْ كُلَّ صَلاةٍ صَلَّيْتَهَا خَلْفَهُ فَأَعْدِهَا، إِخْوَانُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اهـ.
- وَمِنْهُمُ الإِمَامُ الْمُجْتَهَدُ أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ فَإِنَّهُ كَفَّرَ غَيْلانَ الْقَدَرِيَّ وَقَالَ لِهِشَامِ بنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ دَمُهُ فِي عُنُقِي اهـ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخَ دِمَشْقَ بِرِوَاياتٍ عِدَّةٍ.
- وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ فَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ عَنْ سَعِيدِ بنِ عِيسَى الْكُزْبَرِيِّ يَقُولُ سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ يَقُولُ: شَيْئَانِ مَا يُخَالِجُ قَلْبِي فِيهِمَا شَكٌّ تَكْفِيرُ الْقَدَرِيَّةِ وَتَحْرِيْمُ النَّبِيذِ اهـ.
- وَمِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ كَمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بنِ عِيسَى أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بنَ طَهْمَانَ يَقُولُ: الْجَهْمِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ كُفَّارٌ اهـ.
فَهَذِهِ أَقْوَالُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَهُمْ فُقَهَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَأُبِيُّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَكْفِيرِ الْقَدَرِيَّةِ لَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي ذَلِكَ صَحَابِيٌّ وَاحِدٌ، وَمَعَهُمْ عَلَى هَذَا مَشَاهِيرُ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ كَابْنِ سِيرِينَ وَعُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ الْبِصْرِيِّ وَابْنِ شهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ وَبَيْنَهُمُ الْمُجْتَهِدُونَ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الْمَشْهُورَةِ الْمَتْبُوعَةِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، وَمَعَ هَؤُلاءِ كُلِّهِمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلِيٌّ وَالْحُسَيْنُ وَالْبَاقِرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ يَجْرُؤُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى الزَّعْمِ بِأَنَّ الْقَوْلَ المُعْتَمَدَ تَرْكُ تَكْفِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْعَبْدِ لِأَعْمَالِهِ وَيَنْفِي صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى وَبِأَيِّ لِسَانٍ يَزْعُمُ مُنْتَسِبٌ إِلَى الإِسْلامِ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ تَكْفِيرِهِمُ الَّذِي يُخَالِفُ الأَحَادِيثَ الصَّرِيْحَةَ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَأَقْوَالَ أَئِمَّةِالْمُجْتَهِدِينَ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ هُوَ الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ. وَإِذَا كَانَ هَؤُلاءِ كُلُّهُمْ أَخْطَأُوا الصَّوَابَ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْكُفْرِ وَالإِيـمَانِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلامُ هَؤُلاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَمِنْ أَيْنَ عَرَفُوا هُمُ الصَّوَابُ بِزَعْمِهِمْ فِي الْمَسْئَلَةِ وَمِنْ أَيِّ طَرِيقٍ بَلَغَهُمْ حُكْمَهَا. بَلِ الْحَقُّ مَا جَاءَ بِهِ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَالصَّوَابُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَأَمَّا مَا خَالَفَ ذَلِكَ مِمَّا قَالَهُ بَعْضُ مَنْ جَاءَ بَعْدَ هَؤُلاءِ بِمِئَاتٍ مِنَ السِّنِينَ كَالْبَاجُورِيِّ أَوِ الشَّرْبِينِيِّ أَوِ الأَشْخَرِ مِمَّنْ يُعَدُّ فِي الأُصُولِ وَالْفُرُوعِ كَالأَطْفَالِ بِالنِّسْبَةِ لِهَؤُلاءِ الأَسَاطِينِ فَيُضْرَبُ بِهِ عَرْضَ الْحَائِطِ وَلا يُقَامُ لَهُ وَزْنٌ. وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْ أَئِمَّةُ الْخَلَفِ وَمُحَقِّقُوهُمْ هَذَا الرَّأْيَ الشَّاذَّ بَلْ جَزَمُوا بِكُفْرِ الْمُعْتَزِلَةِ.
أقوال العلماء من المذاهب الأربعة في تكفير المعتزلة
- نَقَلَ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ كُفْرَهُمْ عَنِ الأَئِمَّةِ فِي كِتَابِهِ أُصُولِ الدِّينِ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا – أَيْ أَئِمَّةُ الأَشَاعِرَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ- عَلَى تَكْفِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ اهـ.
- وَكَفَّرَهُمْ إِمَامُ الْهُدَى أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّوْحِيدِ وَعَلَيْهِ جَرَى أَئِمَّةُ الْحَنَفِيَّةِ: قَالَ الزَّبِيدِيُّ فِي شَرْحِ الإِحْيَاءِ: إِنَّ مَشَايِخَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ لَمْ يَتَوَقَّفُوا عَنْ تَكْفِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ اهـ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ نَجْمُ الدِّينِ منكوبرس شَارِحُ الطَّحَاوِيَّةِ.
- وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بنُ الْعَرَبِي الْمَالِكِيُّ مِنْ أُصُولِ الإِيـمَانِ الْقَدَرُ مَنْ كَذَّبَ بِهِ فَقَدْ كَفَرَ. نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ الْقَدَرِيَّةِ فَقَالَ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّنْ مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ اهـ. [سورة البقرة:٢٢١]
- وَكَفَّرَهُمُ الْفَقِيهُ اللُّغَوِيُّ شِيثُ بنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَالِكِيُّ وَأَلَّفَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ كِتَابَ »حَزُّ الْغَلاصِمِ وَإِفْحَامُ الْمَخَاصِمِ«.
- وَقَالَ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ وَلِيُّ اللهِ السَّيِّدُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلانِيُّ فِي كِتَابِ الْغُنْيَةِ لَهُ: تَبًّا لَهُمْ – أَيْ لِلْقَدَرِيَّةِ – وَهُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ وَنَسَبُوهُ إِلَى الْعَجْزِ وَأَنْ يَجْرِي فِي مِلْكِهِ مَا لا يَدْخُلُ فِي قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا اهـ.
- وَكَفَّرَهُمْ أَبُو حَامِدٍ الأَسْفَرَايِينِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَلَمْ يُصَحِّحِ الصَّلاةَ خَلْفَهُمْ.
- وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الْكَرِيْمِ السَّمْعَانِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي الأَنْسَابِ فِي تَرْجَمَةِ الْكَعْبِيِّ الْمُعْتَزِلِيِّ وَقَدْ كَفَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ قَبْلَهُ بِقَوْلِهَا إِنَّ الشُّرُورَ وَاقِعَةٌ مِنَ الْعِبَادِ بِخِلافِ إِرَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَشِيئَتِهِ اهـ ثُمَّ قَالَ فَزَادَ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَعْبِيُّ فِي الْكُفْرِ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ إِرَادَةٌ وَلا مَشِيئَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ اهـ.
مُلَخَّص:
فَتَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَوْلَ الصَّحِيحَ الْمُعْتَمَدَ الَّذِي لا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ: هُوَ تَكْفِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ بِكُلِّ مَسْئَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الثَّلاثِ الْمَذْكُورَةِ ءَانِفًا، وَلِلَّهِ دَرّ أَبِي الْقَاسِمِ الْعَلَوِيِّ الْقَائِلِ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي يَعْلَى حَمْزَةَ بنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ الرَّحْمٰنِ بنَ مُحَمَّدِ بنِ الْقَاسِمِ الْحَسَنِيَّ وَمَا رَأَيْتُ عَلَوِيًّا – أَيْ مِنْ ذُرِّيَّةِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ – أَفْضَلَ مِنْهُ زُهْدًا وَعِبَادَةً يَقُولُ: الْمُعْتَزِلَةُ قَعَدَةُ الْخَوَارِجِ عَجَزُوا عَنْ قِتَالِ النَّاسِ بِالسُّيُوفِ فَقَعَدُوا لِلنَّاسِ يُقَاتِلُونَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَوْ تُجَاهِدُونَهُمْ أَوْ كَمَا قَالَ اهـ
تنبيه:
إن الأئمة الأربعة يَقُولُون بِعَدَمِ تَصحِيحِ الصَّلَاةِ خَلفَ القَدَرِيَّةِ، أَي مَن وَصَلَت بِدعَتُهُم فِي العَقِيدَةِ إِلَى حَدِّ الكُفرِ، فَكَيفَ يُقتَدَى بِكَافِرٍ يَقُولُ بِتَكذِيبِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيَقُولُ بِأَنَّ اللهَ مَا خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، فَهُوَ بِهَذَا كَذَّبَ شَهَادَةَ التَّوحِيدِ حَيثُ يَقُولُ المُسلِمُونَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ، وَمَعنَاهَا -كَمَا قَالَ إِمَامَا أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشعَرِيُّ وَالإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ-: مَعنَى لَا إلهَ إِلَّا اللهُ أَي لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ.
فَيَأتِي هَؤُلَاءِ القَدَرِيَّةُ وَيَقُولُونَ: العَبدُ يَخلُقُ فِعلَهُ، وَيَقُولُونَ: اللهُ مَا خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ بَل خَلَقَ الخَيرَ فَقَط، وَالشَّرُّ مِن خَلقِ العِبَادِ أَنفُسِهِم، فَجَعَلُوا العِبَادَ خَالِقِينَ مَعَ اللهِ، فَهُم بِهَذَا كَذَّبُوا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالعَقَلَ وَهَدَمُوا التَّوحِيدَ فَكَيفَ بَعدَ ذَلِكَ يُقتَدَى بِهِم. فلَا يَجُوزُ أَن يَأتِيَ شَخصٌ فَيَقُولَ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلفَ كُلِّ فِرَقِ المُعتَزِلَةِ فَالقَدَرِيَّةُ القَائِلُونَ بِمَا سَلَفَ ذِكرُهُ مِنَ المُعتَزِلَةِ.
أَمَّا قَولُ الحَافِظِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي رَوضَةِ الطَّالِبِينَ حَيثُ يَقُولُ: وَلَم يَزَلِ السَّلَفُ وَالخَلَفُ عَلَى الصَّلَاةِ خَلفَ المُعتَزِلَةِ وَغَيرِهِم وَمُنَاكَحَتِهِم وَمُوَارَثَتِهِم وَإِجرَاءِ أَحكَامِ المُسلِمِينَ عَلَيهِم.اهـ فَمَعنَاهُ مَن لَم تَصِل بِدعَتُهُ مِنهُم إِلَى الكُفرِ، فَالنَّوَوِيُّ نَفسُهُ فِي نَفسِ الكِتَابِ رَوضَةِ الطَّالِبِينَ يَقُولُ فِي بَابِ الرِّدَّةِ: لَو قَالَ المَظلُومُ: هَذَا بِتَقدِيرِ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ الظَّالِمُ: أَنَا أَفعَلُ بِغَيرِ تَقدِيرِ اللهِ تَعَالَى، كَفَرَ.اهـ
وَإِنَّ الحَافِظَ الإِمَامَ البُلقِينِيَّ فِي حَوَاشِي الرَّوضَةِ مُعَلِّقًا عَلَى قَولِ النَّوَوِيِّ مِن أَنَّ السَّلَفَ وَالخَلَفَ مَا زَالُوا عَلَى الصَّلَاةِ خَلفَ المُعتَزِلَةُ وَغَيرِهِم قَالَ: هَذَا فِيمَن لَم تَصِل بِدعَتُهُ إِلَى الكُفرِ.اهـ فَكَيفَ يَصَحِّحُ البَعضُ الِاقتِدَاءُ بِكَافِرٍ كَالقَدَرِيَّةِ أَوِ المُجَسِّمَةِ أَو غَيرِهِم مِمَّن وَصَلَت بِدعَتُهُ لِلكُفرِ اعتِمَادًا عَلَى تَفسِيرِهِ لِكَلِمَةِ النَّوَوِيِّ هَذِهِ فَهَؤُلَاءِ لَا صَلَاة لَهُم أَصلًا.
قَالَ ابنُ الرِّفعَةِ في كفاية النبيه بشرح التنبيه: وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلفَ كَافِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ لَهُ؛ فَكَيفَ يُقتَدَى بِهِ، وَهَذَا مُنتَظَمٌ مَن كُفرُهُ مُجمَعٌ عَلَيهِ، وَمَن كَفَّرنَاهُ مِن أَهلِ القِبلَةِ: كَالقَائِلِينَ بِخَلقِ القُرآنِ، وَبِأَنَّهُ لَا يَعلَمُ المَعدُومَاتِ قَبلَ وُجُودِهَا، وَمَن لَا يُؤمِنُ بِالقَدَرِ، وَكَذَا مَن يَعتَقِدُ أَنَّ اللهَ جَالِسٌ عَلَى العَرشِ؛ كَمَا حَكَاهُ القَاضِي الحُسَينُ هُنَا عَن نَصِّ الشَّافِعِيِّ.اهـ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي المَجمُوعِ: قَد ذَكَرنَا أَنَّ مَن يَكفُرُ بِبِدعَتِهِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ وَمَن لَا يَكفُرُ تَصِحُّ فَمِمَّن يَكفُرُ مَن يُجَسِّمُ تَجسِيمًا صَرِيحًا وَمَن يُنكِرُ العِلمَ بِالجُزئِيَّاتِ.اهـ فَكَيفَ بَعدَ ذَلِكَ نَفسُهُ أَيِ النَّوَوِيُّ يُصَحِّحُ الِاقتِدَاءَ بِالمُعتَزِلَةِ بِكِلِّ فِرَقِهِم وَمِنهُم مَن يَقُولُ بِمَقَالَاتٍ كُفرِيَّةٍ لَم تَختَلِفِ الأُمَّةُ فِي تَكفِيرِ قَائِلِهَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ: وَالْفَرَحُ بِالمَعْصِيَةِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِي الْقَلْبِ الْفَرَحَ بِالْمَعْصِيَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَمَنْ عَلِمَ بِمَعْصِيَةٍ حَصَلَتْ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْهَا وَلَوْ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ فَفَرِحَ بِذَلِكَ فَقَدْ عَصَى اللهَ، فَالفَرَحُ بِالمَعصِيَةِ مَعصِيَةٌ وَالرِّضَا بِالمَعصِيَةِ مَعصِيَةٌ.
وَأَمَّا الْفَرَحُ بِكُفْرِ الْغَيْرِ فَهُوَ كُفْرٌ.
الرضا بالكفر كفر بالأدلة
- قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: وَأَجمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الرِّضَا بِالكُفرِ كُفرٌ.
الرِّضَا بِالكُفْرِ كُفْرٌ: سَوَاءٌ كَانَ الكُفْرُ صَدَرَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [سورة الزمر:٧]
- وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا الآيَة: ﴿إِنَّكُم إِذًا مِثلُهُم﴾ [سورة النساء:١٠٤] بِقَوْلِهِ: “لِأَنَّ الرَّضَا بِالكُفْرِ كُفْرٌ”. وَكَلَامُهُ مَحْمُوْلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ رَضِيَ بِكُفْرِ الَّذِي يَكْفُرُ بِآيَاتِ اللهِ وَيَسْتَهْزِئُ بِهَا هُوَ كَافِرٌ كَذَلِكَ، وَنَصُّ الآيَةِ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء:١٤٠]، أَمَّا إِنْ جَلَسَ الشَّخْصُ مَعَ مُشَاهَدَةِ الكُفْرِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الإِنْكَارِ لَكِنَّهُ لَم يَفْعَلْ ذَلِكَ لَيْسَ عَنْ رِضًا بِالكُفْرِ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ يَأْثَمُ.
- وَأَقَرَّ هَذِهِ القَاعِدَةَ “الرِّضَا بِالكُفْرِ كُفْرٌ” الْمُفَسِّرُ الخَازِنُ الحَنَفِيُّ فِي تَفْسِيْرِهِ سُوْرَةَ يُوْنُسَ،
- وَالقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيْرِ سُوْرَةِ النِّسَاءِ،
- وَالفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيْرِ ءَالِ عِمْرَانَ وَالتَّوْبَةِ وَيُوْنُسَ وَفِي الزُّمَرِ وَقَالَ فِي هَذَا الأَخِيْرِ: “اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ”.
- وَأَبُو حَيَّانَ فِي البَحْرِ الْمُحِيْطِ فِي تَفْسِيْرِ سُوْرَةِ النِّسَاءِ وَقَالَ فِي تَفْسِيْرِ سُوْرَةِ يُوْنُسَ: “مَنْ كَرِهَ الْإِيمَانِ لِلْكَافِرِ وَأَحَبَّ بَقَاءَهُ عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ كَافِرٌ، لِأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ”.
تحذير
فَلْيُحْذَرْ مِمَّا هُوَ فِي فَيْضِ القَدِيْرِ وَشَرْحِ القَسْطَلَّانِيِّ عَلَى البُخَارِيِّ مِنَ قَوْلٍ فَاسِدٍ مَنْسُوْبٍ لِلْمَاتُرِيْدِيِّ يَزْعُمُوْنَ فِيْهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا يَكُوْنُ الرِّضَا بِالكُفْرِ كُفْرًا إِذَا رَضِيَ بِكُفْرِ نَفْسِهِ لَا بِكُفْرِ غَيْرِهِ، فَهَذَا كَلَامٌ مَرْدُوْدٌ مُخَالِفٌ لِلصَّوَابِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُوْرٍ وِالإِمَامُ الأَشْعَرِيُّ، لِأَنَّ الرِّضَى بِالكُفْرِ كُفْرٌ سَوَاءٌ كَانَ الكُفْرُ صَدَرَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَصِحُّ نِسْبَةُ هَذَا الكَلَامِ إِلَى أَبِي مَنْصُوْرٍ الْمَاتُرِيْدِيِّ، بَلِ الثَّابِتُ عَنْ أَبِي حَنِيْفَةَ وَجُمْهُوْرِ الحَنَفِيَّةِ أَنَّ الرِّضَا بِالكُفْرِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ كُفْرٌ، وَعَلَى هَذَا جَرَى أَبُو بَكْرٍ الجَصَّاصُ (ت 370هـ) فِي أَحْكَامِ القُرْءَانِ وَمُلَّا عَلِيٌّ القَارِي فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ وَابْنُ نُجَيْمٍ فِي البَحْرِ الرَّائِقِ وَابْنُ عَابِدِيْنَ فِي حَاشِيَتِهِ وَالتَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ العَقَائِدِ وَالزَّبِيْدِيُّ فِي شَرْحِ الإِحْيَاءِ وَالشَّيْخُ الخَرْشِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ وَقَالَ فِيْهِ: “وَلَا يُقَالُ: يَمْنَعُ كَوْنُ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرًا ضَرْبَ الْجِزْيَةِ عَلَى الْكُفَّارِ”، وَقَدْ نَصَّ عَلَى تِلْكَ القَاعِدَةِ كَثِيْرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ كَالبَغَوِيِّ فِي التَّهْذِيْبِ وَالقَزْوِيْنِيِّ فِي العَزِيْزِ وَالنَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ وَنَقَلَهُ عَنِ الْمُتَوَلِي وَالشَّمْسِ الرَّمْلِيِّ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ وَالْمَلِيْبَارِيِّ فِي فَتْحِ الْمُعِيْنِ وَالتَّقِيِّ الحِصْنِيِّ فِي كِفَايَةِ الأَخْيَارِ وَغَيْرِهِم.
وَقَالَ البَدْرُ الرَّشِيْدُ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الحَنَفِيُّ (ت 768هـ) فِي رِسَالَةٍ فِي التَّحْذِيْرِ مِنَ الأَلْفَاظِ الْمُكَفِّرَةِ مَا نَصُّهُ: “وَقَدْ عَثَرْنَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي حَنِيْفَةَ أَنَّ الرِّضَا بِكُفْرِ الغَيْرِ كُفْرٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيْلٍ”.اهـ
حكم الأمر بالكفر
الأَمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ: فَلَوْ أَمَرَ شَخْصًا غَيْرَهُ بِالكُفْرِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ، قَالَ الشَّمْسُ السَّفِيْرِيُّ فِي شَرْحِ البُخَارِيِّ: “وَالأَمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ”، وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ الحَنَفِيُّ فِي تَبْيِيْنِ الحَقَائِقِ: “وَالْأَمْرُ بِالْكُفْرِ كُفْرٌ”، وَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ فِي مِنْحَةِ الخَالِقِ عَلَى البَحْرِ الرَّائِقِ: “وَفِي غَرَرِ الْمَعَانِي لَا خِلَافَ بَيْنَ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْكُفْرِ كُفْرٌ”، وَقَالَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ العَقَائِدِ: “وَكَذَا لَوْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَكْفُرَ بِاللهِ أَوْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَأْمُرَهُ بِكُفْرٍ – أَيْ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ – وَكَذَا لَوْ أَفْتَى لِامْرَأَةٍ بِالكُفْرِ لِتَبِيْنَ مِنْ زَوْجِهَا” وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الحَطَّابُ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ للكَافِرِ (أَيِ السَّائِلُ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ كَافِرٌ) “مَا دِيْنُكَ” حتَّى يَقُولَ الكَافِرُ أنَا كَافِرٌ، نَصْرَانِيٌّ أَوْ يَهُوْدِيٌّ أَوْ مَجُوْسِيٌّ، فَهَذَا الذِي سَأَلَهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَنْطِقَ بِالكُفْرِ، لَكِنْ إذَا كانَ الكَافِرُ رَجَعَ عَنْ كُفْرِه غَيَّرَ عَقِيدَتَهُ تِلْكَ، فَقَالَ لَهُ شَخْصٌ: مَاذَا كُنْتَ تَقُولُ، فَقَالَ: أنَا كُنْتُ أَقُولُ كَذَا مِن الكُفْر، ويَكُونُ هُوَ تَرَكَ ذَلِكَ الاعْتِقَادَ الفاسِدَ، فَإِنَّ هذَا الذِي سَأَلَهُ لَا يَكْفُر، لأنَّه هَذَا الْمَسْئُولُ يَقُولُ “كُنْتُ فِيمَا مَضَى” مَعْنَاه أنَا الآنَ لَا أَعْتَقِدُ ذاكَ الاعْتِقادَ الكُفْرِيَّ، إنَّما كُنْتُ فِيما مَضَى، فَلَا يَكْفُرُ هذَا الذِي سَأَلَهُ.
الخاتمة
كَثِيرٌ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ يُظهِرُ المَحَبَّةَ وَالوُدَّ وَهُوَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ يَبحَثُ عَن إِضعَافِ الدَّعوَةِ وَقَد يَكُونُ فِي بَعضِ المَجَالِسِ أَمثَالُ هَؤُلَاءِ فَاحذَرُوهُم، وَرَحِمَ اللهُ القَائِلَ:
وَاحْفَظْ صَدِيْقَكَ فِي المَوَاطِنِ كُلِّهَا … وَعَلَيْكَ بِالمَرْءِ الذِي لا يَكْذبُ
وَاقْلِ الكَذُوْبَ وقُرْبَهُ وَجِوَارَهُ … إِنَّ الكَذُوْبَ مُلَطِّخٌ مَن يَصْحَبُ
يُعْطِيْكَ مِن فَوْقِ المُنَى بِلِسَانِهِ … وَيَرُوْغ عَنْكَ كَمَا يَروغُ الثَّعْلَبُ
وَاحْذَرْ ذَوِي المَلْقِ اللِّئَامِ فَإِنَّهُم … في النَّائِبَاتِ عَلَيْكَ مِمَّنْ يَحْطِبُ
يَسْعَوْنَ حَوْلَ المَرْءِ مَا طَمِعُوا بِهِ … وَإِذَا نَبَا دَهْرٌ جَفَوْا وَتَغَلَّبُوا
وَلَقَدْ نَصَحْتُكَ إِنْ قَبِلْتَ نَصِيْحَتِي … وَالنُّصْحُ أَرْخَصُ مَا يُبَاعُ وَيُوْهَبُ