بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة
يَضُمُّ تَارِيخُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رِجَالًا عُرِفُوا بِسَبقِهِم إِلى الإِسلَامِ وَثَبَاتِهِم عَلى الحَقِّ، وَإِن لَم تَشتَهِرْ أَسمَاؤُهُم كَمَا اشتَهَرَ غَيرُهُم. وَمِن هَؤُلَاءِ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَامِرُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَخُو سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الَّذِي جَمَعَ بَينَ السَّبقِ إِلى الإِسلَامِ وَالهِجرَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالصَّبرِ عَلى أَذَى المُشرِكِينَ، حَتَّى صَارَ مِثَالًا فِي الثَّبَاتِ عَلى العَقِيدَةِ.
نسبه وإسلامه
هُوَ عَامِرُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاسمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بنُ أُهَيبَ بنِ عَبدِ مَنَافِ بنِ زُهرَةَ القُرَشِيُّ الزُّهرِيُّ، وَأُمُّه حَمْنَةُ بِنتُ سُفيَانَ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عَبدِ شَمسٍ، وَهُوَ أَخُو الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
وَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ إِلى الإِسلَامِ، فَقَد ذَكَرَ أَهلُ السِّيَرِ أَنَّهُ أَسلَمَ بَعدَ عَشَرَةِ رِجَالٍ، فَكَانَ الحَادِيَ عَشَرَ فِي الإِسلَامِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلى سُرعَةِ استِجَابَتِهِ لِدَعوَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بِدَايَاتِهَا، حِينَ كَانَ المُسلِمُونَ يَتَعَرَّضُونَ لِأَشَدِّ أَنوَاعِ الأَذَى.
ثباته أمام أذى المشركين
عِندَمَا أَسلَمَ عَامِرٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ اشتَدَّ غَضَبُ أُمِّهِ، حَتَّى حَلَفَت أَلَّا تَستَظِلَّ بِظِلٍّ، وَلَا تَأكُلَ طَعَامًا، وَلَا تَشرَبَ شَرَابًا حَتَّى يَرجِعَ عَن دِينِهِ.
أَخبَرَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: جِئتُ مِن الرَّمْيِ فَإِذَا النَّاسُ مُجتَمِعُونَ عَلَى أُمِّي حَمْنَةَ بِنتِ سُفيَانَ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عَبدِ شَمسٍ وَعَلى أَخِي عَامِرٍ حِينَ أَسلَمَ، فَقُلْتُ: مَا شَأنُ النَّاسِ؟ قَالُوا: هَذِهِ أُمُّكَ قَد أَخَذَتْ أَخَاكَ عَامِرًا تُعْطِى اللهَ عَهْدًا أَلَّا يُظِلُّها ظِلٌّ وَلَا تَأكُلَ طَعَامًا وَلَا تَشْرَبَ شَرَابًا حَتَّى يَدَعَ الصَّبَاوَةَ (هَكَذَا المُشرِكُونَ كَانُوا يَقُولُونَ عَمَّن أَسلَمَ). فَأَقبَلَ سَعدٌ حَتَّى تَخَلَّصَ إِليهَا فَقَالَ: عَلَيَّ يَا أُمّهْ فَاحْلِفِى، قَالَت: لِمَ؟ قَالَ: لِأَن لَا تَستَظِلِّى فِى ظِلٍّ وَلَا تَأكُلِى طَعَامًا وَلَا تَشرَبِى شَرَابًا حَتَّى تَرَىْ مَقْعَدَكِ مِنَ النَّارِ. فَقَالَت: إِنَّمَا أَحلِفُ على ابْنِى البَارِّ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [سورة لقمان: ١٥]، إلى آخر الآية
فَكَانَت هَذِهِ الآيَةُ أَصلًا عَظِيمًا فِي وُجُوبِ بِرِّ الوَالِدَينِ مَعَ عَدَمِ طَاعَتِهِمَا فِيمَا يُخَالِفُ أَمرَ اللهِ تَعَالَى.
الهجرة إلى الحبشة
كَانَ عَامِرٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ إِلى الحَبَشَةِ، فَتَرَكَ وَطَنَهُ وَأَهلَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاةِ اللهِ، وَفِرَارًا بِدِينِهِ مِن أَذَى قُرَيشٍ، لِيَنَالَ شَرَفَ الهِجرَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهِيَ مَنزِلَةٌ عَظِيمَةٌ اختَصَّ اللهُ بِهَا طَائِفَةً مِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ.
مشاركته في الجهاد
شَهِدَ غَزوَةَ أُحُد مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ مِنَ المُجَاهِدِينَ الَّذِينَ بَذَلُوا أَنفُسَهُم لِنُصرَةِ الإِسلَامِ.
اختلف المؤرخون في وفاته
فقيل:
استُشهِدَ فِي اليَرمُوكِ.
وَقِيلَ: مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاس بَعدَ أَن قَدِمَ الشَّامَ.
خاتمة
يَبقَى عَامِرُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ نَمُوذَجًا لِلصَّاحِبِ الصَّادِقِ الَّذِي لَبَّى نِدَاءَ الإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الدَّعوَةِ، وَصَبَرَ عَلى الابتِلَاءِ، وَهَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَجَاهَدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- أُسدِ الغَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.
- الطَّبَقَاتِ الكُبرَى لِابنِ سَعدٍ.