بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مُقَدِّمَة
يُعَدُّ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن أَبرَزِ الشَّخصِيَّاتِ فِي تَارِيخِ الإِسلَامِ، فَقَد جَمَعَ بَينَ شَرَفِ النَّسَبِ، وَسَبقِ الإِسلَامِ، وَالهِجرَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالثَّبَاتِ عَلى الحَقِ، وَالجِهَادِ حَتَّى نَالَ الشَّهَادَةَ. وَهُوَ ابنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَخُو أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
وَفِي هَذَا المَقَالِ نَسْتَعْرِضُ جُمْلَةً مِن سِيرَتِهِ العَطِرَةِ وَفَضَائِلِهِ وَمَوَاقِفِهِ.
نسبه ونشأته
هُوَ السَّيِّدُ الشَّهِيدُ الكَبِيرُ الشَّأنِ عَلَمُ المُجَاهِدِينَ أَبُو عَبدِ اللهِ ابنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَبدِ مَنَافِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبدِ مَنَافِ بنِ قُصَيٍّ الهَاشِمِيِّ أَخُو عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبِ، جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَهُوَ جَعْفَرٌ الطَّيَّارُ، وَهُوَ ذُو الجَنَاحَينِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الجَنَّةِ حَيثُ شَاءَ.
أَبُوهُ: أَبُو طَالِبٍ وَاسمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ.
إِخوَتُهُ: طَالِبٌ، عَقِيلٌ، علِيٌِّ. وَكَانَ بَينَهُ وَبَينَ عَقِيلٍ فِي السِّنِّ عَشرُ سِنِينَ، وَهُوَ قَدِيمُ الإِسلَامِ، وَكَانَ أَسَنَّ مِن عَلِيٍّ بِعَشرِ سِنِينَ.
وَأُمُّهُ: فَاطِمَةُ بِنتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ.
زَوجَتُهُ: أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ الخَثعَمِيَّةُ، كَانَت مِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ إِسلَامًا، أَسلَمَت قَبلَ دُخُولِ النَّبِيِّ بَيتَ الأَرقَمِ، وَهَاجَرَت مَعَ زَوجِهَا إِلى الحَبَشَةِ وَوَلَدَت لَهُ بِهَا عَبدَ اللهِ، وَعَونًا، وَمُحَمَّدًا.
إسلامه وسبقه إلى الخير
أَسلَمَ جَعفَرٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي بِدَايَةِ الدَّعوَةِ الإِسلَامِيَّةِ بَعدَ أَخِيهِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ بِقَلِيلٍ، فَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ إِلى الإِسلَامِ، وَتَحَمَّلَ مَعَ المُسلِمِينَ الأَوَائِلِ مَا لَاقُوهُ مِن أَذَى المُشرِكِينَ.
الهجرة إلى الحبشة وموقفه أمام النجاشي
لَمَّا اشتَدَّ أَذَى قُرَيشٍ لِلمُسلِمِينَ، أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصحَابِهِ بِالهِجرَةِ إِلى الحَبَشَةِ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ بِأَرضِ الحَبَشَةِ مَلِكًا لَا يُظلَمُ أَحدٌ عِندَهُ فَالحَقُوا بِبِلَادِهِ حَتَّى يَجعَلَ اللهُ لَكُم فَرَجًا وَمَخرَجًا»، أَخرَجَهُ البَيهَقِيُّ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ ثَمَانِينَ رَجُلًا، وَكَانَ جَعفَرٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قََائِدًا لِلمُسلِمِينَ هُنَاكَ.
وَبَعَثَت قُرَيشٌ عَمرَو بنَ العَاصِ وَعُمَارَةَ بنَ الوَلِيدِ بِهَدِيَّةٍ تَطلُبُ إِعَادَةَ المُسلِمِينَ إِلى مَكَّةَ، فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَعَدَ وَاحِدٌ عَن يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَن شِمَالِهِ، فَقَالَا: إِنَّ نَفَرًا مِن قَومِنَا نَزَلُوا بِأَرَضِكَ فَرَغِبُوا عَن مِلَّتِنَا. قَالَ: وَأَينَ هُم؟ قَالُوا: بِأَرضِكَ فَأَرسِلْ فِي طَلَبِهِم. قَالَ: لَا، لَعَمرُو اللهِ، لَا أَرُدُّهُم إِلَيكُم حَتَّى أُكَلِّمُهُم، قَومٌ لَجئُوا إِلَى بِلَادِي وَاختَارُوا جِوَارِي.
فَلَم يَكُن شَيءٌ أَبغَضَ إِلَى عَمرٍو وَابنِ أَبِي رَبِيعَةَ مِن أَن يَسمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلَامَهُم.
فَلَمَّا جَاءَهُم رَسُولُ النَّجَاشِيِّ، قَالَ جَعفَرٌ: أَنَا خَطِيبُكُم اليَومَ، فَاتَّبَعُوهُ حَتَّى دَخَلُوا.
فَدَخَلَ فَسَلَّمَ فَقَالُوا: مَا لَكَ لَا تَسجُدُ لِلمَلِكِ؟ قَالَ: إِنَّا لَا نَسجُدُ إِلَّا للهِ. فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: مَا هَذَا الدِّينُ؟ قَالُوا: أَيُّهَا المَلِكُ، كُنَّا قَومًا عَلَى الشِّركِ، نَعبُدُ الأَوثَانَ، وَنَأكُلُ المَيتَةَ، وَنُسِيءُ الجِوَارَ، وَنَستَحِلُّ المَحَارِمَ وَالدِّمَاءَ، فَبَعَثَ اللهُ إِلَينَا نَبِيًا مِن أَنفُسِنَا، نَعرِفُ وَفَاءَهُ وَصِدقَهُ وَأَمَانَتَهُ، فَدَعَانَا إِلَى أَن نَعبُدَ اللهَ وَحدَهُ، وَنَصِلَ الرَّحِمَ، وَنُحسِنَ الجِوَارَ، وَنُصَلِّيَ، وَنَصُومَ.
قَالَ: فَهَل مَعكُم شَيءٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ؟ وَقَد دَعَا أَسَاقِفَتَهُ، فَأَمَرَهُم فَنَشُرُوا كُتُبَهُم حَولَهُ، فَقَالَ لَهُم جَعفَرٌ: نَعَم فَقَرَأَ عَلَيهِم صَدرًا مِن سُورَةِ مريم.
فَبَكَى النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخضَلَ لِحيَتَهُ (ابتَلَّت بِدُمُوعِهِ)، وَبَكَت أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخضَلُوا كُتُبَهُم، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الكَلَامَ لَيَخرُجُ مِنَ المِشكَاةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى انطَلِقُوا رَاشِدِينَ، لَا وَاللهِ، لَا أَرُدُّهُم عَلَيكُم، وَلَا أُنعِمُكُم عَينًا. فَخَرَجَا مِن عِندِهِ.
فَقَالَ عَمرٌو لَآتِيَنَّهُ غَدًا بِمَا أَستَأصِلُ بِهِ خَضرَاءَهُم. فَذَكَرَ لَهُ مَا يَقُولُونَ فِي عِيسَى.
قَالَ جَعفَرٌ: نَقُولُ كَمَا قَالَ اللهُ: رُوحُ اللهِ -أَي رُوحُ عِيسَى مِن عِندِ اللهِ خَلقًا وَتَكوِينًا فَنُسِبَت إِلَى اللهِ تَشرِيفًا لَهَا- وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى العَذرَاءِ البَتُولِ الَّتِي لَم يَمَسَّهَا بَشَرٌ. فَرَفَعَ النَّجَاشِيُّ عُودًا مِنَ الأَرضِ، وَقَالَ: يَا مَعشَرَ الحَبَشَةِ وَالقِسِّيسِينَ وَالرُّهبَانَ، مَا تُرِيدُونَ مَا يَسُوؤُنِي هَذَا، أَشهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى فِي الإِنجِيلِ، وَاللهِ، لَولَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ المُلكِ لَأَتَيتُهُ فَأَكونَ أَنَا الَّذِي أَحمِلُ نَعلَيهِ وَأُوَضِّئُهُ.
فَهَاجَرَ جَعفَرٌ إِلَى أَرضِ الحَبَشَةِ فِي الهِجرَةِ الثَّانية وَكَانَ أَمِيرَ المُهَاجِرِينَ، وَمَعَهُ امرَأَتُهُ أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ، وَوَلَدَت لَهُ هُنَاكَ عَبدَ اللَّهِ وَعَونًا وَمُحَمَّدًا.
عودته إلى المدينة
أَقَامَ جَعفَرٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الحَبَشَةِ عِندَ النَّجَاشِيِّ إِلَى أَن قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَتحِ خَيبَرَ، فَلَاقَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاعتَنَقَهُ، وَقَبَّلَ بَينَ عَينَيهِ، وَقَالَ: «وَاللهِ مَا أَدرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أَفرَحُ، بِفَتحِ خَيبَرَ أَم بِقُدُومِ جَعْفَرٍ»، أَخرَجَهُ الحَاكِمُ، وَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَينَهُ وَبَينَ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.
فَكَانَت لَهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هِجرَتَانِ: هِجرَةٌ إِلَى الحَبَشَةِ، وَهِجرَةٌُ إِلَى المَدِينَةِ.
صفاته وفضائله
كَانَ جَعفَرٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُشبِهُ النَّبِيَّ ﷺ فِي خَلْقِهِ وَخُلُقِهِ، وَذَلِكَ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، قَالَ: «أَشبَهتَ خَلْقِي وَخُلُقِي»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَمِن مُشَابَهَتِهِ لَهُ فِي الخُلُقِ شِدَّةُ عَطفِهِ عَلى المَسَاكِينِ وَإِغدَاقُ إِحسَانِهِ إِلَيهِم، حَتَّى قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “كَانَ جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ يُحِبُّ المَسَاكِينَ وَيَجلِسُ إِليهِم وَيُحَدِّثُهُم وَيُحَدِّثُونَهُ، وَكَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُكَنِّيهِ أَبَا المَسَاكِينَ”، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَغَيرُهُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمْ يَكُنْ قَبْلِي نَبِيٌّ إِلا قَدْ أُعْطِيَ سَبْعَةَ رُفَقَاءَ نُجَبَاءَ وُزَرَاءَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: حَمْزَةُ، وَجَعْفَرٌ، وَعَلِيٌّ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَالْمِقْدَادُ، وَحُذَيْفَةُ، وَسَلْمَانُ، وَعَمَّارٌ، وَبِلالٌ». رَوَاهُ أَحمَدُ.
وقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّا مَعشَرَ بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ سَادَةُ أَهلِ الجَنَّةِ، أَنَا وَحَمزَةُ وَجَعفَرٌ وَعَلِيٌّ وَالحَسَنُ وَالحُسَينُ وَالمَهدِيُّ». رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ.
وَقَالَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ فِي رِثَاءِ جَعفَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا:
تَأَوَّبَنِي هَمٌّ بِيَثْرِبَ أَعْسَرُ*** وهَمٌّ إِذَا مَا نَوَّمَ النَّاسَ مُسْهِرُ
لِذِكْرَى حَبِيبٍ هَيَّجَتْ لِي عَبْرَةً *** سَفُوحًا وأَسْبَابُ الْبُكَاءِ التَّذَكُّرُ
أَغَرَّ كِصَدْرِ السَّيْفِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ *** أَبِيٍّ إِذَا سِيمَ الظُّلامَةَ يَجْسُرُ
رَأَيْتُ خِيَارَ الْمُؤْمِنِينَ تَوَارَدُوا *** شَعُوبَ وقَدْ خُلِّفْتُ فِيمَنْ يُؤَخَّرُ
فَلا يُبْعِدَنَّ اللَّهُ قَتْلِي تَبَايَعُوا *** جَمِيعًا ونِيرَانُ الْحُرُوبِ تَسَعَّرُ
غَدَاةَ غَدَا بِالْمُؤْمِنِينَ يَقُودُهُمْ *** إِلَى الْمَوْتِ مَيْمُونُ النَّقِيبَةِ أَزْهَرُ
وكُنَّا نَرَى فِي جَعْفَرٍ مِنْ مُحَمَّدٍ *** وقَارًا وأمرا حازما حين يأمر
ومازال لِلإِسْلامِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ*** دَعَائِمُ عِزٍّ لا يَزُولُ
ومَفْخَرُ بَهَالِيلُ مِنْهُمْ جَعْفَرٌ وابْنُ أُمِّهِ *** عَلِيٌّ ومِنْهُمْ أَحْمَدُ الْمُتَخَيَّرُ
وحَمْزَةُ والْعَبَّاسُ مِنْهُمُ ومِنْهُمْ ***عُقَيْلُ ومَاءُ الْعُودِ مِنْ حَيْثُ يُعْصَرُ
بِهِمْ تُفْرَجُ اللأْوَاءُ فِي كُلِّ مَأْزِقٍ *** عَمَاسٍ إِذَا مَا ضَاقَ بِالنَّاسِ مَصْدَرُ
وهم أَوْلِيَاءُ اللَّه نَزَّلَ حُكْمَه • عَلَيْهِمْ وفِيهِمْ والْكِتَابُ الْمُطَهَّرُ
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ إِذَا سَأَلَ عَلِيًّا شَيئًا مَنَعَهُ، فَإِذَا قَالَ: بِحَقِّ جَعْفَرٍ، إِلَّا أَعطَاهُ.
وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إِذَا رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قَالَ: السَّلَامُ عَلَيكَ يَا ابنَ ذِي الجَنَاحَينِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَخَلتُ الجَنَّةَ البَارِحَةَ، فَنَظَرتُ فِيهَا، فَإِذَا جَعْفَرٌ يَطِيرُ مَعَ الْمَلائِكَةِ، وإِذَا حَمْزَةُ مُتَّكِئٌ عَلَى سَرِيرٍ»، وذَكَرَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ.
كرمه
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّيهِ أَبَا المَسَاكِينِ، فَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: “إِنْ كُنْتُ لأَلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصْبَاءِ (بِالحَصَى) مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ (أي أَسأَلُهُ أَن يُقرِئَنِي آيَةً)، وَهِيَ مَعِي (أي أَنَا أَحفَظُهَا)، كَيْ يَنْقَلِبَ بِي (أي يَذهَبَ بِي)، فَيَطْعِمَنِي، وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمِسْكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا، فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ (وِعَاءٌ لِلسَّمَنِ لَطِيفٌ) الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَنَشُقُّهَا، فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا”، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
بطولة جعفر في غزوة مؤتة
فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلهِجرَةِ خَرَجَ جَيشُ المُسلِمِينَ إِلى مُؤتَة، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ القِيَادَةَ لِزَيدِ بنِ حَارِثَةَ، فَإِن قُتِلَ فَجَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِن قُتِلَ فَعَبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ، قَالَ: «عَلَيكُم زَيدٌ فَإِن أُصِيبَ فَجَعفَرٌ فَإِن أُصِيبَ جَعفَرٌ فَعَبدُ اللهِ ابنُ رَوَاحَةَ». رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ.
فَلَمَّا استُشهِدَ زَيدٌ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بها حَتَّى إِذَا أَلْحَمَهُ الْقِتَالُ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَقَرَهَا، ثُمّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتّى قُتِلَ فَكَانَ جَعْفَرٌ أَوّلَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَقَرَ فِي الْإِسْلَامِ، وكان يَقُولُ:
يَا حَبَّذَا الْجَنّةُ وَاقْتِرَابُهَا *** طَيِّبَةً وَبَارِدًا شَرَابُهَا
وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا *** كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا
عَلَيَّ إذْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا
استشهاده وأثره
وَلَمَّا أَخَذَ سَيِّدُنَا جَعفَرٌ اللِّوَاءَ بِيَمِينِهِ قَطِعَتْ، فَأَخَذَهُ بِشِمَالِهِ فَقُطِعَتْ، فَاحْتَضَنَهُ بِعَضُدَيْهِ حَتّى قُتِلَ رضي الله عنه وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَأَثَابَهُ اللهُ بِذَلِكَ جَنَاحَيْنِ فِي الْجَنّةِ يَطِيرُ بِهِمَا حَيْثُ شَاءَ. وَلَمَّا قُتِلَ وُجِدَ بِهِ بِضعٌ وَسَبعُونَ جِرَاحَةً مَا بَينَ ضَربَةٍ بِسَيفٍ، وَطَعنَةٍ بِرُمحٍ، كُلُّهَا فِيمَا أَقبَلَ مِن بَدَنِهِ، وَدَخَلَ النَّبِيَّ ﷺ مِن ذَلِكَ هَمٌّ شَدِيدٌ حَتَّى أَتَاهُ جِبرِيلُ، فَأَخبَرَهُ أَنَّ اللَّهَ قَد جَعَلَ لِجَعفَرٍ جَنَاحَينِ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ المَلَائِكَةِ.
خبر استشهاده
تَقُول أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: “أَصْبَحْتُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ جَعْفَرٌ وأَصْحَابُهُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ هَيَّأْتُ أَرْبَعِينَ مَنِيئًا مِنْ أُدمٍ (المَنُّ، الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، وَهُوَ الرِّطلُ وَالأُدُمُ: مَا يُؤكَلُ مَعَ الخُبزِ أَيُّ شَيءٍ كَانَ)، وعَجَنتُ عَجِينِي، وأَخَذْتُ بَنِيَّ فَغَسَلْتُ وجُوهَهُمْ، ودَهَنْتُهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَسْمَاءُ أَيْنَ بَنُو جَعْفَرٍ؟»، فَجِئْتُ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَضَمَّهُمْ إِلَيْهِ، وشَمَّهُمْ، ثُمَّ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَبَكَى، فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، لَعَلَّهُ بَلَغَكَ عَنْ جَعْفَرٍ شَيءٌ؟ فَقَالَ: «نَعَم قُتِلَ اليَومُ»، قَالَتْ: فَقُمْتُ أَصِيحُ، واجْتَمَعَ إِلَيَّ النِّسَاءُ، قَالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَا أَسْمَاءُ لَا تَقُولِي هُجْرًا ولا تَضْرِبِي صَدْرًا»، قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ وهِيَ تَبكِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَى مِثْلِ جَعْفَرٍ فَلْتَبْكِ الْبَاكِيَةُ»، ثُمَّ قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ شُغِلُوا عَنْ أَنْفُسِهِمُ اليَومَ»”، رَوَاهُ أَحمَدُ.
وروَى الحاكمُ فِي المستدركِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ قَرِيبَةٌ مِنْهُ إِذْ رَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَسْمَاءُ، هَذَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَعَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ سَلَّمُوا عَلَيْنَا فَرُدِّي عَلَيْهِمُ السَّلَامَ» ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَقِيَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ مَمَرِّهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، فَقَالَ: لَقِيتُ الْمُشْرِكِينَ فَأُصِبْتُ فِي جَسَدِي مِنْ مَقَادِيمِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ بَيْنَ رَمْيَةٍ وَطَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ، ثُمَّ أَخَذْتُ اللِّوَاءَ بِيَدِي الْيُمْنَى فَقُطِعَتْ، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِي الْيُسْرَى فَقُطِعَتْ، فَعَوَّضَنِي اللَّهُ مِنْ يَدِي جَنَاحَيْنِ أَطِيرُ بِهِمَا مَعَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَنْزِلُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتُ، وَآكَلُ مِنْ ثِمَارِهَا مَا شِئْتُ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: هَنِيئًا لِجَعْفَرٍ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ لَا يُصَدِّقُ النَّاسُ، فَاصْعَدِ الْمِنْبَرَ فأَخْبِرْ بِهِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ جَعْفَرًا مَعَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ لَهُ جَنَاحَانِ عَوَّضَهُ اللَّهُ مِنْ يَدَيْهِ سَلَّمَ عَلَيَّ» ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ كَيْفَ كَانَ أَمْرُهُ حَيْثُ لَقِيَ الْمُشْرِكِينَ، فَاسْتَبَانَ لِلنَّاسِ بَعْدَ الْيَوْمِ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ جَعْفَرًا لَقِيَهُمْ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ.
رثاء أسماء جعفر رضي الله عنهما
قَالَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ تَرثِي جَعفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ:
يَا جَعْفَرُ الطَّيَّارُ خَيْرُ مَصْرَعٍ لِلْخَيْلِ يَوْمَ تَطَاعُنٍ وَشِيَاحِ
قَدْ كُنْتَ لِي جَبَلًا أَلُوذُ بِظِلِّهِ فَتَرَكْتَنِي أَمْشِي بِأَجْرَدَ ضَاحِ
قَدْ كُنْتُ ذَاتَ حَمِيَّةٍ مَا عِشْتَ لِي أَمْشِي الْبِرَازَ وَأَنْتَ كُنْتَ جَنَاحِي
وَإِذَا دَعَتْ قَمَرِيَّةٌ شَجَنًا لَهَا يَوْمًا عَلَى فَنَنٍ بَكَيْتُ صَبَاحِي
فَالْيَوْمَ أَخْشَعُ لِلذَّلِيلِ وَأَتَّقِي مِنْهُ وَأَدْفَعُ ظَالِمِي بِالرَّاح
الرواة عنه
ابنُهُ عَبدُ اللهِ بْنُ جَعفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَبدُ اللهِ بْنُ مَسعُودٍ، عَمْرُو بْنُ العَاصِ، أُمُّ سَلَمَةَ زَوجُ النَّبِيّ ﷺ.
الخاتمة
وفي خِتامِ هَذَا المَقَالِ، يَتَبَيَّنُ لنا عِظَمُ مَكانةِ جَعفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وما اتَّصَفَ بِهِ مِن فَضَائِلَ ومَناقِبَ جَعَلَتْهُ مِثَالًا يُحتَذَى فِي الإِيمَانِ وَالصَّبرِ وَالجِهادِ وَالتَّضحِيَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى. وقد سَطَّرَتْ سيرتُه مواقفَ مُشرِقَةً تَدُلُّ على صِدقِ اليَقِينِ وَقُوَّةِ الثَّبَاتِ وَنُبلِ الأَخلَاقِ، فَاستَحَقَّ أن يَبقَى ذِكرُه فِي صَفَحَاتِ التَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ.
وَمَا أَحرَى المُسلِمِينَ اليَومَ أن يَستَلْهِمُوا مِن سِيرَةِ الصَّالحينَ دُروسَ الإِخلَاصِ وَالبَذلِ وَالصِّدقِ، وَأَن يَجعَلُوا مِن حَيَاتِهِم مَنارًا.
رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ، وَجَزَاهُ عَنِ الإِسلَامِ وَأَهلِهِ خَيرَ الجَزَاءِ، وَجَمَعَنَا بِهِ فِي مُستَقَرِّ رَحمَتِه، إنَّه سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- المُستَدرَكِ لِلحَاكِمِ.
- سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ.
- لِسَانِ العَرَبِ لِابنِ مَنظُورٍ.
- أُسدِ الغَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.
- البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابنِ كَثِيرٍ.