باب الاستِقامة

الْحَمْدُ للَّهِ قَاهِرِ الْمُتَجَبِّرِ وَمُذِلِّهِ، وَرَافِعِ الْمُتَوَاضِعِ وَمُجَلِّهِ، أَقْرَبُ إلى عَبْدِهِ مِنْ ظِلِّهِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُنْكَسِرِ حَالَ ذُلِّهِ، لا يَعْزُبُ عَنْ سَمْعِهِ وَقْعُ الْقَطْرِ فِي أَضْعَفِ طَلِّهِ، وَلا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ فِي الدُّجَى دَبِيبُ نَمْلِهِ، رَفَعَ مَنْ شَاءَ بِإِعْزَازِهِ كَمَا حَطَّ مَنْ شَاءَ بِذُلِّهِ، اخْتَارَ مُحَمَّدًا واصْطَفَاهُ على الْخَلْقِ كُلِّه {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}، أحمده على أَجَلِّ الإِنْعَامِ وَأَقَلِّه، وَأَشْهَدُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ شَهَادَةَ مُصَدِّقِ قَوْلِهِ بِفِعْلِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ لنقض الكفر وحَلِّه، فقام بالقرآن ينادي: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَاصِلِ حَبْلِهِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَانَ يَخافُ الشَّيْطَانُ مِنْ ظِلِّهِ، وَعَلَى عُثْمَانَ مُجَهِّزِ جيشِ الْعُسْرَةِ وَعَاقِدِ شَمْلِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ وَمُقَدَّمِ أَهْلِهِ. أما بعد:

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: باب في الاستِقامة: 

قَالَ الله تَعَالَى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112] وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَاّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فصلت: 30،31،32] وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 13،14].

باب في الاستِقامة (بدأ الحافظ النووي رحمه الله بكتاب الاستقامة بعد كتاب اليقين والتوكل لأن العبد المؤمن إذا زاد يقينه بالله وقوي توكله عليه فإنه ستستقيم جوارحه على الوجه الموافق للشرع وسيلتزم أحكامه ويمضي بتعاليمه وهذه هي الاستقامة المأمور به في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فيقين العبد بربه وتوكلُه عليه يودي به إلى أن يكون مستقيما بظاهره وباطنه) (وقَالَ الأستاذ القشيري رحمه الله تعالى: ‌الاستقامة درجة بِهَا كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لَمْ يكن مستقيما فِي حالته ضاع سعيه وخاب جهده قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} ومن لَمْ يكن مستقيما فِي صفته لَمْ يَرْتَقِ من مقامه إِلَى غيره وَلَمْ يبين سلوكُه عَلَى صحة، فمن شرط المستأنف ‌الاستقامةُ فِي أحكام البداية كَمَا أَن من حق العارف ‌الاستقامةَ فِي آداب النهاية، وكان الإمام أبو عَلِيّ الدقاق يَقُول ‌الاستقامة لَهَا ثلاثة مدارج: أولها: التقويم ثُمَّ الإقامة ثُمَّ الاستقامة فالتقويم من حيث تأديب النفوس والإقامة من حيث تهذيب القلوب والاستقامة من حيث تقريب الأسرار. وَقَالَ أَبُو بَكْر الصديق رضى اللَّه عَنْهُ فِي معنى قَوْله: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} لَمْ يشركوا وَقَالَ عُمَر رضى اللَّه عَنْهُ لَمْ يروغوا روغان الثعالب فقول الصديق محمول عَلَى مراعاة الأصول فِي التوحيد وقول عُمَر محمول عَلَى ترك طلب التأويل والقيام بشرط العهود وَقَالَ ابْن عَطَاء الله استقاموا عَلَى انفراد القلب بحب الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو عَلي الجوزجاني كن صاحب الاستقامة لا طَالِب الكرامة فَإِن نفسك متحركة فِي طلب الكرامة وربك عَزَّ وَجَلَّ يطالبك بالاستقامة، وقيل: إِن الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عَنِ المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بَيْنَ يدي اللَّه تَعَالَى عَلَى حقيقة الصدق ولذلك قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استقيموا ولن تحصوا وَقَالَ الواسطي: الخَصلة الَّتِي بِهَا كمَلت المحاسن وبفقدها قبحت المحاسن الاستقامة وحُكِي عَنِ الشبلي أَنَّهُ قَالَ: الاستقامة أَن تشهد الوقت قيامة ويقال الاستقامة فِي الأقوال بترك الغيبة وَفِي الأفعال بنفي البدعة وَفِي الأعمال بنفي الفترة وَفِي الأحوال بنفي الحجبة. وروي أن الإِمَام أبا بَكْر مُحَمَّد بْنَ الْحُسَيْن بْنِ فورك كان يَقُول: السين فِي الاستقامة سين الطلب أي طلبوا من الحق أَن يقيمهم عَلَى توحيدهم ثُمَّ عَلَى استدامة عهودهم وحفظ حدودهم قَالَ الأستاذ القشيري: واعلم أَن الاستقامة توجب إدامة الكرامة قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} لَمْ يقل: سقيناهم، بَل قَالَ: (أسقيناهم) يقال: أسقيته إِذَا جعلت لَهُ سقيا فَهُوَ يشير إِلَى الدوام): الاستقامة على أمر الله نعمة عظيمة، ودرجة رفيعة، ومنة عالية، فتحقيقها يحتاج إلى جد، واجتهاد، وصبر، واحتساب، ودعاء، وتضرع، وإخبات، وتوفيق، واحتراز. إن نتائج ترك الاستقامة، وعدم الثبات عليها خطيرة، لأن ذلك يعني الانحراف عن الدين ونهجه، وهذه النتائج تمس الفرد، والمجتمع، وقد قص علينا القرآن ما حدث لأفراد وأمم تركوا الاستقامة وانحرفوا عنها، فكان عاقبتهم الخسران في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]. وقال أيضاً: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5]. فكان حكم الله تعالى في قارون لما زاغ وانحرف عن جادة الاستقامة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: 81]. وقال في بلعام اليهودي الذي انحرف وانساق وراء الشيطان فخسر الدارين وربح الذم الأبدي: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ * مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأعراف: 175 – 178]. وعبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب أم المؤمنين أسلم قديماً وهاجر بزوجته إلى أرض الحبشة فولدت له حبيبة ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنه أدركه الشقاء فأعجبه دين النصرانية فتنصر، فلم ينشب أن مات بالحبشة، على ردته.

أما نتائج لزوم الاستقامة فهي سعادة في الدنيا والآخرة، ونحن مأمورون بالاستقامة في كل الظروف ولو بأشدها، وعلى هذا كان أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، ففي شدة المعارك وقوة القتال كانوا صادقين مستقيمين كما أمرهم بذلك محمد صلى الله عليه وسلم، فقد روى ابنُ سعدٍ في الطبقاتِ عنْ واحدٍ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ، وهوَ أبو عقيلٍ واسمُه عَبْدُ الرَّحْمَنِ الإراشيُّ، قالَ ابنُ سعدٍ: وكانَ اسمُ أبي عقيلٍ عَبْدَ العزَّى فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْد الرَّحْمَن عدوَّ الأوثانِ. وشهدَ بدْرًا وأحدًا والخندقَ والمشاهدَ كلَّها مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقُتلَ يومَ اليمامةِ يوم قتال مسيلمة الكذاب وقومه شهيدًا فِي خلافةِ أبي بَكْرٍ الصَّدَّيقِ سنةَ اثنتي عشرةَ. ولهُ عَقِبٌ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ وَاصْطَفَّ النَّاسُ لِلْقِتَالِ كَانَ أَوَّلَ النَّاسِ جُرِحَ أَبُو عَقِيلٍ الأُنَيْفِيُّ. رُمِيَ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ وَفُؤَادِهِ فَأصابه فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ. فَأُخْرِجَ السَّهْمُ وَوَهَنَ لَهُ شِقُّهُ الأَيْسَرِ لِمَا كَانَ فِيهِ. وَهَذَا أَوَّلُ النَّهَارِ. وَجُرَّ إِلَى الرَّحْلِ أي إلى الخيمة ليرتاح من جرحه. فَلَمَّا حَمِيَ الْقِتَالُ وَتراجع كثير من الْمُسْلِمينَ وَجَازُوا رِحَالَهُمْ وَأَبُو عَقِيلٍ ضعيف مِنْ جُرْحِهِ سَمِعَ مَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ يَصِيحُ بِالأَنْصَارِ: اللَّهَ اللَّهَ (أي اتقوا الله) وَالْكَرَّةَ عَلَى عَدُوِّكُمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَنَهَضَ أَبُو عَقِيلٍ يُرِيدُ قَوْمَهُ فَقُلْتُ: مَا تُرِيدُ يَا أَبَا عَقِيلٍ؟ مَا فِيكَ قِتَالٌ (يعني أنت جريح ولا طاقة لك على القتال). قَالَ: قَدْ نَوَّهَ الْمُنَادِي بِاسْمِي (أي أني سمعت المنادي ينادي على الأنصار للقتال وأنا منهم). قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقُلْتُ إِنَّمَا يَقُولُ يَا لِلأَنْصَارِ لا يَعْنِي الْجَرْحَى. قَالَ أَبُو عَقِيلٍ: أَنَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَأَنَا أُجِيبُهُ وَلَوْ حَبْوًا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَتَحَزَّمَ أَبُو عَقِيلٍ (أي لبس حزامه وتجهَّز للقتال) وَأَخَذَ السَّيْفَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى مُجَرَّدًا ثُمَّ جَعَلَ يُنَادِي: يَا لِلأَنْصَارِ كَرَّةً كَيَوْمِ حُنَيْنٍ. فَاجْتَمَعُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا يَقْدُمُونَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ عَدُوِّهِمْ حَتَّى أَقْحَمُوا عَدُّوَهُمُ الْحَدِيقَةَ فَاخْتَلَطُوا وَاخْتَلَفَتِ السُّيُوفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَنَظَرْتُ إِلَى أَبِي عَقِيلٍ وَقَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْمَجْرُوحَةُ مِنَ الْمَنْكِبِ فَوَقَعَتِ الأَرْضَ وبه من الْجَرَّاحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جُرْحًا كُلُّهَا قَدْ خَلَصَتْ إِلَى مَقْتَلٍ وَقُتِلَ عَدُوُّ اللَّهِ مُسَيْلِمَةُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعْتُ عَلَى أَبِي عَقِيلٍ وَهُوَ صَرِيعٌ بِآخِرِ رَمَقٍ فَقُلْتُ: أَبَا عَقِيلٍ. فَقَالَ: لَبَّيْكَ. بِلِسَانٍ مُلْتَاثٍ. لِمَنِ الدَّبْرَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ أَبْشِرْ. وَرَفَعْتُ صَوْتِي. قَدْ قُتِلَ عَدُوُّ اللَّهِ. فَرَفَعَ إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَحْمَدُ اللَّهَ. وَمَاتَ يرحمُه اللَّهُ مَا زَالَ يَسْأَلُ الشَّهَادَةَ وَيَطْلُبُهَا بصدق حتى نالها رضي الله عنه، لم يسكن بسبب جراحه بل قاتل إلى آخر طاقة يملكها.اهـ هكذا كان الصحابة الكرام ملتزمين أوامر النبي صلى الله عليه وسلم وملتزمين الاستقامة المأمورَ بها في الكتاب والسنة ولو مع أشد الظروف وأصعب المواقف رضي الله عنهم وجزاهم الله خير الجزاء. 

وحَفَرَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِقَدَمَيْهِ فِي الْأَرْضِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَهُوَ حَامِلُ لِوَاءِ الْأَنْصَارِ بَعْدَمَا تَحَنَّطَ وَتَكَفَّنَ، فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا حَتَّى قُتِلَ هُنَاكَ، وجاءَ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ جَاءَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَنَشَرَ أَكْفَانَهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ (يعني من فرَّ مِنَ المسلمينَ في أثناءِ المعركةِ)، وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ. فَقُتِلَ، وَكَانَتْ لَهُ دِرْعٌ فَسُرِقَتْ. (وهو  ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: خَطِيبُ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ، ﷺ أَنَّهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ وَأَنَّهُ بَشَّرَهُ بِالشَّهَادَةِ فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِهِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ» وروى الطبراني عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَدَمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ عَمَّنْ يُحَدِّثُنِي بِحَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَأَرْشَدُونِي إِلَى ابْنَتِهِ، فَسَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمَّا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18] . اشْتَدَّتْ عَلَى ثَابِتٍ وَغَلَّقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، وَطَفِقَ يَبْكِي، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ أُحِبُّ الْجَمَالَ، وَأَنَا أَسَوَدُ قَوْمِي. فَقَالَ: «إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ، بَلْ تَعِيشُ بِخَيْرٍ وَتَمُوتُ بِخَيْرٍ، وَيُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ» . فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ}. فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَأَنَّهُ جَهِيرُ الصَّوْتِ، وَأَنَّهُ يَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: «إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ؛ بَلْ تَعِيشُ حَمِيدًا، وَتُقْتَلُ شَهِيدًا، وَيُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ». فَلَمَّا اسْتَنْفَرَ أَبُو بَكْرٍ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْيَمَامَةِ وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، سَارَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِيمَنْ سَارَ، فَلَمَّا لَقُوا مُسَيْلِمَةَ وَبَنِي حَنِيفَةَ تراجع الْمُسْلِمونَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ ثَابِتٌ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَجَعَلَا لِأَنْفُسِهِمَا حُفْرَةً فَدَخَلَا فِيهَا، فَقَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا. قَالَتْ: وَأُرِيَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فِي مَنَامِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَمَّا قُتِلْتُ بِالْأَمْسِ مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَانْتَزَعَ مِنِّي دِرْعًا نَفِيسَةً، وَمَنْزِلُهُ فِي أَقْصَى الْعَسْكَرِ، وَعِنْدَ مَنْزِلِهِ فَرَسٌ يَسْتَنُّ فِي طُولِهِ، وَقَدْ أَكْفَأَ عَلَى الدِّرْعِ بُرْمَةً، وَجَعَلَ فَوْقَ الْبُرْمَةِ رَحْلًا، وَائْتِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ،، فَلْيَبْعَثْ إِلَى دِرْعِي فَلْيَأْخُذْهَا، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعْلِمْهُ أَنَّ عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ كَذَا، وَلِي مِنَ الْمَالِ كَذَا، وَفُلَانٌ مِنْ رَقِيقِي عَتِيقٌ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ: هَذَا حُلْمٌ، فَتُضَيِّعَهُ. قَالَ: فَأَتَى خَالِدًا فَوَجَّهَ إِلَى الدِّرْعِ فَوَجَدَهَا كَمَا ذَكَرَ، وَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَخْبَرَهُ فَأَنَفَذَ أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَازَتْ وَصِيَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَّا ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ جَاءَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَنَشَرَ أَكْفَانَهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ، وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ. فَقُتِلَ، وَكَانَتْ لَهُ دِرْعٌ فَسُرِقَتْ، فَرَآهُ رَجُلٌ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، فَقَالَ: إِنَّ دِرْعِي فِي قِدْرٍ تَحْتَ الْكَانُونِ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. وَأَوْصَاهُ بِوَصَايَا، فَطَلَبُوا الدِّرْعَ فَوَجَدُوهَا وَأَنْفَذُوا الْوَصَايَا. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا).

قَالَ الله تَعَالَى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} (قال القرطبي: قَوْلُهُ تَعَالَى: (‌فَاسْتَقِمْ ‌كَما أُمِرْتَ) الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَهُ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ فهو مستقسم دائما بطاعة لله عز وجل. يعني فاستقم يا محمد على دين ربك والعمل به والدعاء إليه كما أمرك ربك، والأمر فيه للتأكيد لأن النبيّ كان على الاستقامة لم يزل عنها، فهو كقولك للقائم: قم حتى آتيك: أي: دم على ما أنت عليه من القيام حتى آتيك. وَقِيلَ:” اسْتَقِمْ” اطْلُبِ الْإِقَامَةَ عَلَى الدِّينِ مِنَ اللَّهِ وَاسْأَلْهُ ذَلِكَ. فَتَكُونُ السِّينُ سِينَ السُّؤَالِ، كَمَا تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أي أَطْلُبُ الْغُفْرَانَ مِنْهُ. وَالِاسْتِقَامَةُ الِاسْتِمْرَارُ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ أَخْذٍ فِي جِهَةِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ، فَاسْتَقِمْ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَاضِرٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ أَوْصِنِي! فَقَالَ: نَعَمْ! عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالِاسْتِقَامَةِ، اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ.اهـ أي كن متَّبعًا طريق الحق وإياك أن تبتدع في الدين ما يخالفه. (وَمَنْ تابَ مَعَكَ) أَيِ اسْتَقِمْ أَنْتَ وَهُمْ، يُرِيدُ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِمَّنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةٌ هِيَ أَشَدُّ وَلَا أَشَقُّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَالُوا لَهُ: لَقَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ! فَقَالَ:” شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا”. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ السَّرِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ:” شَيَّبَتْنِي هُودٌ”. فَقَالَ:” نَعَمْ” فَقُلْتُ لَهُ: مَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْهَا؟ قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَهَلَاكُ الْأُمَمِ؟ فَقَالَ:” لَا وَلَكِنْ قَوْلُهُ: ‌فَاسْتَقِمْ ‌كَما أُمِرْتَ”. (وَلا تَطْغَوْا) نَهَى عَنِ الطُّغْيَانِ وَالطُّغْيَانُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَمِنْهُ” إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ”. وَقِيلَ: أَيْ لَا تَتَجَبَّرُوا عَلَى أَحَدٍ.اهـ وقال بعض المفسرين: يقول الحق جلّ جلاله: فَاسْتَقِمْ يا محمد كَما أُمِرْتَ، وَليستقم مَنْ تابَ مَعَكَ من الكفر وآمن بك. وهي شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه والتعطيل، بأن يكون المؤمن على التنزيه لله عز وجل وينفي تشبيهه بخلقه ولا ينفي صفة ثابتة لله عز وجل، بحيث يبقى العقل مصوناً من الطرفين، فيبقى المؤمن على تنزيه الله عن الشبيه والمثيل وتنزيه الله عن المكان والحد والجسمية وصفات الأجسام ويبقى على إثبات ما أثبته الله لنفسه عز وجل، قال الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه: التوحيد هو وجدان تعظيم لله عز وجل في القلب يمنع من التشبيه والتعطيل.اهـ والاستقامة في الأعمال من تبليغ الوحي، وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط ولا إفراط. وهي في غاية العسر إلا على من هونها الله عليه.اهـ وقد قيل: الاستقامة على ثلاثة أقسام: استقامة الجوارح، واستقامة القلوب، واستقامة الأرواح والأسرار. أما استقامة الجوارح فتحصل بكمال التقوى، وتحقيق المتابعة للسنة المحمدية. وأما استقامة القلوب فتحصل بتطهيرها من سائر العيوب، كالكبر والعجب، والرياء، والسمعة، والحقد والحسد، وحب الجاه والمال، وما يتفرع عن ذلك من العداوة والبغضاء، وترك الثقة بمجيء الرزق، وخوف سقوط المنزلة، من قلوب الخلق، والشح والبخل، وطول الأمل، والأشر والبطر، والغل والمباهاة، والتصنع والمداهنة، والقسوة والفظاظة والغلظة، والغفلة والجفاء، والطيش، والعجلة، والحمية، وضيق الصدر، وقلة الرحمة. إلى غير ذلك من أنواع الرذائل. فإذا تطهر القلب من هذه العيوب اتصف بأضدادها من الكمالات: كالتواضع لله، والخشوع بين يديه، والتعظيم لأمره، والحفظ لحدوده، والتذلل لربوبيته، والإخلاص في عبوديته، والرضى بقضائه، ورؤية المنة له في منعه وعطائه. ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة، واللين والرفق، وسعة الصدر والحِلم، والاحتمال والصيانة، والنزاهة والأمانة، والثقة والتأني، والوقار، والسخاء والجود، والحياء، والبشاشة والنصيحة. إلى غير ذلك من الكمالات. وأما استقامة الأرواح والأسرار، فتحصل بعدم الوقوف مع شيء سوى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى غيره حالاً كان أو مقاماً أو كرامة، أو غير ذلك.اهـ قال المناوي: إن شأن الاستقامة عظيم وخطبها جسيم، وفي خبر رواه ابن أبي حاتم أنه لم ير بعد نزولها ضاحكا أبدا وفي خبر الترمذي ما يفيد أن أعظم ما يراعى استقامة بعد القلب من الجوارح اللسان فإنه الترجمان) وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَاّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} (قال القرطبي: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا” قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا رَبَّنَا اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ بناته وهؤلاء شفعاؤنا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَبُّنَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَاسْتَقَامَ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ” إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا” قَالَ:” قَدْ قَالَ النَّاسُ ثُمَّ كَفَرَ أَكْثَرُهُمْ فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقَامَ، وَيُرْوَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ مَعْنَى” اسْتَقامُوا”، فَفِي صَحِيحِ مسلم عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ- وَفِي رِوَايَةٍ- غَيْرَكَ. قَالَ:” قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ” زَادَ التِّرْمِذِيُّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ وَقَالَ:” هَذَا”. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:” ثُمَّ اسْتَقامُوا” لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا. وَرَوَى عَنْهُ الْأَسْوَدُ بْنُ هِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَقُولُونَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ” إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا” وَ” الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ” فَقَالُوا: اسْتَقَامُوا فَلَمْ يُذْنِبُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِخَطِيئَةٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ حَمَلْتُمُوهَا عَلَى غَيْرِ الْمَحْمَلِ” قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا” فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى إِلَهٍ غَيْرِهِ” وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ” بِشِرْكٍ” أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ”. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَخْطُبُ:” إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا” فَقَالَ: اسْتَقَامُوا وَاللَّهِ عَلَى الطَّرِيقَةِ لِطَاعَتِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْغُوَا رَوَغَانَ الثَّعَالِبِ. وَقَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ أَخْلَصُوا الْعَمَلَ لِلَّهِ. وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ أَدَّوُا الْفَرَائِضَ. وَأَقْوَالُ التَّابِعِينَ بِمَعْنَاهَا. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَقَتَادَةُ: اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ. الْحَسَنُ: اسْتَقَامُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ فَعَمِلُوا بِطَاعَتِهِ وَاجْتَنَبُوا مَعْصِيَتَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: اسْتَقَامُوا عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى مَاتُوا. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: عَمِلُوا عَلَى وِفَاقِ مَا قَالُوا. وَقَالَ الرَّبِيعُ: أَعْرَضُوا عَمَّا سِوَى اللَّهِ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: زَهِدُوا فِي الْفَانِيَةِ وَرَغِبُوا فِي الْبَاقِيَةِ. وَقِيلَ: اسْتَقَامُوا إِسْرَارًا كَمَا اسْتَقَامُوا إِقْرَارًا. وَقِيلَ: اسْتَقَامُوا فِعْلًا كَمَا اسْتَقَامُوا قَوْلًا. وَقَالَ أَنَسٌ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” هُمْ أُمَّتِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ”. وَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّنَا فَارْزُقْنَا الِاسْتِقَامَةَ. قُلْتُ (أي القرطبي): وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَإِنْ تَدَاخَلَتْ فَتَلْخِيصُهَا: اعْتَدِلُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَقْدًا وَقَوْلًا وَفِعْلًا، وَدَامُوا على ذلك. نتنزل عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ” قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٌ: عِنْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ: إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ لِلْبَعْثِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ بُشْرَى تَكُونُ لَهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ وَكِيعٌ وَابْنُ زَيْدٍ: الْبُشْرَى فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَفِي الْقَبْرِ وَعِنْدَ الْبَعْثِ.” أَلَّا تَخافُوا” أَيْ بِ” أَلَّا تَخافُوا” فَحُذِفَ الْجَارُّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تخافوا الموت.” وَلا تَحْزَنُوا” عَلَى أَوْلَادِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ خَلِيفَتُكُمْ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: لَا تَخَافُوا رَدَّ ثَوَابِكُمْ فَإِنَّهُ مَقْبُولٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَلَا تَخَافُوا إِمَامَكُمْ، وَلَا تَحْزَنُوا عَلَى ذُنُوبِكُمْ.” وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ”. قَوْلُهُ تَعَالَى:” نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ” أَيْ تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ بالبشارة” نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ” قال مجاهد: أي نحن قرناؤكم الَّذِينَ كُنَّا مَعَكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا لَا نُفَارِقُكُمْ حَتَّى نُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيْ نَحْنُ الْحَفَظَةُ لِأَعْمَالِكُمْ في الدنيا وأولياؤكم فِي الْآخِرَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ وَمَوْلَاهُمْ.” وَلَكُمْ فِيها مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ” أَيْ مِنَ الْمَلَاذِ.” وَلَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ ” تَسْأَلُونَ وَتَتَمَنَّوْنَ.” نُزُلًا” أَيْ رِزْقًا وَضِيَافَةً.اهـ وقيل في معنى هذه الآية: إن الذين أقرُّوا بقهرية الربوبية، وقاموا بوظائف العبودية، تتنزل عليهم الملائكة بالبشارة الأبدية. قال القشيري: فأما الاستقامة فهي الثباتُ على شرائط الإيمان بجملتها، من غير إخلالٍ بشيء من أقسامها ثم قال: مَن كان له أصل الاستقامة، وهي التوحيد، أَمِنَ من الخلود في النار، ومَن كان له كمال الاستقامة أَمِنَ من الوعيد، من غير أن يلحقه سوء بحالٍ. ويقال: استقاموا على دوام الشهود، وانفراد القلب بالمعبود، أو: استقاموا في تصفية العقد، ثم في توفية العهد، ثم في صحة القصد، بدوام الوجد، أو: استقاموا بأقوالهم، ثم بأعمالهم، ثم بصفاء أحوالهم، في وقتهم وفي مآلهم، أو: داموا على طاعته، واستقاموا في معرفته، وهاموا في محبته، وقاموا بشرائط خدمته. واستقامة العابد: ألا يعود إلى الفترة واتباع الشهوة، ولا يدخله رياء ولا تصنُّع، واستقامةُ العارف ألا يشوب معرفته حظ في الدارين، فيحجب به عن مولاه، واستقامةُ المحبين: ألا يكون لهم أرب من غير محبوبهم يكتفون من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام عِزِّه ووجوده. هـ) وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 13،14]. 

(وقد ضربتُ أمثلة عديدة لاستقامة الصحابة خصوصا في قتال أهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب عدوِ الله مدعي النبوة وأضرب أمثلة أخرى وهذا يبين ثباتهم على الاستقامة التي أمرهم بها نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد قَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: أَتَخْشَى أَنْ نُؤْتَى مِنْ قِبَلِكَ؟ (أي أن يكون دخول المرتدين للجيش من جهتك، وأن تكون الثغرة إلى جيش المسلمين من جهتك) فَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وهو أخو عمر بن الخطاب: أَيُّهَا النَّاسُ، عَضُّوا عَلَى أَضْرَاسِكُمْ، وَاضْرِبُوا فِي عَدُوِّكُمْ، وَامْضُوا قُدُمًا. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ حَتَّى يَهْزِمَهُمُ اللَّهُ أَوْ أَلْقَى اللَّهَ فَأُكَلِّمَهُ بِحُجَّتِي. فَقُتِلَ شَهِيدًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ سَبَقَنِي إِلَى الْحُسْنَيَيْنِ أَسْلَمَ قَبْلِي، وَاسْتُشْهِدَ قَبْلِي. وكانَ عمرُ بنُ الخطابِ يحبُّ أخاهُ زيدًا كثيرًا فقدْ روى ابنُ عبدِ البرِّ عنْ عمرَ بنِ الخطابِ قالَ: مَا هَبَّتِ الصَّبَا إِلَّا وَأَنَا أَجِدُ مِنْهَا رِيْحَ زَيْدٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِأَخِيْهِ زَيْدٍ يَوْمَ أُحُدٍ: خُذْ دِرْعِيْ، قَالَ لَهُ زَيْدٌ: إِنِّي أُرِيْدُ مِنَ الشَّهَادَةِ مَا تُرِيْدُ، فَتَرَكَاهَا جَمِيْعًا، فَقُتِلَ زَيْدٌ شَهِيْدًا فِي اليَمَامَةِ. وَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بنُ عُتْبَةَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِالْفِعَالِ، وقاتل المرتدين حَتَّى أَبْعَدَهُمْ وَقُتِلَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَحَمَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى جَاوَزَهُمْ وَسَارَ بِحِيَالِ مُسَيْلِمَةَ وَجَعَلَ يَتَرَقَّبُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ فَيَقْتُلَهُ، ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ وَثَبَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ، وَقَالَ: أَنَا ابْنُ الْوَلِيدِ الْعَوْدِ، أَنَا ابْنُ عَامِرٍ وَزَيْدِ. ثُمَّ نَادَى بِشِعَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَئِذٍ: يَا مُحَمَّدَاهْ. وَجَعَلَ لَا يَبْرُزُ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ، وَلَا يَدْنُو مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا أَكَلَهُ، وَدَارَتْ رَحَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصَفَ وَالرُّجُوعَ إِلَى الْحَقِّ، فَجَعَلَ شَيْطَانُ مُسَيْلِمَةَ يَلْوِي عُنُقَهُ، لَا يَقْبَلُ مِنْهُ شَيْئًا، وَكُلَّمَا أَرَادَ مُسَيْلِمَةُ يُقَارِبُ مِنَ الْأَمْرِ صَرَفَهُ عَنْهُ شَيْطَانُهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ خَالِدٌ، وَقَدْ مَيَّزَ خَالِدٌ الْمُهَاجِرِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَكُلُّ بَنِي أَبٍ عَلَى رَايَتِهِمْ، يُقَاتِلُونَ تَحْتَهَا، حَتَّى يَعْرِفَ النَّاسُ مِنْ أَيْنَ يُؤْتَوْنَ، وَصَبَرَتِ الصَّحَابَةُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ صَبْرًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، وَلَمْ يَزَالُوا يَتَقَدَّمُونَ إِلَى نُحُورِ عَدُّوِهِمْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَوَلَّى الْكُفَّارُ الْأَدْبَارَ، وَاتَّبَعُوهُمْ يُقَتِّلُونَ فِي أَقْفَائِهِمْ، وَيَضَعُونَ السُّيُوفَ فِي رِقَابِهِمْ حَيْثُ شَاءُوا، حَتَّى أَلْجَأُوهُمْ إِلَى حَدِيقَةِ الْمَوْتِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِمْ مُحَكَّمُ الْيَمَامَةِ، وَهُوَ مُحَكَّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ، لَعَنَهُ اللَّهُ بِدُخُولِهَا، فَدَخَلُوهَا وَفِيهَا عَدُوُّ اللَّهِ مُسَيْلِمَةُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَأَدْرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مُحَكَّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فِي عُنُقِهِ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَتَلَهُ، وَأَغْلَقَتْ بَنُو حَنِيفَةَ الْحَدِيقَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَحَاطَ بِهِمُ الصَّحَابَةُ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعَتْ آرَاؤُهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا بِأَجْمَعِهِمْ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ حَمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ إِنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَنْكَوْا فِيهِمْ، فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَكَبَّرُوا تَكْبِيرَةً، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فكشفوهم، حتى ألجئوهم إِلَى هذهِ الحَدِيقَةٍ لَهُمْ فَلَمَّا دَخَلُوا إِلَى الْحَدِيقَةِ وحصنوا فِي جَوْفِهَا، وَمُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ مَعَهُمْ، أَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْحَدِيقَةِ فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ الأَنْصَارِيُّ: وَيْحَكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، احْمِلُونِي حَمْلَةً وَأَلْقُونِي إِلَيْهِمْ. فَحَمَلَ أَبُو دُجَانَةَ عَلَى تُرْسِ بَعْضِ الأَنْصَارِ ثُمَّ رَفَعَ بِالرِّمَاحِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي جَوْفِ الْحَدِيقَةِ. قَالَ: فَوَقَعَ أَبُو دُجَانَةَ فِي الْحَدِيقَةِ، ثُمَّ وَثَبَ كَاللَّيْثِ الْمُغْضِبِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ ويقول: 

أنا سماك وأبو دُجَانَهْ
لَسْتُ بِذِي ذُلٍّ وَلا مَهَانَهْ

وَلا جَبَانِ الْقَلْبِ ذِي اسْتِكَانَهْ
لا خَيْرَ فِي قَوْمٍ بِدِينٍ خَانَهْ (جمع خائن)

فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ فِي جَوْفِ الْحَدِيقَةِ حَتَّى قُتِلَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

وَصَاحَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ بِأَصْحَابِهِ: وَيْلَكُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي حَنِيَفَةَ، اعْلَمُوا أَنَّ هذِهِ الْحَدِيقَةَ حَدِيقَةُ الْمَوْتِ، فَقَاتِلُوا أَبَدًا حَتَّى تَمُوتُوا كِرَامًا. وَاقْتَحَمَ خَالُدَ بْن الُوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ الْحَدِيقَةِ بِفَرَسِهِ، وَفِي يَدِهِ سَيْفُهُ لَوْ ضَرَبَ الْحَجَرَ قَطَعَهُ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:

أَسْعَدَنَا قَوْمٌ عَلَى الْمَوْتِ فَنَوْا
لَمْ يَهْدِمُوا الدِّينَ وَلا الدُّنْيَا أَبَوْا

وَاللَّهُ يَجْزِي كُلَّ قَوْمٍ مَا نَوَوْا
فَطَالَمَا جَاعُوا وَطَالَمَا ظَمَوْا

فَالْيَوْمَ حقًّا شَبِعُوا ثُمَّ رَوَوْا.

فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ فَقَالَ له: أينَ تريدُ يا ابنَ كَذَا وَكَذَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ خَالِدٌ وَاعْتَنَقَهُ الْحَنَفِيُّ فَسَقَطَا عَنْ فَرَسَيْهِمَا جَمِيعًا إِلَى الأَرْضِ، فَسَقَطَ الْحَنَفِيُّ تَحْتَ خَالِدٍ، فَجَعَلَ يَجْرَحُهُ مِنْ تَحْتِهِ بِخِنْجَرٍ سَبْعَ جِرَاحَاتٍ، وَوَثَبَ خَالِدٌ مِنْ فَوْقِهِ وَتَرَكَهُ، وَإِذَا فَرَسُ خَالِدٍ قَدْ غَابَ فِي الْحَدِيقَةِ، وَجَعَلَ يُقَاتِلُ حَتَّى تَخَلَّصَ وَهُوَ لِمَا بِهِ. (وكانَ مِنْ شأنِ خالدٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ مِنْ أكثرِ المقاتلينَ تَقَدُّمًا، وهذَا مِنْ شَجَاعَتِهِ رضيَ اللهُ عنهُ، وكانَ بعضُ الصحابَةِ يقولُ لهُ إنَّا نخافُ عليكَ حينَمَا نراكَ تقاتِلُ القومَ في الأمامِ وأنتَ قائِدُ الجيشُ فنخشَى أنْ تُصَابَ فَيَضْعُفَ أمرُ المسلمينَ، ولكنَّهُ يقولُ ليسَ بي صبرٌ على لقاءِ العدوِّ فيتَقَدَّمُ رضيَ اللهُ عنه، ولو كانَتِ الشهَادةُ تُنَالُ فقطْ بالإقدَامِ لنَالَها خالدُ بنُ الوليدِ رضيَ اللهُ عنهُ، ولكنَّ الأمرَ بمشيئةِ اللهِ تعالى يختصُّ برَحْمَتِهِ مَنْ يشاءُ).

(وجزاء الاستقامة خلود في الجنة بإذن الله تعالى، فمن كان مستقيما في اعتقاده مؤديا للواجبات مجتنبا للمحرمات صغيرها وكبيرها، فإنه يكون على الاستقامة ومن كان هذا حالَه فإن جزاءه كما في هذه الآيات الكريمة جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، والجنَّةُ هي دار السلام وسمَّيت بذلك لأنها دار الأمان، وهي موجودة الآن، مُعدَّةٌ مُهيأةٌ، خلقها الله تعالى، وإلاّ كيف دخلها الرسولُ ليلة الإسراء والمعراج، وربُنا قال [وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] (آل عمران 133) أعدت، هُيأت، لذلك يجب الاعتقاد بأنها موجودة الآن، وأن الله أراد لها البقاء إلى غير نهاية، فمن قال بفناء الجنة أو بفناء النار، نقل الحافظ الفقيه السبكي في كتابه [الاعتبار] الإجماع على كفره، فالجنة باقية بإبقاء الله لها، والنار باقية بإبقاء الله لها، ومن قال بفنائِهِما أو بفناء الجنة دون النار أو النار دون الجنة، فهو مُكذِّبٌ لرب العالمين. ويجب الاعتقاد بأن الله أعد للمؤمنين من النعيم في الجنة وأنهم يُخَلدون فيها إلى غير نهاية، فلا يموتون ولا يصيبهُم البؤس ولا المرض ولا الخرف، ولا الجنون، ولا التعب، ولا الهمّ، ولا الحُزُن، ولا الحَزَن، بل حتى النُعاس لايصيبهم فيها، لماذا؟ لأن النُّعاس يأتي بعد تعبٍ جسديٍ أو بعد تعبٍ فكريٍ، والجنَّة ليس فيها ذلك، ولا سبيل إلى النُعاس إلى قلوبهم في الجنة، بل قلوبهم مليئة عامرة بالفرح والسرور، فلا مجال إلى البؤس إليهم ولا إلى النُّعاس ولا إلى النوم بل نعيمٌ دائم إلى غير نهاية، ومما أعدَ الله لهم فيها كما ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال فيها (هي نُورٌ يَتَلألأ) هي نورٌ يتلألأ فلا يوجد ظلام في الجنة بل لا توجد بقعةٌ مظلمةٌ في الجنة، والجنة واسعة جدًا، جهنم مع عِظَمِ حجمها، مع مساحتها الواسعة الشاسعة الكبيرة، هي بُقعةٌ صغيرة بالنسبة للجنّة، هي بُقعة ضيقةٌ بالنسبة للجنّة، ومع ذلك لا يوجد في الجنّة موضعُ شبرٍ مظلم، كلها أنوار ولا يوجد فيها شمس ولا قمر، كل مافيها مُضاء، ولكنهم يعرفون مِقدار الليل والنهار بعلامةٍ جعلها الله لهم في الجنّة، وأيضًا مما أعدّ الله للمؤمنين في الجنّة كما ورد في الحديث الذي رواه الحافظ البيهقي والبزار أنك إذا نظرت إلى الطائر، إلى طيرٍ مثلاً وهو يطيرُ في الجنّة، فاشتهيته، ينزل مشويًا أمامك، فإذا أكلت، يخلقه الله ويطير من جديد، الله لا يعجزه شىء، ومما لهم فيها، ماءٌ لا يتعفّن من طول الـمـُكث، لا يَفْسُد، إنما هو ماءٌ لذيذٌ فراتٌ، ولا هو في وهادٍ عميقة، إنما يجري على أرض الجنّة، بين الأشجار، وإنما يشربون منه إذا اشتهوا لا عن عطش، لا عن ظمأ، وهم على عروشهم إذا اشتهوا الماء يصعد إليهم، وهم على عروشهم إذا اشتهوا الفاكهة، الثمارُ تدنو منهم، قال الله تعالى [قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ] (الحاقَّة 23) لا يأكلون عن جوع إنما يأكل إذا اشتهى، ويشرب إذا اشتهى، الجنّة ليس فيها جوعٌ أو عطش، الجنّة دار النعيم المقيم، لايدخلها إلا المؤمن، كما أخبرنا الله في القرءان، وكما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام، ومما لهم فيها لهم أسِّرَة ولهم عروش، يقعدون عليها ويتكؤون، لا لأجل النعاس أو التعب وإنما هذا لأجل أن يتلذذوا بذلك، وهذه المجالس مرفوعة مكللة بالدر والياقوت، فإذا جاء أهلُها تواضعت لهم، فإذا جلسوا عليها ارتفعت بهم، هذا مما أعده الله للمؤمنين في الجنّة، وهناك طوبى كما ورد في الحديث الذي رواه البيهقي، وهي شجرةٌ عظيمة يسيرُ الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها تتفتقُ لهم عن ثياب أهل الجنّة فيلبسونها، وهناك الثياب لا تتسخ ولا تتهرأ ولا تخرج منها روائح منتنة، فالجنّة ليس فيها براز ولا بول ولا نجاسات ليس فيها عرقٌ منتن، ليس فيها روائح كريهة، الجنّة دار النعيم المقيم دار السعادة الأبدية، روى ابن ماجه وابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم قال (أَلاَ هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لاَخَطَرَ لَهَا هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! نُورٌ يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهَرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيَلةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مقَامٍ أَبَدًا فِي حَبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ فِي دُورٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ) قَالُوا: نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا، يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ (قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللهُ). هذا مما أعدَّه الله للمؤمنين في الجنّة).