القرآن أعظم المعجزات: التحدي، الإعجاز، والبلاغة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي سيّر بقدرته الفلك والفلَك، ودبّر بصنعته النّور والحلك، اختار آدم فحسده الشّيطان وسجد له الملك، وافتخروا بالتّسبيح والتّقديس فأمّا إبليس فهلك ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 30]، تعالى عن وزير، وتنزّه عن نظير، قبل من خلقه اليسير، وأعطى من رزقه الكثير، أنشأ السّحاب الغزير يحمل الماء النّمير ليعمّ عباده بالخير ويمير، كلما أظلمت مسالك الغيث لاح البرق يوضح وينير، فقامت الطيورُ على الأغصان تصدح بالمدح على جنبات الغدير، فالجماد ينطق بلسان حاله، والنّبات يتكلّم بحركاته وبأشكاله، والكلّ إلى التوحيد يشير، ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير. 

أحمده وهو بالحمد جدير وأقرّ بأنّه مالك التصوير والتصبير. وأصلي على محمّد رسوله البشير النّذير، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ ذي العدل العزير، وعلى عثمان مجهّز جيش العسرة في الزمان العسير، وعلى عليّ الموصوف بنعم الوزير، وسلم تسليمًا كثيرًا، 

أما بعد

ذكر أمور أخبر عنها الحبيب المصطفى ﷺ:

روى البيهقي وأبو نعيم عن أبي الدرداء قال: قلت يا رسول الله بلغني أنك تقول ليرتدنّ أقوام بعد إيمانهم، قال: ((‌أَجَلْ، ‌وَلَسْتَ ‌مِنْهُمْ)) فتوفي أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان رضي الله عنه.

 وروى الإمام أحمد والبخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((‌لَا ‌يَأْتِي ‌عَلَيْكُمْ ‌عَامٌ ‌وَلَا ‌يَوْمٌ إِلاَّ وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ)). وهذا واقع مشاهَد نراه ونحسّ به. 

وروى الطبراني في الكبير والخطيب عن أبي أمامة رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: ((يا أيّها النّاس، ‌‌‌عَلَيْكُمْ ‌بِالْعِلْمِ ‌قَبْلَ ‌أَنْ ‌يُقْبَضَ، ‌وَقَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ)). 

وروى الإمام أحمد وابن أبي شيبة والشّيخان والتّرمذي أنّ رسول الله ﷺ قال: ((‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌لَا ‌يَقْبِضُ ‌الْعِلْمَ ‌انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لم يبقَ عالمًا، اتخذ النّاس رؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)).

وروى الإمام أحمد والبخاري في التّاريخ والبزّار وابن خزيمة والبغوي والبارودي وابن السّكن وابن قانع والطّبراني في الكبير، وأبو نعيم والحاكم والضّياء عن عبد الله بن بشر الغنوي عن أبيه رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال:((لَتُفْتَحَنَّ القُسطَنْطِينِيَّةُ فلنعمَ الأميرُ أميرُها ولنعمَ الجيشُ ذلك الجيش)).

والذي فتح القسطنطينية هو محمد الفاتح وجيشه، وهم أشاعرة ماتريدية على عقيدة أهل السّنة والجماعة، وهذا يدلّ على أنّ الأشاعرة والماتريدية على عقيدة سليمة ليس فيها شُبَهٌ، وهي عقيدة مئات الملايين من المسلمين في أيامنا ولله الحمد، فإذا أطلق أهل السّنة والجماعة يراد بهم الأشاعرة والماتريدية الذين مدحهم الرسول ﷺ، فالنّبيّ لا يمدح شخصًا فاسد المعتقد بل لا بد أن يكون صحيح المعتقد، ومنهم السلطان البطل صلاح الدين الأيوبي كذلك، ومنهم البيهقي والنووي والغزالي وابن حجر وغيرهم الكثير الكثير. 

وروى الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سيخرج)) وفي لفظ: ((يخرج)) وفي لفظ: ((يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ ‌حُدَثَاءُ ‌الْأَسْنَانِ ‌سُفَهَاءُ ‌الْأَحْلَامِ)) وقولُه عليه السلام: ((حُدَثاءُ الأسنانِ)) معناه صغارُ السِّنِّ، والمراد أنَّ هذه الطائفةَ يغلِب فيهم الفتيان. وقولُه صلى الله عليه وسلم: ((سفهاءُ الأحلام)) معناه: يغلِب عليهم الطَّـيْـشُ وضَعْفُ العقل.

وفي لفظ: ((يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم)) تَراقيَهم: جَمعُ تَرقُوةٍ، وهي عَظمٌ يَصِل ما بين ثَغرةِ النَّحرِ والعاتِقِ، أي: أنَّهُم لا يَفقهونه، ولا يَنتفِعون بتلاوتِهِ، فلا يتَدبَّرونَ آياتِه ولا يتفَكَّرونَ في مَعانيه، فلا تَصِلُ إلى قُلوبِهم بالتَّدبُّرِ والخُشوعِ، ولا تَصعَدُ إلى السَّماءِ، فلا يَكونُ لهم بها أجرٌ ولا ثوابٌ.

((يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ)) وفي لفظ: ((لا يتجاوز حناجرهم يمرقون من الدِّين كما يمرق السّهم من الرّمية، فإذا رأيتموهم، فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)) وفي لفظ: ((فمن لقيهم فليقتلهم فإن قتلهم أجر عظيم عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)).

وروى مسلم وأبو داود وأبو عوانة عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يخرج قوم من أمّتي يقرءون القرآن ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئا، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئا ولا صيامكم إلى صيامهم شيئا، يقرأون القرآن يحسبون أنّه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّمية، وآية ذلك أنّ فيهم رجلًا له عضد وليست له ذراع على عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض)). 

وروى ابن ماجه عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: ((يخرج في آخر الزمان قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم سيماهم التّحليق إذا لقيتموهم فاقتلوهم)). 

وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والنّسائي عن أبي برزة أنّ رسول الله ﷺ قال: ((يخرج في آخر الزّمان قوم كأن هذا منهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّمية سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدّجال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شرّ الخلق والخليفة)) وهؤلاء المذكورون في حديث النّبي ﷺ هم الخوارج الذين يتشددون في غير موضع التشدد فيؤدي بهم حالهم إلى تكفير المسلمين وإراقة دمائهم بغير حقّ، وهم من أشدّ المفاسد على عقائد المسلمين، وعلى بلاد المسلمين أينما حلّوا حلّ الخراب والوقاية منهم ومجابهتهم تكون بالعلم ونشر العقيدة السليمة البعيدة كلّ البعد عن الغلو والتطرف والمفاسد.

روى الإمام أحمد والشيخان عن حذيفة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا فما ترك شيئا يكون بين يدي السّاعة إلا ذكره في مقامه ذلك، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، وقد علّمه أصحابي هؤلاء، وإنّه ليكون منه الشّيء قد نسيته، فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه. 

وروى الإمام أحمد ومسلم عَنْ أَبي زَيْدٍ عمْرُو بنِ أخْطَبَ الأنْصَارِيِّ قَال: صلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ الْفَجْر، وَصعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَل فَصَلَّى. ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَر حَتَّى حَضَرتِ العصْرُ، ثُمَّ نَزَل فَصَلَّى، ثُمَّ صعِد المنْبر حتى غَرَبتِ الشَّمْسُ، فَأخْبرنا مَا كان ومَا هُوَ كِائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أحْفَظُنَا.

وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنّ رسول الله قال: ((إنَّهُ لمْ يكنْ نَبِيٌّ قَبلي إِلَّا كان حَقًّا عليهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ على ما يَعْلَمُهُ خيرًا لهُمْ ويُنْذِرَهُمْ ما يَعْلَمُهُ شَرًّا لهُمْ، وإِنَّ أُمَّتَكُمْ هذه جُعِلَتْ عَافِيَتُها في أوِّلِها وإِنَّ آخِرَهُمْ يُصِيبُهُمْ بَلاَءٌ وأُمُورٌ تُنْكِرُونَها ثُمَّ تَجِيءُ فِتَنٌ يُرَقِّقُ بَعْضُها بَعْضًا فيقولُ المؤمنُ: هذه مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ، ثُمَّ تَجِيءُ فِتْنَةٌ فيقولُ المؤمنُ: هذه مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ. فمَنْ سَرَّهُ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النارِ ويُدْخَلَ الجنةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَوْتَتُهُ وهوَ يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ ولْيَأْتِ إلى الناسِ الذي يحبُّ أنْ يَأْتُوا إليهِ)). 

وروى الديملي عن معاذ رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال باب الفتنة مغلقا عن أمّتي ما عاش لهم عمر بن الخطاب، فإذا هلك عمر تتابعت عليهم الفتن)).

وروى الترمذي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لعثمان: ((يَا عُثْمَانُ إِنَّهُ لَعَلَّ اللَّهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادُوكَ ‌عَلَى ‌خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ)). وروى الترمذي، وقال: حسن غريب. عَنْ ‌كُلَيْبِ ‌بْنِ ‌وَائِلٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِتْنَةً، فَقَالَ: ((يُقْتَلُ هَذَا فِيهَا مَظْلُومًا لِعُثْمَانَ)). 

وروى التّرمذي وقال: حسن صحيح. عن أبي سَهْلَةَ مولى عثمان رضي الله عنه قال: قال عثمان رضي الله عنه يوم الدّار: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ‌عَهِدَ ‌إِلَيَّ ‌عَهْدًا فَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ)). 

وروى مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ أَشْرَفَ عَلَى ‌أُطُمٍ ‌مِنْ ‌آطَامِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ)). فوقعت فتنة، قُتِلَ عثمان رضي الله عنه وتتابعت الفتن إلى فتنة الحرّة، وكانت لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين من الهجرة وجرت فيها وقائع كثيرة أضرّت بالمسلمين.

وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فمرّ رجل فقال: ((يقتل فيها هذا يومئذ ظلما)) قال: فنظرت فإذا هو عثمان رضي الله عنه. وقال عليه الصّلاة والسّلام لأبي موسى، وهو قاعد ‌عَلَى ‌قُفِّ ‌بِئْرِ أَرِيسٍ لمّا طرق عثمان رضي الله عنه الباب: ((ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ على بَلْوَى تُصِيبُهُ))، إشارة إلى ما يقع من استشهاده يوم الدّار، فاستشهد وبين يديه المصحف، فنضح الدّم على هذه الآية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة البقرة/ الآية 137]. وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: ((يا عثمان، تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة فتقطر قطرة من دمك على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾)).

وروى ابن منيع عن نائلة بنت ‌الْفَرَافِصَةِ امرأة عثمان قالت: لما حوصر عثمان ظل يومه صائمًا، فلمّا كان عند الإفطار سألهم الماء العذب، فقالوا: دونك هذا الركي. وإذا ركي يلقى فيها النتن، فبات تلك الليلة على حاله، لم يطعم، فلمّا كان من السّحر، أتيت جارات لنا، على أجاجير – يعني أسطحة متواصلة – فسألتهم الماء العذب، فجئته بكوز من ماء، فلمّا نزلت إذا هو نائم، في أسفل الدرجة، يغط، فأيقظته فقلت: هذا ماء عذب قد أتيتك به، فرفع رأسه، فنظر إلى الفجر، فقال: أنا صائم أصبحت صائمًا، فقلت ومن أين ولم أر أحدا أتاك بطعام ولا شراب، قال: فإنّ رسول الله ﷺ اطلع علي من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال: ((اشرب يا عثمان))، فشربت حتى رويت ثم قال: ((ازدد))، فشربت حتى تملأت، فقال: ((إنّ القوم سيبكرون عليك، فإن تركتهم أفطرت عندنا)) قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه رضي الله عنه. وأخرج أبو نعيم عن عدي بن حاتم قال: سمعت صوتا يوم قتل عثمان: “أبشر يا ابن عفان بروح وريحان”.

فنسأل الله تعالى أن يصلي على محمّد في الأولين، وأن يصلي عليه في الآخرين، ويصلي عليه كلمّا ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، فهو ﷺ بلغ كما أُمِرَ فما ترك شرًّا يعلمه إلا حذرنا منه ولا خيرًا علمه إلا أرشدنا إلى طريقه فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا من أنبيائه عن أمّته. 

وكنّا في سياق نقلنا عن نبينا ﷺ وأنه أخبرنا بأمور تحصل في زماننا علمها هو بوحي من الله عزّ وجلّ، فحذّرنا من المفاسد والفتن ومن مخالفة عقيدة أهل السّنة والجماعة وحذّرنا من الفرق الشّاذة التي ظهرت بعده ﷺ، فقد أخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ذكر النبي ﷺ خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة رضي الله عنها، فقال: ((انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت))، ثمّ التفت إلى علي فقال: ((إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها)). وقول النّبيّ ﷺ لها: ((يا حميراء)) ليس تصغيرا لحمارة، لا، بل إنها إذا ضحكت أو خجلت احمرَّ وجهها فكان النبي ﷺ يقول لها: يا حميراء. 

وأخرج أحمد وأبو يعلى والبزار عن قيس قال: لمّا بلغت عائشة رضي الله عنها بعض ديار بني عامر نبحت عليها الكلاب، فقال: أي ماء هذا؟ قالوا الحوأب قالت: ما أظنني إلا راجعة، قال الزّبير: لا بعد تقدمي فيراك الناس ويصلح الله ذات بينهم. قالت ما أظنني إلا راجعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب)). 

وأخرج البزار وأبو نعيم، عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ: ((أَيتُكنَّ صاحبةَ الجملِ الأحمر الأدببِ، تخرجُ حتى تنبحها كلابُ الحَوْأب، يُقتلُ حولها قتلى كثير، ثم تنجُو بَعْدَما كادَتْ)). 

وأخرج أحمد والبزار والطبراني، عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال لعليّ رضي الله عنه: ((إنّه سيكون بينك وبين عائشة أمر فإذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها)).

وأخرج أبو يعلى والحاكم والبيهقي وأبو نعيم، عن أبي جروة المازني قال: سمعت عليا يقول للزّبير نشدتك بالله أما سمعت رسول الله ﷺ يقول إنك تقاتلني وأنت ظالم لي؟ قال: بلى، ولكن نسيت. 

وأخرج الحاكم، عن قيس قال: قال عليٌّ للزبير: أما تذكر يوم كنت أنا وأنت، فقال لك رسول الله ﷺ: ((أتحبه؟)) فقلت: وما يمنعني، فقال: ((أما إنك ستخرج عليه وتقاتله وأنت ظالم)). قال: فرجع الزبير. وأخرج أبو نعيم، عن عبد السلام قال: قال عليٌّ للزّبير يوم الجمل: أنشدك الله هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لتقاتلنه وأنت ظالم له ثم لينصرن عليك)) قال: قد سمعته لا أقاتلك.

روى الطّبراني والبزّار بإسناد حسن عن مولاة لعمّار بن ياسر رضي الله عنهما قالت: اشتكى عمار بن ياسر شكوى ثقل منها، فغشي عليه فأفاق، ونحن نبكي حوله قال: ما يبكيكم؟ أتحسبون أني أموت على فراشي، أخبرني حبيبي رسول الله ﷺ أنّه تقتلني الفئة الباغية، وأنّ آخر زادي مذقة من لبن.

وصحّ في الحديث المتواتر عن عمّار بن ياسر رضي الله عنهما أنّ رسول الله ﷺ قال وهو يبني المسجد لعمار بن ياسر رضي الله عنه: ((تقتلك الفئة الباغية)).

 وروى الإمام أحمد والبخاري وابن حبان عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، ويدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار)).

 وروى الإمام أحمد في المناقب أنّه عليه الصّلاة والسّلام قال لعليّ رضي الله عنه: ((أتدري من أشقى الآخرين؟)) قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((قاتلك)). ورواه ابن أبي حاتم بلفظ: ((الذي يضربك على هذه))، وأشار إلى جبينه ورأسه. وروى المحاملي بلفظ: قال علي: عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((‌لَتُخْضَبَنَّ هَذِهِ مِنْ هذه))، وأشار إلى لحيته ورأسه. فضربه عبد الرحمن بن ملجم. وروى الطبراني وأبو نعيم من حديث جابر بن سمرة مرفوعا: ((إنّك امرؤ مستخلف وإنّك مقتول، وإنّ هذه مخضوبة من هذه)) لحيته من رأسه.

وَقَدِ امْتَدَحَ ابْنَ مُلْجَمٍ بَعْضُ الْخَوَارِجِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ – وَكَانَ أَحَدَ الْعُبَّادِ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْ عَائِشَةَ ويقال له خطيب الخوارج- فَقَالَ فِيهِ:

يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَـاإِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانًا
إِنِّـــي لَأَذْكُـــرُهُ يَوْمًـا فَأَحْسَبُهُأَوْفَــى الْبَرِيَّـــةِ عِنْــدَ اللَّهِ مِيزَانًــا

وَجَزَى اللَّهُ خَيْرًا الشَّاعِرَ وهو بكر بن حمَّاد التاهرتي الَّذِي يَقُولُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ:

قُـــلْ لِابْـــنِ مُلْجِـــمٍ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ هَــدَمْتَ وَيْـــلَكَ لِلْإِسْـــلَامِ أَرْكَانَا
قَتَلْــتَ أَفْضَلَ مَنْ يَمْشِــي عَلَـى قَدَمٍوَأَوَّلَ النَّـــاسِ إِسْلَامًــا وَإِيمَانَــــا
وَأَعْلَـــمَ النَّـــاسِ بِالْقُـــرْآنِ ثُـــمَّ بِمَاسَـــنَّ الرَّسُــولُ لَنَا شَرْعًا وَتِبْيَانَا
صِهْــرُ النَّبِــيِّ وَمَوْلَاهُ وَنَاصِـــــرُهُ أَضْحَـــتْ مَنَاقِبُـــهُ نُورًا وَبُرْهَانَا
وَكَــانَ مِنْـــهُ عَلَى رَغْـمِ الْحَسُودِ لَهُمَكَانُ هَارُونَ مِنْ مُوسَــى بْنِ عِمْرَانَا
ذَكَـــرْتُ قَاتِلَــــهُ وَالدَّمْـــعُ مُنْحَــدِرٌفَقَلْتُ سُبْحَانَ رَبِّ الْعَرْشِ سُبْحَانَا
إِنِّـــي لَأَحْسَبُهُ مَـــا كَــــانَ مِنْ بَشَرٍيَخْشَى الْمَعَادَ وَلَكِنْ كَانَ شَيْطَــانَا
أَشْقَى مُــــرَادٍ إِذَا عُــــدَّتْ قَبَائِلُهَـــاوَأَخْسَــــرُ النَّاسِ عِنْــدَ اللَّهِ مِيزَانَا
كَعَاقِرِ النَّاقَةِ الْأُولَـى الَّتِي جَلَبَـــــتْعَلَى ثَمُودَ بِأَرْضِ الْحِجْرِ خُسْرَانَــا
قَدْ كَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنْ سَوْفَ يُخَضِّبُهَـاقَبْـــلَ الْمَنِيَّـــةِ أَزْمَانًـــا فَأَزْمَانَـــا
فَلَا عَفَـــا اللَّهُ عَنْـــهُ مَــــا تَحَمَّلَـــــهُ وَلَا سَقَى قَبْرَ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّــانَا
لِقَوْلِــــهِ فِي شَقِيٍّ ظَــــلَّ مُجْتَرِمًــــا وَنَـــــالَ مَــــا نَالَهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانَا
يَا ضَرْبَـــــةً مِنْ تَقِــــيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا
بَلْ ضَرْبَـــةٌ مِنْ غَوِيٍّ أَوْرَدَتْهُ لَظًىفَسَوْفَ يَلْقَى بِهَا الرَّحْمَنَ غَضْبَانَا
كَأَنَّـــهُ لَمْ يُـــرِدْ قَصْــــدًا بِضَرْبَتِــهِإِلَّا لِيَصْلَـــى عَذَابَ الْخُلْــدِ نِيرَانَا
إنّــــي لأذكــــره يومًـــا فألعنـــــــهوألعن الكلب عمران بن حطانـــا

وروى البخاري عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ للحسن: ((إنّ ابني هذا سيّد ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)).

 وروى الخليل في الإرشاد عن عائشة وأمّ سلمة معًا رضي الله عنهما أنّ رسول الله ﷺ قال: ((إنّ جبريل أخبرني أنّ ابني الحسين يقتل، وهذه تربة تلك الأرض)).

 وروى البغوي في معجمه والحاكم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: استأذن ملك المطر ربّه أن يزور النّبيّ ﷺ فأذن له، وكان في يوم أم سلمة فقال النّبيّ ﷺ: ((يا أمّ سلمة، احفظي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد))، فبينا هي على الباب إذ دخل الحسين، فاقتحم فوثب على رسول الله ﷺ فجعل يقع على منكب رسول الله ﷺ، فقال المَلَك: أتحبه؟ قال: ((نعم))، قال: فإنّ أمّتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل به. فأراه فجاءه بتراب أحمر فأخذته أمّ سلمة، فجعلته في ثوبها، قال ثابت: كنّا نقول: إنه كربلاء. ورواه أحمد بنحوه.

وروى البيهقي عن أيوب بن بشير المعافري أنّ رسول الله ﷺ خرج في سفر فَلَمَّا مَرَّ ‌بِحَرَّةِ ‌زُهْرَةَ وقف، فاسترجع فسألوه فقال: ((يقتل بهذه الحرّة خيار أمتي بعد أصحابي)). وروى البيهقي عن الحسن قال: لمّا كان يوم الحرّة قتل أهل المدينة حتى كاد لا ينفلت منهم أحد. وروى أيضًا عن مالك بن أنس قال: قتل يوم الحرّة سبعمائة رجل من حملة القرآن منهم ثلاثمائة من الصحابة، وذلك في زمن يزيد.

وروى أبو نعيم عن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: ((القدريّ أوّله مجوسي، وآخره زنديق)) وروى البخاري في التاريخ عن ابن عمر رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: ((القدرية مجوس هذه الأمّة)). 

القدرية هؤلاء الذين يقولون إنّ الله ما قدّر الشّرّ على العباد، فينفون تقدير الله للأشياء فهم بذلك جعلوا خالقًا للخير وخالقًا للشّرّ والعياذ بالله تعالى، المسلم عندما يقول: لا إله إلا الله؛ أي لا خالق إلا الله أي أنّ الله خلق كلّ شيء وقدّر كلّ شيء لا يحصل شيء في هذا العالم بغير تقدير الله تعالى وبغير مشيئته وإرادته، وهذا الموافق لصريح القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر/ الآية 49]، وقال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 2] الإيمان بالقدر خيره وشرّه معناه الإيمان بأنّ كل ما دخل في الوجود من خير وشرّ هو بتقدير الله الأزلي، فالخير من أعمال العباد بتقدير الله ومحبته ورضاه، والشّر من أعمال العباد بتقدير الله وخلقه وعِلْمِه ولكن ليس بمحبته ولا برضاه. الله خالق الخير والشرّ لكنّه يرضى الخير ولا يرضى الشّرّ. الله تعالى خالق أفعال العباد ونيّاتهم ومشيئتهم شرّها وخيرها. فإنه لا يجري شىء في هذا العالم إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى. والقدر هو جعل كل شىء على ما هو عليه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ((الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)) أي أنّ المخلوقات التي قدّرها الله وفيها الخير والشّر إنّما وجدت بتقدير الله الأزلي. وأمّا صفة الله القدر لا يوصف بأنه شرّ. 

إنّ إرادة الله نافذة في كلّ ما أراده على حسب علمه الأزلي فما علم الله كونه أراد كونه في الوقت الذي يكون فيه. وما علم أنّه لا يكون لم يرد أن يكون فلا يحدث في العالم شىء إلا بمشيئة الله. فِعل الأسباب لا ينافي التوكّل على الله ولا ينافي اعتقاد أنّ كلّ شىء بتقدير الله لأنّ أفكارنا وأعمالنا ومشيئاتنا هي بخلق الله وتقديره ومشيئته التي لا تتغير. ومن اعتقد خلاف ذلك أو شكّ في ذلك فلا يصِحّ إسلامه فعليه الرجوع للإسلام بالنطق بالشهادتين مع ترك العقيدة الفاسدة: أشهد أنْ لا إله إلّا الله وأشهد أنَّ مُحَمَّدًا رسول الله. 

قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر/ الآية 49] أي بتدبير أزلي، وروى مسلم في صحيحه أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال: ((كل شىء بقدر حتى العجزُ والكيس)) أي الغباء والذّكاء، فلا يجوز أن يقال إنّ الله قدّر الخير ولم يقدّر الشّر؛ لأنّ هذا ضدُّ القرءان والحديث والعقل. وتقدير الله للشّر وإرادته للشر وخلقه للشر ليس قبيحًا منه تعالى، إنّما فعل العبد للقبيح قبيح وذلك لأنّ العبد مأمور بفعلِ الخيرِ منهيٌ عن فعل الشر، أمّا الله تعالى فهو الآمر الذي لا آمر له والناهي الذي لا ناهي له.

فإذا سأل سائل: الإنسان مُخيّر أم مُسيّر؟ 

فالجواب أن يقال: إنّ الإنسان مختارٌ تحت مشيئة الله، فالإنسان له اختيار لكنّه لا يخرج عن مشيئة الله. مشيئة الإنسان يخلقها الله. قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة التكوير/ الآية 29] فلا يقال الإنسان له اختيار مستقل عن مشيئة الله ولا يقال الإنسان لا مشيئة له. الإنسان يكتسب أعماله فقط ولا يخلقها. قال الله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة/ الآية 286] فالإنسان لا يكون منه إلا ما قدَّرَ الله كما قال عليه الصلاة والسلام: ((وقل اعملوا فكل ميَسَّرٌ لما خُلِقَ له)) وحظّ العبد من فعله توجيه القصد نحو العمل، والله يخلقه عند ذلك إن شاء، فالعباد مظاهرٌ لاكتساب الأعمال لا حظ لهم في الخلق قال الله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 3] معناه لا خالق إلا الله. وروى ابن حبان أنّه صلّى الله عليه وسلم قال: ((إنّ الله صانع كلِ صانعٍ وصنعتِه)) أي صانع العبدِ وفعلِه. 

ومن أقوى الأدلة لأهل السّنة أنّ الله هو خالق فعلِ العبد لا حظَّ للعبد في الخلق، قولُه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال/ الآية 17] معناه وما رميت يا محمدُ خلقًا، إذ رميت كسبًا، ولكنّ الله رمى خلقًا. 

وروى أبو داود والحاكم والبيهقي عن ابن عمر وابن النجار عن سعد بن سهل رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: ((القدرية مجوس هذه الأمّة إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)). 

وروى ابن عدي في الكامل عن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: ((القدرية الذين يقولون: الخير والشر بأيدينا ليس لهم في شفاعتي نصيب، ولا أنا منهم ولا هم مني)).

 وروى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند والبيهقي والبزار عن علي رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: ((يظهر في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام))، وفي رواية: ((ويلفظونه، فاقتلوهم، فإنهم مشركون)). 

وروى الخطيب في التاريخ عن ابن عباس رضي الله عنه عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: ((لا تموت حتى تسمع بقوم يكذبون بالقدر، ويحملون الذنوب على العباد، اشتقوا قولهم من قول النصارى، فابرأ إلى الله منهم)). 

وروى ابن أبي عاصم والطبراني في الأوسط والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((آخر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة في آخر الزمان)).

 وروى أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة، المرجئة والقدرية)).

 وروى ابن عدي عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((صنفان من أمتي لا يدخلون الجنة: القدرية والمرجئة)).

 وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: ((صنفان من أمّتي لا سهم لهم في الإسلام، المرجئة والقدرية))، قيل: وما المرجئة؟ قال: ((الذين يقولون الإيمان قول ولا عمل)). قيل: فما القدرية؟ قال: ((الذين يقولون لم يقدر الشّرّ)).

 القدرية، لإنكارهم القدر، وإسنادهم أفعال العباد إلى قدرهم، وسمّوا معتزلة، لقول الحسن البصري: قد اعتزلنا واصل، لإثباته منزلة بين منزلتين بقوله: مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، فاعتزلوا إليه، وكان رئيسهم واصل بن عطاء وسمّاهم ﷺ مجوسًا، لمشاركتهم المجوس في إثبات خالقين. والمرجئة القائلون بالإرجاء، وهو تأخير العمل عن النّية والاعتقاد، بأنّه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

وروى مسدد برجال ثقات وابن ماجة، والحاكم وصححه عن حذيفة رضي الله عنه أنّ رسولَ الله ﷺ قال: ((‌يَدْرُسُ ‌الْإِسْلَامُ ‌كَمَا ‌يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ، حتى لا يعلم أحد لا صلاة ولا صيام ولا نسك، حتى إنّ الرجل والمرأة ليقولان: قد كان من قبلنا، يقولون: لا إله إلا الله)) قال صلة بن أشيم لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ قال: يدخلون بها الجنة وينجون بها من النّار. 

وروى الإمام مالك والشّيخان والتّرمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر مستقبل المشرق وهو يقول: ((ألا إنّ الفتنة تجيء من هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان))، قاله ثلاثًا وأشار نحو المشرق.

 وروى الإمام مالك والشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: ((رأس الكفر نحو المشرق)). وللبخاري عنه أنّ النّبي ﷺ قال: ((الإيمان يمان والفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان)). ولمسلم: ((الإيمان يمان والكفر قبل المشرق)) وروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: ((من هاهنا جاءت الفتن نحو المشرق)).

فكلّ ما ذكرنا ممّا أخبر به النبي ﷺ هو واقع بلا شكّ لأنّ محمّدًا ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وما أخبر به ﷺ كذلك من علامات الساعة مما لم نذكره فهو واقع بلا شكّ، كما وقع غيره بالتفصيل الذي ذكره ﷺ، فإن كان عيسى عليه السلام أخبر بني إسرائيل ببعض ما عندهم وما يخبؤونه في بيوتهم فمحمّد ﷺ أخبر بكل هذه الوقائع والفتن وحذّر منها وذكر تفاصيل ما في  قلوب النّاس بتعليم الله له، لا أنّه يعلم الغيب، لا بل مما يعلمه الله له ويوحي الله به إليه ﷺ، وهو الصادق المصدوق بلّغ كما أمر ولم يكتم شيئا أمره الله بتبليغه ﷺ.

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عِيسَى خُصَّ بَأَنْ أُرْسِلَ الرُّوحُ الْأَمِينُ إِلَى أُمِّهِ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا وَ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 19]، وَأَشَارَتْ إِلَيْهِ فَنَطَقَ فِي الْمَهْدِ: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 30] فَكَانَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ وَمَثَلًا فِي الْآخِرِينَ وَلَمْ يُذْكَرْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ شَيْءٌ مِثْلُهُ. 

فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أُعْطِيَ ضُرُوبًا مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَأَمْثَالِهَا الدَّالَّةِ عَلَى مَوْلِدِهِ وَبُشِّرَتْ بِهِ آمِنَةُ وَمَا ظَهَرَ لَهَا مِنَ الْآيَاتِ عِنْدَ وَضْعِهَا، 

فقد روى أبو نعيم عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال: فَكَانَ مِنْ دَلَالَاتِ حَمْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ كُلَّ دَابَّةٍ كَانَتْ لِقُرَيْشٍ نَطَقَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَالَتْ: حُمِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَمَانُ الدُّنْيَا وَسِرَاجُ أَهْلِهَا وَلَمْ يَبْقَ كَاهِنَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَا قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ إِلَّا حُجِبَتْ عَنْ صَاحِبَتِهَا، وَانْتُزِعَ عِلْمُ الْكَهَنَةِ وَلَمْ يَكُنْ سَرِيرُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا إِلَّا أَصْبَحَ مَنْكُوسًا وَالْمَلِكُ مُخْرَسًا لَا يَنْطِقُ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَمَرَّتْ وُحُوشُ الْمَشْرِقِ إِلَى وُحُوشِ الْمَغْرِبِ بِالْبِشَارَاتِ، وَكَذَلِكَ الْبِحَار يُبَشِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ شُهُورِهِ نِدَاءٌ فِي الْأَرْضِ وَنِدَاءٌ فِي السَّمَاءِ: أَنْ أَبْشِرُوا؛ فَقَدْ آنَ لِأَبِي الْقَاسِمِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْأَرْضِ مَيْمُونًا مُبَارَكًا. فَكَانَتْ أُمُّهُ تُحَدِّثُ عَنْ نَفْسِهَا وَتَقُولُ: أَتَانِي آتٍ حِينَ مَرَّ بِي مِنْ حَمْلِهِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَوَكَزَنِي بِرِجْلِهِ فِي الْمَنَامِ، وَقَالَ: يَا آمِنَةُ إِنَّكِ قَدْ حَمَلْتِ بِخَيْرِ الْعَالَمِينَ طُرًّا فَإِذَا وَلَدْتِيهِ فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا وَاكْتُمِي شَأْنَكِ. 

قَالَ: فَكَانَتْ تَقُولُ: لَقَدْ أَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ النِّسَاءَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِي أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى وَإِنِّي لَوَحِيدَةٌ فِي الْمَنْزِلِ وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي طَوَافِهِ قَالَتْ: فَسَمِعْتُ وَجْبَةً شَدِيدَةً وَأَمْرًا عَظِيمًا فَهَالَنِي ذَلِكَ وَذَلِكَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ فَرَأَيْتُ كَأَنَّ جَنَاحَ طَيْرٍ أَبْيَضَ قَدْ مَسَحَ عَلَى فُؤَادِي فَذَهَبَ عَنِّي كُلُّ رُعْبٍ وَكُلُّ فَزَعٍ وَوَجَعٍ كُنْتُ أَجِدُهُ، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِشَرْبَةٍ بَيْضَاءَ وَظَنَنْتُهَا لَبَنًا وَكُنْتُ عَطْشَى، فَتَنَاوَلْتُهَا فَشَرِبْتُهَا فَأَضَاءَ مِنِّي نُورٌ عَالٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ نِسْوَةً كَالنَّخْلِ الطِّوَالِ كَأَنَّهُنَّ بَنَاتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يُحَدِّقْنَ بِي فَبَيْنَا أَنَا أَعْجَبُ وَأَقُولُ: وَاغَوْثَاهْ مِنْ أَيْنَ عَلِمْنَ بِي هَؤُلَاءِ!! وَاشْتَدَّ بِيَ الْأَمْرُ وَأَنَا أَسْمَعُ الْوَجْبَةَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ أَعْظَمَ وَأَهْوَلَ فَإِذَا أَنَا بِدِيبَاجٍ أَبْيَضَ قَدْ مُدَّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِذَا قَائِلٌ يَقُولُ: خُذُوهُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ. 

قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رِجَالًا قَدْ وَقَفُوا فِي الْهَوَاءِ بِأَيْدِيهِمْ أَبَارِيقُ فِضَّةٍ وَأَنَا يَرْشَحُ مِنِّي عَرَقٌ كَالْجُمَانِ أَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، وَأَنَا أَقُولُ: يَا لَيْتَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَدْ دَخَلَ عَلَيَّ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَنِّي بعيد. قَالَتْ: فَرَأَيْتُ قِطْعَةً مِنَ الطَّيْرِ قَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ حَيْثُ لَا أَشْعُرُ حَتَّى غَطَّتْ حُجْرَتِي مَنَاقِيرُهَا مِنَ الزُّمُرُّدِ وَأَجْنِحَتُهَا مِنَ الْيَوَاقِيتِ فَكَشَفَ لِي عَنْ بَصَرِي فَأَبْصَرْتُ سَاعَتِي مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَرَأَيْتُ ثَلَاثَ أَعْلَامٍ مَضْرُوبَاتٍ: عَلَمٌ فِي الْمَشْرِقِ، وَعَلَمٌ فِي الْمَغْرِبِ، وَعَلَمٌ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ. وَأَخَذَنِي الْمَخَاضُ وَاشْتَدَّ بِيَ الْأَمْرُ فَكُنْتُ كَأَنِّي مُسْتَنِدَةٌ إِلَى أَرْكَانِ النِّسَاءِ، وَكَثُرْنَ عَلَيَّ حَتَّى كَأَنَّ الْأَيْدِي مَعِي فِي الْبَيْتِ وَأَنَا لَا أَرَى شَيْئًا، فَوَلَدْتُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَطْنِي دُرْتُ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا أَنَا بِهُ سَاجِدٌ قَدْ رَفَعَ إِصْبَعَيْهِ كَالْمُتَضَرِّعِ الْمُبْتَهِلِ ثُمَّ رَأَيْتُ سَحَابَةً بَيْضَاءَ قَدْ أَقْبَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ تَنْزِلُ حَتَّى غَشِيَتْهُ فَغُيِّبَ عَنْ وَجْهِي، فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا يَقُولُ: طُوفُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ شَرْقَ الْأَرْضِ وَغَرْبَهَا وَأَدْخِلُوهُ الْبِحَارَ كُلَّهَا؛ لِيَعْرِفُوهُ بِاسْمِهِ وَنَعْتِهِ وَصُورَتِهِ وَيَعْلَمُوا أَنَّهُ سُمِّيَ فِيهَا الْمَاحِيَ؛ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنَ الشِّرْكِ إِلَّا مُحِيَ بِهِ فِي زَمَنِهِ ثُمَّ تَجَلَّتْ عَنْهُ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ فَإِذَا بِهِ مُدْرَجٌ فِي ثَوْب صُوفٍ أَبْيَضَ أَشَدِّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَتَحْتَهُ حَرِيرَةٌ خَضْرَاءُ قَدْ قَبَضَ عَلَى ثَلَاثِ مَفَاتِيحَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ الْأَبْيَضِ، وَإِذَا قَائِلٌ يَقُولُ: قَبَضَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَفَاتِيحِ النَّصْرِ وَمَفَاتِيحِ الرِّيحِ وَمَفَاتِيحِ النُّبُوَّةِ. 

وَلِمَوْلِدِهِ وَقَعَت الْآيَاتُ الْعَجِيبَةُ

فمِمَّا رُوِيَ مِنْهَا مَا قَالَهُ الْيَهُودِيُّ الَّذِي قَدِمَ مَكَّةَ تَاجِرًا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا: إِنَّهُ وُلِدَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِهِ شَامَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فِيهَا شَعَرَاتٌ مُتَوَالِيَاتٌ لَا يَرْضَعُ لَيْلَتَيْنِ. فَعَجِبَ الْقَوْمُ مِنْ حَدِيثِهِ فَقَامُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى آمِنَةَ فَقَالُوا: أَخْرِجِي ابْنَكِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَإِلَى الشَّامَةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَخَرَّ الْيَهُودِيُّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالُوا لَهُ: مَا لَكَ؟ قَالَ: ذَهَبَتْ وَاللَّهِ نُبُوَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَرَجَ الْكِتَابُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَهَذَا الْمَوْلُودُ يَقْتُلُهُمْ وَيُبَيِّنُ أَخْبَارَهُمْ وَلَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ وَحُجِبَ الشَّيْطَانُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ وَرُمُوا بِالشُّهُبِ وَنَطَقَتِ الْكُهَّانُ وَالسَّحَرَةُ مِثْلَ شِقٍّ وَسَطِيحٍ وعُظَمَاءُ الْمُلُوكِ بِمَا رَأَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَكِسْرَى وَارْتِجَاسِ إِيوَانِهِ وَخُمُودِ النِّيرَانِ وَغَيْضِ الْمَاءِ وَفَيْضِ الْأَوْدِيَةِ وَرُؤْيَا الْمُؤبِذَانِ. 

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى عن عيسى عليه السلام: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [سورة مريم/ الآية 21] فَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَعَمِّ الرَّحْمَةِ وَأَكْمَلِهَا فَقَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 107] فَمَنْ صَدَّقَهُ وَآمَنَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدَّارَيْنِ وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ أَمِنَ فِي حَيَاتِهِ مِمَّا عُوقِبَ بِهِ الْمُكَذِّبُونَ مِنَ الْأُمَمِ: الْخَسْفِ وَالْمَسْخِ وَالْقَذْفِ. 

فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ عِيسَى كَانَ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. 

قُلْنَا: إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ نَظِيرَهُ 

فَإِنَّ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ انْقَطَعَ سَيْفُهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَدَفَعَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِذْلًا مِنْ حَطَبٍ، وَقَالَ: قَاتِلْ بِهَذَا. فَعَادَ فِي يَدِهِ سَيْفًا شَدِيدَ الْمَتْنِ أَبْيَضَ الْحَدِيدِ طَوِيلَ الْقَامَةِ فَقَاتَلَ بِهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَشْهَدُ بِهِ الْمَشَاهِدَ إِلَى أَيَّامِ الرِّدَّةِ، 

ثُمَّ اسْتِمَاعُ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّهْلِيلِ مِنَ الْحَجَرِ الصُّمِّ فِي يَدِهِ، وَشَهَادَةُ الْأَحْجَارِ وَالْأَشْجَارِ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَأَمْرُهُ لِلْأَشْجَارِ بِالِاجْتِمَاعِ وَالِالْتِزَاقِ وَالِافْتِرَاقِ، كُلُّ ذَلِكَ جَانَسَ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَطَيَرَانَ الْمُصَوَّرِ مِنَ الطَّيْرِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. 

كنّا نتكلّم عمّا فضّل الله به محمّد ﷺ وميّزه به عن الأنبياء والمرسلين، ووصلنا إلى تفضيله ﷺ على عيسى عليه السّلام، 

فسنذكر ‌‌مائدة عيسى عليه الصّلاة والسّلام وما ذُكِرَ له من المعجزات في سياق الآيات التي تكلّمت عن المائدة وما يناسبها من معجزات النبي ﷺ:

وأما قوله عن عيسى بن مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 49]، فهذا شىء يَسِيرٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ وَعَلَى كَثِيرٍ مِنَ الأولياء، وقد قال يوسف الصّديق لذينك الْفَتَيَيْنِ الْمَحْبُوسَيْنِ مَعَهُ ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [سورة يوسف/ الآية 37]، وَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَخْبَارِ الْمَاضِيَةِ طِبْقَ مَا وَقَعَ وَعَنِ الْأَخْبَارِ الْحَاضِرَةِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْ أَكْلِ الْأَرَضَةِ لِتِلْكَ الصَّحِيفَةِ الظَّالِمَةِ الَّتِي كَانَتْ بطون قريش قديمًا كتبتها على مقاطعة بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَعَلَّقُوهَا فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الْأَرَضَةَ فَأَكَلَتْهَا إِلَّا مَوَاضِعِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ وَهُمْ بِالشِّعْبِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو طَالِبٍ وقال لهم عمّا أخبرهم بِهِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَسَلِّمُوهُ إِلَيْنَا، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأَنْزَلُوا الصَّحِيفَةَ فَوَجَدُوهَا كَمَا أَخْبَرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَأَقْلَعَتْ بُطُونُ قُرَيْشٍ عمّا كانوا عَلَيْهِ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَهَدَى اللَّهُ بِذَلِكَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَمْ لَهُ مِثْلُهَا ﷺ. 

وَأَخْبَرَ عَنِ الْكِتَابِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ حاطب بن بلتعة مع مولى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهَا عَلِيًّا والزبير والمقداد، فوجدوها قد جعلته في عِقَاصِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ فِي حُجْزَتِهَا. 

وَقَالَ لِأَمِيرَيْ كِسْرَى اللَّذَيْنِ بَعَثَ بِهِمَا نَائِبُ الْيَمَنِ لِكِسْرَى لِيَسْتَعْلِمَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ رَبِّي قَدْ قَتَلَ اللَّيْلَةَ سيدكُمَا، فَأَرَّخَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَإِذَا كِسْرَى قَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عليه ولده فقتله، فأسلما وأسلم نَائِبُ الْيَمَنِ، وَكَانَ سَبَبَ مُلْكِ الْيَمَنِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. 

وَأَمَّا إِخْبَارُهُ ﷺ عَنِ الْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا كَمَا تكلمنا في هذا تفصيلا ولله الحمد.

وَنَذْكُرُ بَعْضَ مَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ إِعْلَامِهِ وَإِخْبَارِهِ بِأَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ، فكونها اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ بِكَوْنِهِ، فَكَانَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة/ الآية 137] فَكَفَاهُ وَوَفاهُ مَا وَعَدَهُ بِنَصْرِة الْمُؤْمِنِينَ ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [سورة الحجر/ الآية 95] وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾[سورة آل عمران/ الآية 12] وَكَانَ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى، غُلِبُوا وَقُتِلُوا وَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ. 

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 139] فَكَانَ كَمَا وَعَدَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 7] فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [سورة الحج/ الآية 40] فَنَصَرَهُ اللَّهُ وَقَوَّاهُ بِلَا مَالٍ وَلَا عَشِيرَةٍ، وَبَلَغَ مُلْكُ أُمَّتِهِ الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ. 

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [سورة الحج/ الآية 59] فَدَخَلُوا مَكَّةَ آمِنَيْنَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [سورة النور/ الآية 55] فَكَانَ كَمَا وَعَدَهُمْ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي حَدْسٍ وَلَا ظَنٍّ، وَلَا يَقَعُ بِالِاتِّفَاقِ وَمِنْهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [سورة الروم/ الآية 2] فَأَعْلَمَهُ بِكَوْنِهِ وَوُقُوعِهِ، حَدَّدَ الْوَقْتَ، وَوَقَفَ عَلَيْهِ فِي بِضْعِ سِنِينَ، وَالْعَرَبُ مُصَدِّقُهَا وَمُكَذِّبُهَا، عَرَفُوا أَنَّ الْبِضْعَ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [سورة الروم/ الآية 6]. 

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [سورة النصر/ الآية 1] فَتْحُ مَكَّةَ خُصَّ بَيْنَ الْفُتُوحِ بِالْفَتْحِ لِعِظَمِ قَدْرِهِ، وَإِنَّهَا بَلْدَةُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْهَا، أَهْلُهَا كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِه؛ لِأَنَّ الْقَرَابَاتِ وَالْجِيرَانِ أَشَدُّ تَقَاطُعًا وَتَبَاغُضًا، فَبَشَّرَهُ بِفَتْحِهَا قَبْلَ كَوْنِهِ، وَيَدْخُلُونَ النَّاسُ أَفْوَاجًا فِي دِينِهِ، فَحَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بُشَارَتَهُ بِفَتْحِهَا، فَقَدِمَتِ الْوُفُودُ الْجَامِعَاتُ عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ مُسْلِمَيْنَ مُنْقَادِينَ لَهُ وَلِدِينِهِ، فَقَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَقَدْ طَبَّقَ الْإِسْلَامُ الْيَمَنَ إِلَى شِجْرِ عُمَانَ وَأَقْصَى نَجْدِ الْعِرَاقِ، بَعْدَ مَكَّةَ وَالْحِجَازِ، وَبَسَطَ رِوَاقَهُ وَجِرَانَهُ بِالْغَوْرِ، فَجَرَى حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُه ﷺ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَعُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ. 

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [سورة الفتح/ الآية 21] الْعَجَمُ وَفَارِسُ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 27] يَعْنِي فَارِسَ وَالرُّومَ، فَوَجَدُوا مَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا وَعَدَهُمْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [سورة الفتح/ الآية 16] وَهُمْ أَهْلُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَبَنُو حَنِيفَةَ أَصْحَابُ مُسَيْلِمَةَ، فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ، لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَنَّ الْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ لَمْ يُدْعَوْا إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْحُرُوبِ بَعْدَ تَوَلِّيهِمْ عَنْ النبي ﷺ، حَتَّى دُعُوا فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَصْحَابِ الْبَأْسِ مُسَيْلِمَةَ وَبَنِي حَنِيفَةَ وَوَعَدَ ﷺ بَيْضَاءَ الْمَدَائِنِ وَاصْطَخْرَ وَفَتْحَ كُنُوزِ كِسْرَى، وَقَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: مَا يَمْنَعُكَ إِلَّا مَا تَرَى بِأَصْحَابِي مِنَ الْخَصَاصَةِ، فَيُوشِكَنَّ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ بِغَيْرِ جِوَارٍ، فَأَبْصَرَ ذَلِكَ عَدِيٌّ بِعَيْنِهِ. 

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [سورة الممتحنة/ الآية 7] فَكَانَ ذَلِكَ تَزْوِيجَ النبيّ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ، وَإِسْلَامَ أَبِي سُفْيَانَ، فَزَالَتِ الْعَدَاوَةُ، وَآلَتْ إِلَى مَوَدَّةٍ ووَصِلَةٍ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّا أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ ﷺ مِمَّا أَسَرَّهُ الْمُنَافِقُونَ وَالْيَهُودُ فِي أَمْرِهِ، وَفِي الْقُرْآنِ قَصَصٌ كَثِيرَةٌ هكذا. 

فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ سَيَّاحًا جَوَّابًا لِلْقِفَارِ وَالْبَرَارِي. 

قلنا: كَذَلِكَ كَانَ سِيَاحَةُ مُحَمَّدٍ أَعْظَمَ وَأَكْثَرَ الْجِهَادَ؛ فَاسْتَنْفَد فِي عَشْرِ سِنِينَ مَا لَا يُعَدُّ مِنْ حَاضِرٍ وَبَادٍ وَافْتَتَحَ الْقَبَائِلَ الْكَثِيرَةَ ﷺ مِنْ مَبْعُوثٍ بِالسَّيْفِ لَا يُوَرِّي بِالْكَلَامِ وَمُجَاهِدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَنَامُ إِلَّا عَلَى دَمٍ وَلَا مُسْتَقِرًّا إِلَّا مُتَجَهِّزًا لِقِتَالِ الْأَعْدَاءِ وَبَاعِثًا إِلَيْهِمْ سَرِيَّةً فِي إِقَامَةِ الدِّينِ وَإِعْلَاءِ الدَّعْوَةِ وَإِبْلَاغِ الرِّسَالَةِ. 

فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ عِيسَى كَانَ زَاهِدًا يُقْنِعُهُ الْيَسِيرُ وَيُرْضِيهِ الْقَلِيلُ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا كَفَافًا لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ. 

قُلْنَا: إِنَّ مُحَمَّدًا أَزْهَدُ الْأَنْبِيَاءِ كَالثَّلَاثَةَ عَشَرَ مَنْ يُطِيفُ بِهِ فَمَا رُفِعَتْ مَائِدَتُهُ قَطُّ وَعَلَيْهَا طَعَامٌ وَلَا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَكَانَ يَرْبِطُ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ، لِبَاسُهُ الصُّوفُ وَفِرَاشُهُ إِهَابُ شَاةٍ وَوِسَادَتُهُ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ يَأْتِي عَلَيْهِ الشَّهْرَانِ وَالثَّلَاثَةُ لَا يُوقَدُ فِي بَيْتِهِ نَارُ الْمِصْبَاحِ، تُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ لَمْ يَتْرُكْ صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ مَعَ مَا عُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ مَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَوُطِّئَ لَهُ مِنَ الْبِلَادِ، وَمُنِحَ مِنْ غَنَائِمِ الْعِبَادِ فَكَانَ يَقْسِمُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ، وَيُعْطِي الرَّجُلَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَالْخَمْسَ وَيُعْطِي مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ مِنَ الْأَغْنَامِ، وَيُمْسِي وَيَأْتِيهِ السَّائِلُ فَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْسَى فِي آلِ مُحَمَّدٍ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَا مِنْ تَمْرٍ أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِمَنْ عَظَّمَهُ اللَّهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم/ الآية 4]؟ هَذَا وَكَمْ آثَرَ بِآلَافٍ مُؤَلَّفَةٍ وَالْإِبِلِ وَالشَّاءِ وَالْغَنَائِمِ وَالْهَدَايَا، عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ للفقراء والمحاويج والأرامل والأيتام والأسرى والمساكين. 

فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ. 

قُلْنَا: قَدْ عُرِضَ عَلَى مُحَمَّدٍ الْبَقَاءُ عِنْدَ وَفَاتِهِ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَقُرْبَهُ عَلَى الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا، فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَلَوِ اخْتَارَ الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا لَكَانَ كَالْخَضِرِ وَعِيسَى عَلَيْهِما السَّلَامُ. 

فَأَمَّا قِصَّةُ الْمَائِدَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المائدة/ الآية 112-115]، أنزل الله تبارك وتعالى سورة المائدة وحيًا على رسوله صلى الله عليـه وسلم وسُمّيت هذه السورة سورة المائدة لأنها تتضمن قصة المائدة التـي أنزلها الله تبارك وتعالى من السماء عندما سأله عيسى ابن مريم عليــه السلام إنزالها من السماء كما طلب منه أصحابه وتلاميذه الحواريــون، ومضمون خبر وقصة هذه المائدة أن عيسى ابن مريم عليه السلام أمـر الحواريين بصيام ثلاثين يومًا فلما أتموها سألوا عيسى عليه السلام إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم أن الله تبـارك وتعالى قد تقبل صيامهم وتكون لهم عيدًا يفطرون عليها يوم فطرهــم، وتكون كافية لأولهم وءاخرهم ولغنيهم وفقيرهم، ولكنّ عيسى عليه السلام وعظهم في ذلك وخاف عليهم ألا يقوموا بشكرها، فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من الله تبارك وتعالى، فلما ألحوا عليه في ذلك قام إلى مُصـلاه ولبس ثيابًا من شعر وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء ثم أخذ يتضـرّع إلى الله تعالى في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا، فاستجـاب الله عز وجل دعاءه فأنزل سبحانه المائدة من السماء والناس ينظرون إليـها وهي تنحدر بين غمامتين، وجعلت تدنو قليلًا قليلًا وكلما دنت منهم يسأل عيسى المسيح عليه السلام أن يجعلها رحمة لا نقمة وأن يجعلها سلامًـا وبركة، فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهــي مغطاة بمنديل، فقام عيسى عليه السلام يكشف عنها وهو يقول: “بسم الله خير الرازقين” فإذا عليها من الطعام سبعة من الحيتان وسبعة أرغفــة، وقيل: كان عليها خلّ ورمان وثمار ولها رائحة عظيمة جدًا، ثم أمرهـم نبيهم عيسى عليه السلام بالأكل منها، فقالوا له: لا نأكل حتى تأكل، فلما أبوا أن يبدءوا بالأكل منها أمر عليه السلام الفقراء والمحاويج والمرضى وأصحاب العاهات وكانوا قريبًا من الألف وثلاثمائة أن يأكلوا من هـذه المائدة، فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو ءافة أو مرض مزمـــن واستغنى الفقراء وصاروا أغنياء، فندم الناس الذين لم يأكلوا منها لمــا رأوا من إصلاح حال أولئك الذين أكلوا ثم صعدت المائدة وهم ينظـرون إليها حتى توارت عن أعينهم، وقيل: إن هذه المائدة كانت تنزل كل يـوم مرة فيأكل الناس منها، فيأكل ءاخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل: إنه كان يأكل منها كل يوم سبعة ءالاف شخص. 

ثم أمر الله تبارك وتعالى عيسى عليه السلام أن يقصرها على الفقــراء والمحتاجين دون الأغنياء، فشقّ ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك فرفعت ومُسخ الذين تكلموا في ذلك من المنافقين خنازير. وقـد رُوي عن الصحابي الجليل عمار بن ياسر أنه قال: “نزلت المائدة مــن السماء خبز ولحم وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد، فخانـوا وادخروا ورفعوا فمسخوا قردة وخنازير”، يقول الله تبارك وتعالـى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المائدة/ الآية 112-115] ومعنى قوله تعالى حكاية عن أصحاب عيسى عليه السلام: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي هل يستجيب ربك لك إن طلبت منه هذا الطلب بدليل هذه القراءة الواردة لهذه الآية وهي: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قال الفراء معناه: هل تقدر أن تسأل ربك، فلا يجوز أن يُتوهـم أن الحواريين شكّوا في قدرة الله تعالى على إنزال هذه المائدة من السمـاء، فالله تعالى قادر على كل شيء لا يعجزه شيء، وإنما كما يقول الإنسـان لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي وهو يعلم أنه مستطيع.

وَذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ، الَّذِي فَتَحَ الْبِلَادَ الْمَغْرِبِيَّةَ أَيَّامَ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدَ الْمَائِدَةَ، وَلَكِنْ قِيلَ: إِنَّهَا مَائِدَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ مُرَصَّعَةٌ بِالْجَوَاهِرِ وَهِيَ مِنْ ذَهَبٍ فأرسل به إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ، فَتَسَلَّمَهَا أَخُوهُ سُلَيْمَانُ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مَائِدَةُ عِيسَى. 

وقد كَانَتْ مَوَائِدُ رَسُولِ اللَّهِ تُمَدُّ مِنَ السَّمَاءِ وَكَانُوا يَسْمَعُونَ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَمْ قَدْ أشبع من طعام يسير ألوفا ومئات وعشرات ما تعاقبت الأوقات، وما دامت الأرض والسموات. وقد حصل نظير ذلك لنبينا ﷺ إنه أتى بطعام من السماء في عدة أحاديث.

وروى الإمام أحمد والنّسائيّ والدّارميّ والحاكم وصححه عن أبي سلمة بن نفيل السكوني رضي الله تعالى عنه قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ إذ قال له قائل: يا رسول الله هَلْ أُتِيتَ بِطَعَامٍ مِنَ السَّمَاءِ؟، وفي لفظ: من الجنة؟ قال: ((نعم))، قال: وبماذا؟ قال: ((بِطَعَامٍ ‌مُسْخِنَةٍ)) – وهي قدر كالتّور يسخّن فيها الطعام -، قالوا: فهل كان فيها فضل عنك؟ قال: ((نعم))، قال: فَمَا فُعِلَ بِهِ؟ قال: ((رُفِعَ إلى السماء)). 

وروى ابن عساكر عن ‌الْحَارِثِ ‌بْنِ ‌يَمْجُدَ حدثني رجل يقال له أبو سعيد، قال: قدمت المدينة، فسمعت رجلا يقول لصاحبه: أن رسول الله ﷺ قرى الليلة – قريت الضيف قرا أي أحسنت إليه -، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله بلغني أنك قريت الليلة، قال: ((أجل))، قلت: وما ذاك؟ قال: ((طعام فيه مسخنة))، قلت: فما جعل في فضله؟ قال: ((رفع)). 

وروى الإمام أحمد والنّسائيّ والتّرمذيّ وابن حبان والحاكم والبيهقيّ وصححوه عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ فِيهَا ثَرِيدٌ، فَأَكَلَ وَأَكَلَ الْقَوْمُ، فَلَمْ يَزَلِ الْقَوْمُ يَتَدَاوَلُونَهَا إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الظُّهْرِ يَأْكُلُ كُلُّ قَوْمٍ، ثُمَّ يَقُومُونَ، وَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَتَعَاقَبُونَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلْ كَانَتْ تُمَدُّ بِطَعَامٍ؟ قَالَ: ((أَمَّا مِنَ الْأَرْضِ فَلَا، إِلَّا ‌أَنْ ‌تَكُونَ ‌كَانَتْ ‌تُمَدُّ مِنَ السَّمَاءِ)).

وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل أهله فرأى ما بهم من الحاجة، فخرج إلى البرية فقالت امرأته: اللهم، ارزقنا ما نعتجن ونختبز قال: فإذا الجفنة ملأى خميرا، والرحى تطحن، والتنور ملأى خبزا وشواء. قال: فجاء زوجها وسمع الرحى، فقامت إليه لتفتح له الباب، فقال: ماذا كنت تطحنين؟ فأخبرته وإن رحاها لتدور وتصب دقيقا، فلم يبق في البيت وعاء إلا ملئ فرفع الرحى فنكس ما حوله فذكر ذلك لرسول الله ﷺ قال: ((ما فعلت بالرحى؟)) قال: رفعتها ونفضتها، فقال رسول الله ﷺ: ((لو تركتموها ما زالت كما هي لكم حياتكم))، وفي رواية: ((لو تركتها دارت إلى يوم القيامة)). 

وقد ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَة أبي مسلم الخولاني مِنْ تَارِيخِهِ أَمْرًا عَجِيبًا وَشَأْنًا غَرِيبًا، حَيْثُ رُوِيَ من طريق إسحاق بن يحيى الْمَلْطِيِّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ أَتَى أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَمَا تَشْتَاقُ إِلَى الْحَجِّ؟ قَالَ: بَلَى لو أصبت لي أصحابا، فَقَالُوا: نَحْنُ أَصْحَابُكَ. قَالَ: لَسْتُمْ لِي بِأَصْحَابٍ، إِنَّمَا أَصْحَابِي قَوْمٌ لَا يُرِيدُونَ الزَّادَ وَلَا المزاد، فقالوا: سبحان الله، وكيف يسافر أقوام بِلَا زَادٍ وَلَا مَزَادٍ؟ قَالَ لَهُمْ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الطَّيْرِ تَغْدُو وَتَرُوحُ بِلَا زَادٍ وَلَا مَزَادٍ وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا؟ وَهِيَ لَا تَبِيعُ وَلَا تَشْتَرِي، وَلَا تَحْرُثُ وَلَا تَزْرَعُ وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا؟ قَالَ: فَقَالُوا: فَإِنَّا نُسَافِرُ مَعَكَ، قَالَ: فهبُّوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: فَغَدَوْا مِنْ غُوطَةِ دِمَشْقَ لَيْسَ مَعَهُمْ زَادٌ وَلَا مَزَادٌ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْمَنْزِلِ قَالُوا: يَا أَبَا مُسْلِمٍ طَعَامٌ لَنَا وَعَلَفٌ لِدَوَابِّنَا، قَالَ فَقَالَ لهم: نعم، فسجد غير بعيد فيمم مسجدا فصلى فيه ركعتين، ثم جثى عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: إِلَهِي قَدْ تَعْلَمُ مَا أخرجني من منزلي. وإنما خرجت لَكَ، وَقَدْ رَأَيْتُ الْبَخِيلَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ تَنْزِلُ بِهِ الْعِصَابَةُ مِنَ النَّاسِ فَيُوسِعُهُمْ قِرًى وإنّا أضايفك وَزُوَّارُكَ، فَأَطْعِمْنَا، وَاسْقِنَا، وَاعَلِفْ دَوَابَّنَا، قَالَ: فَأُتِيَ بِسُفْرَةٍ مُدَّتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَجِيءَ بِجَفْنَةٍ مِنْ ثريد، وَجِيءَ بِقُلَّتَيْنِ مِنْ مَاءٍ، وَجِيءَ بِالْعَلَفِ لَا يَدْرُونَ مَنْ يَأْتِي بِهِ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ حَالَهُمْ مُنْذُ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ أَهَالِيهِمْ حَتَّى رَجَعُوا، لَا يَتَكَلَّفُونَ زَادًا وَلَا مَزَادًا، فَهَذِهِ حَالُ وَلِيٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، نَزَلَ عَلَيْهِ وعلى أصحابه مائدة كل يوم مَرَّتَيْنِ مَعَ مَا يُضَافُ إِلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ وَالْعَلُوفَةِ لِدَوَابِّ أَصْحَابِهِ، وَهَذَا اعْتِنَاءٌ عَظِيمٌ، وَإِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عليه أفضل الصلاة والتسليم. 

وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 46]، وأعطي نبينا ﷺ مثل ذلك: 

وهذا فيما روى البيهقي وغيره أنه كَانَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الَّتِي أَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ تُحَدِّثُ أَنَّهَا لَمَّا فَطَمَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَكَلَّمُ، قَالَتْ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَلَامًا عَجِيبًا، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. 

ونكمل في هذا في درسنا القادم إن شاء الله تعالى …

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ