المقدمة
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْقَائِلِ سبحانه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ لِلْعَالَمِينَ، الَّذِي مَا مَاتَ حَتَّى تَرَكَ أُمَّته عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، اللهم صلِّ صلاة كاملة وسلم سلاما تاما على سيدنا محمد الذي تنحل به العقد وتنفرج به الكرب وتقضى به الحوائج وتنال به الرغائب وحسن الخواتيم ويستسقى الغمام بوجهه الكريم وعلى آله وصحبه وسلم، اللهم صل على محمد النبي وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ، وعلى أبي بكر رفيقِه في الْغَار، وعلى عُمرَ قامِع الكُفَّار، وعلى عثمانَ شهيدِ الدَّار، وعلى عليٍّ القائمِ بالأسْحار، وعلى آلِهِ وأصْحابهِ خصوصًا المهاجرينَ والأنْصار، وسلَّم تسليمًا كثيرا. أَمَّا بَعْدُ:
الحديث
فقد وصلنا في هذا الكتاب المبارك كتاب رياض الصالحين إلى الحديث الخامس عشر بعد المائة وهو الحديث الرابع من باب الحثِّ عَلَى الازدياد من الخير في أواخِر العُمر. وهذا الحديث يبين أن الوحي كان يزداد نزولا على النبي ﷺ وفي هذا إشارة إلى التزود من الخيرات في آخر العمر، قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الرابع: عن أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: إنَّ اللَّه عز وجل تَابعَ الوحْيَ عَلَى رسولِ اللَّه ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ، حتَّى تُوُفِّى أكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ. متفقٌ عَلَيهِ.
الشرح
الرابع (وهو الحديث الخامس عشر بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عن أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: إنَّ اللَّه عز وجل تَابعَ الوحْيَ عَلَى رسولِ اللَّه ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ (وذلك لتكمل الشريعة ولا يبقى مما يوحي إليه به شيء)، حتَّى تُوُفِّى أكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ (أي: وقت أكثريته ولما تكامل ما أريد إنزاله للناس مما به انتظام معاشهم ومعادهم قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ} فتوفي بعده بنحو ثمانين يوما). متفقٌ عَلَيهِ.
قال ابن حجر: والوحي لغة الإِعلام في خفاء، وشرعا الإِعلام بالشرع. والوَحْيُ ما يُوحِيه اللهُ إلى أَنْبيائِه. وذلكَ إمَّا برَسُولٍ مُشاهَد تُرى ذَاته ويُسْمع كَلامه كتَبْلِيغ جِبْريل في صُورَةٍ مُعَيَّنة، وإمَّا بسماع كَلام مِن غَيْر مُعاينةٍ كسماعِ موسَى كَلامَه تعالى، وإمَّا بإلْقاء في الرَّوْعِ كحديث: (إنَّ جِبرْيل نَفَثَ في رُوْعي).
يقول اللهُ عزَّ وجلَّ: ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ، إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)).
وقد ذكر الحافظ السيُّوطي في “الإتقان” كَيفيّاتٍ للوحي: إحداها: أنْ يأتيه الملك في مثل صَلْصَلَة الجَرَس (وهي صوتُ وقعِ الأشياء الصّلبة اليابسة بعضها على بعض، ثم أطلق على صوت له طنين). وقيل: هو صوتُ خفقِ أجنحة الملك. والحكمة في تقدمه أن يُفرِّغَ سمعه للوحي فلا يبقى فيه مكانا لغيره. وفي الصحيح أن هذه الحالةَ أشد حالات الوحي عليه. وفي مسند أحمد عن عبد الله بن عمر : سألت النبي ﷺ هل تحس بالوحي فقال : أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض. وقيل: إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد وتهديد للكفّار. الثانية: أن يَنْفُث الملَكُ في رُوعِه الكلام نَفْثًا. قال ابن الأثير: «إنَّ رُوحَ القُدُس نَفَثَ فِي رُوعي» يَعْنِي جِبْرِيلَ عليه السلام: أَيْ أوْحَى وألْقَى، مِنَ النَّفْثِ بالفَم، وَهُوَ شَبيه بالنَّفْخ، وَهُوَ أقَلُّ مِنَ التَّفْل؛ لِأَنَّ التَّفْل لَا يَكُونُ إِلَّا وَمَعَهُ شيءٌ مِنَ الرِّيق. وقال: «إنَّ رُوحَ القُدُس نَفَثَ فِي رُوعِي» أَيْ فِي نَفْسى وخَلَدى. ورُوحُ القدُس: جِبْرِيلُ. وقال القاضي عياض: نَفث فِي روعي بِضَم الرَّاء أَي نَفسِي. الثالثة: أن يأتيَه الملَكُ في صورة الرَّجُل فيكُلِّمه، وهو أَهْوَنُه عَلَيه.
كيفية إنزال الوحي: قال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: دُفع القرآن إلى جبريل فوضعه في بيت العزة من السماء الدنيا في ليلة القدر جملة واحدة، وكان اللَّه ينزله على رسوله بعضَه إثر بعض نجوما.اهـ يريد: أنزل مفرقا يتلوا بعضه بعضا على تَؤدة ورفق، في عشرين سنة ثم قرأ: قوله تعالى: ((وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا)). قال الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى في شرح مسلم: الصواب أنه ﷺ بعث على رأس الأربعين سنة، هذا هو المشهور الذي أطبق عليه العلماء. وكان ذلك يومَ الاثنين نهارا، فقد روى مسلم أنه ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ؟ قَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ. وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ». وقال الحافظ: الراجح انه في رمضان لما سيأتي من أنه الشهر الذي جاور فيه في حراء فجاءه الملك. وعلى هذا يكون سنه حينئذ أربعين سنة وستة أشهر. وروى الشيخان عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: أنزل على رسول اللَّه ﷺ وهو ابن أربعين سنة. وروى البيهقي عن وَاثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ ابراهيمَ أَوَّلَ ليلةٍ من رمضانَ، وأُنْزِلَتِ التوراةُ لستٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وأُنْزِلَ الانجيلُ لثلاثَ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانيَ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، والقرآنُ لأَرْبَعٍ وعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ».
أما ما جاء في شدة الوحي وثقله: قال اللَّه سبحانه وتعالى: ((إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)) [المزمل 5]، وقال زيد بن ثابت رضي اللَّه عنه: أنزل على رسول اللَّه ﷺ وفخذه على فخذي فكادت فخذه تَرضُ فخذي (ترضّ فخذي: تدقه وتكسره).اهـ رواه الشيخان. وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: أن كان ليوحى إلى رسول اللَّه ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها (الجران- بجيم مكسورة أي صدرها ومعناه: أنها تفعل ذلك لشدة الوحي وثقله) فما تستطيع أن تتحرك حتى يُسَرَّى عنه (أي يكشف ذلك عنه ويزول). وتلت الآية: ((إِنَّا سَنُلْقِيْ عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيْلًا)).اهـ وقال أبو أروى الدوسي رضي اللَّه عنه: رأيت الوحي ينزل على رسول اللَّه ﷺ وإنه على راحلته فترغو (أي: تصيح) وتفتل (تفتل يديها: تديرهما من ثقل ما عليها) يديها حتى أظن أن ذراعها تنقصم (أي: تنكسر وتندق)، حتى يُسَرَّى عنه من ثقل الوحي، وإنه ليتحدر منه مثل الجمان (الجُمان: اللؤلؤ، شبّهت قطرات عرقه بالجمان لتشابهها في الصّفاء والحُسن). وقال ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما: أنزلت على رسول اللَّه ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها. وفي بعض الأحاديث يقول أبو هريرة في وصف الوحي النازلِ على رسول الله ﷺ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الْوَحْيُ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يُقْضَى الْوَحْيُ. وقالت عائشة رضي اللَّه عنها: لقد رأيته تعني النبي ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيَفْصِمُ عنه (أي ينجلي). وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا. رواه البخاري. (يتفصّد عرقا: أي يجري منه كما يجري الدم من الفصد). وروي عن عمر بن الخطاب أنه كان حينما ينزل الوحي على نبي الله كان إذا اقُتربَ من وجهه يُسمَعُ صوتٌ كدوي النحل. ورُوِيَ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يَغُطُّ في رأسه ويتَرَبَّد وَجْهُه (أي يظهر عليه أثر ذلك على وجهه) ويَجِدُ بَرْدًا في ثناياه ويَعْرَقُ حتى يَتَحَدَّر منه مثلُ الجُمانِ. إذًا نزل الوحي على النبي ﷺ على الأربعين ثم مرت فترة يسميها أهل السيرة بفترة الوحي كان انقطع الوحي فترة عن النبي ﷺ بالنزول بالقرآن الكريم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “وَفُتُورُ الْوَحْيِ: عِبَارَةٌ عَنْ تَأَخُّرِهِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ ، وَكَانَ ذَلِكَ لِيَذْهَبَ مَا كَانَ ﷺ وَجَدَهُ مِنَ الرَّوْعِ ، وَلِيَحْصُلَ لَهُ التَّشَوُّفُ إِلَى الْعَوْدِ”.اهـ ثم عاد وتتابع إلى آخر حياته الشريفة فتتابع عليه في آخر حياته كما قرأنا في هذا الحديث الشريف.
وليعلم أن ما حصل مع النبي ﷺ عند فترة الوحي إنما هو لتخفيف شدة الوجد الذي حصل له من إبطاء الوحي عليه لا للانتحار مع اعتقاد أنه لا يصيبه أي أذى بإذن الله وهذا الذي حصل مع نبينا ﷺ كما حصل مع يونس عليه السلام لما ألقى بنفسه في البحر حينما ابتلعه الحوت فإنه كان يعتقد أنه لا يصيبه هلاك بالغرق، فلا يجوز أن يظن أن ذلك انتحار منه لأن الانتحار أكبر الجرائم بعد الكفر، وذلك مستحيل على الأنبياء. فإنه من الكفر قولُ بعض الناس ان النبي أراد أن ينتحر (لما يقرأ في حديث فترة الوحي وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا – حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ (بذروة جبل: بتثليث الذال: أعلاه) لِكَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ (أي ظهر)، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا. فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ (أي نفسه)، وَتَقَرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. اهـ
فمن زعم أنه كان أراد أن ينتحر جهلًا منه بمعنى الحديث فهذا كافر.
وهذا الحديث من مرسلات الزهري وليس معناه أن الرسول كان يريد أن يقتل نفسه بإلقاء نفسه من ذِروة الجبل إنما مراده أن يخف عنه الوجْد الذي لحقه بفتور الوحي عنه تلك المدة وهو يعلم أنه لا ينضرّ بذلك الإلقاء، فمن رأى هذا الحديث في كتاب من الكتب على هذا التأويل الفاسد فليَحذر، فقد نقل ذلك التأويل الفاسد الحافظ ابن حجر عن بعض المحدّثين، واعتقاد هذا المعنى الفاسد كفرٌ وإلحاد لأن الانتحار أكبر المعاصي بعد الكفر فلا يُتصوَّر حصوله من الرسول ولا سيما وجبريل يقول له: يا محمد أنتَ رسولُ الله حقًّا.
وفي الشهر الثالث من السنة الحادية عشرة للهجرة الشريفة انقطع الوحي عن النبي ﷺ بموته عليه الصلاة والسلام وانقطع الوحي أن ينزل بشرع جديد وقتها بوفاته عليه الصلاة والسلام والتي تكلمنا عنها الدرس الماضي، ومعلومٌ عندَ أيِّ مسلمٍ أَنَّ المصيبةَ بوفاةِ النبيِّ ﷺ عظيمةٌ شديدةٌ كبيرةٌ، وأنَّ مكانَهُ لَا يُمْلَؤُ بِأَيِّ واحدٍ مِنَ البشرِ أبدًا ﷺ، ولكنَّ اللهَ قَيَّضَ لهذَا الدينِ مَنْ يَنْصُرُهُ ويُثَبِّتُ دَعَائِمَهُ وَيُكْمِلُ مَسِيرَتَهُ فكانَ أبو بكرٍ الصديقُ أولَ هؤلاءِ الرجالِ الذينَ مضَى الدينُ بسببِهم وعَلَتْ رايَتُه بثباتِه. إننا اذ نذكر وفاةَ قائدِ الأمةِ وسيدِ الخلقِ وإمامِ الأنبياءِ والمرسلينَ ﷺ وخيرِ مَنْ وَطِئَ الثَّرَى، فَإِنَّنَا نَذْكُرُ مصيبةً هيَ مِنْ أعظمِ المصائبِ التِي نالَتِ الأولينَ والآخِرينَ بوفاةِ سيدِ المرسلينَ، نقولُ أيضا: اعلَمْ أنَّ فِي رسولِ اللهِ ﷺ أسوةً حسنةً، سواءٌ كانَ حيًا وميتًا، وجميعُ أحوالِه عبرَةٌ للناظرينَ وتبصرةٌ للمستبصرينَ، إذْ لمْ يكنْ أحدٌ أكرمَ علَى اللهِ منهُ إذْ كانَ خليلَ اللهِ وحبيبَه ونجيَّه، وكانَ صفيَّهُ ورسولَه ونبيَّه فانظرْ هلْ أَمْهَلَهُ ساعةً عندَ انقضاءِ مدَّتِهِ وهلْ أَخَّرَهُ لحظَةً بعدَ حضورِ مَنِيَّتِهِ؟ لَا بَلْ أرسَلَ إليهِ الملائكةَ الكرامَ وأرسَلَ عزرائيلَ الموكَّلَ بقبضِ أرواحِ الأنامِ، فجادُوا بروحِهِ الزكيةِ الكريمةِ ليَنْقُلُوهَا، وعَالَجُوهَا لِيُرْحِلُوهَا عَنْ جَسَدِهِ الطَّاهِرِ إلَى رحمةٍ ورضوانٍ، وخيراتٍ حِسَانٍ، بَلْ إلَى مَقْعَدِ صِدْقٍ عندَ مليكٍ مُقْتَدِرٍ، فحصلَ لهُ سكراتُ الموتِ حتَّى بكَى لموتِه مَنْ حَضَرَهُ، وانتَحَبَ لشدَّةِ حالِهِ مَنْ شَهِدَ مَنْظَرَهُ، فَهَلْ رأيْتَهُ لمْ يَمُتْ لِكَوْنِهِ أفضلَ الأنبياءِ؟ هيهاتَ بلِ امْتَثَلَ الْمَلَكُ مَا كانَ بهِ مَأْمُورًا واتَّبَعَ مَا كانَ فِي اللوحِ مسطورًا.
فهذَا كانَ حالَه وهوَ عندَ اللهِ ذو الْمَقامِ المحمودِ، والحوضِ المورودِ، وهوَ أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عنهُ الأرضُ، وهوَ صاحبُ الشفاعةِ يومَ العرضِ، فالعجبُ أنَّا لَا نَعْتَبِرُ بهِ وكأَنَّ البعض لَيْسَ عَلَى ثِقَةٍ فيمَا يَلقَاهُ بلْ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ أسراءُ الشهواتِ وقرناءُ المعاصِي والسيئاتِ فمَا بالُنا لَا نَتَّعِظُ بموتِ محمدٍ ﷺ سيدِ المرسلينَ وإمامِ المتقينَ وحبيبِ ربِّ العالمينَ، فلا تظنوا أنَّنا مخلدونَ؟ ولا تتوهموا أَنَّكم معَ سوءِ أفعالِكم عندَ اللهِ مكرَمون؟ هيهاتَ هيهاتَ بلْ تيقنوا أنَّا جميعًا علَى الصراطِ واردونَ، ثمَّ لَا ينجُو مِنْ ذلكَ الْمَوقَفِ إلَّا المتَّقُونَ، فَمَا أكثرُ الناسِ واللهِ بمتقينَ، فلينظُرْ كلُّ عبدٍ إلَى نفسِهِ أنَّهُ إلى الظالمينَ أقربُ أمْ إلَى المتقينَ؟ فانظرْ إلَى نفسِكَ بعدَ أنْ تنظُرَ إلى سيرةِ السلفِ الصالحينَ، فَلَقَدْ كانُوا مَعَ مَا وُفِّقُوا لَهُ مِنَ الخائِفِينَ.
فَإذَا كانَ هذَا حَالُ سيدِ النبيينَ وقائدِ المتقينَ، فكيفَ بحالنَا نحن المقصِّرينَ، واعتَبِرْ كيفَ كانَ كَرْبُهُ عندَ فِرَاقِ الدُّنيَا وَكَيْفَ اشتدَّ أمرُه عندَ الانقلابِ إلِى جنةِ المأوَى، فكيفَ بأيِّ واحدٍ منَّا، وَفِي ” صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ” عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ كُلَّ رَمَضَانَ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ عَرَضَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ». ورَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَالَ لَنَا: “خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَلَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هَذَا». وروى البزار عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: رَأَيْتُ فِيَ الْمَنامِ كَأَنَّ الأَرْضَ تُنْزَعُ إِلَى السَّمَاءِ بِأَشْطَانٍ شِدَادٍ، فَقَصَصْتُ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: ذَاكَ وَفَاةُ ابْنِ أَخِيكَ. (الأشطان: الحبال الشداد). وفي حديث أم سلمة عند البيهقي قال: وضعت يدي على صدر النبي ﷺ يوم مات فمرّ بي جُمَعٌ، آكل وأتوضّأ ما تذهب ريح المسك من يدي. وفي حديث ابن عمر أنه ﷺ لما قبض سجّي بثوب، وقعدنا حوله، فأتاهم آت يسمعون حسّه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته. ((كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ)) [آل عمران 185] إلى قوله: ((مَتاعُ الْغُرُورِ)) انتهى. إنّ في الله خلفا من كلّ هالك، وعزاء عن كل مصيبة ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثّواب. انتهى. فظننا أنه جبريل جاء يعزّينا. فقال عليّ: هذا الخضر يعزّيّكم عن نبيّكم. وروى ابن الجوزي في «الوفاء» عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: لما رُمِسَ رسول الله ﷺ جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها فوقفت على قبره وأخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينيها وبكت وأنشأت تقول:
مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدٍ … أَلَّا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا
صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّهَا … صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا
تقولُ السيدةُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنهَا فِي ذكرِها لوفاةِ النبيِّ ﷺ: فَكُنْتُ أُمَرِّضُهُ، وَلَمْ أُمَرِّضْ أَحَدًا قَبْلَهُ، فَبَيْنَمَا رَأْسُهُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى مَنْكِبِي إِذْ مَالَ رَأْسُهُ نَحْوَ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ مِنْ رَأْسِي حَاجَةً، فَخَرَجَتْ مِنْ فِيهِ نُقْطَةٌ بَارِدَةٌ، فَوَقَعَتْ عَلَى ثَغْرَةِ نَحْرِي، فَاقْشَعَرَّ لَهَا جِلْدِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَسَجَّيْتُهُ ثَوْبًا وجاءَ عمرُ فاستأذنَ علَى عائشةَ ومعَه المغيرةُ بنُ شعبةَ، فأَذِنَتْ لهمَا ومدَّتِ الحجابَ، فقالَ عمرُ: يا رسولَ اللهِ فقالتْ: عائشةُ غُشِيَ عليهِ منذُ ساعَةٍ، فَكَشَفَ عنْ وجهِهِ وقالَ: واغَشْيَاهُ مَا أَشَدَّ غَشْيَ رسولِ اللهِ ﷺ ولَمْ يتكلَّمِ المغيرةُ، فَلَمَّا أنْ دَنَوا مِنْ عَتَبَةِ البابِ قالَ المغيرةُ: ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ يَا عمرُ: فقالَ عمرُ: مَا مَاتَ رسولُ اللهِ ﷺ واللهِ لَا يموتُ حتَّى يؤْمَرَ بقتالِ المنافقينَ، ولكِنَّهُ ذَهَبَ إلَى ربِّهِ كمَا ذَهَبَ موسَى إلَى ربِّهِ (وأما ذهاب موسى لميقات ربه فليس معناه أن الله متحيز في مكان وموسى ذهب إليه، لا، بل معناه إلى حيث أمره ربه، كما قال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: “إني ذاهب إلى ربي سيهدين” أي إلى حيث أمرني ربي وليس معناه أن الله متحيز في مكان وجهة وإبراهيم سيذهب إليه، لا، فالله تعالى خلق الأماكن والجهات ولا يتحيز في جهة ومكان ولا يوصف بصفات البشر ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وغَابَ عنْ قومِهِ أربعينَ ليلةً، واللهِ لَيَرْجِعَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ ولَيَقْطَّعَنَّ أيديَ رجالٍ وأرجلَهُم وألسِنَتَهُم، وتَكَلَّمَ حتَّى أَزْبَدَ شِدْقَاهُ وابنُ أمِّ مكتومٍ فِي مؤخِّرَةِ المسجدِ يقرأُ: “وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ” [آل عمران 144] والناسُ يموجونَ ويبكونَ ولَا يسمعونَ، فخرجَ العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ علَى الناسِ فقالَ: يَا أيُّها الناسُ هلْ عندَ أحدٍ منكُم مَنْ عَهِدَ رسولُ اللهِ ﷺ لَهُ فَلْيُحَدِّثْنَا قالُوا: لَا. قالَ: هلْ عندَكَ يَا عمرُ مِنْ علمٍ؟ قالَ: لَا. فقالَ العباسُ: أشهدُ أيُّها الناسُ إنَّ أحدًا لا يشهدُ علَى رسولِ اللهِ ﷺ بعهدٍ عَهِدَهُ إليَّ فِي وفاتِهِ، واللهِ الذِي لَا إلهَ إلَّا هوَ فقدْ ذَاقَ رسولُ اللهِ ﷺ الموتَ، فَادْفِنُوا رسولَ اللهِ فَهُوَ كريمٌ علَى اللهِ، فَإِنْ كانَ كمَا تقولونَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ فَلَيْسَ عَلَى اللهِ بعزيزٍ أَنْ يُزِيْلَ عنهُ الترابَ فَيُخْرِجَهً إِنْ شاءَ اللهِ، وهوَ مَا مَاتَ حتَّى تَرَكَ السبيلَ نهجًا واضحًا، أحلَّ الحلالَ، وحرَّم الحرامَ، ونكحَ وطلَّقَ، وحاربَ وسالَمَ، فذهبَ سالمُ بنُ عبيدٍ وراءَ أبي بكرٍ إلى السُّنحِ فأعلَمَهُ بموتِ رسولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا بَلَغَ أبو بكرٍ الخبرَ وهوَ بالسُّنحِ أقبلَ علَى فرسٍ حتَّى نَزَلَ عَلَى بابِ رسولِ اللهِ ﷺ وعمرُ يُكَلِّمُ الناسَ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى شيءٍ حتَّى دَخَلَ علَى رسولِ اللهِ ﷺ فِي بيتِ عائشةَ ورسولُ اللهِ ﷺ مُسَجًّى فِي ناحيةِ البيتِ عليهِ بُرْدٌ. وفي بعضِ الرواياتِ عندَما دخلَ أبو بكرٍ بيتَ النبيِّ ﷺ: وعيناهُ تهملانِ وَزَفَرَاتُهُ تَتَرَدَّدُ فِي صدرِهِ، وهوَ فِي ذلكَ جَلْدُ العقلِ والمقالةِ حتَّى دَخَلَ علَى رسولِ اللهِ ﷺ وَكَشَفَ عنْ وجهِهِ ومَسَحَ وقَبَّلَ بينَ عينيهِ، وجعَلَ يبكِي ويقولُ: بأبِي أنتَ وأمِّي طِبْتَ حيًّا ومَيٍتًا، اذْكُرْنَا يَا محمدُ عندَ ربكَ، اللهم أبلِغْ نبيَّكَ عنَّا واحْفَظْهُ مَيْتًا. انتهى. ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر رضي الله عنه جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ثم قال: (ألا مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) وقد قال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُل}، فنشج الناس يبكون، فكان أجزعُ الناس كلُّهم عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، فلما سمع قول أبي بكر قال: فوالله لكأني لم أتل هذه الآية قط. ورُوي أن بلالاً رضي الله عنه كان يؤذن بعد وفاته ﷺ وقبل دفنه فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله ارتج المسجد بالبكاء والنحيب. ولما فرغوا من جهازه ﷺ وُضع على سريره في بيته ثم دخل الناس عليه ﷺ أرسالًا أي جماعات متتابعين يصلون عليه وحفر له ﷺ في المكان الذي توفي فيه بعد أن رفعوا فراشه الذي توفي عليه، قال أبو بكر رضي الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما مات نبيٌّ قط إلا يُدفن حيث تُقبض روحه»، قال عليّ: وأنا أيضًا سمعته. وقد توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله وما ترك دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا. قالت عائشة تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وما في بَيْتي مِن شيءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ في رَفٍّ لِي، فأكَلْتُ منه حتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. رواه البخاري. وروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، توفي رسول الله ﷺ ولم يشبع هو ولا أهل بيته من خبز الشعير، وما ترك رسول الله إلا سلاحه وبغلته وأرضًا جعلها صدقة. وفِي حديثِ عائشةَ عندَ ابنِ سعدٍ وأحمدَ برجَالٍ ثقاتٍ أَنَّ أبا بكرٍ لَمَّا رأَى رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ، مَاتَ رسولُ اللهِ ﷺ ثمَّ تَحَوَّلَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فقالَ: وانَبِيَّاهُ، ثمَّ قَبَّلَ وجْهَهُ ثمَّ قَالَ: وَاصَفِيَّاهُ ثمَّ رفَعَ رأسَهُ وقَبَّلَ جبهَتَهُ وقالَ: وَاخَلِيْلَاهُ مَاتَ رسولُ اللهِ ﷺ (وهذا فيه دليل على جواز نداء النبي وهو ميت).اهـ ثُمَّ وضَعَ يدَيْهِ علَى صُدْغَيْهِ ووَضَعَ فَاهُ عَلَى جَبْهَتِهِ فَبَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ عَلَى وَجْهِ رسولِ اللهِ ﷺ وفِي لفظٍ ثمَّ أقبَلَ عليهِ فقَبَّلَهُ ثمَّ قالَ: بأبِي وأمِّي أمَّا الموتَةُ التِي كَتَبَ اللهُ عليكَ فقدْ مِتَّهَا فَلَنْ يُصِيْبَكَ بعدَهَا مَوْتَةٌ أبدًا، ثمَّ ردَّ البُرْدَ علَى وجهِ رسولِ اللهِ ﷺ ثمَّ خَرَجَ إلَى الناسِ. وهمْ فِي خَطْبِهِم وشديدِ سكراتِهم، ثمَّ خرجَ عمرُ يكلّمُ الناسَ فقالَ: علَى رِسْلِكَ يَا عمرُ أَنْصِتْ ثلاثَ مرّاتٍ فأبَى إلَّا أنْ يتكلَّمَ، فلمَّا رآهُ أبو بكرٍ لا يُنْصِتُ أقبلَ علَى الناسِ، فَلَمَّا سَمِعَ الناسُ كلامَهُ أقبَلُوا عليهِ وتَرَكُوا عمرَ، وصَعِدَ المنبرَ فَحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليهِ. ثمَّ خَطَبَ خطبةً جُلُّهَا الصلاةُ علَى النبيِّ ﷺ وقالَ فيهَا: أشهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، وخاتمُ أنبيائِه، وأشهدُ أنَّ الكتابَ كمَا نزَّل، وأنَّ الدينَ كمَا شرعَ وأنَّ الحديثَ كمَا حدَّثَ، وأنَّ القولَ كمَا قالَ، وأنَّ اللهَ هوَ الحقُّ المبينُ، ثمَّ قالَ: أيُّها الناسُ إنَّه مَنْ كانَ يعبدُ محمدًا فإنَّ محمدًا قدْ ماتَ، ومَنْ كانَ يعبدُ اللهَ فإِنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ ثم تلَى هذهِ الآيةَ: ((وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران 144]. وقالَ: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُوْنَ)) [الزمر 30] وقالَ: ((كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ)) [آل عمران 185] وقالَ: ((كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)) [القصص 88] وَقَالَ: ((كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ)) [الرحمن 26، 27]. وَقَالَ أبُو بكرٍ: إنَّ اللهَ تعالَى قدِ اختَارَ لنبيِّهِ مَا عندَهُ عَلَى مَا عندَكُم: ((مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ)) [النحل 96] وقَبَضَهُ إلَى ثوابِهِ، وخَلَّفَ فيكُم كتابَهُ وسنَّةَ رسولِهِ، فَمَنْ أَخَذَ بهمَا عَرَفَ، ومَنْ فَرَّقَ بينَهُمَا أنْكَرَ، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ)) [النساء 135] لا يَشْغَلَنَّكُم الشيطانُ بِمَوْتِ نَبِيِّكُمْ وَلَا يَفِتَنَّنكُمْ عنْ دينِكُم، وعَالِجُوا الشيطانَ بالخِزْيِ تُعْجِزُوهُ وَإِنَّ اللهَ عَمَّرَ محمَّدًا وأبقاهُ حتَّى أقامَ دينَ اللهِ وأظهرَ أمرَ اللهِ وبلَّغَ رسالةَ اللهِ وجاهَدَ أعداءَ اللهِ حتَّى توفَّاهُ اللهُ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وهوَ علَى ذلكَ وَتَرَكَكُمْ عَلَى الطَّرِيْقَةِ فَمَنْ كانَ اللهُ ربَّهُ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يموتُ، ومَنْ كَانَ يعبُدُ محمَّدًا فإِنَّ محمَّدًا قَدْ ماتَ فاتَّقُوا اللهَ أيُّهَا النَّاسُ واعتَصِمُوا بدِيْنِكُم، وتَوَكَّلُوا عَلَى ربِّكُم، فَإِنَّ دينَ اللهِ قائمٌ وكَلَمِتَهُ باقيةٌ، وإنَّ اللهَ ناصرٌ مَنْ نَصَرَهُ ومُعِزُّ دِيْنَهُ وأنَّ كتابَ اللهِ بينَ أَظْهُرِنَا وهوَ النُّورُ وَالشِّفَاءُ، وبِهِ هدَى اللهُ محمدًا ﷺ وفيهِ حلالُ اللهِ وحرَامُهُ واللهُ لَا نُبَالِي مَنْ أَجْلَبَ عَلَيْنَا مِنْ خَلْقِ اللهِ، إِنَّ سيوفَ اللهِ لَمَسْلُولَةٌ، مَا وَضَعْنَاهَا بعدُ، ولَنُجَاهِدَنَّ مَنْ خَالَفَنَا كَمَا جَاهَدْنَا مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ فَلَا يُبْقِيَنَّ أحَدٌ إلَّا علَى نفْسِهِ.اهـ
أحبابي: كان حديثنا اليوم والدرس الماضي ليس عن وفاة أي قريب فحسب ليس عن فقد أي عزيز ليس عن خسارة مَلِكٍ ليس عن فقد غني ليس عن انهدام بناء كلامنا اليوم عن مصيبة المسلمين بوفاة سيد المرسلين ودع رسول الأمةِ الأمةَ ودعت الأمة نبيها في يوم لا ينسى في يومٍ أظلمت فيه الدنيا عند صلاة الفجر في يوم الاثنين في يوم الأخير بعد غياب أيام قليلة ورسول الله ﷺ لا يراه الناس فيما بينهم عند صلاة الفجر يسدل رسول الله ﷺ الستارة تخيلوا أنفسكم بين صفوف المصلين وكان رسول الله قد غاب كنا نصلي خلف رسول الله واليوم لا نصلي خلفه كنا نسمع تلاوة رسول الله واليوم فقدنا تلاوته كنا نسمع دعاء نبي الله واليوم لا نؤمِّن على دعائه وإذ بنا عند صلاة الفجر نرى رسول الله ﷺ يطل علينا وجهه كأنه النور ينظر إلينا رسول الله مبتسما يرانا مجتمعين يكاد الناس يفتنون في صلاتهم هذا رسول الله ينظر إليهم فينشغلون عن صلواتهم برسول الله ﷺ أبو بكر يُهم بالتراجع يظن رسول الله آتيًا لكنها كانت آخر لحظات رؤيتهم لرسول الله ﷺ، رسول الله ﷺ يشير إلى أبي بكر أن ابقَ مكانك، مضت تلك الأيام يا أبا بكر ولت تلك الأيام التي يأتيك فيها رسول الله ﷺ مضت تلك الأيام وسيأتي يوم مرٌّ يأتي يوم صعب في منتصف اليوم تخبر السيدة عائشة رضي الله عنها عن الذي حصل مع رسول الله ﷺ كيف بك يا عائشة ورسول الله في حجرك رسول الله يلتقط أنفاسه الأخيرة وهو بين يديك خرجت روحه الشريفة مات رسول الله وانتشر الخبر في المدينة ضجت المدينة حقا مات لا نراه بعد اليوم لا يصلي فينا إماما لا نترقب بابه لنسأل لا نسأله دعاء لا نسأله مسألة لا نشكو إليه ضيقا أو حاجة حقا مات لا يخطب فينا رسول الله لن نراه واقفا على المنبر حقا مات لن نرى رسول الله مبتسما لن نرى رسول الله متكلما حقا مات لن يكون بيننا رسول الله. فقدت الأمة نبيها أحقا لن نسمع رسول الله يقول أرحنا بها يا بلال أحقا سيؤذن بلال وليس ينتظر رسول الله يصلي إماما بالمسلمين. عمر بن الخطاب يخرج سيفه ولا يرضى أن يقال مات رسول الله وجاء أبو بكر جاء أبو بكر بعد أن بلغه الخبر على فرس حتى يودع صاحبه الوداع الأخير حتى ينظر إليه النظرة الأخيرة جاء أبو بكر ونزل عن فرسه ودخل المسجد ولم يكلم أحدا دخل مباشرة إلى حجرة السيدة عائشة يلقى صاحبه حتى يتأكد هل حقا مات رسول الله؟ هل حقا مات حبيبه وخليله وصفيه؟ ماذا كان في بالك يا أبا بكر؟ هل ذكرت آنذاك مشهدك معه في الغار؟ هل ذكرت كيف هاجرت معه؟ تقف تارة أمامه وتارة خلفه تارة عن يمينه، تارة عن شماله تقول فداك أبي وأمي يا رسول الله هل ذكرت كيف كان يضحك لك؟ هل ذكرت كيف كان يدعو لك؟ هل ذكرت كيف كان يخصك بخصائص؟ يا أبا بكر ما هذا الموقف؟ ما الذي أنت فيه؟ أبو بكر يزيل الغطاء عن وجه حبيبه رسول الله ﷺ ويقبله ويقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله طبت حياً وميتاً يا حبيب الله ما أطيبك يا رسول الله ما أطيبك حياً وما أطيبك ميتاً أبو بكر ينادي ويقول واصفياه واخليلاه، مات رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر في مشهد تاريخي ينعى للأمة وفاة نبيها ما أصعبه من موقف أكثر الناس محبةً لرسول الله أبو بكر والذي ينعى للأمة نبيها أبو بكر خرج أبو بكر وهو يرى عمر يقول للناس ما سمعت أحدًا يقول بوفاة رسول الله ﷺ إلا ضربت عنقه لا يصدق عمر بوفاة رسول الله فيقول أبو بكر على رسلك يا عمر فلا يرد عمر فيصعد أبو بكر في الناس ويخطب خطبته المشهورة من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقرأ قوله تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُوْلٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفِإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىْ أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىْ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِيْ اللهُ الشَّاكِرِيْنَ)) وهنا يقول عمر بن الخطاب ما احتملتني قدماي علمت أن رسول الله ﷺ حقاً مات، هناك رجل أقعد فلم يستطع القيام وهناك آخر لا يستطيع الكلام وهناك رجل اختلط عليه عقله وضجت المدينة وما الذي يحصل بعد ممات رسول الله ﷺ نعم مات رسول الله لكن لم تمت دعوته أخذ أبو بكر بزمام الأمور ومشى على ما عهد إليه رسول الله ﷺ وكأنه يقول تركتنا يا رسول الله ولكن لقاؤنا بك قريب لقاؤنا بك في جنة الفردوس على العهد بإذن الله يا رسول الله مات رسول الله.
وَيَبْكِي الصَّحَابَةُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا بَدَتْ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الْوَفَاةِ وَأَمَارَاتُهُا. وَبَكَى الأَنْصَارُ حِينَ حَجَبَهُمْ مَرَضُهُ عَنْ رُؤْيَتِهِ ﷺ وَبَكَتْ فَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ. وَبَكَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَهُوَ يُقَبِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَسَالَتْ دُمُوعُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا كَاللُّؤْلُؤِ كُلَّمَا تَذَكَّرَ النَّبِيَّ ﷺ وَحِينَ تَسْمَعُ أُمُّ الْفَضْلِ وَلَدَهَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يَقْرَأُ {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} تَقُولُ وَقَدْ هَيَّجَتْهَا الذِّكْرَيَات، (يَا بُنَيَّ؛ وَاللهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ؛ إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ)، وَبَكَتْ أُمُّ أَيْمَنَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا لَمَّا زَارَهَا الصَّاحِبَانِ، وَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، وَلَا زَالَتْ تَنتظِمُ حَبَّاتُ اللُّؤْلُؤِ عَلَى وُجُوهِ الْعَابِدِينَ كُلَّمَا تَذَكَّرُوا النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَيْهَا .. بَكَتْ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا)، وَبَعْدَ سَنَةٍ ثَقِيلَةِ الْخُطُوَاتِ، خَلَتْ فِيهَا الدُّرُوبُ مِنْ حَبِيبِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَلَا أُحُدٌ يَشْرُفُ بِهِ، وَلَا الْعَقِيقُ، وَلَا الْعَوَالِي الْغَالِيَاتُ .. يَصْعَدُ أَبُو بَكْرٍ الْمِنْبَرَ يَوْمًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ شَيْئا، فَيَتَذَكَّرُ حَدِيثًا لِلنَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُهُ فيبكي. وَكَيْفَ كَانَتِ الْحَبِيبَةُ عَائِشَةُ وَالْبَضْعَةُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا؟! وَكَيْفَ مَضَتِ الأَيَّامُ الثِّقَالُ عَلَى الْغَالِيَةِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ شُهُورًا سِتَّةً وَهِيَ تَنتظِرُ الْوُصولَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ؟! مَا هَوَّنَهَا عَلَيْهَا غَيْرُ تِلْكَ الْبِشَارَةِ أَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ الصَّبْرُ بِانْتِظَارِ الاجْتِمَاعِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَتُلَخِّصُ كَلِمَاتُ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْوَفَاةِ الْحِكَايَةَ كُلَّهَا، فَإِنَّمَا يَطِيبُ الْمَوْتُ بِاجْتِمَاعِ الأَحِبَةِ: مُحَمَّدٍ وَحِزْبِهِ، فَقَدْ كَانَ آخِرَ كَلَامِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: (الْيَوْمَ نَلْقَى الأَحِبَّةَ: مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ)، وَهَاكَ قِصَّةَ ابْنِ عَبَّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا وَهِيَ تَجُودُ بِنَفْسِهَا وَتَمُوتُ، يَرْوِيهَا مَوْلَاهَا ذَكْوَانُ قَالَ: (اسْتَأذَنَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَمُوتُ وَعِنْدَهَا ابْنُ أَخِيهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَاللهِ مَا بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَنْ يَذْهَبَ عَنْكِ كُلُّ أَذَىً وَنَصَبٍ وَتَلْقَيِ الأَحِبَّةَ: مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ .. إِلَّا أَنْ تُفَارِقَ رُوحُكِ جَسَدَكِ)
إِذًا هُنَاكَ الْمُلْتَقَى … عِنْدَ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى
فِي دَارِ خُلْدٍ مَا بِهَا … إِلَّا السَّعَادَةُ وَالرِّضَا