المقدمة
الحمد لله الذي أعزَّنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيِّه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل السعادة في خشيته وتقواه، وجعل العزة والكرامة لمن خافه واتَّقاه، وأشهد أنّ سيدنا وحبيب قلوبنا محمدًا رسولُ الله، وحبيبه من خلقه ورضيُّه ومصطفاه، فاز وربح من اتبع سنتَه وهُداه، وخاب وخسر من خالف منهجه وعَصاه.
اللهم صلِّ عليه وعلى ءاله وصحابته، صلاة تَزيد في رفعته، وتظلنا تحت لوائه في أعزّ زمرته، وتجعلنا من رُوَّاد حوضه وأهل شفاعته.
أما بعد:
التعريف بالكتاب ومنهج الإمام البخاري
قبل أن أبدأ بشرح أحاديث هذا الكتاب المبارك، أقول: إنّه قد صحت نسبة هذا الكتاب للإمام البخاري رحمه الله، فقد ذكره كثير ممن ترجم للبخاري في سياق مؤلفاته رحمه الله، وإن كان أشهر مؤلفات الإمام البخاري هو كتابه المعروف بصحيح البخاري، وقد تيسر لنا أخذ هذا الكتاب تلقيا وضبطه بسند متصل منّا إلى الإمام البخاري بفضل الله تعالى، فأنتم عندما تحضرون هذه المجالس في أفضل أيام السنة التي أيام العشر من ذي الحجة تحصلون هذه الأحاديث والأقوال المروية في هذا الكتاب بالسند المتصل، وأذكركم أن الصحابة كانوا يرحلون شهرا وشهرين وبعض السّلف رحل أكثر من ثلاثين سنة لطلب علم الحديث، ونحن بفضل الله في أيامنا هذه لا يمرّ علينا يوم إلا ونأخذ أحاديث عديدة وليس حديثا واحدا فقط، وأذكر لكم كذلك أنّ هذا الكتاب ليس كل ما فيه هو عبارة عن أحاديث نبوية عن النبي ﷺ ففيه بعض الأقوال عن بعض التابعين ذكرها البخاري رحمه الله لغرض نذكره وقتها إن شاء الله، وكذلك أذكر لكم أمرّا آخر وهو أنّ الإمام البخاري رحمه الله له ميزة معلومة عند أهل العلم لمن درس كتبه، فإن له فقها وطريقة في كتابة الحديث والتبويب لهذا الحديث، بمعنى أنك إذا قرأت هذا الكتاب مثلا وحدك قد تستغرب أنه ذكر حديث كذا وكذا فتقول في نفسك لماذا ذكر هذا الحديث في كتاب بر الوالدين وما علاقة هذا الحديث ببر الوالدين، وهو تكون له ربطة وعلاقة لا يدركها الشخص من النظرة الأولى، وكلها سنبينها بإذن الله لكل الأحاديث، فهو كتاب مفيد جدا وعظيم النفع في بابه، بمجرد قراءته تلقيا مع الشرح تصلك التوجيهات التي أرادها البخاري رحمه الله تعالى.
ونشرع في شرح الحديث الأول من كتاب برّ الوالدين للإمام البخاري رضي الله عنه وأرضاه بإذن الله تعالى:
الحديث الأول: أحب الأعمال إلى الله
السند والمتن
قال الراوي لكتاب برّ الوالدين رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز المهَلَّبي أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دَلُّوَيهِ الدقاق رحمه الله في شهور سنة 328 حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري أبو عبد الله الجُعْفِيُّ قال: وهو الحديث الأول: (هنا يبدأ قول الإمام البخاري) حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك حدثنا شعبة عن الوليد ابن العَيْزَار: سمعت أبا عمرو الشيبانيَّ يقول: أخبرنا صاحبُ هذه الدارِ وأومأَ بيدِه إلى دارِ عبدِ الله يعني ابنَ مسعود رضي الله عنه (هو عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدِ بنِ غَافِلِ بنِ حَبِيْبٍ الهُذَلِيُّ من بني إِلْيَاسِ بنِ مُضَرَ بنِ نِزَارٍ. الإِمَامُ الحَبْرُ، فَقِيْهُ الأُمَّةِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهُذَلِيُّ، المَكِّيُّ، المُهَاجِرِيُّ، البَدْرِيُّ، حَلِيْفُ بَنِي زُهْرَةَ. كَانَ مِنَ السَّابِقِيْنَ الأَوَّلِيْنَ، وَمِنَ النُّجَبَاءِ العَالِمِيْنَ، شَهِدَ بَدْرًا، وَهَاجَرَ الهِجْرَتَيْنِ، وَكَانَ يَوْمَ اليَرْمُوْكِ عَلَى النَّفْلِ، وَمَنَاقِبُهُ غَزِيْرَةٌ، رَوَى عِلْمًا كَثِيْرًا. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو مُوْسَى، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ، فِي طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُ القِرَاءةَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَعُبَيْدُ بنُ نُضَيْلَةَ، وَطَائِفَةٌ. اتَّفَقَا لَهُ فِي الصَّحِيْحَيْنِ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَسِتِّيْنَ. وَانْفَرَدَ لَهُ البُخَارِيُّ بِإِخْرَاجِ أَحَدٍ وَعِشْرِيْنَ حَدِيْثًا، وَمُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ خَمْسَةٍ وَثَلاَثِيْنَ حَدِيْثًا. قَالَ قَيْسُ بنُ أَبِي حَازِمٍ: رَأَيْتُهُ آدَمَ، خَفِيْفَ اللَّحْمِ. وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ رَجُلًا نَحِيْفًا، قَصِيْرًا، شَدِيْدَ الأُدْمَةِ، وَكَانَ لاَ يُغَيِّرُ شَيْبَهُ. وَرَوَى: الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ لَطِيْفًا، فَطِنًا. وكَانَ مَعْدُوْدًا فِي أَذْكِيَاءِ العُلَمَاءِ. وَعَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ مَسْعُوْدٍ عَظِيْمَ البَطْنِ، أَحْمَشَ السَّاقَيْنِ. وقد رَآهُ سَعِيْدٌ لَمَّا قَدِمَ المَدِيْنَةَ عَامَ تُوُفِّيَ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ، وَكَانَ يُعْرَفُ أَيْضًا بِأُمِّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ. أُمُّهُ: هِيَ أُمُّ عَبْدٍ بِنْتُ عَبْدِ وُدٍّ بنِ سُوَيٍّ، مِنْ بَنِي زُهْرَةَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَنَّانِي النَّبِيُّ ﷺ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ يُوْلَدَ لِي. رضي الله عنه وأرضاه) قالَ: سألتُ النبيَّ ﷺ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟
شرح السؤال
هذا السؤال فيه إشارة إلى أن الصحابة كانوا يبحثون عن أعالي الدرجات ولا يقنعون بالقليل من العمل للآخرة، لذلك تجد أنه قد رُوي عنهم أنهم يسألون النبي ﷺ مثلَ هذه الأسئلة، فهم يريدون أن يعرفوا أفضل الأعمال الموصلة إلى رضى الله عزّ وجلّ فيملؤوا أوقاتهم بها، وهذه نظرةُ وعزيمةُ الباحث عن أعالي المراتب في أمر الآخرة، وقد ورد الكثير مثلُ هذا في أحاديث النبي ﷺ: فقد روى البخاري عن أبي هُرَيرة رضي الله عنه «أنَّ رسولَ اللّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فقال: «إِيمانٌ باللّهِ ورَسولهِ». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثُمَّ ماذا؟ قال: «حَجٌّ مَبْرور».اهـ وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللّهِ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى الله؟ قَالَ: «أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ».اهـ وقد كان أحد الصالحين يوصي بالترقّي في أمر الآخرة فقال: “لِيَكُنْ غَدُكُمْ خَيْرًا مِنْ أَمْسِكُمْ”. وقد قيل:
| تَــزَوَّدْ للّــَذِي لا بُـــدَّ مِنْـــــهُ | فَإِنَّ المَوْتَ مِيقَاتُ العِبَادِ |
| أَتَرْضَى أَنْ تكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ | لَهُمْ زَادٌ وَأَنْـتَ بِغَيْرِ زَادِ |
جواب النبي ﷺ وشرحه
والمراد بهذا السؤال حيث قال ابن مسعود: أحبّ الأعمال أي من أحب الأعمال وليس أحبها على الإطلاق، ويشير إليه الإجابة، وهي قوله ﷺ: برّ الوالدين. لأنّ أفضل الأعمال على الإطلاق هو الإيمان بالله ورسوله ﷺ، وبرّ الوالدين من أحبّ الأعمال إلى الله تعالى. قال ابن حجر في شرح هذه الرواية: الْمُرَادُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فحذفت مِنْ وَهِي مُرَادةٌ. وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَعْمَالُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَدَنِيَّةِ وَأَرَادَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ، الْحَدِيثَ.اهـ
معنى أفضل الأعمال
إذًا فالمعنى لهذا الحديث ذكرُ أعمال هي من أحب الأعمال إلى الله فالعرب تقول: هذا العمل أحب الأعمال وتريد من أحب الأعمال، وتقول هذا العمل أفضل الأعمال وتريد من أفضل الأعمال، أما أفضل الأعمال على الإطلاق فهو الإيمان بالله ورسوله للحديث الذي في البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، وعند النسائي «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ»، وَمَعْنَى الإِيمَانِ بِاللهِ أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ اعْتِقَادًا جَازِمًا بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ لاَ شَكَّ فِي وُجُودِهِ، مَوْجُودٌ لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الـمَوْجُودَاتِ، لَيْسَ جِسْمًا وَلاَ يُشْبِهُ الأَجْسَامَ، وَلَيْسَ حَجْمًا وَلاَ يُشْبِهُ الأَحْجَامَ، لَيْسَ جِسْمًا كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَالحَجَرِ وَالشَّجَرِ، وَلَا جِسْمًا لَطِيفًا كَالهَوَاءِ وَالجِنِّ وَالـمَلاَئِكَةِ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ لاَ يُشْبِهُ الإِنْسَانَ وَلاَ النَّبَاتَ وَلاَ الجَمَادَاتِ، وَلاَ يُشْبِهُ الهَوَاءَ وَلاَ الرُّوحَ وَلاَ الضَّوْءَ وَلاَ الـمَلاَئِكَةَ وَلاَ الجِنَّ فَهُوَ تَعَالَى مَوْجُودٌ لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا العَالَمِ بَلْ هُوَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾
وَمَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِخِلاَفِ ذَلِكَ أَيْ لاَ يُشْبِهُ ذَلِكَ، لاَ يُتَصَوَّرُ فِي الوَهْمِ وَلاَ يَتَمَثَّلُ فِى النَّفْسِ، غَايَةُ الـمَعْرِفَةِ بِاللهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلا كَيْفٍ وَلاَ مَكَانٍ أَىْ أَقْصَى مَا تَصِلُ إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ الإِنْسَانِ بِاللهِ تَعَالَى هُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ لا كَالـمَوْجُودَاتِ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الكَمَالِ الَّتِى تَلِيقُ بِهِ وَالَّتِى لاَ تُشْبِهُ صِفَاتِ المـَخْلُوقِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِى جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ السِّتِّ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِى مَكَانٍ مِنَ الأَمَاكِنِ.
هَذَا مَعْنَى الإِيمَانُ بِاللهِ، أَمَّا الإِيمَانُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَيُّهَا فَمَعْنَاهُ أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ اعْتِقَادًا جَازِمًا لَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ بِأَنَّ مُحَمّدًا ﷺ رَسُولُ اللهِ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَمْ مِنْ أَخْبَارِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ أَمْ مِنْ أُمُورِ البَرْزَخِ وَالآخِرَةِ لاَ يُخْطِئُ فِي شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَيَّدَهُ اللهُ بِالمُعْجِزَاتِ البَاهِرَاتِ الدَّالَّةِ دِلاَلَةً قَطْعِيَةً عَلَى صِدْقِهِ وَحَلَّاهُ رَبُّهُ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالحِفْظِ وَالعِصْمَةِ وَالصِّيَانَةِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالـمُرْسَلِينَ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ كُفْرٌ لاَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلاَ بَعْدَهَا وَلاَ يَحْصُلُ مِنْهُ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ وَلاَ فِعْلٌ خَسِيسٌ يَدُلُّ عَلَى دَنَاءَةٍ وَخِسَّةِ نَفْسٍ، دَعَا النَّاسَ لِدِينِ الإِسْلامِ دِينِ كُلِّ الأَنْبِيَّاءِ، الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ، الدِّينُ الَّذِي مَنْ مَاتَ عَلَيْهِ لاَ بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَإِنْ سَبَقَ لَهُ دُخُولُ النَّارِ بِسَبَبِ مَعَاصِيهِ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللهُ عَنْهُ، الدِّينُ الَّذِي مَنِ ابْتَغَى دِينًا غَيْرَهُ يَدِينُ بِهِ لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ بَلْ هُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ الهَالِكِينَ، فَلا سَبِيلَ لِلنَّجَاةِ مِنَ الخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي النَّارِ إِلًا بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُثَبّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ وَيُكْرِمَنَا بِالوَفَاةِ عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَيَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ سَابِقِ عَذَابٍ إِنَّهُ كَرِيمٌ وَهَّابٌ
شرح “الصلاة على وقتها”
قالَ (أي النبي ﷺ):
«الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»
والمعنى أن تؤدَّى الصلاة ضمن الوقت فلا تؤخَّرَ ولا تُقَدَّمَ عن وقتها بلا عذر، والأفضل أن تكون في أول وقتها، فالأحسن بعد دخول وقت الصلاة أن تشتغل فورا بالصلاة وأسبابها من طهارة وستر عورة واستقبال قبلة وغير ذلك.
وقد ثبت في الشرع أنه يَجِبُ أَدَاءُ كُلٍّ مِنَ الصلوات الْخَمْسِ فِي وَقْتِهَا فقد قال تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾
كتابًا أي فرضًا، موقوتا أي لها وقت محدود، فلا بُدَّ أن يُؤديَها المسلم في الوقت الذي فرضهُ الله عليه. وَلا يَجُوزُ تَقْديِمُهَا عَلَى وَقْتِهَا أَيْ فِعْلُهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَلا تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا بِلا عُذْرٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾
وَالْمُرَادُ بِالسَّهْوِ عَنِ الصَّلاةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِهَا حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرَى فَتَوَعَّدَ اللهُ مَنْ يُخْرِجُهَا عَنْ وَقْتِهَا بِالْوَيْلِ وَهُوَ الْهَلاكُ الشَّدِيدُ. وقد روى البيهقي عَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ، عَنْ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قَالَ: “هُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا”، وروى النسائي عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِيمَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا»
شرح “ثم برّ الوالدين”
قُلتُ (أي عبد الله بن مسعود): ثُمَّ أَيْ؟ (يجوز فيها سكون الياء وتشديدُه مع التنوين وتشديده بالضم دون التنوين وقال بعضهم لا يُنَوَّنُ، قال ابن حجر: وَالتَّقْدِيرُ ثُمَّ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ فَيُوقَفُ عَلَيْهِ بِلَا تَنْوِينٍ) قالَ (أي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه):
«ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ»
وليس معنَى العَطف بِثُمّ أنّ بِرَّ الوالِدَين يَلِي في الفَضل الصلاةَ الواجبةَ، إنّما نَزَّله مَنزِلة الأمر الْمُهِمّ وذلك نظير ما جاء في قول الله تعالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أيْ أَمَرَ ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، لأنّ أفضَل الأعمال على الإطلاقِ الإيمانُ بالله ورَسُولِه ثُمَّ الصّلاةُ المفروضةُ في أوقاتِها، فالمعنى المراد في هذا الذِّكر ليس الترتيب، لأنّ كلمة ثُمَّ ليس دائمًا للتأخُّر في الرتبة أو الذكر أو الأفضلية، ويصحُّ في اللُّغة أن يقالَ أنا أعطيتُكَ يوم كذا كذا وكذا ثم إني أعطيتُكَ قبلَ ذلك كذا وكذا، فإنّ (ثمّ) ليست دائمًا للتَّأخُّرِ في الزَّمن، أحيانًا تأتي لذلكَ وأحيانًا تأتي لغيرِ ذلك، قال الشَّاعر: إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أبُوهُ ثُمّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ. وقد تستخدم كلمة ثم بمعنى الواو، كقولِه تعالَى:
﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾
إذ شهادةُ اللهِ تعالى مُقَدَّمَةٌ على المرْجِعِ.
فضل بر الوالدين
ولا يخفى ما لبر الوالدين من أهمية في دين الله تعالى سواء في حياتهما أم بعد وفاتهما، وقد قال تعالى في محكم التنزيل:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾
ولا ريب أن الواحد منا في الغالب لا ينكر إحسان أبويه إليه، فقد حملته أمّه وهنا على وهن وغير ذلك من الفضل الذي يُذكر عند ذكر الوالدين، ففي هذه الآية حثّ على أن نحسن لمن أحسن إلينا فكيف بمن جعلهم الله سببا في وجودنا وهم الوالدان، ولذلك قال تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
قال ابن الجوزي في المقتبس قرأ بعضهم قوله تعالى: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾، وقال: هذا من تمام برّ الوالدين كأنَّ هَذا الوَلَدَ خَافَ أَنْ يكون وَالِدَاهُ قَصَّرا فِي شُكْرِ الرَّبِّ، عزّ وجلّ، فسأل اللَّه أن يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ على ما أنعم به عليه وعليهما؛ ليَقُوم بما وَجَبَ عَلَيْهِما من الشُّكر إن كانا قَصَّرا.اهـ وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ التَّوْحِيدَ وَالِاسْتِقَامَةَ عَطَفَ الْوَصِيَّةَ بِالْوَالِدَيْنِ كَمَا هُوَ مَقْرُونٌ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ.اهـ وقد أَمَرَ الله بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ فِي الْمُشَاهَدَةِ وَالْغَيْبَةِ وَبِجَمِيعِ وَسَائِلِ الْإِحْسَانِ الَّذِي غَايَتُهُ حُصُولُ النَّفْعِ لَهُمَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
وَأَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ بِالدُّعَاءِ لِلْأَبَوَيْنِ وَعَدَ بِإِجَابَتِهِ وهذا ما أخبر به رَسُوله ﷺ في قَوْلِهِ:
«إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ بَثَّهُ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ بِخَيْرٍ»
وَمَا شُكْرُ الْوَلَدِ رَبَّهُ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَى وَالِدَيْهِ إِلَّا مِنْ بَابِ نِيَابَتِهِ عَنْهُمَا فِي هَذَا الشُّكْرِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَمَلِ الَّذِي يُؤَدِّيهِ الْوَلَدُ عَنْ وَالِدَيْهِ وَفِي حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْخَثْعَمِيَّةَ قَالَتْ لرَسُول الله ﷺ يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ:
«إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَيُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ، قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهُ»
وَهُوَ حَجٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى أَبِيهَا لِعَجْزِهِ.
شرح “الجهاد في سبيل الله”
قُلتُ (أي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه): ثُمَّ أَيْ؟ قالَ (أي النبي ﷺ):
«الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»
ولا يخفى ما للمجاهد في سبيل الله من الفضيلة والدرجة عند الله عزّ وجلّ، يُروى عنْ أحدِ الفقهاءِ وهوَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ ذَاتَ يَوْمٍ فِى مَجْلِسِنَا هَذَا نَتَهَيَّأُ لِلْخُرُوجِ إِلَى الْغَزْوِ وَقَدْ أَمَرْتُ أَصْحَابِى أَنْ يَتَهَيَّئُوا لِقِرَاءَةِ ءَايَتَيْنِ فَقَرَأَ رَجُلٌ فِى مَجْلِسِنَا:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾
فَقَامَ غُلامٌ فِى مِقْدَارِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَة أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُ وَوَرَّثَهُ مَالًا كَثِيرًا فَقَالَ: يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ بنَ زَيْدٍ. فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا حَبِيبِى. فَقَالَ: إِنِّى أُشْهِدُكَ أَنِّى قَدْ بِعْتُ نَفْسِى وَمَالِى بِأَنَّ لِىَ الْجَنَّةَ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ حَدَّ السَّيْفِ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْتَ صَبِىٌّ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ لا تَصْبِرَ وَتَعْجَزَ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ أُبَايِعُ اللَّهَ تَعَالَى بِالْجَنَّةِ ثُمَّ أَعْجَزُ أَنَا أُشْهِدُ اللَّهَ تَعَالَى أَنِّى قَدْ بَايَعْتُهُ. قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ: فَتَقَاصَرَتْ إِلَيْنَا أَنْفُسُنَا وَقُلْنَا: صَبِىٌّ يَعْقِلُ وَنَحْنُ لا نَعْقِلُ. فَخَرَجَ مِنْ مَالِهِ كُلِّهِ وَتَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا فَرَسَهُ وَسِلاحَهُ وَنَفَقَتَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخُرُوجِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ طَلَعَ عَلَيْنَا فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ، فَقُلْتُ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ رَبِحَ الْبَيْعُ، ثُمَّ سِرْنَا وَهُوَ مَعَنَا يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَيَخْدِمُنَا وَيَخْدِمُ دَوَابَّنَا وَيَحْرُسُنَا إِذَا نِمْنَا حَتَّى إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذَا بِهِ قَدْ أَقْبَلَ وَهُوَ يُنَادِى: وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ. فَقَالَ أَصْحَابِى: لَعَلَّهُ وُسْوِسَ لِهَذَا الصَّبِىِّ وَاخْتَلَطَ عَقْلُهُ؟! فَقُلْتُ: حَبِيبِى وَمَا هَذِهِ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ فَقَالَ: إِنِّى غَفَوْتُ غَفْوَةً فَرَأَيْتُ كَأَنَّهُ أَتَانِى ءَاتٍ، فَقَالَ لِىَ: اذْهَبْ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ فَهَجَمَ بِى عَلَى رَوْضَةٍ فِيهَا نَهْرٌ مِنْ مَاءٍ وَإِذَا عَلَى قُرْبِ النَّهْرِ جَوَارٍ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحُلِىِّ وَالْحُلَلِ مَا لا أَقْدِرُ أَنْ أَصِفَهُ فَلَمَّا رَأَيْنَنِى اسْتَبْشَرْنَ بِى وَقُلْنَ: هَذَا زَوْجُ الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ فَقُلْنَ: نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا امْضِ أَمَامَكَ فَمَضَيْتُ أَمَامِى فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ فِى رَوْضَةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ فِيهَا جَوَارٍ لَمَّا رَأَيْتُهُنَّ افْتُتِنْتُ بِحُسْنِ جَمَالِهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَنِى اسْتَبْشَرْنَ بِى وَقُلْنَ: هَذَا وَاللَّهِ زَوْجُ الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ فَقُلْنَ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ يَا وَلِىَّ اللَّهِ نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا فَتَقَدَّمْ أَمَامَكَ فَتَقَدَّمْتُ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ مِنْ خَمْرٍ غَيْرِ خَمْرِ الدُّنْيَا لا يُسْكِرُ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَبِقُرْبِ النَّهْرِ جَوَارٍ فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ قُلْنَ: لا، نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا امْضِ أَمَامَكَ فَمَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ ءَاخَرَ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى وَجَوَارٍ عَلَيْهِنَّ مِنَ النُّورِ وَالْجَمَالِ مَا أَنْسَانِى مَا خَلَّفْتُ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ قُلْنَ: يَا وَلِىَ اللَّهِ نَحْنُ خَدَمُهَا وَإِمَاؤُهَا فَامْضِ أَمَامَكَ فَمَضَيْتُ فَوَصَلْتُ إِلَى خَيْمَةٍ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ وَعَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِىِّ وَالْحُلَلِ مَا لا أَقْدِرُ أَنْ أَصِفَهُ فَلَمَّا رَأَتْنِى اسْتَبْشَرَتْ وَنَادَتْ مَنْ فِى الْخَيْمَةِ: أَيَّتُهَا الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ هَذَا بَعْلُكِ قَدْ قَدِمَ. قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنَ الْخَيْمَةِ وَدَخَلْتُ فَإِذَا هِىَ قَاعِدَةٌ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ فَلَمَّا رَأَيْتُهَا افْتُتِنْتُ بِهَا وَهِىَ تَقُولُ: مَرْحَبًا بِكَ يَا وَلِىَ الرَّحْمٰنِ قَدْ دَنَا لَكَ الْقُدُومُ عَلَيْنَا فَذَهَبْتُ لِأُعَانِقَهَا فَقَالَتْ: مَهْلًا فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تُعَانِقَنِى لِأَنَّ فِيكَ رُوحَ الْحَيَاةِ وَأَنْتَ تُفْطِرُ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: فَانْتَبَهْتُ (اسْتَيْقَظْتُ) يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ وَلا صَبْرَ لِى عَنْهَا. قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ: فَمَا انْقَطَعَ كَلامُنَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ لَنَا سَرِيَّةٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَهَجَمَ الْغُلامُ عَلَيْهِمْ فَعَدَدْتُ تِسْعَةً مِنَ الْعَدُوِّ قَتَلَهُمْ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ فَمَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِى دَمِهِ وَهُوَ يَضْحَكُ مِلْءَ فِيهِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا رحمه الله. وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
| يَا مَنْ يُعَانِقُ دُنْيَا لا بَقَـــاءَ لَهَـــــا | يُمْسِى وَيُصْبِحُ مَغْرُورًا وَغَـرَّارًا |
| هَلَّا تَرَكْــتَ مِــنَ الدُّنْيَـــا مُعَانَقَةً | حَتَّى تُعَانِقَ فِى الْفِرْدَوْسِ أَبْكَـارًا |
| إِنْ كُنْتَ تَبْغِى جِنَانَ الْخُلْدِ تَسْكُنُهَا | فَيَنْبَغِى لَكَ أَنْ لا تَأْمَـــنَ النَّــارَا) |
خاتمة الحديث
قالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي (وهذا يبين أن الصحابة كانوا لا يكثرون عليه الأسئلة تأدبا معه ﷺ).
الحديث الثاني: رواية أخرى لنفس الحديث
قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا ءادم بن أبي إياس حدثنا شعبة حدثنا الوليد سمعت أبا عمرو الشيباني أخبرنا صاحب هذه الدار يعني دارَ ابنِ مسعود قال: سألتُ رسول الله ﷺ مِثْلَه
من مناقب ابن مسعود
روي عَنْ نُوَيْفِعٍ مَوْلَى ابْنِ مَسْعُوْدٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ مِنْ أَجْوَدِ النَّاسِ ثَوْبًا أَبْيَضَ، وَأَطْيَبَ النَّاسِ رِيْحًا. قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ عَلِمْتُهُ مِنْ أَمْرِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مَعَ عُمُوْمَةٍ لِي – أَوْ أُنَاسٍ مِنْ قَوْمِي – نَبْتَاعُ مِنْهَا مَتَاعًا، وَكَانَ فِي بُغْيَتِنَا شِرَاءُ عِطْرٍ، فَأَرْشَدُوْنَا عَلَى العَبَّاسِ. فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى زَمْزَمَ، فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَابِ الصَّفَا، أَبْيَضُ، تَعْلُوْهُ حُمْرَةٌ، لَهُ وَفْرَةٌ جَعْدَةٌ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ، أَشَمُّ، أَقْنَى، أَذْلَفُ، أَدْعَجُ العَيْنَيْنِ، بَرَّاقُ الثَّنَايَا، دَقِيْقُ المَسْرُبَةِ، شَثْنُ الكَفَّيْنِ وَالقَدَمَيْنِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ، كَأَنَّهُ القَمَرُ لَيْلَةَ البَدْرِ، يَمْشِي عَلَى يَمِيْنِهِ غُلاَمٌ حَسَنُ الوَجْهِ، مُرَاهِقٌ، أَوْ مُحْتَلِمٌ، تَقْفُوْهُمُ امْرَأَةٌ قَدْ سَتَرَتْ مَحَاسِنَهَا، حَتَّى قَصَدَ نَحْوَ الحَجَرِ، فَاسْتَلَمَ، ثُمَّ اسْتَلَمَ الغُلاَمُ، وَاسْتَلَمَتِ المَرْأَةُ. ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَهُمَا يَطُوْفَانِ مَعَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الرُّكْنَ، فَرَفَعَ يَدَهُ وَكَبَّرَ، وَقَامَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ، فَرَأَيْنَا شَيْئًا أَنْكَرْنَاهُ، لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهُ بِمَكَّةَ. فَأَقْبَلْنَا عَلَى العَبَّاسِ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا الفَضْلِ! إِنَّ هَذَا الدِّيْنَ حَدَثٌ فِيْكُمْ، أَوْ أَمْرٌ لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهُ؟ قَالَ: أَجَلْ وَاللهِ مَا تَعْرِفُوْنَ هَذَا، هَذَا ابْنُ أَخِي مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ، وَالغُلاَمُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالمَرْأَةُ خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلدٍ امْرَأَتُهُ، أَمَا وَاللهِ مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ يَعْبُدُ اللهَ بِهَذَا الدِّيْنِ، إِلاَّ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَادِسَ سِتَّةٍ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرُنَا.
وَقيل: أَسْلَمَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ بَعْدَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِيْنَ نَفْسًا. وَعَنْ يَزِيْدَ بنِ رُوْمَانَ، قَالَ: أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ قَبْلَ دُخُوْلِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الأَرْقَمِ. وروي عَنْ زِرِّ بنِ حُبيش، عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ، قَالَ: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَمَرَّ بِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: (يَا غُلاَمُ! هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟). قُلْتُ: نَعَمْ، وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ. قَالَ: فَهَلْ مِنْ شَاةٍ لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الفَحْلُ؟ فَأَتَيْتُهُ بِشَاةٍ، فَمَسَحَ ضِرْعَهَا، فَنَزَلَ لَبَنٌ، فَحَلَبَ فِي إِنَاءٍ، فَشَرِبَ، وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ. ثُمَّ قَالَ لِلضِّرْعِ: (اقْلُصْ). فَقَلَصَ. زَادَ أَحْمَدُ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ هَذَا. ثُمَّ اتَّفَقَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا القَوْلِ. فَمَسَحَ رَأْسِي، وَقَالَ: (يَرْحَمُكَ اللهُ، إِنَّكَ غُلَيِّمٌ مُعَلَّمٌ) فَأَتَيْتُهُ بِصَخْرَةٍ مُنْقَعِرَةٍ، فَحَلَبَ فِيْهَا. قَالَ: فَأَسْلَمْتُ، وَأَتَيْتُهُ.
الحديث الثالث: رواية ثالثة لنفس الحديث
يذكر البخاري رحمه الله سندا آخر لهذه الرواية فيقول: حدثنا أبو نعيم حدثنا المسعودي حدثني ابن العَيْزار عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله
من فضائل ابن مسعود
قال عبد الله بن مسعود: لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِيْهِ ﷺ سَبْعِيْنَ سُوْرَةً، مَا نَازَعَنِي فِيْهَا بَشَرٌ. وقال الزبير: أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالقُرْآنِ بِمَكَّةَ بَعْدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ: عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ. وقال زر بن حبيش: أَوَّلُ مَنْ قَرَأَ آيَةً عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ: عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ. وجاء في سنن أبي داود أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ الزُّبَيْرِ وَابْنِ مَسْعُوْدٍ. قَالَ مُوْسَى بنُ عُقْبَة َ: وَمِمَّنْ قَدِمَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الحَبَشَةِ – الهِجْرَةِ الأُوْلَى إِلَى مَكَّةَ – عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ: عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى المَدِيْنَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَقِيَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ إِلَّا أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهُمُ ابْنُ مَسْعُوْدٍ. قال أبو موسى: حِيْنَ مَاتَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ، وَأَحَدُهُمَا يَقُوْلُ لِصَاحِبِهِ: أَتَرَاهُ تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ؟ قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ كَانَ يُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا، وَيَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا. وقال أبو موسى أيضًا: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ اليَمَنِ، فَمَكَثْنَا حِيْنًا، وَمَا نَحْسِبُ ابْنَ مَسْعُوْدٍ وَأُمَّهُ إِلّا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لِكَثْرَةِ دُخُوْلِهِم وَخُرُوْجِهِم عَلَيْهِ. وكَانَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ صَاحِبَ سِوَادِ رَسُوْلِ اللهِ – يَعْنِي سِرَّهُ – وَوِسَادِهِ – يَعْنِي فِرَاشَهُ – وَسِوَاكِهِ، وَنَعْلَيْهِ، وَطَهُوْرِهِ، وَهَذَا يَكُوْنُ فِي السَّفَرِ. وكَانَ عَبْدُ اللهِ يُلْبِسُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ يَمْشِي أَمَامَهُ بِالعَصَا، حَتَّى إِذَا أَتَى مَجْلِسَهُ نَزَعَ نَعْلَيْهِ، فَأَدْخَلَهُمَا فِي ذِرَاعِهِ، وَأَعْطَاهُ العَصَا، وَكَانَ يَدْخُلُ الحُجْرَةَ أَمَامَهُ بِالعَصَا. وكَانَ عَبْدُ اللهِ صَاحِبَ الوِسَادِ، وَالسِّوَاكِ، وَالنَّعْلِيْنِ.
وقال عبد الله بن مسعود: لَمَّا نَزَلَتْ:
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾
الآيَة، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (قِيْلَ لِي: أَنْتَ مِنْهُم)، وروي عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ، فَجَاءَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ هَدْيًا وَدَلًّا وَقَضَاءً وَخُطْبَةً بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنْ حِيْنِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، إِلَى أَنْ يَرْجِعَ، لا أَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ لَعَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ، وَلَقَدْ عَلِمَ المُتَهَجِّدُوْنَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّ عَبْدَ اللهِ مِنْ أَقْرَبِهِم عِنْدَ اللهِ وَسِيْلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ. قَالَ أَبُو مَسْعُوْدٍ البدري: وَاللهِ مَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللهِ مِنْ هَذَا القَائِمِ يقصد عبدَ الله بن مسعود. قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ، لَقَدْ قَرَأتُ مِنْ فِيِّ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِيْنَ سُوْرَةً، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّي تُبَلِّغُنِيْهِ الإِبِلُ لأَتَيْتُهُ. ومَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ نَزَلَتْ، وَفِيْمَا نَزَلَتْ.
وروي أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ مَرَّ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعَبْدُ اللهِ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَافْتَتَحَ سُوْرَةَ النِّسَاءِ يَسْجِلُهَا. فَقَالَ ﷺ: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأ قِرَاءةَ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) . فَأَخَذَ عَبْدُ اللهِ فِي الدُّعَاءِ، فَجَعَلَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (سَلْ تُعْطَ). فَكَانَ فِيْمَا سَأَلَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيْمَانًا لاَ يَرْتَدُّ، وَنَعِيْمًا لاَ يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَعْلَى جِنَانِ الخُلْدِ. فَأَتَى عُمَرُ عَبْدَ اللهِ يُبَشِّرُهُ، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ خَارِجًا قَدْ سَبَقَهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَسَبَّاقٌ بِالخَيْرِ
متن الحديث
قال: سألت رسول الله ﷺ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: «الصَّلَاةُ» قالَ: ثُمَّ ماذَا يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قالَ: ثُمَّ ماذَا؟ قالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»
فضل الجهاد في سبيل الله
ومما يبين فضل الجهاد والمجاهدين في سبيل الله ما روي عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
فَقَالَ: ثَامَنَهُمُ اللَّهُ فَأَغْلَى لَهُمْ، وقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَغْسِلُ الدَّرَنَ، وَالْقَتْلُ قَتْلَانِ كَفَّارَةٌ وَدَرَجَةٌ»، وروي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»
فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَجَاءَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ مَضَى بِسَيْفِهِ قُدُمًا يَضْرِبُ بِهِ حَتَّى قُتِلَ”، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ، وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ»
قَالُوا: بَلَى. قَالَ:
«فَاغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
وفي البخاري قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ»
وروي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “لَوْلَا ثَلَاثٌ: لَوْلَا أَنْ أَسِيرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يُغَبَّرَ جَبِينِي فِي السُّجُودِ، أَوْ أُقَاعِدَ قَوْمًا يَنْتَقُونَ طَيِّبَ الْكَلَامِ، كَمَا يُنْتَقَى طَيِّبُ الثَّمَرِ؛ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ لَحِقْتُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَل – يعني مات -“
ثُمَّ سَكَتَ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.
الخاتمة
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين