الحديث التاسع والأربعون والحديث الخمسون

الدرس ٣٩ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٢٩:٤٧

الحمد لله رب العالمين، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضد ولا ند له، ولا زوجة ولا ولد له، ولا جثة ولا جسم ولا صورة له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق. والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد طه الأمين، وعلى ءاله وصحابته الغر الميامين. أما بعد: 

الحديث التاسع والأربعون

الحديث

قال الحافظ النووي: وَعَنْ أَبي هُرَيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “مَا يَزَال الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمؤمِنَةِ في نَفْسِهِ وَولَدِهِ ومَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّه تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ” رواه التِّرْمِذيُّ وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحِيحٌ.

الشرح

وَعَنْ أَبي هُرَيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “مَا يَزَال الْبَلاءُ (المصائب والمتاعب نازلًا) بِالْمُؤْمِنِ وَالْمؤمِنَةِ في نَفْسِهِ  وَولَدِهِ (بالموت والمرض أو عدم الاستقامة أو نحوه مما يؤلم الوالد بحسب الطبع البشري) ومَالِهِ (بالتلف ببعض الأسباب من حرق أو سرقة أو نحو ذلك) حَتَّى (أي إن البلاء لا يزال بالإنسان، أي: الصابر كما يدل عليه لفظ المؤمن والمؤمنة المحمول عن الفرد الكامل إلى أن يغفر الله له به الخطايا) يَلْقَى اللَّه تَعَالَى (ولقاء الله كناية عن الموت) وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ (وقوله خطيئة ظاهر عمومه شمول الكبائر والتبعات، فإن ثبت ذلك وأنه مراد فذلك من محض فضل الكريم الجواد، إذ صالح العمل ومنه الصبر والاحتساب إنما يكفر الصغائر المتعلقة بحقوق الله تعالى)” رواه التِّرْمِذيُّ وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحِيحٌ. 

أحبابي هذا الحديث الشريف يبين أهمية الصبر على البلاء وأنه كفارة للذنوب بإذن الله تعالى، وأن البلايا إذا حصلت في الدنيا فإنه يراد منها الخيرَ لك وإن كرهتها نفسك، فاصبر على ما ينزل بك وإياك أن تعترض على الله عز وجل وسلم أمرك لله تعالى واجعل همَّك همًّا واحدا، اجعل همك كيف تنجو يوم القيامة كيف تنجو حين توضع في القبر، فإن الدنيا غرارة تضحك على أهلها حتى تهلكهم، فوجِّه قلبك حين نزول البلاء إلى الصبر والتسليم لله عز وجل، وكن على ثقة بنصر الله لعباده المؤمنين الصابرين، ولا يحملنَّك البلاء أن تقع في معصية الله عز وجل، فإياك والذنوب فإنها مهلكة، وتذكر أن الله ابتلانا حتى نصبر لا لنعترض عليه ونقع في معصيته، نصبر فنرتفع في الدرجات وتُكفر عنا الخطيئات والزلات، وما أحوجنا لذلك، فاحمَد الله على كل حال وسلِّم أمرك لله وكن على ثقة بالله، فقد روى ابن أبي الدنيا وغيره عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” إِذَا ابْتَلَى اللَّهُ الْعَبْدَ بِالسَّقَمِ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ قَالَ: «اسْمَعَا مَا يَقُولُ عَبْدِي هَذَا لِعُوَّادِهِ فَإِنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا بَلِّغَا ذَلِكَ عَنْهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ إِنَّ لِعَبْدِي هَذَا عَلَيَّ إِنْ أَنَا تَوَفَّيْتُهُ أُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ أَنَا رَفَعْتُهُ أَنْ أُبَدِّلَ لَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ وَأَغْفِرُ لَهُ»، وروي عن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا غَمَضَتْ عَيْنِي مُنْذُ سَبْعِ لَيَالٍ وَلَا أَحَدٌ يَحْضُرُنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” يَا أَخِي اصْبِرْ يَا أَخِي اصْبِرْ تَخْرُجْ مِنْ ذُنُوبِكَ كَمَا دَخَلْتَ فِيهَا قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَاعَاتُ الْأَمْرَاضِ يَذْهَبْنَ بِسَاعَاتِ الْخَطَايَا»، وروي عن بعض الصحابة أَنَّهُ خَرَجَ زَائِرًا لِرَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَبَلَغَهُ أَنَّهُ شَاكِي قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ أَتَيْتُكَ زَائِرًا وَأَتَيْتُكَ عَائِدًا وَمُبَشِّرًا قَالَ: كَيْفَ جَمَعْتَ هَذَا كُلَّهُ؟ قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ زِيَارَتَكَ فَبَلَغَتْنِي شَكَاتُكَ فَكَانَتْ عِيَادَةً وَأُبَشِّرُكَ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا سَبَقَتْ لِلْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ، أَوْ فِي وَلَدِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ».

إخواني وأخواتي: كل هذا الذي ذكرت هو من الشيء الذي يترتب على صبرنا على البلايا النازلة وهو والله خير عظيم، أما في الآخرة عندما يرى العبد المؤمن ثواب صبره الذي صبره في الدنيا فإنه سينسى كل هذا التعب الذي تعبه، والأجر عند الله عظيم، يقول الله تعالى: ((إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ))، ويقول الله تعالى: ((إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ))، يروي ابن الجوزي عَنِ الْحَسَنِ البصريِّ أنَّه قَالَ: إِنَّ للَّهِ تَعَالَى عِبَادًا كَمَنْ رَأَى أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ مُخَلَّدِينَ وَكَمَنْ رَأَى أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ معذبين , قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ , وَحَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ , صَبَرُوا أَيَّامًا قِصَارًا تَعْقُبُ رَاحَةً طَوِيلَةً , أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافَّةٌ أَقْدَامُهُمْ تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ , يَجْأَرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ رَبَّنَا رَبَّنَا. وَأَمَّا النَّهَارَ فَعُلَمَاءُ حُلَمَاءُ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى أَوْ قَدْ خُولِطُوا , وَمَا بِهِمْ مَرَضٌ وَلَكِنْ خَالَطَ الْقَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. وروي عَنْ شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ , قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ عَلَى شَاطِئِ البحر يتحدثون في ملكوت السماء وَفِي مُخَادَعَةِ الدُّنْيَا لِمَنْ فِيهَا , فَسَمِعُوا هَاتِفًا من البحر يقول: إن للَّهِ عِبَادًا أَخْلَصَتْهُمُ الْخَشْيَةُ وَأَذَابَهُمُ الْحُزْنُ , فَلَمْ تَجِفَّ دَمْعَتُهُمْ وَلَمْ يَشْغَلْهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ شَاغِلٌ , أُولَئِكَ عَلَى كَرَاسِيٍّ مِنْ نُورٍ عِنْدَ قَائِمَةِ الْعَرْشِ يَرحَمُهُمُ اللَّهُ فَصُعِقُوا وَسَقَطَ بَعْضُهُمْ فِي الْبَحْرِ وَمَاتَ بَاقِيهِمْ. 

وقد قيل: يَا قَلِيلَ الصَّبْرِ إِنَّمَا هِيَ مَرَاحِلُ , فَصَابِرْ لُجَّةَ الْبَلاءِ فَالْمَوْتُ سَاحِلٌ , تَأَمَّلْ تَحْتَ سَجْفِ لَيْلِ الصَّبْرِ صُبْحُ الأَجْرِ , وَاحْبِسْ لِسَانَكَ عَنِ الشَّكْوَى فِي سِجْنِ الصَّبْرِ , وَاقْطَعْ نَهَارَ البلاء بِحَدِيثِ الْفِكْرِ , وَأَوْقِدْ فِي ظُلَمِ الآلامِ مِصْبَاحَ الشُّكْرِ , وَقَلِّبْ قَلْبَكَ بين ذكر النُواب وَتَمْحِيصِ الْوِزْرِ , وَتَعَلَّمْ أَنَّ الْبَلاءَ يُمَزِّقُ رُكَامَ الذُّنُوبِ تَمْزِيقَ الشِّبَاكِ, وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي سِرِّ: {إِنَّ الله مع الصابرين} . أَنِسَ بِطاعته , وَمَنْ تَذَكَّرَ {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أجرهم بغير حساب} فرح بامتلاء كيسه. 

إذا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى
وَلاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا

نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لا تَكُونَ كَمِثْلِهِ
وَإِنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا

الحديث الخمسون

الحديث

قال الحافظ النووي: وَعَنْ ابْن عَبَاسٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَنَزلَ عَلَى ابْنِ أَخيِهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِن النَّفَرِ الَّذِين يُدْنِيهِمْ عُمرُ رضِيَ اللَّهُ عنهُ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحابَ مَجْلِسِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه وَمُشاوَرَتِهِ كُهولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُييْنَةُ لابْنِ أَخيِهِ: يَا ابْنَ أَخِي لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، فاستَأذنَ فَأَذِنَ لَهُ عُمرُ. فَلَمَّا دخَلَ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّاب، فَوَاللَّه مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالْعَدْل، فَغَضِبَ عُمَرُ رضيَ اللَّه عنه حتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّه تعَالى قَال لِنبِيِّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [سورة الأعراف: 198] وإنَّ هَذَا مِنَ الجاهلينَ، وَاللَّه مَا جاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا، وكَانَ وَقَّافًا عِنْد كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. رواه البخاري. 

الشرح

وَعَنْ ابْن عَبَاسٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ (مرت ترجمته وكان من المؤلفة قلوبهم ومن الأعراب الجفاة، ارتدّ وأتي به أسيرا إلى الصديق فأسلم فأطلقه) فَنَزلَ عَلَى ابْنِ أَخيِهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ (هو الحُرُّ بن قَيْس بن حِصْن بن حُذَيفة بن بَدْر بن عَمْرو الفَزَارِي. ، وهو ابن أخي عيينة بن حصن. وهو أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم مَرْجِعَه من تبوك. قال الغلابي: كان للحر ابنٌ شيعي، وابنةٌ حرورية، وامرأةٌ معتزلية، وأختٌ مرجئة، فقال لهم الحر: أنا وأنتم كما قال الله تعالى: “وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا” أي أهواء مختلفة)، وَكَانَ (أي الحر بن قيس) مِن النَّفَرِ (وهُم رَهْط الْإِنْسَانِ وعَشِيرته، وهُو اسْمُ جَمْعٍ، يَقَع عَلَى جَمَاعة مِنَ الرِّجال خاصَّة مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى العَشَرة، وَلَا واحدَ لَهُ مِنْ لَفْظه، وجمعه أنفار) الَّذِين يُدْنِيهِمْ (أي يقربهم) عُمرُ رضِيَ اللَّهُ عنهُ (وكان عمر يقربه لكونه من الفقهاء)، وَكَانَ الْقُرَّاءُ (جمع قارىء، والمراد منهم القارىء للقرآن المتفهم لمعانيه. فإن عبادتهم حينئذٍ كانت كذلك حتى لقد قرأ عمر رضي الله عنه البقرة في سبع سنين لذلك) أَصْحابَ (أي ملازمي) مَجْلِسِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه (لينبهوه إذا سها ويذكروه إذا نسي) وَمُشاوَرَتِهِ كُهولًا (قال ابن الأُثير: الكَهْل مِنَ الرِجال: مَن زَادَ عَلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَى الْأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: مِنْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ إِلَى تَمَامِ الْخَمْسِينَ. وَقَدِ اكْتَهَل الرَّجُلُ وكاهَل، إِذَا بَلَغ الكُهُولة فَصَارَ كَهْلا.اهـ وقال ابن علان: الكهل: الذي جاوز الثلاثين وخطه الشيب. قال ابن فارس: قال المبرّد: هو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وفي «تحفة القارىء» : سن الشباب خمس وثلاثون سنة، وسن الكهولة خمسون سنة، وسن الشيخوخة ستون سنة اهـ وبه يعلم أن الثلاث والثلاثين ابتداء الكهولة وتستمرّ إلى الخمسين وما قبل ذلك من بعد البلوغ فسن الشباب) كَانُوا أَوْ شُبَّانًا (والشُّبَّانُ جمعُ شابٍّ، يُقَالُ شَبَّ يَشِبُّ شَبَاباً، فَهُوَ شَابٌّ، وَالْجَمْعُ شَبَبَةٌ وشُبَّانٌ)، فَقَالَ عُييْنَةُ لابْنِ أَخيِهِ: يَا ابْنَ أَخِي لَكَ وَجْهٌ (أي جاهٌ ومنزلةٌ، عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ (أي عمر بن الخطاب رضي الله عنه) فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ (اسأله الإذن لي ليسمح لي بالدخول عليه في مجلسه)، فاستَأذنَ (أي استأذَنَ الحرُّ لعيينةَ) فَأَذِنَ لَهُ عُمرُ (أي: لعيينة في الوصول إليه). فَلَمَّا دخَلَ (أي عيينة) قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّاب (قال ابن حجر: فَقَالَ هِيْ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَفِي بَعْضِهَا هِيهِ بِكَسْرِ الْهَاءَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ أَنْ ضَبَطَهَا هَكَذَا هِيْ كَلِمَةٌ تُقَالُ فِي الِاسْتِزَادَةِ وَيُقَالُ إِيْه وَتَقُولُ إِيهًا عَنَّا بِالنَّصْبِ أَيْ كُفَّ قال ابن السِّكِّيتِ تَقُولُ لِمَنِ اسْتَزَدْتَهُ مِنْ عَمَلٍ أَوْ حَدِيثٍ إِيه فَإِنْ وَصَلْتَ نَوَّنْتَ فَقُلْتَ إِيهٍ وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الزَّجْرَ وَطَلَبَ الْكَفَّ لَا الِازْدِيَادَ، وَقَوله يَا بن الْخَطَّابِ هَذَا أَيْضًا مِنْ جَفَائِهِ حَيْثُ خَاطَبَهُ بِهَذِهِ الْمُخَاطَبَةِ)، فَوَاللَّه مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ (أَيِ الْكَثِيرَ وَأَصْلُ الْجَزْلِ مَا عَظُمَ مِنَ الْحَطَبِ) وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالْعَدْل (والعدلُ هو ما جاء به الكتاب والسنة نصًّا أو استنباطًا)، فَغَضِبَ عُمَرُ رضيَ اللَّه عنه (أي: لما رماه به من منع المال عن مستحقه من الأنام وعدم العدل في الأحكام) حتَّى هَمَّ (أي أراد) أَنْ يُوقِعَ بِهِ (أَيْ يَضْرِبَهُ، أو المعنى أن يُنزِلَ به شيئا من العقوبة وذلك لجفائه وسوء أدبه معه) فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (وهو أول من لُقِّب أميرَ المؤمنين من الخلفاء) إِنَّ اللَّه تعَالى قَال لِنبِيِّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (محرّضاً له على الحلم والصفح: أي ولكم في رسول الله أسوة حسنة): {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (قال القرطبي: هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ، تَضَمَّنَتْ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ فِي الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ. فَقَوْلُهُ: (خُذِ الْعَفْوَ) دَخَلَ فِيهِ صِلَةُ الْقَاطِعِينَ، وَالْعَفْوُ عَنِ الْمُذْنِبِينَ، وَالرِّفْقُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُطِيعِينَ وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) صِلَةُ الْأَرْحَامِ، وَتَقْوَى اللَّهِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَغَضُّ الْأَبْصَارِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِدَارِ الْقَرَارِ. وَفِي قَوْلِهِ (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) الْحَضُّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْعِلْمِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ أَهْلِ الظُّلْمِ، وَالتَّنَزُّهُ عَنْ مُنَازَعَةِ السُّفَهَاءِ، وَمُسَاوَاةِ الْجَهَلَةِ الْأَغْبِيَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ. وهَذِهِ الْخِصَالُ تَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ، وَقَدْ جَمَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ. قَالَ جَابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ أَبُو جُرَيٍّ: رَكِبْتُ قَعُودِي ثُمَّ أَتَيْتُ إِلَى مَكَّةَ فَطَلَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنَخْتُ قَعُودِي بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَدَلُّونِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ بُرْدٌ مِنْ صُوفٍ فِيهِ طَرَائِقُ حُمْرٍ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ:” وَعَلَيْكَ السَّلَامُ”. فَقُلْتُ: إِنَّا مَعْشَر أَهْلِ الْبَادِيَةِ، قَوْمٌ فِينَا الْجَفَاءُ، فَعَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا. قَالَ:” ادْنُ” ثَلَاثًا، فَدَنَوْتُ فَقَالَ:” أَعِدْ عَلَيَّ” فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: (اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَأَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي وَإِنِ امْرُؤٌ سَبَّكَ بِمَا لَا يَعْلَمُ مِنْكَ فَلَا تَسُبُّهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ أَجْرًا وَعَلَيْهِ وِزْرًا وَلَا تَسُبَّنَّ شَيْئًا مِمَّا خَوَّلَكَ اللَّهُ تَعَالَى (قَالَ أَبُو جُرَيٍّ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ شَاةً وَلَا بَعِيرًا. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:” إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ”. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ:” خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ” قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ. وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ”؟ فَقَالَ:” لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّيَ” فَذَهَبَ فَمَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ:” إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ”. فَنَظَمَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ:

مَكَارِمُ الأخلاق في ثلاثة
وممن كَمُلَتْ فِيهِ فَذَلِكَ الْفَتَى

إِعْطَاءُ مَنْ تَحْرِمُهُ وَوَصْلُ مَنْ
تَقْطَعُهُ وَالْعَفْوُ عَمَّنِ اعْتَدَى

وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَجْمَعُ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخلاق). وقال الشاعر:

كُلُّ الْأُمُورِ تَزُولُ عَنْكَ وَتَنْقَضِي
إِلَّا الثَّنَاءَ فَإِنَّهُ لَكَ بَاقِي

وَلَوْ أَنَّنِي خُيِّرْتُ كُلَّ فَضِيلَةٍ
مَا اخْتَرْتُ غَيْرَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ

وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أوصى الله موسى بِتِسْعَةِ أَشْيَاءَ: الْخَشْيَةُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَكَلِمَةُ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي، وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وَأَنْ يَكُونَ نُطْقِي ذِكْرًا، وَصَمْتِي فِكْرًا، وَنَظَرِي عِبْرَةً. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ، (أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ الْإِخْلَاصِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَالْعَدْلِ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ وَالْقَصْدِ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ وَأَنْ أَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي وَأَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي وَأَنْ يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا ونظري عِبْرَةً. وقيل: إِنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِمُحَاجَّةِ الْمُشْرِكِينَ دَلَّهُ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَإِنَّهَا سَبَبُ جَرِّ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِيمَانِ. أَيِ اقْبَلْ مِنَ النَّاسِ مَا عَفَا لَكَ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَتَيَسَّرَ، تَقُولُ: أَخَذْتُ حَقِّي عَفْوًا صَفْوًا، أَيْ سَهْلًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) أَيْ بِالْمَعْرُوفِ. وَالْعُرْفُ وَالْمَعْرُوفُ وَالْعَارِفَةُ: كُلُّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ تَرْتَضِيهَا الْعُقُولُ، وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا النُّفُوسُ. قَالَ الشَّاعِرُ:

مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ لَا يَعْدَمْ جَوَازِيَهُ
لَا يَذْهَبُ الْعُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ وَالنَّاسِ

وَقَالَ عَطَاءٌ:” وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ” يَعْنِي بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) أَيْ إِذَا أَقَمْتَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ وَأَمَرْتَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ فَجَهِلُوا عَلَيْكَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، صِيَانَةً لَهُ عَلَيْهِمْ وَرَفْعًا لِقَدْرِهِ عَنْ مُجَاوَبَتِهِمْ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهُوَ تَأْدِيبٌ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ. قَالَ الطببي مَا مُلَخَّصُهُ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَأَمَرَ أُمَّتَهُ بِنَحْوِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَمُحَصَّلُهُمَا الْأَمْرُ بِحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ النَّاسِ وَبَذْلُ الْجَهْدِ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَالْمُدَارَاةُ مَعَهُمْ وَالْإِغْضَاءُ عَنْهُمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ) [سورة الأعراف: 198] وإنَّ هَذَا مِنَ الجاهلينَ (المأمور بالصفح عنهم والتجاوز عن سوء فعلهم) وَاللَّه مَا جاوَزَها (أي لم يتعدَّ عنها بل عمل بما فيها، أي ما خرج عما تضمنته من الصفح والتجاوز، قال ابن حجر: هُوَ كَلَام بن عَبَّاس فِيمَا أَظن وَجزم شَيخنَا بن الْمُلَقِّنِ بِأَنَّهُ كَلَامُ الْحُرِّ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ، وَمَعْنَى مَا جَاوَزَهَا مَا عَمِلَ بِغَيْرِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بَلْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهَا وَلِذَلِكَ قَالَ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَيْ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ وَلَا يَتَجَاوَزُهُ) عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا (أي تلاها الحر عليه)، وكَانَ وَقَّافًا (أي يطبق ما فيه ولو كان قليلا) عِنْدَ (حدود) كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى (كناية عن امتثاله لها والاهتمام بأمرها وعدم تجاوز ذلك، والوقاف بالتشديد للثاني من الوقوف). رواه البخاري. 

حثنا الشرع الحنيف على تَرْكِ الْغَضَبِ، وَعلى كَظْمِ الْغَيْظِ، وَالْعَفْوِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ ” قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ، وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وروى البيهقي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً إِلَى مَغْرِبَانِ الشَّمْسِ، حَفِظَهَا مَنْ حَفِظَهَا، وَنَسِيَهَا مَنْ نَسِيَهَا، وَأَخْبَرَنَا بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ” أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، أَلَا إِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ فِي جَوْفِ ابْنِ آدَمَ، أَلَمْ تَرَوْا إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ، وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ؟، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَلْزَقْ بِالْأَرْضِ، أَلَا إِنَّ خَيْرَ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ بَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الْفَيْءِ، وَشَرَّ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ بَطِيءَ الْفَيْءِ سَرِيعَ الْغَضَبِ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ سَرِيعَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الْفَيْءِ فَإِنَّهَا بِهَا، وَإِذَا كَانَ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ فَإِنَّهَا بِهَا، أَلَا وَإِنَّ خَيْرَ التُّجَّارِ مَنْ كَانَ حَسَنَ الْقَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ، وَشَرَّ التُّجَّارِ مَنْ كَانَ سَيِّيءَ الْقَضَاءِ سَيِّيءَ الطَّلَبِ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ حَسَنَ الْقَضَاءِ سَيِّيءَ الطَّلَبِ فَإِنَّهَا بِهَا، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ سَيِّيءَ الْقَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ فَإِنَّهَا بِهَا، أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا مَهَابَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِالْحَقِّ إِذَا عَلِمَهُ، أَلَا إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَلَا وَإِنَّ أَكْبَرَ الْغَدْرِ غَدُرُ أَمِيرِ الْعَامَّةِ، أَلَا وَإِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ الْحَقِّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ “، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ مَغْرِبَانِ الشَّمْسِ، قَالَ: ” أَلَا إِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ كَمَثَلِ مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى “، ويروى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، دَعَا مَمْلُوكَهُ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ أَجَابَهُ فِي الثَّالِثِ، فَقَالَ لَهُ: ” يَا بُنَيَّ، أَمَا سَمِعْتَ صَوْتِي؟ ” قَالَ: بَلَى، قَالَ: ” فَمَا لَكَ لَمْ تُجِبْنِي؟ ” قَالَ: أَمِنْتُكَ، قَالَ: ” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مَمْلُوكِي يَأْمَنُنِي “، وكان سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: كُنَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الْمُقْرِئَ، فَخَرَجَ وَبِيَدِي قَلَمٌ أُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ فِي الْقِرَاءَةِ وَوَقَفْتُ أَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ، فَانْحَلَّ السِّكِّينُ مِنْ يَدِي فَأَصَابَ رَأْسَ الشَّيْخِ فَانْهَارَ الدَّمُ، قَالَ: فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ، وَقَالَ: ” يَا بُنَيَّ، إِنْ أَرَدْتَ قَتْلِي فَأَخْرِجْنِي مِنَ الْحَرَمِ “، وقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: ” إِنَّ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعَفْوَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَتَسْكِينَ الْغَضَبِ عِنْدَ الْحِدَّةِ، وَالرِّفْقَ بِعِبَادِ اللهِ “، قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: ” لَا عَفْوَ لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ، وَلَا فَضْلَ لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ “.