فضل كظم الغيظ وثواب من ملك نفسه | رياض الصالحين (47)

الدرس ٣٧ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٣٩:٠٩

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاء مُزَيَّنَةً بِزِينَةِ النُّجُومِ، وَثبَّتَ الأَرْض بِجِبَالٍ فِي أَقَاصِي التُّخُومِ، عَلِمَ الأَشْيَاء كلها وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَعْلُومُ، وقدَّر الْمَحْبُوب وَالْمَكْرُوه وَالْمَحْمُود وَالْمَذْمُوم، واطَّلَعَ عَلَى بَوَاطِنِ الأَسْرَارِ وخَفَايَا الْمَكْتُومِ، جَلَّ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الأَفْكَارُ أَوْ أن تَتَخَيَّلَهُ الْوُهُومُ، وَقَضَى ما يكون فَقَضَاؤُهُ مَحْتُومٌ، وَبِتَقْدِيرِهِ مَعْصِيَةُ الْعَاصِي وَعِصْمَةُ الْمَعْصُومِ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ والصلاة والسلامُ على رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلاةً تَبْلُغُهُ عَلَى الْمَرُومِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ  المتصدق عَلَى السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَعَلَى عُمَرَ الْمُنْتَصِفِ بَيْنَ الظَّالِمِ وَالْمَظْلُومِ، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمُتَهَجِّدِ إِذَا رَقَدَ النَّئُومُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي حَازَ الشَّرَفَ وَالْعُلُومَ. أما بعد:

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله: وعنْ مُعاذِ بْنِ أَنَسٍ رضي اللَّه عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “مَنْ كظَمَ غَيظًا، وهُو قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالَى عَلَى رُؤُوسِ الْخلائقِ يَوْمَ الْقِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ” رواه أَبُو داوُدَ، والتِّرْمِذيُّ وَقالَ: حديثٌ حسنٌ.

ترجمة راوي الحديث

هو معاذ بن أنس الجهني، صحب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى عَنْهُ أحاديث وسكن مصر. وهو أبو سهل بن معاذ الذي روى عنه العديد من الشاميين والمصريين. سكن مصر روى عنه ابنه سهل، له نسخة كبيرة عند ابنه سهل أورد منها أحمدبن حنبل في مسنده وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والأئمة بعدهم في كتبهم، روي له عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثلاثون حديثًا. 

الشرح

وعنْ مُعاذِ بْنِ أَنَسٍ رضي اللَّه عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “مَنْ كظَمَ غَيظًا (تجرعه واحتمل سببه وصبر عليه والغيظ: تغير الإنسان عند احتداده، وظاهر عموم تنكير غيظًا حصول الثواب على كظم الغيظ مع القدرة على إنفاذه وإن قلّ)، وهُو قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ (أي يقضي ويعمل بما يدعوه إليه: من ضرب المغتاظ منه، أو قتله أو نحوه لسطوته على المغتاظ منه بمُلك أو نحوه وهو قيد في حصول ثواب كظم الغيظ المذكور)، دَعَاهُ اللَّهُ (أي دعته ملائكة الله بأمر من الله عز وجل، فأحيانا تَرِدُ ألفاظٌ فيها أن الله تعالى نادى فلان أو دعا فلان ويكون المراد أن ملكا من ملائكة الله ينادي بأمر الله عز وجل وليس المراد أن الله يتكلم بحرف وصوت وينادي يوم القيامة كما ينادي بعضنا بعضا، لا فالله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولكننا أهلَ السنة والجماعة نقول: الله تعالى موصوفٌ بصفة الكلام، وبما أنها صفةٌ لله تعالى فهي ليست كصفات المخلوقين وليسَت كما يخطُر للبشر، كلام الله واحِدٌ غير مُتعدِّد. فكلامنا مُتعدِّد وكلام الله ليسَ ككلامنا، كلام الله ليسَ حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً وليسَ بانسلال هواء ولا باصطكاك أجرام، نحن كلامنا بحرف وصوت ولغة وكلام الله لا يُشبه كلام المخلوقين، كذلك كلامنا يكون بانسلال هواء وتحرك الأجرام فيكون هذا الكلام مخلوقًا، كلام الله ليسَ له بداية وليسَ له نهاية لأنه صفةٌ لله تعالى. واعلموا أنّ أهل السنة والجماعة وسطٌ بين طرفيّ شُذوذ وسطٌ بين شذوذ المُشبهة وشذوذ المُعطِّلة. قالت المُجسِّمة المُشبّهة الله مُتكَلِّم بكلام هو حروف وأصوات متعددة يحدثُ فى ذاته ثم ينقطع، ثم يحدث ثم ينقطع والعياذ بالله تعالى. وأمّا المعتزلة فقالوا لا يُوصف بصفة الكلام وإنما كلامه تعالى حروف وأصوات يخلقها في غيره كاللوح أو جبريل أو الرسول وهو حادث أي مخلوق والعياذ بالله تعالى. أهل السُّنة أثبتوا الصفة ولكن من غير تشبيه، ما قالوا بالتعطيل ولا بالتشبيه بل قالوا إنّ كلام الله ليسَ حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً لأنه لو كان حرفًا أو صوتًا أو لغة لكان ككلام المخلوقين. لما نقول (بسم الله الرحمن الرحيم) بدأنا بحرف الباء ثم انتهينا منه وبدأنا بحرف السين وهكذا كلامنا حروف وأصوات ومتقطّع وله نهاية، فإذا سكتنا انقطع وانتهى، وكلام الله يستحيلُ أن يكون هكذا.. هذا ما كان عليه السلف الصالح فقد صرّحَ الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وهو من أساطين علماء السلف فقد وُلدَ سنة ثمانين للهجرة في كتابه الفقه الأكبر (و يتكلم لا ككلامنا نحن نتكلم بالآلات من المخارج والحروف والله مُتَكَلّم بلا ءالة ولا حرف). انتهى وكلام الله الذي هو صفةٌ له ليسَ مخلوقًا، ومن قال أنّ كلام الله ويعني صفةَ الكلام لله تعالى مخلوقة فقد كفر لأنه جعل الحُدوث يطرأ على الله، فمن كانت له صفةٌ مخلوقة فذاته مخلوق، والله ليسَ كذلك. ولكن قد يسأل سائِلٌ القُرآن الذي نقرأه وهو الذي له بداية وله نهاية وهو حروفٌ ويُقرأ بصوتٍ وحرف وهو باللغة العربية، ماذا نقول عنه؟ الجواب: القُرآن بمعنى اللفظ المنزل هو حروفٌ ومتقطع ونقرأه بصوت فكيف نُوفِّق بين هذا الأمر وبين كلام الله الذي هو صفة الله. يقول أهل السُّنة والجماعة كلام الله يُطلق ويُرادُ به معنيان: الأول يُطلَقُ ويُراد به صفة الكلام لله تعالى فإذًا هو ليسَ حرفًا ولا صوتًا ولا لُغةً ولا مُتقطّع ولا انتهاءَ له وغيرَ مُبتَدأ وليسَ بانسلال هواء وليس باصطكاك أجرام. الثاني يُطلَقُ ويُراد به اللفظُ المُنزَّلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي بين الدّفتين، وهو حرفٌ وصوتٌ ولغة عربية، فهذا اللفظ هو يدل على كلام الله الأزليّ الأبدي، بمعنى أنه عبارات عن كلام الله الذي ليس حرفًا ولا صوتًا، وليس هو عين صفة الكلام لله. إِنَّ مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا ءَايَاتٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام 62] وَقَالُوا لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ كَخَلْقِهِ لَجَازَ عَلَيْهِ كُلُّ صِفَاتِ الْخَلْقِ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا مُحَالٌ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرَ حَرْفٍ وَصَوْتٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ كُلَّ إِنْسَانٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُسْمِعُهُ كَلامَهُ وَيُحَاسِبُ مَنْ يُحَاسِبُهُ مِنْهُمْ بِهِ فَيَفْهَمُ الْعَبْدُ مِنْ كَلامِ اللَّهِ السُّؤَالَ عَنْ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَاعْتِقَادَاتِهِ، وَيَنْتَهِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حِسَابِهِمْ فِي سَاعَةٍ أَيْ وَقْتٍ قَصِيرٍ مِنْ مَوْقِفٍ مِنْ مَوَاقِفِ الْقِيَامَةِ، وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ كُلُّهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. فَلَوْ كَانَ حِسَابُ اللَّهِ لِخَلْقِهِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ مَا كَانَ يَنْتَهِي مِنْ حِسَابِهِمْ فِي مِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ لِأَنَّ الْخَلْقَ كَثِيرٌ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَحْدَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ كَوَاحِدٍ مِنْ مِائَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ كَوَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ، وَبَعْضُ الْجِنِّ يَعِيشُونَ ءَالافًا مِنَ السِّنِينَ، فَلَوْ كَانَ حِسَابُ الْخَلْقِ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَكَانَ إِبْلِيسُ وَحْدَهُ يَأْخُذُ حِسَابُهُ وَقْتًا كَثِيرًا لِأَنَّ إِبْلِيسَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَاشَ مِائَةَ أَلْفِ سَنَةٍ وَلا يَمُوتُ إِلَّا يَوْمَ النَّفْخَةِ، وَحِسَابُ الْعِبَادِ لَيْسَ عَلَى الْقَوْلِ فَقَطْ بَلْ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ، وَكَذَلِكَ الإِنْسُ مِنْهُمْ مَنْ عَاشَ أَلْفَيْ سَنَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاشَ أَلْفًا وَزِيَادَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ عَاشَ مِئَاتٍ مِنَ السِّنِينَ فَلَوْ كَانَ حِسَابُهُمْ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَاسْتَغْرَقَ حِسَابُهُمْ زَمَانًا طَوِيلًا جِدًّا وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ بَلْ لَكَانَ أَبْطَأَ الْحَاسِبِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، ثُمَّ الْحُرُوفُ تَتَعَاقَبُ مَهْمَا كَانَتْ سَرِيعَةً تَأْخُذُ شَيْئًا مِنَ الْوَقْتِ) سُبْحانَهُ وتَعالَى (أي تنزه الله وتبارك عما لا يليق به من الوصف بصفات المخلوقات فالتسبيح كما قال الزبيدي وغيره التنزيه أي تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات) عَلَى رُؤُوسِ الْخلائقِ (أي أمام الخلائق تنويها بفضله وعلو مرتبته) يَوْمَ الْقِيامَةِ (أي اليوم الذي يدان به العباد ويحاسبون، والقيامة خمسون ألف سنة أولُهُ من خروج الناس من قبورِهِم إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهلُ النار النار، القيامة فيها خمسون موقفًا كُلُّ موقف ألف سنة يكونُ المجموع خمسين ألف سنة، يُخففُ على العبدِ التقي حتى يكون كالصلاةِ المُأدات التي يُصليها في الدنيا لا يُحِسُ بالضيق، مِقدارُ الوقت الذي كان يأخُذُهُ في الدنيا لأداء الصلاة المفروضة هكذا يُحِسُ يوم القيامة، وأحيانًا الآخرة تُطلقُ على ذلك وعلى ما بعدهُ إلى ما لا نهاية له، أما يومُ القيامة هو مُدةٌ مخصوصةٌ من الزمن خمسونَ ألف سنة بسنيننا هذه تُخففُ على المؤمن حتى تكون كالصلاةِ المفروضةِ التي يُصليها في الدُنيا لا يُحِسُ بملل وضجر وضيق من طولِ هذا الوقت. وحر الشمس ذلك اليوم يكون أضعافا مضاعفة على حرها في الدنيا، ومع ذلك فالمؤمن الكامل لا يقاسي منه شيئا بل يجعله الله في ظل العرش، فكل من أكرمهم الله تعالى من المؤمنين ذلك اليوم يكونون في ظل العرش، لا يجدون مس حر الشمس بالمرة إلى أن يقضى بين العباد فيبعث من بعث إلى الجنة ويبعث من بعث إلى النار. وفي ذلك روَى ابنُ حِبَّانَ في صحيحه عَن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الْأَرْضِ فَيَعْرَقُ النَّاسُ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبْلُغُ عَرَقُهُ كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى الْعَجُزِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى الْخَاصِرَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ عُنُقَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ وَسَطَ فِيهِ“، وَأَشَارَ عُقْبَةُ بِيَدِهِ فَأَلْجَمَ فَاهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ هَكَذَا، “وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَطِّيهِ عَرَقُهُ“، وَضَرَبَ بيده إشارةً. والله تعالى لا يسلط حرَّ شمس يوم القيامة على الأتقياء والأولياء والأنبياء حينما تدنو من رؤوس الناس. اليوم مركز الشمس بعيد من رؤوسنا، بيننا وبينها مسافة طويلة بعيدة، أما في ذلك اليوم فإنها تقترب فيعرق هذا وهذا وهذا من شدة الحر ولا سيما الكفار، وبعض المسلمين من أهل الكبائر يصير لهم عرق شديد لكن لا يصيب عرق هذا إلى الذي يليه ولا عرق هذا إلى هذا ولا عرق هذا إلى هذا كل على حسب عمله، عرق هذا حوله يتكوم، ولا يموتون مهما اشتد عليهم حر الشمس ووصل عرقهم إلى ما وصل إليه، فبعض الناس عرقهم يأخذ أقدامهم وبعض الناس إلى ركبهم وبعض الناس إلى أوساطهم وبعض الناس إلى أفواههم وأما الكفار فبعضهم عرقهم يغرقهم، يرتفع ويعلو فيعمهم ويغمرهم. ويوجد مؤمنون دون الأولياء يحصل لهم يوم القيامة وقاية من حر الشمس، ومن أولئك الذين يسهلون على الناس ويقرضونهم، يكون لهم ديون على المسلمين فلا يشددون عليهم، إما أنهم يسامحونهم أو لا يشددون عليهم في المطالبة بل يوسعون في الأجل، يقولون للذين لهم ديون عليهم إذا تيسر لكم تعطوننا وأحيانا يعفونهم فيقولون لهم سامحناكم، هؤلاء أيضا يوم القيامة يظلهم الله تعالى بظل العرش فلا يصيبهم أذى الشمس، وكذلك الذين يتحابون في الله الرجال والنساء، أي ليس للمال يتحابون ولا لأجل لقرابة ولا لتآلف شكلي وإنما لأن هذا مؤمن يحب الله ورسوله وهذا مؤمن يحب الله ورسوله يتآلفان ويتحابّان ثم يتصافان المحبة فلا يعامل بعضهم بعضا بالغش والخيانة والمكر، فالذي يحبه لنفسه من الخير يحبه لأخيه وذاك مثل ذلك، هؤلاء لهم منابر من نور يوم القيامة لا يصيبهم أذى حر الشمس.) حَتَّى يُخَيِّرَهُ (أي يقال له اختر ما تشاء وتحب) مِنَ الْحُورِ الْعِينِ (والحور بضم الحاء جمع الحوراء والحوراء هي التي اشتد بياض بياض عينها وسواد سوادها وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيض ما حولها، وقال بعض اللغويين: الحور أن يكون البياض محدقا بالسواد كله وإنما يكون هذا في البقر والظباء ثم يستعار للناس، والعين بكسر العين وسكون الياء جمع عيناء وهو الواسعة العين والرجل أعين وأصل الجمع بضم العين فكسرت لأجل الياء، قال بدر الدين العيني: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: خلقت الْحَوْرَاء من أَصَابِع رِجْلَيْهَا إِلَى ركبتيها من الزَّعْفَرَان، وَمن ركبتيها إِلَى ثدييها من الْمسك الإذفر، وَمن ثدييها إِلَى عُنُقهَا من العنبر الْأَشْهب، وعنقها من الكافور الْأَبْيَض، تلبس سَبْعينَ ألف حلَّة مثل شقائق النُّعْمَان، إِذا أَقبلت يتلألأ وَجههَا ساطعا كَمَا تتلألأ الشَّمْس لأهل الدُّنْيَا، وَإِذا أَقبلت ترى كَبِدهَا من رقة ثِيَابهَا وجلدها، فِي رَأسهَا سَبْعُونَ ألف ذؤابة من الْمسك، لكل ذؤابة مِنْهَا وصيفة ترفع ذيلها) مَا شَاءَ” رواه أَبُو داوُدَ، والتِّرْمِذيُّ وَقالَ: حديثٌ حسنٌ. 

وهذا الحديث يبين شيئا من أجر كتم الغيظ وترك الغضب المذموم ويبين أهمية الحلم.

فالشيطان يَكْمُنُ للإِنْسانِ حِينَ الغَضَب لِيَجُرَّهُ إِلَى الوُقُوعِ فِى هذه الذُّنُوبِ وَالمعاصِي وَقَدْ أَرْشَدَ الرّسُولُ إِلَى دواءٍ مانِعٍ مِنَ الغَضَب وَإِلَى دَواءٍ رافِعٍ للغَضَب. الدواءُ الْمانِعُ لِلغَضَب أَنْ تَتَذَكَّرَ إِذا تَحَرَّكَت نَفْسُكَ بِسَبَبِ أَذِيَّةِ إِنْسان لَك، أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّ للغَضَبِ ءاثارًا مُهْلِكَة! أَنَّهُ إِنْ غَضِبْتَ، قَدْ تَقَعُ فِى الشُّرُورِ وَالمفاسِد. إِذا تَذَكَّرْتَ هذا، قَدْ يَمْنَعُكَ هذا التَّذَكُّر مِنْ عَدَمِ الانْسِياقِ إِلَى الغَضَب. وَهُناكَ دَواءٌ رافِع، دَواءٌ يَرْفَعُ عَنْكَ وَيَدْفَعُ عَنْكَ ءاثارَ الغَضَب إِنْ غَضِبْتَ. أَرْشَدَ الرَّسُولُ إِلَى هذه الأُمُور فقالَ ﷺ: أَنْ تَسْتَعِيذَ من الشَّيْطانِ الرَّجِيم، إِذا كُنتَ قائِمًا وَغَضِبْتَ، فاقْعُد! فَإِنَّ هذا يُخَفِّفُ عَنْكَ مِنْ ءاثارِ الغَضَب، لأَنَّ الإِنْسانَ إِذا كانَ فِى حالِ قِيام وَغَضِب، قَدْ يَضْرِبُ وَيَبْطشُ الذي أَغْضَبَه، فَهُوَ أَبْعَدُ فِى حالِ قُعُودِهِ مِنَ الآثارِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الغَضَب فَلِذلِك أَرْشَدَ الرَّسُولُ الغَضْبانَ القائِم أَنْ يَقْعُدَ وَإِنْ كانَ قاعِدًا فَغَضِب فَلْيضتجِع يَعْنِى يَسْتَلْقِي عَلَى جَنْبِهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ. هذه أَدْوِيَة رافِعَة للآثار التي تَتَرَتَّبُ عَلَى الغَضَب. وَأَرْشَدَ الرَّسُولُ أَنْ يَقْصِدَ الإِنْسان الوُضُوء، إِذا غَضِب فَلْيَتَوَضَّأ لأَنَّ الوُضُوء يُبَرِّدُ هٰذا الثَّوَران وَالغَلَيان فِى بَدَنِهِ، لأَنَّ الغَضَب هُوَ فِى الحَقِيقَةِ ثَوَرانُ الدَّمِ وَغَلَيانُهُ فِى القَلْب فَلِذلِكَ يَحْمَرُّ الوَجْه وَلِذلِكَ تَنْتَفِخُ الأَوْتاد، تَمْتَلِئُ هذه العُروقُ دَمًا بِسَبَبِ غَلَيانِ الدَّم وَالوُضُوءِ يُبَرِّدُ هذا الغَلَيان. فَلِذلِك أَرْشَدَ الرَّسُولُ أَنَّ الإِنْسانَ إِذا ظَهَرَ عَلَيْهِ أَمَراتُ الغَضَب، فَلْيَتَوَضَّأ أَوْ فَلْيَغْتَسِل. هذه الأَدْوِيَةُ دافِعَةٌ وَمانِعَةٌ وَرافِعَةٌ للشُّرُور التي تَتَرَتَّبُ عَلَى الغَضَب. وَقَد سَبَّ رَجُلٌ الشَّعْبِيَّ وَالشَّعْبِيُّ هُوَ مِنْ عُلَماء التّابِعِين الذينَ دَرَسُوا العِلْمَ عِنْدَ الصَّحابَة. سَبَّ رَجُلٌ الشَّعْبِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْه وَبالَغَ فِى سَبِّهِ فَما كانَ مِنَ الشَّعْبِيِّ إِلّا أَنِ الْتَفَتَ إِلَيْهِ وَقال: “إِنْ كُنْتَ كاذِبًا” يَعْنِى فِى سَبَّكَ لِي وَاتِّهامِكَ لِي بِهذه الأُمُور التي فِيها قَدْحٌ وَذَمٌّ لِي: “إِنْ كُنْتَ كاذِبًا فَغَفَرَ اللهُ لَك وَإِنْ كُنْتَ صادِقًا” يَعْنِى فِيما اتَّهَمْتَنِي وَذَمَمْتَنِي بِه، “فَغَفَرَ اللهُ لِي” وَمَضَى فِي سَبِيلِهِ. لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِكَلِمَة فِيها إِيذاء، لَمْ يُقابلهُ بِالسَّبِّ كَما سَبَّه، بَلْ وَعَظَهُ بِهذه الكَلِمات.  

وَحَصَلَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْن بْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طالِب الْمُلَقَّبِ بِزَيْنِ العابِدِين وهُوَ حَفِيدُ سَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما كانَ لَهُ جارِيَة. هذه الجارِيَة وَهِيَ تُمْسِكُ إِبْرِيقَ الماء، مَرَّت مِنْ جَنْبِهِ فَوَقَعَ الإِبْرِيقُ عَلَى وَجْهِهِ وَانْكَسَر فَشدَخَ لَهُ وَجْهه وَسالَ مِنْ وَجْهِهِ الدَّمّ! فَبِسُرْعَةٍ، قالَت لَهُ هذه الجارِيَةُ: “يا سيِّدِي، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾” معْناهُ الذينَ يدْفَعُونَ غَيْظَهُم بِكَظْمِهِ يَعْنِى بِسَتْرِهِ فِى القَلب بِحَيثُ لا يَنْساقُ هذا الإِنْسانُ إِلَى أَفْعالٍ قَبِيحَةٍ بِسَبب الغَضَب! ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾. فقالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْن: “كَظَمْتُ غَيْظِي“، ثُمَّ تابَعَت فَقالَت لَهُ: “وَإِنَّ اللهَ تَعالَى يَقُولُ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾”، فقالَ: “عَفَوْتُ عَنْكِ“، مَعناهُ لا أُعاقِبُكِ عَلَى ما فَعَلْتِ ثُمَّ تابَعَت فَقالَت لَه: “﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾” فقالَ: “اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّة“،  وَليسَ هٰذا فَحَسْب، بَلْ أَعْطاها صرَّةً فِيها مائَةُ دِينار، تَنْفِيذًا لِما يُحِبُّ اللهُ عَزَّ وَجَلّ، فَدَخَلَ تَحْتَ هذه الكَلِماتِ ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [ءال عمران:134]. 

وَرَدَ أَيْضًاأَنَّ سيِّدَنا أَحْمَدَ الرِّفاعِي وَهُوَ مِنْ مُجْتَهِدِي أَهل السُّنة وَالجَماعَة، بَلَغَ دَرَجَةَ الاْجْتِهادِ الْمُطْلَق إِلّا أَنَّهُ ءاثَرَ الْتِزام الإِمام الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْه وَكانَ صاحِبَ وِلايَة وَتَقْوَى وَصَلاح وَلَهُ ءالافٌ مِنَ الْمُرِيدِين وَلَهُ طَرِيقَةٌ ثَنِيَّةٌ عَلِيَّة هِيَ أَفْضَل الطُّرُق تُسَمَّى “الطّرِيقَةَ الرِّفاعِيَّة”. هذا السيِّدُ الكَبير أَحْمَدَ الرِّفاعِيُّ شُهِرَ بِالحِلْم فِيما بَيْنَ النّاس. عَرَفَ النّاسُ أَنَّهُ لا يساقُ إِلَى الغضَب. مَهْما شُدِّدَ عَلَيْهِ وَضُيُّقَ عَليهِ فِى الكَلام، لَوْ سُبَّ، لا يَنْساقُ إِلَى الغَضَب وَلا يَنْتَقِمُ مِمّنْ سَبَه، فَأَرادَ يَهُودِيٌّ أَنْ يَخْتَبِرَ، هَل فِيهِ هذه الصِّفَة التي شُهِرَ بِها، فَلَقِيَهُ ذاتَ مَرَّةٍ فِى الطّرِيق فَقالَ لَهُ: “يا سَيِّد”، اسْتَوْقَفَه وَقالَ لَهُ: “ياسَيِّد، أَنْتَ أَفْضَلُ أَمِ الكَلْبُ أَفْضَلُ؟”. كَلِمَة تُحَرِّكُ القَلْب، تَهُزُّ الْمَشاعِر! فَقالَ لَهُ بِحِلْمٍ وَهُدُوء: “إِنْ نَجَوْتُ عَلَى الصِّراطِ فَأَنا أَفْضَل” فَعَرَفَ هٰذا اليَهُودِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَفِزَّه هٰذا الكَلام، بَلْ بَقِيَ عَلَى هُدُوئِهِ وَسُكُونِهِ وَحِلْمِهِ فَما كانَ مِنْهُ إِلّا أَنْ أَسْلَمَ لأَنَّهُ قالَ فِى نَفْسِهِ: دِينُ هٰذا الرّجُل دِينٌ حَسَن، دِينٌ صَحِيح، لأَنَّهُ يُرَبِّي فِي نَفْسِ أَتْباعِهِ اِلْتِزامَ الدِّين وَيُرَبِّي فِى نُفُوسِهِمُ الأَخْلاقَ الحَسَنَة وَأَنْ لا يَنساقَ الشَّخْصُ إِلَى غَضَبٍ مُهْلِك.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الملِك بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزيز وَهذا كانَ ابنُ عُمَر، يَعْنِى مَعَ فَضْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزيز هذا عَبْدُ الملِك وَلَدُهُ كانَ مِنَ الأَفاضِل الصّالِحِين الأَتْقِياء. كانَ يَقُول: “ماذا يَنْفَعُنِي سَعَةُ جوْفِي إِذا لَمْ أَسْتَطِع أَنْ أَزْدَرِدَ غَضَبِي” إِذا كنت لا أقْدِر على أن أبلَع غَضَبِي لأي شيء سَعَة الجَوف التي عِنْدِي!! 

وَرُوِيَ عَنِ الأَحْنَفِ بنِ قَيْس رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ مِنْ أَيْنَ تَعَلَّمْتَ الحِلْم. كانَ الأَحْنَف مِنْ أَحْلَمِ النّاس، فقال: “مِنْ قيْس بنِ عاصِمٍ الْمِنْقِرِي”، قالَ: “كُنْتُ أَذْهَبُ إِلَيْهِ أَتَعَلَّمُ مِنْهُ الحِلْم كَما يَذْهَبُ الإِنسانُ إِلَى الفَقيهِ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ الفِقْه. كُنتُ أَذْهَبُ إِلَى مَجْلِسِهِ حَتّى أَتَعَلَّمَ مِنْهُ الحِلم حَتّى يَرْسَخَ هذا فِى قَلْبِي”. قالَ: “مَرَّةً كانَ عِنْدَهُ ضَيْف، جاءَتْهُ يَوْمًا جارِيَةً لَهُ تَحْمِلُ سَفُّور (مِثْلُ السِّيخ وَعَلْيِه أَشياء معقُوفَة حادّة يُسْتَعْمَل للشَّوِي) وَعَلَيْهِ شِواء. تَعَثرَت  فَوَقَع هذا عَلى وَلَدٍ لَهُ صَغير فَقَتَلَهُ!! فَنَظَرَ إِلَيْها رآها فَزِعَت فَقال: “أَنتِ حُرَّةٌ فِى سَبِيلِ الله”. وَمَرَّةً كانَ محتبيا يُكَلِّمُ رَجُلًا فِى شَىء، فَجاءَهُ جَماعَة وَمَعَهُم رَجُلٌ مَكْتُوف، مَرْبُوط. فقالُوا: هذا ابنُ أَخِيك قَتَلَ ابنَك! يَعْنِى الوَلَد قَتَلَ ابْنَ عَمِّهِ. فاسْتَمَرَّ فِى الكَلام مَعَ الرَّجُل وَلَمْ يَحُلَّ حَبْوَتَهُ (كان جالِسا رابِطًا اليَدَين أَوْ الرِّداء بالرجْلَيْن وَكَأَنَّهُ يَسْتَنِد عَلَى حائِط وَهُوَ فِى الحَقيقَة لا يستَنِد إِلَى شىء). يَعْنِى ما تحَرَّك وَكَأَنَّهُ لَمْ يسْمَعْ شيئًا. لَمّا أَنْهَى كَلامَهُ مَعَ الرَّجُل، الْتَفَتَ إِلَى وَلَدٍ مِنْ أَوْلادِهِ، قالَ لَهُ: “حُلَّ وِثاقَ ابنِ عَمِّك!”. وقالَ لَهُ خُذْ مائَةَ ناقَة إِلَى أُمِّ أَخِيكَ، فَإِنَّها غَريبَة، يَعْنِى هُوَ دَفَع الدِّيَة عَنْ ابنِ أَخِيه وَقَالَ لَهُ اذْهَب!! قالَ مِنْهُ تَعَلَّمْتُ الحِلْم! فِى مِثْلِ هذه الْمَواقِف، قَليلٌ مَنْ يُمْسِكُ نَفْسَهُ! 

وهُناكَ غَضَبٌ مَمْدُوح كَأَنْ يَغْضَبَ الواحِدُ مِنّا لله، كَيْفَ يَكُونُ الغَضَب لله؟ إِذا رَأَى حُرُماتِ الله تُنْتَهَك، رَأَى إِنْسان يَقَع فِى المعاصِي فَنُصِح فَلَمْ يَنْتَصِح فَأَظْهَرْتَ الغَضَب لِيَنْزَجِرَ عَنِ الذُّنُوبِ وَالمعاصِي، غَضِبْتَ لله، لأَنَّهُ يَعْصِي الله تعالى. هذا الغَضَبُ ليسَ مَذْمُومًا، لأَنّهُ غَضَبٌ يُرادُ مِنْهُ زَجْرُ وَمَنْعُ هذا الإِنْسان الذي يَعْصِي الله مِنْ مَعْصِيَة الله وَأَنْتَ بِسَبَبِ هذا الغَضَب لا تَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الشَّرِيعَة، بَلْ تَبْقَى مُلْتَزِمًا بِشَرِيعَةِ الله، لا تَعْصِي اللهَ تعالى أَبَدا، بَلْ ظَهَرَ عَلَيْكَ أَثَرُ الغَضَب لأَنَّ هذا الإِنْسانَ عَصَى اللهَ تعالى. 

وَقَدْ كانَ ﷺ يَظْهَرُ عَلَيْهِ الغَضَبُ إِذا انْتُهِكَت مَحارِمُ الله، يَعْنِى إِذا تَناوَلَ مَحارِم اللهِ مُتَناوِل فَعَصَى الله وَتَجاوَزَ حَدَّ الله، وَقَعَ فِى مَعْصِيَةِ الله، فَيَظْهَرُ الغَضَبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَمِثْلُ هذا حَصَلَ مَعَ سيِّدِنا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام حِينَ رَجَعَ وَقَدْ خَلَّفَ أَخُاه هارُون عَلَى قَوْمِهِ، رَجَعَ فَوَجَدَ قِسْمًا كَبِيرًا مِنْ قَوْمِهِ نَحُو سَبْعينَ أَلْفًا تَرَكُوا عِبادَةَ اللهِ تعالى وَعَبَدُوا العِجِل مِنْ دُونِ الله! فَتَنَهُم عِجْلٌ صِيغَ مِنْ ذَهَب إِذًا هُوَ مِنْ مَعْدِن، ليسَ فِيهِ روحٌ حَقِيقِيَّة لكِنَّ اللهَ تعالى فتنهم فَصارَ يَخْرُجُ مِنْ هذا العِجْلِ المصاغ مِنْ ذَهَب صَوْت كَصَوْت العِجِل الذي فِيهِ روحٌ وَحَياةٌ حَقِيقِيَة فَفَتَنَهُم إِنْسانٌ يُقالُ لَهُ مُوسَى السّامِرِيّ، قالَ لَهُم إِنَّ مُوسَى نَبِيَّكُم أَضاعَ رَبَّهُ وَهٰذا العِجْل هُوَ رَبُّهُ! فَصَدَّقَهُ مِنْ سَخافَةِ عُقُولِهِم أُناس فَعَبَدُوا العِجْل. حِينَ رَجَعَ سيِّدُنا مُوسَى، وَجَدَ أَنَّ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ قَوْمِهِ تَرَكُوا دِينَ الإِسْلام، تَرَكُوا عِبادَةَ الله وَعَبَدُوا العِجْل! فَغَضَب لله، لأَنَّ مِنْ قَوْمِهِ من كَفَرُوا بِسَبَبِ عِبادَتِهِم للعِجْل.

وَالغَضَبُ لَيْسَ عُذْرًا يُبِيحُ لِلإِنْسان أَن يَسُبَّ الله! الغَضَب لَيسَ عُذْرًا لِلإِنْسان يُبِيحُ لَهُ أَنْ يَقَعَ فِى الذُّنُوبِ وَالمعاصِي لأَنَّ الإِنسانَ يُؤاخَذُ عِنْدَ الله وَيُكْتَبَ عَلَيْهِ وَلَوْ كانَ غَضْبان. يَعْنِي إِذا قَتَلَ إِنْسانٌ إِنْسانًا بِسَبَبِ الغَضَب وَحُمِلَ إِلَى القاضِي، إِذا قالَ لِلقاضِي: أَنا كنت غَضبان يقُول لَهُ خَلَص؟ هَل هذا الذي يَحصُل أَوْ يُؤاخَذ عِنْدَ القاضِي؟ الغَضَب ليسَ عُذْرًا لأَنَّ الشَّخص فِى هذه الحال يبْقَى بِعَقْلِهِ فَإِذًا هُوَ مُكَلّف بِأَداءِ الواجِب وَاجْتِناب المحَرَّم. أَمّا إِذا ذَهَبَ عَقْلُه، صارَ مَجنونا، لا حولَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بالله! أَمّا ما دامَ بِعَقْلِهِ، مَهْما بَلَغَ بِهِ الغَضَب، فَهُوَ مُؤاخَذٌ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ.