الحديث (111) · إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما (2)

الدرس ١٠٠ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٢:٥٨

المقدمة

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِيَدِهِ الإِيجَادُ وَالإِنْشَاءُ، وَالإِمَاتَةُ وَالإِحْيَاءُ، وَالإِنْعَامُ وَالآلاءُ، وَالرُّخْصُ وَالْغَلاءُ، وَالْعَافِيَةُ وَالْبَلاءُ، وَالدَّاءُ وَالدَّوَاءُ، أَحْمَدُهُ بِتَوْفِيقِي منه لِحَمْدِهِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَأُقِرُّ بِأَنَّهُ مَالِكُ الْمُلْكِ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا شريك له في الألوهية ولا في الذات ولا الصفات ولا في الإنشاء، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ رَاكِبٍ حَوَتْهُ الْبَيْدَاءُ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مُصَاحِبِهِ إِنْ وَقَعَتِ الشِّدَّةُ أَوِ الرَّخَاءُ، وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي دَوَّخَ الْكُفْرَ فَذَلَّتْ لَهُ الأَعْدَاءُ، وَعَلَى عُثْمَانَ الصَّابِرِ وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلاءُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي حَصَلَ لَهُ دُونَ الْكُلِّ الإِخَاءُ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي تَوَسَّلَ بِهِ الصَّحَابَةُ فَنَزَلَ الْغَيْثُ مِنَ السَّمَاء: أما بعد:

الشرح

فقد وصلنا في كتاب رياض الصالحين للحافظ النووي رحمه الله إلى الحديث الحادي عشر بعد المائة وهو الحديث الأخير من باب المجاهدة، وبدأنا بشرحه ونكمل فيه بإذن الله تعالى: ونقرأه من البداية: قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: السَّابِعَ عَشَرَ: عَنْ سَعِيْدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيْزِ، عَنْ رَبِيْعَةَ بْنِ يَزِيْدَ، عَنْ أَبِيْ إِدْرِيْسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِيْ ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيْمَا يَرْوِيْ عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ أَنَّهُ قَالَ (وصلنا إلى هذا الموضع وبينا أن هذا الحديث العظيم هو حديث قدسي،(قال ابن علان: وهي التي جاءت عن الله تعالى وهي أكثر من مائة حديث وقد جمعها بعضهم في جزء كبير والفرق بينه وبين الوحي المتلو أي القرآن أن القرآنَ أشرفُ الكلام وكونه معجزةً باقيةً على مر الدهور محفوظةً من التغيير والتبديل وتحريمَ مسه للمحدث وتلاوتِه لنحو الجنب وروايته بالمعنى وتعينُه في الصلاة وبأن كل حرف منه بعشرة ثوابًا وبامتناع بيعه في رواية عن أحمد وكراهيته عندنا والأحاديث القدسية لا يثبت لها شيء من ذلك فيجوز مسه وتلاوته لمن ذكر وروايته بالمعنى ولا يجزئ في الصلاة بل يبطلها ولا يسمى قرآنًا ولا يعطي قارئه بكل حرف عشرًا ولا يمنع ولا يكره بيعه اتفاقًا ولا يسمى بعضه آية ولا سورة أيضًا، ثم يقال في الحديث القدسي قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن ربه وهي عبارة السلف وهي أولى وقال تعالى فيما روى عنه نبيه ﷺ والمعنى واحد وهذا مما ينبغي أن يحفظ لنفاسته وعموم الحاجة إليه والله أعلم) (ويجب أن يعتقد يا أحبابي أن الله متكلم موصوف بكلام أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية ليس ككلامنا ليس بحرف ولا لغة ولا صوت وكلامه واحد سبحانه لا يتجزأ ولا يتبعض، فقد اتَّفَقَ أَهلُ السُّنَّةِ عَلَى وَحدَةِ كلامِ اللهِ تعالى قالَهُ الإمامُ أَبُو عَلِيٍّ عمر بن محمد بن خليل السَّكُونِيُّ الإشبِيلِيُّ المُتَوَفَّى سنةَ 717 مِنَ الهجرةِ، وكذلكَ البيهقيُّ ذَكَرَ وَحدَةَ الكلامِ فِي كِتَابَينِ مِن كُتُبِهِ. وكذلكَ أهلُ السُّنَّةِ يعتقدونَ أَنَّ اللهَ تعالَى صفاتُهُ لا تُشبِهُ صِفَاتِ خَلقِهِ، اللهُ متكلمٌ بكلامٍ ليسَ حَرفًا ولا صَوتًا لأَنَّ الكلامَ الذي يكونُ بالحرفِ والصوتِ مخلوقٌ، اللهُ لا يَتَّصِفُ بِحادثٍ. قالَ أَبُو حنيفةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فِي كتابِهِ الفقهِ الأكبرِ (نَحنُ نَتكلَّمُ بالآلاتِ والحروفِ واللهُ يَتَكلَّمُ بلا ءالةٍ ولا حَرفٍ) الكلامُ القائِمُ بذاتِ اللهِ ليسَ حَرفًا وصَوتًا، يَسمَعُهُ الإنسُ والجِنُّ في الآخرةِ. وأمَّا الكلامُ الذي هُو حرفٌ وصوتٌ كالقران الذي نَقرَؤُهُ بالحروفِ والتَورَاةِ والإنْجيلِ والزبورِ الأصلية هؤلاءِ عباراتٌ عن كلامِ اللهِ لَيسَتْ عينَ الكلامِ الذاتِيِّ.

قال الشيخ أَبُو مَدْيَنَ شُعَيْبُ بنُ حُسَيْنٍ الأَنْدَلُسِيُّ التلمساني، المالكي الزَّاهِدُ أصله من أشبيلية، هو الشيخ الفقيه المحقق، الواصل، القطب شيخ مشايخ الإسلام في عصره، إمام العباد والزهاد أخذ العلم عن أكابر علماء عصره أمثال: الشيخ الإمام سيدي عبد القادر الجيلاني قدس سره (المتوفى 560هـ) قرأ عليه بالحرم الشريف كثيرًا من الحديث وألبسه الخرقة، وأودعه كثيرًا من أسراره، وحلاه بملابس أنواره، في عقيدته: (الحمد لله الذي تنـزه عن الحد والأين والكيف والزمان والمكان المتكلم بكلام قديم أزلي صفة من صفاته قائم بذاته لا منفصل عنه ولا عائد إليه ولا يحُل في المحدثات ولا يجانس المخلوقات ولا يوصف بالحروف والأصوات تنـزَّهت صفات ربنا عن الأرض والسمـٰوات، المتكلم الذي لا يشبه كلامه كلام موسى عليه السلام. كلم موسى بكلامه القديم، المنزه عن التأخير والتقديم -لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع ولا بحروف ترجع. كل الحروف والأصوات والنداء محدثة بالنهاية والابتداء- جل ربنا وعلا وتبارك وتعالى- له العظمة والكبرياء وله الأسماء الحسنى والصفات العليا، اللهم إنّا نُوَحِّدُك ولا نَحُدُّك ونؤمن بك ولا نكَيِّفُك ونعبدك ولا نُشَبِّهُك ونعتقد أن من شبهك بخلقك لم يعرف الخالق من المخلوق)) 

(حيث يقول تعالى:): «يَا عِبَادِيْ (قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخِطَابُ لِلثَّقَلَيْنِ لِتَعَاقُبِ التَّقْوَى وَالْفُجُورِ فِيهِمْ) (والخطاب كما هو ظاهر للإنس والجن، وقوله تعالى [يا عبادي]: فيه إشارة إلى مرتبة أن تكون عبدا لله تعالى، فمرتبة العبودية لله تعالى مرتبةٌ عظيمة وهي أن يكون الواحد منا عبدا مؤمنا لله عز وجل، لأن العبادةَ أشرفُ الخصالِ. ويبين هذا أن الله تعالى رفع قدر محمد ﷺ بأن خاطبه بكونه عبدا لله في نصوص القرآن الكريم، ونحن نقول في كلمتي الشهادة: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فالإضافة إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَتَخْصِيصٍ إِشَارَةً إِلَى كَمَالِ مَرْتَبَتِهِ فِي مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ بِالْقِيَامِ فِي أَدَاءِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. وَأَهْلِ التَّعَبُّدِ هم أهل الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالْخُشُوعِ، وَرَفْعِ الْأَيْدِي وَسَفْحِ الدُّمُوعِ بَيْنَ يَدَيْ عَالِمِ السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَكَاشِفِ الضُّرِّ وَالْبَلْوَى. وَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ الَّذِينَ عُلُومُهُمْ زَاخِرَةٌ، وَنُفُوسُهُمْ طَاهِرَةٌ، وَمَقَامُ الْعُبُودِيَّةِ اخْتَارَهُ الْمُصْطَفَى ﷺ لِنَفْسِهِ عَلَى مَقَامِ الْمُلْكِ فَهُوَ مَقَامٌ عَظِيمٌ، وَصَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ بِهِ فِي مقام هو من أَشْرَفِ مَقَامَاتِهِ كَمَقَامِ التَّنْزِيلِ فِي قَوْلِهِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} وَمَقَامِ الدَّعْوَةِ فِي قَوْلِهِ {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} وَفِي مَقَامِ التَّحَدِّي فِي قَوْلِهِ {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}. وَفِي مَقَامِ الْإِسْرَاءِ فِي قَوْلِهِ {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى}، «وَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ رَجُلٌ يَوْمَ الْفَتْحِ فَارْتَعَدَ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْك إنِّي لَسْت بِمَلِكٍ إنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ [‌القَدِيد: اللَّحْم المَمْلُوح المُجَفَّف فِي الشَّمْسِ]» وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم وفيه بيان أنه ليس بمتكبر. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «جَلَسَ جِبْرِيلُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مَلَكٌ مَهُولٌ، فَقَالَ جِبْرِيلُ إنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا نَزَلَ مُنْذُ يَوْمَ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ، فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنَا إلَيْك رَبُّك أَمَلِكًا نَبِيًّا يَجْعَلُك أَمْ عَبْدًا رَسُولًا؟ قَالَ جِبْرِيلُ: فَتَوَاضَعْ لِرَبِّك يَا مُحَمَّدُ، قَالَ بَلْ عَبْدًا رَسُولًا» فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا وَيَقُولُ: آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَزَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْكُلْ مُنْذُ قَالَهَا مُتَّكِئًا. بل رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها انها قالت لَهُ «يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْ أَكَلْت وَأَنْتَ مُتَّكِئٌ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْك، فَأَصْغَى بِجَبْهَتِهِ إلَى الْأَرْضِ حَتَّى كَادَ يَمَسُّ بِهَا الْأَرْضَ وَقَالَ بَلْ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَنَا جَالِسٌ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ» وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي مِثْلِ هَذَا:

وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهًا … وَكِدْت بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا

دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِك يَا عِبَادِي … وَأَنْ صَيَّرْت أَحْمَدَ لِي نَبِيًّا)، إِنِّيْ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَىْ نَفْسِيْ (أَيْ: تَقَدَّسْتُ عَنْهُ وَتَعَالَيْتُ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ ظُلْمٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ، أَوْ أَنَّهُ التَّعَدِّي فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فكلاهما مستحيل في حق الله عز وجل، فَهُوَ سبحانه الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ) (وقد قال تعالى: [مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ]، معناه: اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مُسْتَغْنٍ عَنْ طَاعَةِ الْعِبَادِ، فَمَنْ أَطَاعَ فَالثَّوَابُ لَهُ، وَمَنْ أَسَاءَ فَالْعِقَابُ عَلَيْهِ.” وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ” نَفَى الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ جَلَّ وَعَزَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ، وَإِذَا انْتَفَتِ الْمُبَالَغَةُ انْتَفَى غَيْرُهَا، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ الْحَقُّ:” إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا”) (اللَّهُ تعالى يَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِيمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ هُوَ هَدَاهُمْ فَضْلًا مِنْهُ وَكَرَمًا فَلَوْ لَمْ يَخْلُقْ فِيهِمُ الِاهْتِدَاءَ لَمْ يَكُنْ هُوَ ظَالِمًا لِأَنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَىْءٌ فَلا حَاكِمَ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ ءَامِرَ وَلا نَاهي له، لَمْ يَخْلُقْ سُبْحَانَهُ فِى الْكُفَّارِ الِاهْتِدَاءَ خَذَلَهُمْ عَدْلًا مِنْهُ أَىْ لَيْسَ ظُلْمًا مِنْهُ لِأَنَّ الظُّلْمَ لا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ إِلَّا فِيمَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ حَقِيقَةً لَيْسَ مِلْكُهُ مَجَازِيًا عَقْلًا كَمِلْكِنَا وَأَمَّا مِلْكُنَا فَهُوَ مِلْكٌ مَجَازِىٌّ عَقْلًا لِأَنَّ الْعِبَادَ وَمَا يَمْلِكُونَ كُلٌّ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى لا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَا تَمْلِكُهُ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِ كُلٍّ مِلْكًا لِلَّهِ تَعَالَى، أَنْتَ خَلَقَكَ وَأَحْدَثَكَ مِنَ الْعَدَمِ وَكَذَلِكَ مَا تَمْلِكُهُ هُوَ خَلَقَهُ وَأَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ، لَهُ سُبْحَانَهُ الْحَاكِمِيَّةُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَا مَنَعَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَهُوا عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا تَوَجَّهَ اللَّوْمُ عَلَيْهِمْ وَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ وَالْعَذَابَ. وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوْا (وفي رواية بالتشديد: أي لا تظَّالموا) (والمعنى أي لا يظلم بعضكم بعضا) (وهذا الحديث يدل على أنه قد نهى الشرع الحنيف عن الظلم، فَفِي الْحَدِيثِ:” ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ لَا شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ”. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاذٍ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى أَرْضِ الْيَمَنِ” وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَلَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ”. وَفِي الحديث:” اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ فَيَقُولُ اللَّهُ تبارك وتعالى وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ”. وجاء مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ فَمِ كَافِرٍ). وَفَسَّرَ إِجَابَةَ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ بِالنُّصْرَةِ عَلَى ظَالِمِهِ بِمَا شَاءَ سُبْحَانَهُ مِنْ قَهْرٍ لَهُ، أَوِ اقْتِصَاصٍ مِنْهُ، أَوْ تَسْلِيطِ ظَالِمٍ آخَرَ عَلَيْهِ يَقْهَرُهُ كَمَا قَالَ عز وجل: [وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضا]. وَأَكَّدَ سُرْعَةَ إِجَابَتِهَا بقول:” تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ” وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل يُوَكِّلُ مَلَائِكَتَهُ بِتَلَقِّي دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَبِحَمْلِهَا عَلَى الْغَمَامِ، فَيَعْرُجُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَالسَّمَاءُ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ ليس لأن الله يسكن السماء، لا فالله تعالى لا يحويه مكان ولكن لِيَرَاهَا الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ، فَيَظْهَرُ مِنْهُ مُعَاوَنَةُ الْمَظْلُومِ، وَشَفَاعَةً مِنْهُمْ لَهُ فِي إِجَابَةِ دَعَوْتِهِ، رَحْمَةً لَهُ. وَفِي هَذَا تَحْذِيرٌ مِنَ الظُّلْمِ جُمْلَةً، لِمَا فِيهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ) (وما أكثر الظلم اليوم بين الناس ومن أشد ما نعاين من الظلم ونرى ونسمع ما يحصل مع إخواننا المسلمين المستضعفين في غزة هاشم، في بلاد فلسطين الأبية المباركة، والظلم مشهور عن اليهود المعتدين فهم قتلة الأنبياء والمرسلين، هم الذين ظلموا أنبياء الله وتجرؤوا عليهم بالتقتيل والتكذيب والعياذ بالله، من قتل سيدنا زكريا وابنه سيدنا يحيى عليهما السلام، هم هؤلاء اليهود المعتدين، من اتهم سيدتنا مريم البتول بالزنا رَمَوها بالزنا والعياذ بالله وهي أفضل امرأة خلقها الله تعالى مبرأة عن الفاحشة مبرأة عن الزنا، قالوا والعياذ بالله إنها زوجة الله وعيسى ابنه والعياذ بالله من هذا الكفر البواح، هذا هو ظلمهم يقتلون الأطفال ويقتلون النساء، ويروى في بعض توراتهم المحرفة جواز قتل الأطفال، يقولون والعياذ بالله: اقتلوهم قبل أن يكبروا ويقاتلوكم، ويبيحون قتل النساء، يقولون اقتلوهن قبل أن يحملن ويلدن أولادا يقاتلونكم في قابل الأيام، فلا نستغرب ما نشاهده ونعاينه من هؤلاء الخبثاء لعنهم الله، من قال عنهم الله عز وجل في كتابه العزيز: [فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ]، هؤلاء اليهود هم من لُعِنُوا على ألسن الأنبياء، قال تعالى: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ]، لا يشك عاقل نوَّر الله بصيرته أن أفعال اليهود بالصغار والكبار وبلاد فلسطين بلاد الأنبياء لا يشك عاقل أنها ظلم عظيم شديد فإن هذا دأب اليهود المعتدين، كما قلت قتلوا نبي الله يحيى وأباه زكريا عليهما الصلاة والسلام، فكيف بعد ذلك يتورعون عن قتل إخواننا وأخواتنا في فلسطين.

بَيَانُ سَبَبِ قَتْلِ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يقول بعض أهل التاريخ والسير والتفسير: إِنَّ مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يُكْرِمُ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا وَيُدْنِي مَجْلِسَهُ وَأَنَّهُ هَوِيَ ابْنَةَ امْرَأَتِهِ فَسَأَلَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَنْ تَزْوِيجِهَا فَنَهَاهُ عَنْ نِكَاحِهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهَا فَحَقَدَتْ عَلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَعَمَدَتْ حِينَ جَلَسَ الْمَلِكُ عَلَى شَرَابِهِ فَأَلْبَسَتْهَا ثِيَابًا رِقَاقًا حُمْرًا وَطَيَّبَتْهَا وَأَلْبَسَتْهَا الْحُلِيَّ وَأَرْسَلَتْهَا إِلَى الْمَلِكِ وَأَمَرَتْهَا أَنْ تَسْقِيَهُ، فَإِنْ أَرَادَهَا عَنْ نَفْسِهَا أَبَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يُعْطِيَهَا مَا سَأَلَتْهُ فَإِذَا أَعْطَاهَا سَأَلَتْ رَأْسَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا أَنْ يُؤْتَى بِهِ فِي طَسْتٍ فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا أَرَادَهَا قَالَتْ لَا أَفْعَلُ حَتَّى تُعْطِيَنِي مَا أَسْأَلُكَ قَالَ: مَا تَسْأَلِينِي؟ قَالَتْ: رَأَسَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا فِي هَذَا الطَّسْتِ، فَقَالَ: وَيْحَكِ سَلِينِي غَيْرَ هَذَا، فَقَالَتْ: مَا أُرِيدُ إِلَّا هَذَا فَلَمَّا أَبَتْ عَلَيْهِ بَعَثَ فقتَله فَأُتِيَ بِرَأْسِهِ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالرَّأْسُ يَتَكَلَّمُ وَيَقُولُ: لَا تَحِلُّ لَكَ لَا تَحِلُّ لَكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ إِذَا دَمُهُ يَغْلِي فَأَمَرَ بِتُرَابٍ فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ فَرَقَى الدَّمُ يَعْنِي صَعِدَ الدَّمُ يَغْلِي وَيُلْقِي عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ حَتَّى بَلَغَ سُورَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَغْلِي،ثم قُدّم رأسه إلى الملك في الطبق والدم ينزف منه، فلما رأت المرأة الرأس قالت: اليومَ قرت عيني، وانتقم الله تعالى لنبيه يحيى عليه السلام فلما صعدت هذه المرأة إلى سطح قصرها سقطت منه إلى الأرض وكان هناك كلابٌ ضارية فوثبت الكلاب عليها فأكلتها وهي تنظر إليهم وكان ءاخر ما أُكِلَ منها عيناها.

 بعد ذلك بَعَثَ صَخَابِينُ مَلِكُ بَابِلَ جَيْشًا إِلَيْهِمْ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ فَسَارَ بُخْتُنَصَّرَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى بَلَغُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ تَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي مَدَائِنِهِمْ فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْمَقَامُ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَتْ: تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ قَبْلَ أن تدخل الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَدْ طَالَ مَقَامِي وَجَاعَ أَصْحَابِي قَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ فَتَحْتُ لَكَ الْمَدِينَةَ تُعْطِينِي مَا أَسْأَلُكَ فَتَقْتُلُ مَنْ أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ وَتَكُفُّ إِذَا أَمَرْتُكَ أَنْ تَكُفَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَا أَصْبَحْتَ تُقَسِّمُ جُنْدَكَ أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ ثُمَّ أَقِمْ عَلَى كُلِّ زَاوِيَةٍ رُبْعًا ثُمَّ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى السَّمَاءِ (لأنها قبلة الدعاء وليس لأن الله يسكنها فالله موجود بلا مكان ولا يجري عليه زمان) فَنَادُوا: إِنَّا نَسْتَفْتِحُكَ يَا اللَّهُ بِدَمِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا فَإِنَّهَا سَوْفَ تَتَسَاقَطُ فَفَعَلُوا فَتَسَاقَطَتِ الْمَدِينَةُ وَدَخَلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَانْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى دَمِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَقَالَتِ: اقْتُلْ عَلَى هَذَا الدَّمِ حَتَّى يَسْكُنَ فَقَتَلَ عَلَيْهِ سَبْعِينَ أَلْفًا حَتَّى سَكَن قَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَهِيَ دَمُ كُلِّ نَبِيٍّ.َ، فَلَمَّا سَكَنَ قَالَتْ: كُفَّ يَدَكَ فَخَرَّبَ المدينة وَطَرَحَ فِيهِ الْجِيَفَ وَأَعَانَهُ عَلَى خَرَابِهِ الرُّومُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا.اهـ 

ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي مَقْتَلِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، هَلْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَمْ بِغَيْرِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ قيل: قُتِلَ عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ سَبْعُونَ نَبِيًّا، مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا عَلَيْهِما السَّلَامُ. 

ويذكر أهل التواريخ أنه بعد مقتل يحيى عليه السلام جاء تلاميذه وأخذوه ودفنوه، ثم جاءوا إلى المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام وأخبروه بمقتل نبي الله يحيى عليه السلام، فحزن حزنا شديدا لقتله) وروي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَدِمَبُخْتُ نَصَّرَ دِمَشْقَ فَإِذَا هُوَ بِدَمِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا يَغْلِي، فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَتَلَ عَلَى دَمِهِ سَبْعِينَ أَلْفًا، فَسَكَنَ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قُتِلَ بِدِمَشْقَ، وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَأْسَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا حِينَ أَرَادُوا بِنَاءَ مَسْجِدِ دِمَشْقَ، أُخْرِجَ مِنْ تَحْتِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْقِبْلَةِ، الَّذِي يَلِي الْمِحْرَابَ، مِمَّا يَلِي الشَّرْقَ، فَكَانَتِ الْبَشَرَةُ وَالشَّعْرُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ.

(موت نبي الله زكريا عليه السلام: مات نبي الله زكريا عليه السلام قتلا فقد قتله اليهود المجرمون، وقيل في سبب قتله: أقوال منها: أنه لما قُتل ابنه نبي الله يحيى بن زكريا عليهما السلام بأمر الملِك الظالم حاكم فلسطين «هيرودس»، أرسل هذا الملِك في طلب أبيه زكريا عليه السلام فاستخفى عليه السلام منهم، فدخل بستانًا ومر بشجرة عند بيت المقدس فنادته الشجرة بمشيئة الله: هلمَّ إليَّ يا نبي الله، فلما أتاها عليه السلام انشقت بقدرة الله ومشيئته فدخلها فانطبقت عليه وبقي عليه السلام في وسطها، فأتى عدو الله إبليس اللعين فأخذ هُدْبَ رداء زكريا عليه السلام فأخرجه من الشجرة ليصدقوه إذا أخبرهم، ثم لقي القوم الذين خرجوا في طلب زكريا عليه السلام وكان متشكلا لهم بصورة رجل فقال لهم: ما تريدون؟ فقالوا: نلتمس زكريا، فقال لهم: إنه سَحَر هذه الشجرة فانشقت له فدخلها، فقالوا له: لا نصدقك! قال لهم: فإنّ لي علامة تصدقونني بها، فأراهم طرف ردائه فأخذوا الفؤوس وقطعوا الشجرة وشقوها بالمنشار فقتل نبي الله زكريا فيها ومات شهيدًا، وقد سلط الله تبارك وتعالى عليهم أخبث أهل الأرض فانتقم منهم، والله عزيز ذو انتقام) (عِبَرٌ مستفادة من قصة يحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام: إن المطالع لهذه القصة العظيمة قصةِ مقتل نبيين كريمين من أنبياء الله عز وجل، يعلم أن هذه الدنيا لا تساوي عند الله شيئا وأن هذه الدنيا دار بلاء وهَمٍّ وغَمٍّ ونكد، فلو كانت دار نعيم مقيم لتنعم بها الأنبياء الكرام ولما تمكن من قتلهم كفار بني إسرائيل، ولو كانت تساوي عند الله شيئا لوهبها سبحانه لأنبيائه الكرام عليهم الصلاة والسلام. 

يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ((وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)). ابتلى الله أنبياءه والصالحين بلاء شديدا في الدنيا وحفظ عليهم دينَهم وهذا مثل ما حصل لنبي الله يحيى وأبيه زكريا عليهما الصلاة والسلام، وسمى الله البلاء للمؤمنين في هذه الآية بلاء حسنا إذا صبروا، وهو والله فيه رفعة لمقامهما وعلو لدرجتهما عند الله عز وجل، فقد رزقهما الله النبوة والشهادة في سبيله وهذا يدل على مكانتهما العاليةِ عند الله تعالى،

 وها نحن نرى إخواننا المسلمين المستضعفين في غزة يُستشهدون تحت نيران العدو الغاشم تحت نيران اليهود المعتدين، وبعض من يقتله اليهود في أرض غزة من كرامته عند الله نجد أن الله رزقه أكثر من نوع من أنواع الشهادة، بعضهم الله رزقه شهادة المعركة والشهادة دفاعا عن دينه وأرضه وعرضه ويكون شهيدا من وجه آخر وهو أنه قُتل ظلما ويكون شهيدا من وجه آخر أيضا أنه يموت تحت الردم، فهنيئا لهم الشهادة وهنيئا لهم صبرهم على البلاء، وزد على ذلك فقد خذلهم أكثر الناس وتداعت عليهم الأمم، وسُلِّط عليهم اليهود الغاصبين يذبحونهم ويقتلون أبناءهم، هؤلاء اليهود قتلة الأنبياء، هؤلاء اليهود من قتلوا يحيى وزكريا وكثيرا من أنبياء الله.

أحبابي ترجع أصول اليهود إلى أمور ذكرها من ألَّف في الفرق والملل، قالوا: أكثر اليهود تدعي أن الشريعة لا تكون إلا واحدة، وهي ابتدأت بموسى عليه السلام وتمت به؛ فلم تكن قبله شريعة، إلا حدود عقلية، ولا يجيزوا نسخ الشرائع أصلًا. ومسائلهم تدور على جواز النسخ ومنعه. وعلى التشبيه ونفيه، والقول بالقدر، والجبر وتجويز الرجعة، واستحالتها. أي على زعمهم أن الله قادر على إرجاع البشر بعد موتهم أم لا.

أما التشبيه والتجسيم فقد نسبوا لله تعالى الجسم والأعضاء وقالوا إنه جسم قاعد على العرش له حد وله مقدار والعياذ بالله ووصفوه بصفات البشر، وربنا عز وجل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. 

وأما قولهم بالقدر فإن بعضهم ينكر تقدير الله لكل شيء وقد سرت اعتقاداتهم هذه إلى بعض الفرق في القرن الأول وسموهم العلماء بالقدرية، وهذا ضد عقيدة الإسلام فالمسلمون يعتقدون أنه لا يحصل شيء في هذا العالم من خير ولا شر إلا بتقدير الله تعالى ومشيئته عز وجل، قال تعالى: ((وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)).

وأما قولهم بالجبر فإن بعضهم يقول إن العباد مجبرون على أعمالهم ولا اختيار لهم بالمرة، وسرى هذا الاعتقاد إلى بعض الفرق في نهاية القرن الأول الهجري وهم المسمَّون الجبرية. 

وظهر في عصر الصحابة عبد الله بن سبأ وهو أول من أدخل مثل هذه الاعتقادات إلى أبناء المسلمين فوصف الله بالجسمية وشبَّهه بخلقه، ‌وعبد ‌الله ‌بن ‌سبإ الذي قال لعلي كرم الله وجهه: أنت، أنت، يعني أنت الإله، وهو أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي رضي الله عنه ومنه انشعبت أصناف الغلاة من الروافض. 

وزعم أن عليا حي لم يمت، ففيه الجزء الإلهي، ولا يجوز أن يستولى عليه وهو الذي يجيء في السحاب، والرعد صوته، والبرق تبسمه. وأنه سينزل إلى الأرض بعد ذلك فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.

من هنا يُعلم أن أكثر الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة ظهرت أصول عقائدهم من اليهود لعنهم الله، فنسأل الله العظيم أن يسلم المسلمين من شرورهم ومكرهم وخداعهم.

وقال ابن السماك: الدنيا كالعروس المجلوّة تشوّفت لخطّابها وفتنت بغرورها، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها قاتلة. 

قال بعض الحكماء: الدنيا غدارة غرارة إن بقيتَ لها لم تبق لك. 

وقال آخر: أف من أشغال الدنيا إذا أقبلت، ومن حسراتها إذا أدبرت.وقال آخر: الدنيا أشبه شيء بظل الغمام وحلم النيام. 

وقال ابن المعتز: أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام. 

وقال آخر: مصائب الدنيا أكثر من نبات الأرض. 

وقال المأمون: لو نطقت الدنيا ما وصفت نفسها بأحسن من قول أبي نواس:

وما الناس إلا هالك وابن هالك … وذو نسب في الهالكين عريق

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت … له عن عدو في ثياب صديق

وقد قيل: 

هِيَ الدُنيا تَقولُ بِمِلءِ فيها **** حَذارِ حَذارِ مِن بَطشي وَفَتكي

وَلا يَغرُركُمُ حُسنُ اِبتِسامي **** فَقَولي مُضحِكٌ وَالفِعلُ مُبكي

اللهم افتح لأدعيتنا أبواب السماء نشكو إليك حالنا نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس اللهم نشكو إليك جثثًا تفحمت وأشلاءَ تطايرت وأنفسًا انتزعت اللهم نشكو إليك نساءً رملت وأطفالًا يتمت وأرضًا اغتصبت ومحارمًا انتهكت اللهم نشكو إليك أكبادًا جوعت وأنت يا الله لا يعزب عنك صراخات المقروحين ولا يغيب عنك أنات الباكين اللهم يا من يسمع أصواتهم تحت الأنقاض ويعلم بهم ولا يعلم بهم المسعفون يا الله طال البلاء يا الله اشتدت اللأواء يا الله احلولكت الظلماء إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي ولكنَّ عافيتك هي أوسع لنا ونصرك هو أحب إلينا اللهم إنا نتوسَّل إليك بالأنبياء والملائكة والأولياء يا ذا الجلال يا ذا الكمال يا ذا العظمة يا ذا العزة اللهم احمِهم اللهم قِهم اللهم احفَظهم اللهم احرُسهم اللهم اجعلهم في أمانك اللهم أحِلَّ عليهم ولايتك اللهم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. يا ربنا أخرج أهل فلسطين من بين أيديهم سالمين. أخرج يا مولانا أطفالنا في غزة من تحت الهدم سالمين. أنقذ يا رب العالمين أهل غزة. أغث يا رب العالمين أغث غزة. السؤال لك يا الله. والأمل والرجاء منك يا الله. والعون منك يا الله. والنصر منك يا الله. والفرج منك يا الله. وجند السماء أنت تنزلها يا الله. فأمدنا بجند من عندك يا الله بمددٍ من عندك عجل لنا يا رب العالمين بالنصر والفرج لهم.

أنت إلهُهم يا ذا الجلال والكمال نَلُظُ إليك بيا ذا الجلال والإكرام اللهم احمِ مُهجَتَهم اللهم احفَظ وحدتَهم اللهم أمِّن ديارَهم اللهم أمن روعَهم اللهم نجِّ المُستضعَفين من المؤمنين في فلسطين اللهم نجِّهم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس اللهم أحِلَّ عليهم العناية والرعاية والكفاية والوقاية والهداية اللهم ثبِّت أقدامَهم اللهم أنزِل السكينة على قلوبهم اللهم كُن لهم ولا تكُن عليهم يا الله أرِنا في الظالمين عظيمَ بأسِك أرِنا فيهم عظيمَ سطوَتِك وقدرتِك اللهم مزقهم شر ممزق اللهم أسقط عليهم شُهبًا من فوقهم اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم اللهم أرِنا فيهم عجيبَ قدرتِك.