بسم الله الرّحمن الرّحيم
الْحَمْدُ للهِ خَالِقِ الدُّجَى وَالصَّبَاحِ، حرَّم السِّفَاح، وشرَع النِّكاح، ووعد على السمع والطاعة الفلاح، مَالِكِ الْمُلْكِ وَمُسَيِّرِ الْفُلْكِ وَالْفَلَكِ فالِقِ الإصْبَاح، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِعَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَيْهِ، وَأَشْهَدُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ عَنْ أَدِلَّةٍ صِحَاحٍ،
وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ الْمُقَدَّمُ وَرَسُولُهُ الْمُعَظَّمُ، وَحَبِيبُهُ الْمُكَرَّمُ، تَفْدِيهِ الأَرْوَاحُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ رَفِيقِهِ فِي الْغَارِ، وَعَلَى عُمَرَ فَتَّاحِ الأَمْصَارِ، وَعَلَى عُثْمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي يَفْتِكُ رُعْبُهُ قَبْلَ لُبْسِ السِّلاحِ.
أما بعد:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن كِتَابِ حِليَةِ البَشَرِ إِلَى:
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُهُمْ
الشَّرْحُ:
عصمة الأنبياء من اتباع الشهوات والرد على الإسرائيليات في قصتي يوسف وداود عليهما السلام.
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُهُمْ أَيْ مَاذَا يُشْرَعُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ زَوَاجِهِ، مَاذَا يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ مِنْ ذِكْرٍ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ أَمْرَ الزَّوَاجِ إِذَا يَسَّرَهُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ فَإِنَّ بِهِ عِفَّةً لَهُمَا وَبِهِ حِفْظًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللهِ فِي أَبْنَاءِ آدَمَ وَلَهُ مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ دَأْبُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، مَا فِيهِ مَنْقَصَةٌ لِلرَّجُلِ وَلَا لِلْمَرْأَةِ، فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ مَا خَلَقَ اللهُ فِينَا، وَلَكِنْ نَذُمُّ مَا يُفْضِي إِلَى الْحَرَامِ فِي إِرْضَاءِ هَذِهِ الشَّهْوَةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ لَتَتَفَاوَتُ مِنْ شَخْصٍ لِآخَرَ، وَكُلُّهُ بِخَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَالْمَيْلُ الطَّبِيعِيُّ مِنَ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ وَمِنَ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ لَا يُذَمُّ إِلَّا إِذَا أَفضَى لِلحَرَامِ، وَهَذَا جَعَلَهُ اللهُ فِي أَبْنَاءِ آدَمَ، فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ فِيهِ مَيْلٌ لِزَوْجَاتِهِ يُحِبُّهُنَّ وَيَأْنَسُ بِهِنَّ، وَالنِّسَاءُ الصَّالِحَاتُ كَذَلِكَ تَمِيلُ إِحْدَاهُنَّ لِزَوْجِهَا وَلَا تَمْنَعُهُ مِنْ نَفْسِهَا فَهَذَا شَرْعُ اللهِ وَلَيْسَ مَنْقَصَةً لَهَا وَلَا لَهُ أَيْضًا، وَفِي هَذَا مَعْنَى حَدِيثِهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ:«حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» رواه البيهقي، أَيِ الْمَيْلُ الطَّبِيعِيُّ لِنِسَائِهِ بِالْحَلَالِ دُونَ تَتَبُّعٍ لِلشَّهْوَةِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي يُنْتَقَصُ صَاحِبُهَا وَمَنْ يَتَتَبَّعُهَا بِالْحَرَامِ، أَمَّا مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى عَنْ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [سورة يوسف/ الآية 24]، هِيَ هَمَّت بِالزِّنَا، أَمَّا ﴿وَهَمَّ بِهَا لَولَا أَن رَأَى بُرهَانَ رَبِّهِ﴾ أَي وُجِدَ البُرهَانُ فَامتَنَعَ الهَمُّ، فَالهَمُّ لَم يَحصُل مِنهُ أَصلًا. الفرق بين «لو» و«لولا»: «لَو»: حَرفُ امتِنَاعٍ لِامتِنَاعٍ؛ مِثلُ «لَو جِئتَنِي لَأَكرَمتُكَ»: امتَنَعَ الإِكرَامُ لِعَدَمِ المَجِيءِ. «لَولَا»: حَرفُ امتِنَاعٍ لِوُجُودٍ؛ مِثلُ «لَولَا المَطَرُ لَهَلَكَ الزَّرعُ»: امتَنَعَ الهَلَاكُ لِوُجُودِ المَطَرِ. فَفِي الآيَةِ: امتَنَعَ الهَمُّ لِوُجُودِ البُرهَانِ، أَي لَم يَقَع أَصلا.
وَجَاءَت قِصَّةٌ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ فِي ذِكْرِ دَاودَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَنبَغِي تَوضِيحُهَا قَد يَفهَمُ مِنهَا البَعضُ مَا يُخَالِفُ هَذَا الَّذِي ذَكَرنَاهُ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [سورة ص/ 21-24]. لِيَعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ أَوْرَدَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي قِصَّةِ الْخَصْمَيْنِ مَعَ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قِصَصًا إِسْرَائِيلِيَّاتٍ لَا تَلِيقُ بِنَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ الَّذِي خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِنُبُوَّتِهِ وَأَكْرَمَهُ بِرِسَالَتِهِ، لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ جَمِيعَهُمْ تَجِبُ لَهُمُ الْعِصْمَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَالرَّذَائِلِ وَكَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ، لِذَلِكَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَصِ الْمَنْسُوبَةِ كَذِبًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَلَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهَا لِأَنَّهَا تُنَافِي الْعِصْمَةَ الْوَاجِبَةَ لَهُمْ، لِذَلِكَ يَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ فِي فَهْمِقِصَّةِ الْخَصْمَيْنِ مَعَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ظَاهِرِ مَا أَوْرَدَهَا اللهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، فَقَدْ جَاءَ فِي تَفْسِيرِهَا أَنَّ الْخَصْمَيْنِ كَانَا فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ الْبَشَرِ مِنْ بَنِي آدَمَ بِلَا شَكٍّ وَأَنَّهُمَا كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ فِي نِعَاجٍ مِنَ الْغَنَمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ بَغَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَظَلَمَهُ عَلَى مَا نَصَّتِ الْآيَةُ، وَقَدْ تَسَوَّرَ هَذَانِ الْخَصْمَانِ مِحْرَابَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ أَشْرَفُ مَكَانٍ فِي دَارِهِ، وَكَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُسْتَغْرِقًا فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ فِي ذَلِكَ الْمِحْرَابِ فَلَمْ يَشْعُرْ دَاوُدُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالشَّخْصَيْنِ إِلَّا وَهُمَا أَمَامَهُ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمَا: مَنْ أَدْخَلَكُمَا عَلَيَّ؟ طَمْأَنَاهُ وَقَالَا لَهُ: لَا تَخَفْ. ثُمَّ سَأَلَاهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي شَأْنِهِمَا وَقَضِيَّتِهِمَا إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ الَّتِي نَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهَا فِي الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا اسْتِغْفَارُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَلِأَجْلِ أَنَّهُ تَعَجَّلَ بِالْحُكْمِ عَلَى الْخَصْمِ الْآخَرِ قَبْلَ التَّثَبُّتِ فِي الدَّعْوَى، وَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ لَمَّا سَمِعَ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَنْ يَسْأَلَ الْآخَرَ عَمَّا عِنْدَهُ فِيهَا وَلَا يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ قَبْلَ سُؤَالِهِ، وَقَدْ تَابَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ وَغَفَعصمة الأنبياء من اتباع الشهوات والرد على الإسرائيليات في قصتي يوسف وداود عليهما السلام.عصمة الأنبياء من اتباع الشهوات والرد على الإسرائيليات في قصتي يوسف وداود عليهما السلام.رَ اللهُ تَعَالَى لَهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئابٍ﴾ [سورة ص/ الآية 25].
وَمِنَ الْقِصَصِ الْمُفْتَرَاةِ عَلَى نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ زُورًا وَبُهْتَانًا وَهِيَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الْمَدْسُوسَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَوْمًا فِي مِحْرَابِهِ إِذْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ حَمَامَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا فَطَارَتْ فَذَهَبَ لِيَأْخُذَهَا فَرَأَى امْرَأَةً تَغْتَسِلُ فَوَقَعَ فِي حُبِّهَا وَعِشْقِهَا وَأُعْجِبَ بِهَا وَأُغْرِمَ، وَكَانَتْ زَوْجَةَ أَحَدِ قَادَةِ جَيْشِهِ وَيُسَمَّى “أُورِيَّا” فَأَرَادَ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ لِيَتَزَوَّجَ بِهَا فَأَرْسَلَهُ فِي أَحَدِ الْحُرُوبِ وَحَمَّلَهُ الرَّايَةَ وَأَمَرَهُ بِالتَّقَدُّمِ وَكَانَ قَدْ أَوْعَزَ إِلَى جُنُودِهِ أَنْ يَتَأَخَّرُوا عَنْهُ إِذَا تَقَدَّمَ نَحْوَ الْأَعْدَاءِ حَتَّى قُتِلَ ذَلِكَ الْقَائِدُ وَبِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ ـ كَمَا تَقُولُ هَذِهِ الْقِصَّةُ الْمُفْتَرَاةُ ـ قُتِلَ الْقَائِدُ “أُورِيَّا” وَتَزَوَّجَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ زَوْجَتَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَيَزِيدُ بَعْضُهُمْ فَيَقُولُ: إِنَّ دَاوُدَ زَنَى بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ تَدْبِيرِ هَذِهِ الْمَكِيدَةِ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [سورة الكهف/ الآية 5] وَنِسْبَةُ الزِّنَى إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مُخْرِجٌ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُعْتَبَرُونَ: إِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لَا تَصِحُّ لَا مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ وَلَا تَجُوزُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُنَزَّهُونَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَقَالُوا: لَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا سَطَّرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْقَصَصِيِّينَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا وَلَمْ يَكُنِ اعْتِقَادُهُمْ بِدَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ بَلْ مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ عَنْ سَيِّدِنَا “دَاوُدَ” وَهُوَ أَنَّهُ عَشِقَ امْرَأَةَ “أُورِيَّا” فَاحْتَالَ حَتَّى قَتَلَ زَوْجَهَا فَتَزَوَّجَهَا لَا يَلِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ بَلْ لَوْ وُصِفَ بِهِ أَفْسَقُ الْمُلُوكِ لَكَانَ مُنْكَرًا،
وَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيِّدَنَا دَاوُدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَحَامِدَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ [سورة ص/ الآية 17] أَيِ الْقُوَّةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْقُوَّةُ فِي الدِّينِ وَالْعِبَادَةِ لِأَنَّ الْقُوَّةَ فِي غَيْرِ الدِّينِ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْمُلُوكِ الْكُفَّارِ وَمَا اسْتَحَقُّوا بِهَا مَدْحًا، وَالْقُوَّةُ فِي الدِّينِ لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا فِي الْقُوَّةِ وَالْعَزْمِ الشَّدِيدِ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَمَا رَوَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَفْسِيرِهِمْ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَنَيَا بِالنِّعَاجِ عَنِ الْمَرْأَةِ تَنْبِيهًا إِلَى قِصَّتِهِ عَلَى زَعْمِهِمْ مَعَ “أُورِيَّا” فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا خَصْمَانِ فِي نِتَاجِ غَنَمٍ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ فِي الْقُرْآنِ. وَقَدْ تَكَنَّى الْعَرَبُ عَنِ النِّسَاءِ بِالنِّعَاجِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ النِّعَاجِ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ الْخَصْمَيْنِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ بِالنِّسَاءِ كَمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرُونَ فَقَدْ أَسَاءُوا بِتَفْسِيرِهِمْ هَذَا لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَا يَلِيقُ بِنَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
يَقُولُ الْحَافِظُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ الْعَالِمُ الْجَلِيلُ: النَّعْجَةُ فِي الْآيَةِ هِيَ النَّعْجَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَالْخَصْمَانِ مِنَ الْبَشَرِ. فَالأَنبِيَاءُ يَستَحِيلُ عَلَيهِمُ النَّقَائِصُ الَّتِي فِيهَا تَتَبُّعُ الشَّهَوَاتُ بِالحَرَامِ وَالهَمُّ بِهَا، بَلْ هُمْ مُبَرَّؤُونَ عَنْ كُلِّ هَذَا.
رَوَى النَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُمَا عَنِ الْحَسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عَقِيلَ بنَ أَبِى طَالِبٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقِيلَ لَهُ بِالرَّفَاءِ وَالْبَنِينِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ لَهُ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَارَكَ فِيكَ».
الشَّرْحُ:
ترجمة عقيل بن أبي طالب
رَوَى النَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُمَا عَنِ الْحَسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عَقِيلَ بنَ أَبِى طَالِبٍ هُوَ عَقِيْلُ بنُ أَبِي طَالِبٍ الهَاشِمِيُّ، هُوَ أَكْبَرُ إِخْوَتِهِ، وَآخِرُهُم مَوْتًا، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيْلٍ المُحَدِّثِ. وَلَهُ أَوْلَادٌ: مُسلمٌ، وَيَزِيْدُ وَبِهِ كَانَ يُكْنَى، وَسَعِيْدٌ، وَجَعْفَرٌ، وَأَبُو سَعِيْدٍ الأَحْوَلُ، وَمُحَمَّدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ اللهِ. شَهِدَ بَدْرًا مُشْرِكًا، وَأُخْرِجَ إِلَيْهَا مُكْرَهًا، فَأُسِرَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَفَدَاهُ عَمُّهُ العَبَّاسُ، وَرُوِيَ أَنَّ عَقِيْلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْم أُسِرَ: مَنْ قَتَلْتَ مِنْ أَشْرَافِهِم؟ قَالَ: قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ. قَالَ: الآنَ صَفَا لَكَ الوَادِي. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: خَرَجَ عَقِيْلٌ مُهَاجِرًا فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَشَهِدَ مُؤْتَةَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَتَمَرَّضَ مُدَّةً، فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ فِي فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَا حُنَيْنٍ، وَلَا الطَّائِفِ. وَقَدْ أَطْعَمَهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بِخَيْبَرَ مَائَةً وَأَرْبَعِيْنَ وَسقًا كُلَّ سَنَةٍ. وَعَن عَطَاءٍ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَقِيْلَ بنَ أَبِي طَالِبٍ شَيْخًا كَبِيْرًا يُقِلُّ الغَرْبَ. أَيْ يَحمِلُ الدَّلْوَ العَظِيمَ. قَالُوا: تُوُفِّيَ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ.
تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقِيلَ لَهُ بِالرَّفَاءِ وَالْبَنِينِ بِالرَّفَاءِ أَىْ بِالإِصْلاحِ، وَأَمَّا هَذِهِ الْجُمْلَةُ «بِالرَّفَاءِ وَالْبَنِينِ» فَقَدْ نَصَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى كَرَاهِيَتِهَا.اهـ قال ابن الأثير: الرَّفَاءُ: الالْتِئَام والاتِّفاقُ والبَركةُ والنَّمَاء، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ رَفَأْتُ الثَّوب رَفْأً ورَفَوْتُه رَفْوًا. وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ كَراهية؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ عادَتهم، وَلِهَذَا سُنَّ فِيهِ غَيْرَهُ. وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مَهْمُوزٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الِالْتِئَامِ وَالِاجْتِمَاعِ، وَمِنْهُ رَفْوُ الثَّوْبِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرَّفَاءُ بِالْمَدِّ الِالْتِئَامُ وَالِاتِّفَاقُ، يُقَالُ لِلْمُتَزَوِّجِ: بِالرَّفَاءِ وَالْبَنِينَ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ: رِفًى، مَقْصُورًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ: رِفَحٌ، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَوْضِعَ الْهَمْزَةِ، وَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَعْنِي الْمَقْصُورَ الْقَوْلُ بِالرَّفَاءِ وَالِاتِّفَاقِ، وَمَعْنَى الثَّانِي عَلَى أَنَّهُ رِفَاءٌ بِالْهَمْزَةِ وَلَكِنَّهُ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ حَاءً.
عصمة الأنبياء من اتباع الشهوات والرد على شبهات المتعلقة بالأنبياء
فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ لَهُ أَي فَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ المُسلِمُ تَهْنِئَةً لَهُ بِهَذِهِ النِّعمَةِ أَنْ يَسَّرَ اللهُ لَهُ الزَّوَاجَ وَطَلَبَ العِفَّةَ فِيمَا أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ أي بِنُزُولِ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ وَالرِّزْقِ وَالْبَرَكَةِ فِي الذُّرِّيَّةِ، وقيل: أَيْ: بِالْخُصُوصِ، أَيْ أَكْثَرَ عَلَيْكَ الْخَيْرَ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَى الْإِمْدَادِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [سورة النور/ الآية 32] وَبِقَوْلِهِ ﷺ: ((ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُغْنِيَهُمْ)) – حق على الله: أي وَعَدَ الله؛ لأنّ الله لا يجب عليه شىء -، ذَكَرَ مِنْهُمُ الْمُتَزَوِّجَ يُرِيدُ الْعَفَافَ وَبَارَكَ فِيكَ» وَهَذِه اللَّفْظَة تَرُدُّ القَوْلَ: بِالرَّفَاءِ وَالبَنِين، لِأَنَّهُ مِنْ أَقْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَكرَهُ ذَلِكَ لِمُوَافَقَتِهِم فِيهِ، وَهَذَا هُوَ الْحِكْمَة فِي النَّهْي، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَا حَمْدَ فِيهِ وَلَا ثَنَاء، وَلَا ذِكْرَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقِيلَ: لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى بُغْضِ الْبَنَاتِ لِتَخصِيصِ الْبَنِينَ بِالذِّكرِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ هَبَّار أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَهِدَ نِكَاحَ رَجُلٍ فَقَالَ: ((عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَالْأُلْفَةِ وَالطَّائِرِ الْمَيْمُونِ وَالسَّعَةِ فِي الرِّزْقِ، بَارَكَ اللَّهُ لَكُمْ)).اهـ وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِيهِ أَصْلٌ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى جَوَازِ تَهْنِئَةِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ لِلْمُسْلِمِينَ مُضَيِّقًا عَلَيْهِمْ إِذَا هَنَّأُوا بَعْضَهُمُ الْبَعْضَ بِفَرَحٍ حَصَلَ لَهُمْ أَوْ بِدَفْعِ نِقْمَةٍ عَنْدَهُمْ يَقُولُ هَذَا بِدْعَةٌ وَلَا يَجُوزُ، وَفِي هَذَا الْأَمْرِ أَلَّفَ السُّيُوطِيُّ رِسَالَةً سَمَّاهَا: «وُصُولُ الْأَمَانِي بِأُصُولِ التَّهَانِي»، قَالَ فِي أَوَّلِهَا: «الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ، فَقَدْ طَالَ السُّؤَالُ عَنْ مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنَ التَّهْنِئَةِ بِالْعِيدِ وَالْعَامِ وَالشَّهْرِ وَالْوِلَايَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، هَلْ لَهُ أَصْلٌ فِي السُّنَّةِ؟ فَجَمَعْتُ هَذَا الْجُزْءَ فِي ذَلِكَ، وَسَمَّيْتُهُ وُصُولَ الْأَمَانِي بِأُصُولِ التَّهَانِي. وَفِي بِدَايَتِهَا ذَكَرَ: «التَّهْنِئَةُ بِالْفَضَائِلِ الْعَلِيَّةِ وَالْمَنَاقِبِ الدِّينِيَّةِ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِالتَّوْبَةِ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِالْعَافِيَةِ مِنَ الْمَرَضِ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِتَمَامِ الْحَجِّ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِالْقُدُومِ مِنَ الْحَجِّ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِالْقُدُومِ مِنَ الْغَزْوِ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِالنِّكَاحِ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِالْمَوْلُودِ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِشَهْرِ رَمَضَانَ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِالْعِيدِ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِالثَّوْبِ الْجَدِيدِ»، ثم: «التَّهْنِئَةُ بِالصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ».اهـ
وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ الدُّعَاءَ بِالْبركَةِ مَوضِعَ التَّرفِيهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا.
الحديث الذي بعده:
وَرَوَى الْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ الإِنْسَانُ – أَىْ إِذَا تَزَوَّجَ – قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِى خَيْرٍ».
الشَّرْحُ:
وَرَوَى الْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ الإِنْسَانُ أَىْ إِذَا تَزَوَّجَ، قُلنَا إِنَّ الزَّوَاجَ فِيهِ عِفَّةٌ لِلرَّجُلِ وَالمَرأَةِ وَهُوَ مِنْ عَادَاتِ الأَنبِيَاءِ وَسُنَنِهِم عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَإِنْ كَانَ بَعضُهُم مَا تَزَوَّجَ كَسَيِّدِنَا يَحيَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ قَادِحَةٌ أَوْ نَقِيصَةٌ، لَا، وَقَد قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ سَيِّدِنَا يَحيَى عَلَيهِ السَّلَامُ:﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 39]، وَهَذِهِ الآيَةُ فِيهَا مَدحٌ لَهُ، وَأَمَّا مَعنَى الحَصُورِ فَقَدْ قَالَ العُلَمَاءُ: الْمُرَادُ بِالْحَصُورِ هُنَا، الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ لَيسَ لِعَجزٍ فِيهِ. قَالَ البَغَوِيُّ: إِنَّ الْحَصُورَ هُوَ الْمُمْتَنِعُ مِنَ الْوَطْءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ قَوْمٌ هَذَا الْقَوْلَ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: لِأَنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الثَّنَاءِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى اسْتِحقَاقِ الثَّنَاءِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ إِلْحَاقِ الْآفَةِ بِالْأَنْبِيَاءِ. قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَا: فَاعْلَمْ أَنَّ ثَنَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى يَحْيَى بِأَنَّهُ حَصُورٌ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ هَيُوبًا أَوْ لَا ذَكَرَ لَهُ بَلْ قَدْ أَنْكَرَ هَذَا حُذَّاقُ الْمُفَسِّرِينَ وَنُقَّادُ الْعُلَمَاءِ وَقَالُوا هَذِهِ نَقِيصَةٌ وَعَيْبٌ وَلَا يَلِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الذُّنُوبِ أَيْ لَا يَأتِيهَا كَأَنَّهُ حُصِرَ عَنْهَا، وَقِيلَ مَانِعًا نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ، فَقَدْ بَانَ لَكَ مِنْ هَذَا أَنَّ عَدَمَ القُدْرَةِ عَلَى النِّكَاحِ نَقْصٌ – وَالأَنبِيَاءُ مُبَرَّؤُونَ عَنْ هَذَا – قَالَ: وَإِنَّمَا الْفَضْلُ فِي كَوْنِهَا مَوْجُودَةً ثُمَّ قَمْعُهَا وهذه فَضِيلَةٌ زَائِدَةٌ لِكَوْنِهَا مُشْغِلَةً فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ حَاطَّةً إِلَى الدُّنْيَا، ثُمَّ هِيَ فِي حَقِّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْهَا وَمُلِّكَهَا وَقَامَ بِالْوَاجِبِ فِيهَا وَلَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ رَبَّهِ دَرَجَةٌ عَلْيَاءُ وَهِيَ دَرَجَةُ نَبِيِّنَا ﷺ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ كَثْرَتُهُنَّ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ بَلْ زَادَهُ ذَلِكَ عِبَادَةً لِتَحْصِينِهِنَّ وَقِيَامِهِ بِحُقُوقِهِنَّ وَاكْتِسَابِهِ لَهُنَّ وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُنَّ. انْتَهَى كَلَامُ القَاضِي عِيَاضٌ.
وَكَانَ ﷺ قَدْ دَخَلَ بِإِحْدَى أَوِ اثْنَيْ عَشْرَةَ امْرَأَةً، لَكِنَّهُ تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ مِن النِّسْاءِ، وَكَانَ ﷺ قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فِي الْجِمَاعِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ طَافَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى نِسَائِهِ التِّسْعِ، لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيْثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: “كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَطُوْفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ”، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِالنِّسَاءِ، كَانَ مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِطَاعَةِ رَبِّهِ.اهـ
قَالَ: ((بَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَيْ جَعَلَ اللهُ لَكَ الْبَرَكَةَ وَالْبَرَكَةُ هِيَ الْخَيْرُ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الْبَرَكَةِ سُبْحَانَهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ: و((َبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ)) أَيْ أَوْقِعْ لِي الْبَرَكَةَ فِيمَا أَعْطَيْتَنِي، وَأَمَّا مَعْنَى الْبَرَكَةِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ فَقَد قَالَ ابنُ مَنْظُورٍ: الْبَرَكَةُ: النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [سورة هود/ الآية 73]، قَالَ: الْبَرَكَاتُ السَّعَادَةُ. لِأَنَّ مَنْ أَسْعَدَهُ اللهُ بِمَا أَسْعَدَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَدْ نَالَ السَّعَادَةَ الْمُبَارَكَةَ الدَّائِمَةَ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَكَذَلِكَ الَّذِي فِي التَّشَهُّدِ.
وَنَقُولُ تَبَارَكَ اللهُ: أَيْ تَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ وَتَعَالَى وَتَعَاظَمَ، صِفَةٌ خَاصَّةٌ بِاللهِ تَعَالَى لَا تَكُونُ لِغَيْرِهِ. وَالتَّبَرُّكُ هُوَ طَلَبُ الْبَرَكَةِ أَيِ الْخَيْرِ، وَأَمَّا اصْطِلَاحًا فَهُوَ: طَلَبُ الْحُصُولِ عَلَى الْخَيْرِ عَلَى وَجْهِ السَّبَبِ، فَإِذَا أَرَادَ مُسْلِمٌ أَنْ يَتَبَرَّكَ بِآثَارِ الْأَنْبِيَاءِ أَوِ الْأَوْلِيَاءِ أَوِ الصَّالِحِينَ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَا أُرِيدُ مِنَ اللهِ أَنْ يَجْعَلَ لِي الْبَرَكَةَ مِنْ أَجْلِ الرَّسُولِ أَوِ الْوَلِيِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَخْلُقَ الرَّسُولُ أَوِ الْوَلِيُّ الْبَرَكَةَ، لِأَنَّ عَقِيدَةَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا بَلْ هُمْ أَسْبَابٌ وَاللهُ يَخْلُقُ الْبَرَكَةَ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ خَالِقُ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ، وَلَا يَخْلُقُ أَحَدٌ غَيْرُ اللهِ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. اهـ
وَقَدْ ثَبَتَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ شَوَاهِدُ عَلَى الْبَرَكَةِ وَالتَّبَرُّكِ، فَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [سورة آل عمران/ الآية 96] فَهَذَا بِنَاءٌ مِنْ حِجَارَةٍ قَالَ عَنْهُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ ﴿مُبَارَكًا﴾ أَيْ أَنَّهُ خَصَّهُ بِبَرَكَةٍ عَظِيمَةٍ، وَقَدْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي إِعْلَامِ السَّاجِدِ بِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ: فَإِنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ أَتَى بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ فَمَسَحَهَا بِهِ ثُمَّ أَخَذَهُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ. وَرَأَيْتُهُ مَنْقُولًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عَطَاءٌ: كَانَ أَحَدُنَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِهِ جَاءَ بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ فَمَسَحَ بِهِ الْحَجَرَ. اهـ وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ أَصْلُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأُهْبِطَ مَعَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: وَأَخْرَجَ الْأَزْرَقِيُّ وَالْجُنْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَوْلَا مَا طُبِعَ مِنَ الرُّكْنِ مِنْ أَنْجَاسِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَرْجَاسِهَا وَأَيْدِي الظَّلَمَةِ لَاسْتُشْفِيَ بِهِ مِنْ كُلِّ عَاهَةٍ.اهـ
وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِى خَيْرٍ)) أَيْ: فِي طَاعَةٍ وَصِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ وَسَلَامَةٍ وَمُلَاءَمَةٍ وَحُسْنِ مُعَاشَرَةٍ وَتَكْثِيرِ ذَرِّيَّةٍ صَالِحَةٍ. قِيلَ: قَالَ أَوَّلًا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، لِأَنَّهُ الْمَدْعُوُّ لَهُ أَصَالَةً أَيْ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ، ثُمَّ تَرَقَّى مِنْهُ وَدَعَا لَهُمَا، وَعَدَّاهُ بِعَلَى بِمَعْنَى بَارَكَ عَلَيْهِ بِالذَّرَارِيِّ وَالنَّسْلِ، لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ مِنَ التَّزَوُّجِ، وَأَخَّرَ حُسْنَ الْمُعَاشَرَةِ وَالْمُرَافَقَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْأَوَّلَ هُوَ النَّسْلُ، وَهَذَا تَابِعٌ لَهُ.
وَالْخَيْرُ الْمَنْشُودُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ يَحْصُلُ بِأَنْ يَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُقُوقَ الْآخَرِ فَيُعْطِيَهُ إِيَّاهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [سورة النحل/ الآية 72]
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
الْإِسْلَامُ جَاءَ بِالْعَدْلِ وَأَنْصَفَ الْمَرْأَةَ وَالرَّجُلَ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ فَلَمْ تُظْلَمِ الْمَرْأَةُ كَمَا يَدَّعِي الْبَعْضُ بَلْ حَفِظَ كَرَامَتَهَا وَعِزَّتَهَا وَعِفَّتَهَا وَجَعَلَهَا طَاهِرَةً مَصُونَةً مِنْ أَنْ يَعْبَثَ بِهَا ظُلَّامُ الرِّجَالِ أَوْ أَنْ يُضَيِّعَ حَقَّهَا سَوَاءٌ كَانَتْ أُخْتًا أَوْ زَوْجَةً أَوْ أُمًّا.
حقوق الزوجين في الإسلام وحسن العشرة بينهما
وَإِنَّ الَّذِي تُعَانِيهِ الْمُجْتَمَعَاتُ الْغَرْبِيَّةُ مِنْ تَفَكُّكٍ وَتَنَافُرٍ وَتَبَاعُدٍ وَتَشَرْذُمٍ هُوَ بِسَبَبِ الْفُجُورِ وَالْفَسَادِ الَّذِي تَرَبَّى عَلَيْهِ النَّشْءُ بِسَبَبِ التَّرْبِيَةِ الْفَاسِدَةِ لِلْأَبَوَيْنِ وَالْفَقْدِ الَّذِي تُعَانِيهِ تِلْكَ الْمُجْتَمَعَاتُ لِحَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ وَحَقِّ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا. أَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَدْ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ حَقًّا عَلَى الْآخَرِ وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [سورة البقرة/ الآية 228] مَعْنَاهُ لِلنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ مِثْلُ مَا لِلرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ. وَالدَّرَجَةُ هُنَا بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ يُرَادُ بِهَا الْقَوَامِيَّةُ وَهِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ لَا طُغْيَانٌ وَاسْتِبْدَادٌ. فَالرَّجُلُ هُوَ الْمُدِيرُ لِشُؤُونِ زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ يَتَعَهَّدُ أُمُورَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ وَهُوَ وَحْدَهُ الْمُكَلَّفُ شَرْعًا بِجَمِيعِ النَّفَقَاتِ مِنْ مَطْعَمٍ وَمَلْبَسٍ وَمَسْكَنٍ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ تَمْلِكُ الْمَالَ الْكَثِيرَ لَا تُكَلَّفُ أَنْ تُنْفِقَ عَلَى الْبَيْتِ دِرْهَمًا وَاحِدًا لِأَنَّ اللهَ لَمَّا جَعَلَ الْقَوَامِيَّةَ لِلرَّجُلِ كَلَّفَهُ أَنْ يَتَحَمَّلَ جَمِيعَ النَّفَقَاتِ وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [سورة الطلاق/ الآية 7] وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْقَوَامِيَّةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [سورة النساء/ الآية 34] وَلَقَدْ أَوْجَبَ الْإِسْلَامُ بِمَبَادِئِهِ الرَّشِيدَةِ حُقُوقًا لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَنْ عَمِلَ بِهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ وَالْأُلْفَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ نَذْكُرُ مِنْهَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الَّذِينَ هُمْ دُونَ الْبُلُوغِ نَفَقَةً مِنْ حَلَالٍ لَا إِسْرَافَ وَلَا تَقْتِيرَ. وَهَذَا الْحَقُّ بَيَّنَهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ لَمَّا سَأَلَهُ صَحَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ فَكَانَ جَوَابُ النَّبِيِّ ﷺ له: ((أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتُلْبِسَهَا إِذَا لَبِسْتَ وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ قَوَاعِدُ أَسَاسِيَّةٌ فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالْإِحْسَانِ مِنْهَا النَّهْيُ عَنِ التَّقْبِيحِ وَهُوَ أَلَّا يُسْمِعَهَا كَلَامًا قَبِيحًا مُحَرَّمًا كَالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ أَوْ لَعْنِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَهْلِ، وَكَذَلِكَ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ إِذَا غَضِبَ عَلَيْهَا وَهَجَرَهَا لِأَمْرٍ مَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْهَجْرُ دَاخِلَ الْبَيْتِ وَلَا أَنْ يَتَعَدَّى حُدُودَهُ حَتَّى لَا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ عَمَّا يُسِيءُ لِسُمْعَتِهَا، وَكَذَلِكَ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ ضَرْبِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ تَارِكَةً لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّبُهَا أَوَّلًا بِأَنْ يَعِظَهَا وَيُحَذِّرَهَا وَيُخَوِّفَهَا فَإِنْ لَمْ تُطِعْ وَلَّاهَا ظَهْرَهُ فِي الْمَضْجَعِ أَوِ انْفَرَدَ عَنْهَا بِفِرَاشٍ وَهَجَرَهَا وَهُوَ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ فَإِنْ لَمْ تُطِعْ ضَرَبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ بِحَيْثُ لَا يُؤْلِمُهَا وَلَا يَكْسِرُ لَهَا عَظْمًا وَلَا يَضْرِبُ لَهَا وَجْهًا وَلَا يُدْمِي لَهَا جِسْمًا.
وَمِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا كَذَلِكَ الَّذِي عَزَفَ كَثِيرٌ عَنْهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى أَلَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهَا مَالَهَا الَّذِي تَمْتَلِكُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِجُهْدِهَا أَوْ وَرِثَتْهُ عَنْ قَرِيبٍ لَهَا أَوْ كَانَ زَوْجُهَا مَلَّكَهَا إِيَّاهُ كَالْمَهْرِ الشَّرْعِيِّ وَلَا يَجُوزُ فِي شَرْعِ اللهِ أَنْ يَتَعَرَّضَ الرَّجُلُ لِمَالِ زَوْجَتِهِ الْخَاصِّ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة النساء/ الآية 20-21] وَالْإِفْضَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْجِمَاعُ، وَالْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ هُوَ الْعَقْدُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي بِهِ حَلَّتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ لِهَذَا الرَّجُلِ.
فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ تَوْجِيهٍ نَبَوِيٍّ كَرِيمٍ ذَاكَ التَّوْجِيهُ الَّذِي يُخَوِّفُ فِيهِ الرَّسُولُ الرِّجَالَ مِنْ أَنْ يَتَسَاهَلُوا فِي الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِمْ لِأَزْوَاجِهِمْ وَعِيَالِهِمُ الَّذِينَ دُونَ الْبُلُوغِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ نَفَقَةَ مَنْ يَقُوتُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
أَيْ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَنْبٌ غَيْرُ أَنَّهُ أَضَاعَ عَمْدًا نَفَقَةَ أَهْلِهِ لَكَفَاهُ هَذَا الْإِثْمُ خِزْيًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْيَتَّقِ اللهَ الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ وَلْيَضَعْ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ فِي مَوْضِعِهِ. وَلَقَدْ جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء/ الآية 19] أَيْ طَيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ وَحَسِّنُوا أَفْعَالَكُمْ مَعَهُنَّ.
ثُمَّ الرَّسُولُ ﷺ أَوْصَى بِمُدَارَاةِ الْمَرْأَةِ وَتَحَمُّلِ مَا يَقَعُ مِنْهَا وَالْإِغضَاءِ عَنْ بَعْضِ تَقْصِيرِهَا إِذْ هُوَ الْقَائِلُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)). هَذَا شَأْنُهُ وَدَأْبُهُ ﷺ فِي النُّصْحِ وَالْإِرْشَادِ وَالتَّوْجِيهِ لِأَصْحَابِهِ وَكَانَ يَضْرِبُ لَنَا بِنَفْسِهِ ذَاكَ الْخُلُقَ الْعَظِيمَ، إِذْ سُئِلَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ فِي بَيْتِهِ فَقَالَتْ: مَا رُئِيَ يَوْمًا عَبُوسًا.
وَاسْمَعُوا مَعِي مَاذَا كَانَتْ تَقُولُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِي حَقِّ رَسُولِ اللهِ فِي خِصَالِهِ الْعَطِرَةِ الَّتِي يُعَلِّمُ بِهَا أُمَّتَهُ كَيْفَ تَكُونُ صُحْبَةُ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ، قَالَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ: سَابَقَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَبَقْتُهُ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أَحْمِلَ اللَّحْمَ – أَيْ قَبْلَ أَنْ يَزْدَادَ وَزْنُهَا – ثُمَّ لَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ – أَيْ سَمِنَتْ – سَابَقَنِي فَسَبَقَنِي فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَهَذَا رَسُولُ اللهِ مَعَ قَدْرِهِ الْعَالِي وَمَقَامِهِ السَّامِي وَكَثْرَةِ خُصُومِهِ وَتَسَلُّطِ الْأَعْدَاءِ عَلَى أَصْحَابِهِ مَعَ ذَلِكَ كَانَ يُلَاطِفُ نِسَاءَهُ وَيَتَوَدَّدُ إِلَيْهِنَّ فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَتَأَسَّى بِخُلُقِ رَسُولِ اللهِ الْأَعْظَمِ.
هَذَا حَالُ أَفضَلِ الخَلقِ ﷺ، وَبَعضُ النَّاسِ اليَومَ يَغضَبُ بِأَقَلِّ القَلِيلِ عَلَى زَوجَتِهِ فَيَكفُرُ بِاللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، يَقُولُ لَهَا: “جَنَّنتِي رَبِّي” أَو “حِلِّي عَن رَبِّي” أَو “قِرِفِتْ رَبَّكِ” وَالعِيَاذُ بِاللهِ إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الكُفرِيَّاتِ.
وَأَمَّا حُقُوقُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ تُطِيعَهُ فِي أَمْرِ اللهِ وَلَا سِيَّمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ وَأَنْ لَا تَمْتَنِعَ عَنْهُ إِذَا طَلَبَهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَأَنْ تَكُونَ فِي حَالَةِ حَيْضٍ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ وَلَيْسَ لَهَا عُذْرٌ شَرْعِيٌّ يَكُونُ عَلَيْهَا وِزْرٌ كَبِيرٌ مَعْصِيَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ﷺ: «إِذا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَالشَّرْعُ أَمَرَ بِهَذَا وَذَلِكَ حَتَّى لَا يَمِيلَ الرَّجُلُ إِلَى الْوُقُوعِ بِالْحَرَامِ وَلِذَلِكَ أَمَرَ الرَّسُولُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُطِيعَ زَوْجَهَا فِي هَذَا، يَقُولُ ﷺ: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَتَأَمَّلُوا كَيْفَ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ صَوْمَ الْمَرْأَةِ التَّطَوُّعَ وَالنَّفَلَ لَا يَكُونُ لَهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا لِأَنَّ حَقَّهُ بِالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ وَاجِبٌ وَصَوْمُهَا تَطَوُّعًا لَيْسَ بِفَرْضٍ فَلَا يُمْنَعُ حَقٌّ بِنَفَلٍ. وَذَلِكَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ: ((لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ آنِفًا حُرْمَةُ أَنْ تُدْخِلَ إِلَى بَيْتِهِ مَنْ لَا يَرْضَى لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَبِّبُ الْعَدَاوَةَ بَينَ الزَّوجِ وَزَوجَتِهِ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ صِلَةِ وَالِدَيْهَا وَأَنْ يَمْنَعَ زِيَارَتَهُمَا لَهَا بِالْمَرَّةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُطِيعَهُ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمخَلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.
وَمِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ تُبِيحُ لَهَا الْخُرُوجَ بِدُونِ إِذْنِهِ كَالْخُرُوجِ لِتَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ الْوَاجِبِ إِذَا لَمْ يُعَلِّمْهَا وَلَمْ يَأْتِ لَهَا بِمَنْ يُعَلِّمُهَا هَذَا الْعِلْمَ فَإِنَّهَا تَخْرُجُ لِتَتَعَلَّمَهُ.
وَمِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ إِذَا طَلَبَ مِنْهَا ذَلِكَ سَوَاءٌ اعْتَادَتْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ تَعْتَدْ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهَا تَلْبِيَةُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْتَنِعَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعَ كَالرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَمَا يُؤْذِيهِ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: ((الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ)).
وَيَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَالِ زَوْجِهَا فِي حَضْرَتِهِ وَفِي غَيْبَتِهِ، ومن حقّه عَلَيْهَا أَنْ تَحْتَرِمَهُ وَلَا تَتَعَالَى عَلَيْهِ وَتَحْفَظَ قَدْرَهُ، فَالرَّجُلُ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمَرْأَةِ مِنْ حَيْثُ الْعِنَايَةُ وَالرِّعَايَةُ، وَفِي ذَلِكَ جاء عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: ((زَوْجُهَا)). قُلْتُ: مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَقًّا عَلَى الرَّجُلِ؟ قَالَ: ((أُمُّهُ)) رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ.
وَكَذَلِكَ حَذَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَرْأَةَ أَنْ تَكْفُرَ الْعَشِيرَ أَيْ تُنْكِرَ فَضْلَ الزَّوْجِ عَلَيْهَا، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الذي رواه البخاري أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعِظُ النِّسَاءَ فَيَقُولُ لَهُنَّ: ((تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ))، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ)).
وَمَعْنَى تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ أَيِ اللَّعْنُ بِغَيْرِ حَقٍّ هَذَا مِنْ أَكْثَرِ مَا هُوَ سَبَبٌ لِدُخُولِهِنَّ النَّارَ، وَأَكْثَرُ النِّسَاءِ يُنْكِرْنَ إِحْسَانَ الزَّوْجِ فَلَوْ أَحْسَنَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْهُ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ.
القناعة وحسن العشرة وأثرهما في نجاح الحياة الزوجية.
وَاسْمَعُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى فِطَانَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَذَلِكَ النُّصْحَ لِنَبِيِّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ لِابْنِهِ سَيِّدِنَا إِسْمَاعِيلَ مِنْ مُجَرَّدِ سُؤَالٍ طَرَحَهُ عَلَى زَوْجَتِهِ، فَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ يَعُودُ مِنْ فِلَسْطِينَ إِلَى مَكَّةَ فَيَزُورُ وَلَدَهُ إِسْمَاعِيلَ وَيَتَفَقَّدُ أَحْوَلَهُ، فَجَاءَهُ يَوْمًا زَائِرًا لَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَسَأَلَ زَوْجَتَهُ وَالَّتِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ وَكَانَ اسْمُهَا صَدَى سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ أَخَذَتْ تَشْكُو إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا إِبْرَاهِيمُ: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ مِنِّي السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ لِيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَهَا سَيِّدُنَا إِسْمَاعِيلُ سَأَلَهَا هَلْ جَاءَكُمْ أَحَدٌ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ فَسَأَلَ عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ وَسَأَلَ عَنْ عَيْشِنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ، قَالَ لَهَا: وَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَتْ نَعَمْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، فَقَالَ لَهَا: ذَاكَ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ إِلْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا.
ثُمَّ بَعْدَ زَمَنٍ تَزَوَّجَ سَيِّدُنَا إِسْمَاعِيلُ مِنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى وَكَانَ اسْمُهَا رَعْلَةُ، وَبَعْدَ أَنْ لَبِثَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ بَعِيدًا عَنْ مَكَّةَ أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ لِزِيَارَةِ إِسْمَاعِيلَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَالْتَقَى رَعْلَةَ وَلَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ فَقَالَتْ: نَحْنُ فِي خَيْرِ عَيْشٍ بِحَمْدِ اللهِ انْزِلْ فَاطْعَمْ وَاشْرَبْ فَإِنَّ خَيْرَ اللهِ كَثِيرٌ وَافِرٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّبَنُ وَالْمَاءُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَسُرَّ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ بِكَلَامِهَا وَدَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهَا وَقَالَ: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَمُرِيهِ يُثَبِّتْ عَتَبَةَ بَابِهِ فَإِنَّهَا صَلَاحُ الْمَنْزِلِ.
فَلَمَّا عَادَ سَيِّدُنَا إِسْمَاعِيلُ وَعَلِمَ مِنْهَا ذَاكَ الْمَقَالَ قَالَ: ذَاكَ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ وَإِنَّ أَبِي يَأْمُرُنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.
فَحَرِيٌّ بِالنِّسَاءِ أَنْ يَتَّعِظْنَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَلَا تُكَلِّفِ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا مَا لَا يُطِيقُ وَأَنْ تَقْنَعَ بِالْمَقْسُومِ وَلَا تُكْثِرِ الشَّكْوَى وَأَنْ تَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِكُلِّ مَا يُحِبُّ وَيَرْضَى وَلَا تَطْلُبَ مِنْهُ مَا يُثْقِلُ، وَلْتَفْعَلْ هَذَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَإِنَّ لَهَا ثَوَابًا عَظِيمًا عِنْدَ اللهِ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الجَنَّةَ)) رواه الترمذي في سننه.
وَاسْمَعُوا هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ تَخْوِيفٌ لِلْمَرْأَةِ مِنْ أَنْ تُسْخِطَ زَوْجَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ إِذْ يَقُولُ: ((لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا)) رواه أحمد في مسنده.
وَلِلرَّجُلِ فَضْلٌ كَثِيرٌ عَلَى زَوْجَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ تُرَاعِيَهُ الزَّوْجَةُ، حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا)) رواه ابن ماجه في سننه، مَعْنَاهُ سُجُودُ التَّحِيَّةِ، وَلَكِنْ حَتَّى سُجُودُ التَّحِيَّةِ فِي الشَّرْعِ حَرَامٌ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَوْ كَانَ حَلَالًا لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِفِعْلِهِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا.
وَفِي ذَلِكَ قَالَ أَحَدُ الْعُلَمَاءِ نَاصِحًا النِّسَاءَ: “كُونِي لَيِّنَةً بِيَدِ زَوْجِكِ اخْفِضِي صَوْتَكِ أَمَامَهُ وَكَأَنَّكِ عِنْدَ مَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ، حَقُّ الزَّوْجِ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ خَالِفِي نَفْسَكِ بِالتَّوَاضُعِ مَعَهُ”.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الْخُلُقِ وَحُسْنَ الْعِشْرَةِ وَالْفَهْمَ لِكَلَامِ اللهِ وَلِحَدِيثِ الْقَائِدِ الْمُعَلِّمِ ﷺ.
والله تعالى أعلم وأحكم