أعظم من كل نبي: المقارنة الشاملة التي تُثبت أنه ﷺ سيد ولد آدم

الدرس ٢٦ من ٤١دلائل النبوة

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي نَصَبَ مِنْ كُلِّ كَائِنٍ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ بُرْهَانًا، وَتَصَرَّفَ فِي خَلِيقَتِهِ كَمَا شَاءَ عِزًّا وَسُلْطَانًا، وَاخْتَارَ الْمُتَّقِينَ فَوَهَبَ لَهُمْ بِنِعْمَتِهِ أَمْنًا وَإِيمَانًا، عَمَّ الْمُذْنِبِينَ بِرَحْمَتِهِ عَفْوًا وَغُفْرَانًا، وَلَمْ يَقْطَعْ أَرْزَاقَ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ جُودًا وَامْتِنَانًا، وَأَعَادَ شُؤْمَ الْحَسَدِ عَلَى الْحَاسِدِ لأَنَّهُ ارْتَكَبَ عُدْوَانًا. رَوَّحَ أَهْلَ الإِخْلاصِ بِنَسِيمِ فضلهِ، وَحَذَّرَ يَوْمَ الْقِصَاصِ بِجَسِيمِ كَرْبِهِ، وَحَفِظَ السَّالِكَ نَحْوَ رِضَاهُ فِي سِرْبِهِ، وَأَكْرَمَ الْمُؤْمِنَ بِهِ إِذْ كَتَبَ الإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ، حَكَمَ فِي بَرِيَّتِهِ فَأَمَرَ وَنَهَى، وَأَقَامَ بِمَعُونَتِهِ مَا ضَعُفَ وَوَهَى، وَأَيْقَظَ بِمَوْعِظَتِهِ مَنْ غَفَلَ وَسَهَا، وَدَعَا الْمُذْنِبَ إِلَى تَوْبَةٍ لِغُفْرَانِ ذَنْبِهِ. 

أَحْمَدُهُ حَمْدَ عَبْدٍ لِرَبِّهِ مُعْتَذِرٍ إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ، وَأُقِرُّ بِتَوْحِيدِهِ إِقْرَارَ مُخْلِصٍ مِنْ قَلْبِهِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ضَجِيعِهِ فِي تُرْبِهِ، وَعُمَرَ الَّذِي لا يَسِيرُ الشَّيْطَانُ فِي سِربه؛ وَعُثْمَانَ الشَّهِيدِ لا فِي صَفِّ حَرْبِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مُعِينِهِ وَمُغِيثِهِ فِي كَرْبِهِ. وسلم تسليمًا كثيرًا، 

أما بعد: 

طَهَّرَ اللهُ عزَّ وجلَّ وَزَكَّى محمّدًا ﷺ، ثُمَّ مَدَحَه وَأَثْنَى، ثُمَّ أَثَابَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى، فَلَهُ الفضل بدأً وَعَوْدًا، وَالْحَمْدُ أُولَى وأُخْرَى، وَمِنْ فضائله ﷺ مَا أَبْرَزَهُ الله لِلْعَيَانِ مِنْ خَلْقِهِ ﷺ عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ، وَتَخْصِيصِهِ بِالْمَحَاسِنِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَخلَاقِ الْحمِيدَةِ وَالْمَذَاهِبِ الْكَرِيمَةِ وَالْفَضَائِلِ الْعَدِيدَةِ وَتَأْيِيدِهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ وَالْكَرَامَاتِ البَيِّنَةِ، الَّتِي شَاهَدَهَا مَنْ عَاصَرَهُ، وَرَآهَا مَنْ أَدْرَكَهُ، وَعَلِمَهَا عِلْمَ يَقِينٍ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، حَتَى انْتَهَى عِلْمُ حَقِيقَةِ ذَلِكَ إِلَيْنَا، وَفَاضَتْ أَنْوَارُهُ عَلَيْنَا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا. 

وكنّا قد غرفنا شيئا من بحر فضائله ﷺ وتكلمنا في إعطاء الله له أعظم مما أعطى أنبياءَه الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، 

ونتكلم الآن في مقارنة ما أعطى الله أنبياءه الكرام وما أعطى محمدا ﷺ على العموم، وليس هذا الكلام مقارنة خاصة بين نبي معين وبين محمد ﷺ، فقد مضينا في هذا الباب وإن لم نكن استوفيناه كاملا، فمن ذا الذي يحيط بفضائل محمد ﷺ وببركات محمد ﷺ، فهو أعلى الخلق رتبة وأرفعهم مقاما ﷺ. 

مقارنة ما أعطى الله أنبياءه عليهم السّلام وما أعطى محمّدا ﷺ

اعلم أنّ الله تبارك وتعالى أعطى الصّفوة لآدم عليه السّلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [سورة آل عمران/ الآية 33]. وأعطى الرفعة لإدريس عليه السّلام، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 57]. وأعطى الإجابة لنوح عليه السّلام، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 75]. والفداء لإسماعيل عليه السّلام، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات/ الآية 107]. والخلّة لإبراهيم عليه السّلام، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [سورة النساء/ الآية 125]. والحلم لإسحاق عليه السّلام، قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [سورة الصافات/ الآية 101]. والعلم والحكم للوط عليه السّلام، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 74]. وتعبير الرؤيا ليوسف عليه السّلام، قال الله عزّ وجلّ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [سورة يوسف/ الآية 101]. والقرب لموسى عليه السّلام، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 52]. والخلافة لداود عليه السّلام، قال الله عزّ وجلّ: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة ص/ الآية 26]. والفهم والعطاء لسليمان عليه السّلام قال عزّ وجلّ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 79]، وقال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة ص/ الآية 39]. والحكمة ليحيى عليه السّلام، قال عزّ وجلّ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [سورة مريم/ الآية 12]. وصحبة الملائكة والرفعة لعيسى عليه السّلام، قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 55]. 

وبالمقابل أعطى الله محمّدًا ﷺ وعلى آله الطيبين الطاهرين أشياء كثيرة: أولها: حسن الخلق، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم/ الآية 4]. ثانيها: العصمة، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة المائدة/ الآية 67]. ثالثها: النصرة، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [سورة الفتح/ الآية 3]. رابعها: الفضل، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [سورة النساء/ الآية 113]. خامسها: المحبة، قال الله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 31].

وروي عن ابن عباس رضي الله عنه: صار شيء من الحسن والجمال ليوسف عليه السّلام. وصار البهاء والنور، والشرف، والقوة والشجاعة، والزهد والتواضع والخضوع، والشفاعة، والقرآن، والناقة، والهراوة، والسيف والقضيب، والنعل والغمامة، والرضا واليقين والقنوع، ولواء الحمد، والكرسي، والمنبر الرفيع، والحوض المورود، والكأس الأوفى، والاسم الحسن، والذكر الرفيع، والحسب الشريف، والنسل الكريم، والأزواج المطهرات، والوجه الصبيح، والقلب القنوع، والبدن الصابر، والكرم الظاهر، والآيات الفاضلات، والكلمات المنزلات، والمعجزات الباهرات، والحج والإحرام، والجهاد والرباط، وصوم رمضان، والأشهر الحرم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والكعبة والشفاعة، وكلّ ذلك لرسول الله ﷺ.  

وقال ابن عباس: أعطى الله محمّدا ﷺ خُلُقَ آدم عليه السّلام، ومعرفة شيث عليه السّلام، وشجاعة نوح عليه السّلام، وصفوة إبراهيم عليه السّلام، ورضا إسحاق عليه السّلام، وحسن يوسف عليه السّلام، وشدّة موسى عليه السّلام، وصبر أيوب عليه السّلام، وطاعة يونس عليه السّلام، وصوت داود عليه السّلام، وفصاحة صالح عليه السّلام، وزهد يحيى عليه السّلام، وعصمة عيسى عليه السّلام، ووقار إلياس عليه السّلام، وطب دانيال عليه السّلام، وجهاد يوشع بن نون عليه السّلام.

ومن المرفوع في هذا المعنى ما جاء في حديث أبي هريرة في سياقه الطويل لقصة الإسراء عند ابن جرير في التفسير، وابن أبي حاتم في التفسير، والبيهقي في الدلائل، والبزار، وفيه: فكلمه الله تعالى عند ذلك قَالَ لَهُ: سَلْ، قَالَ: إِنَّكَ اتَّخَذْتَ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌خَلِيلًا ‌وَأَعْطَيْتَهُ ‌مُلْكًا عَظِيمًا، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا – قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سورة النساء/ الآية 164] كلامُ الله كلامٌ واحدٌ لا يتبعّض ولا يتعدد ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً، ليس مُبتَدَأً ولا مُختَتَمًا، ولا يتخلله انقطاع، أزليٌ أبديٌ ليس ككلام المخلوقين، فهو ليس بفم ولا لسان ولا شفاه ولا مخارج حروف ولا انسلال هواء ولا اصطكاك أجرام.، قال الإمام أبو حنيفة فِي الْفِقْهِ الأَكْبَرِ: “َنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ وَالْحُرُوفِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِلا ءَالَةٍ وَلا حُرُوفٍ” -، وَأَعْطَيْتَ دَاوُدَ مُلْكًا عَظِيمًا، وَأَلَنْتَ لَهُ الْحَدِيدَ وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِبَالَ، وَأَعْطَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا عَظِيمًا وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِبَالَ وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَسَخَّرْتَ لَهُ الشَّيَاطِينَ وَالرِّيَاحَ وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَّمْتَ عِيسَى التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَجَعَلْتَهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِكَ وَأَعَذْتَهُ وَأُمَّهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمَا سَبِيلٌ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: قَدِ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا، قَالَ: وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَأَرْسَلْتُكَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ، وَرَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ، فَلَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي يَعْنِي بِذَلِكَ الْأَذَانَ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ أُمَّةً وَسَطًا، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ هُمُ الْأَوَّلُونَ وَهُمُ الْآخِرُونَ، وَجَعَلْتُ مِنْ أُمَّتِكَ أَقْوَامًا قُلُوبُهُمْ كتبهُمْ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ عَلَيْهِمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي ورسولي وَجَعَلْتُكَ آخر النَّبِيِّينَ خَلْقًا وَآخِرَهُمْ مَبْعَثًا، وَآتَيْتُكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ، وَأَعْطَيْتُكَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ وَجَعَلْتُكَ فَاتِحًا وَخَاتَمًا. 

قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَضَّلَنِي رَبِّي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَأَلْقَى فِي قَلْبِ عَدُوِّي الرُّعْبَ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَجُعِلَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا لِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُعْطِيتُ فَوَاتِيحَ الْكَلَامِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي فَلَمْ يَخْفَ عَلَيَّ التَّابِعُ وَالْمَتْبُوعُ. 

ومن شواهده ما أخرجه أبو نعيم والسيوطي في الخصائص الكبرى، من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السماوات، قلت: يا ربّ إنّه لم يكن نبيّ قبلي إلّا وقد أكرمته، جعلت إبراهيم خليلا، وموسى كليما، وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟ قال: أَوَ ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله؟ أن لا أذكر إلّا ذكرت معي، وجعلت صدور أمتك كتبًا يقرأن القرآن ظاهرا ولم أعطها أمة، وأنزلت إليك كلمة من كنوز عرشي: لا حول ولا قوة إلّا بالله. 

وأخرج ابن عساكر في تاريخه والسيوطي في الخصائص الكبرى، من حديث سلمان قال: قيل للنبي ﷺ: كلم الله موسى تكليما، وخلق عيسى من روح القدس – معناه أن روح المسيح روح صادرة من الله تعالى خلقا وتكوينا، أي روحه روح مشرف كريم على الله، وإلا فجميع الأرواح صادرة من الله تعالى تكوينا لا فرق في ذلك بين روح وروح -، واتخذ إبراهيم خليلا، واصطفى آدم، فما أعطيت من الفضل؟ فهبط جبريل فقال: إن ربك يقول: إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا فقد اتخذتك حبيبا، وإن كنت كلمت موسى في الأرض تكليما فقد كلمتك في السماء – قال الإمام أبو حنيفة فِي الْفِقْهِ الأَكْبَرِ: “َنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ وَالْحُرُوفِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِلا ءَالَةٍ وَلا حُرُوفٍ” -، وإن كنت خلقت عيسى من روح القدس فقد خلقت اسمك من قبل أن أخلق الخلق بألفي سنة، ولقد وطئت في السماء موطئا لم يطأه أحد بعدك، وإن كنت اصطفيت آدم فقد ختمت بك الأنبياء، وما خلقت خلقا أكرم علي منك، وقد أعطيتك الحوض والشفاعة، والناقة والقضيب – السَّيفَ الَّلطيف الدَّقيق. وَقِيلَ: العُود – والتاج – العمامة، فالْعَمَائِمَ لِلْعَرَبِ بِمَنْزِلَةِ التِّيجَانِ لِلْمُلُوكِ – والهراوة – كَانَ يُمْسِك القَضِيبَ بِيدِه كَثِيرا، وَكَانَ يُمْشَى بالعَصَا بَين يَدَيه، وتُغْرَزُ لَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا – والحج والعمرة وشهر رمضان والشفاعة كلها لك حتى ظل عرشي في القيامة عليك ممدود، وتاج الحمد على رأسك معقود، وقرنت اسمك مع اسمي فلا أذكر في موضع حتى تذكر معي، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرّفهم كرامتك ومنزلتك عندي ولولاك ما خلقت الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم والسيوطي في الخصائص الكبرى، عن عبادة بن الصامت أنّ النبي ﷺ خرج فقال: إن جبريل أتاني فقال: اخرج فحدث بنعمة الله التي أنعم بها عليك، فبشرني بعشر لم يؤتها نبي قبلي: أن الله بعثني إلى الناس جميعا، وأمرني أن أنذر الجن، ولقاني كلامه – أي القرءان الكريم – وأنا أميّ، قد أوتي داود الزبور، وموسى الألواح، وعيسى الإنجيل، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأعطاني الكوثر، وأمدني بالملائكة، وآتاني النصر، وجعل بين يدي الرعب، وجعل حوضي أعظم الحياض، ورفع لي ذكري في التأذين، ويبعثني يوم القيامة مقاما محمودا، والناس مهطعين – الْإِهْطَاعُ: الإسْراعُ فِي العَدْو. وأَهْطَعَ، إِذَا مَدَّ عُنُقَه وصَوّبَ رأسَه – مقنعي رؤوسهم، ويبعثني في أول زمرة تخرج من الناس، وأدخل الجنة بشفاعتي سبعين ألفا من أمتي لا يحاسبون، ويرفعني في أعلى غرفة من جنات النعيم ليس فوقي إلّا الملائكة الذين يحملون العرش، وآتاني السلطان، وطيب الغنيمة لي وأمتي ولم تكن لأحد قبلنا. 

وقال الشيخ الإمام العلامة ذو المحبة الصّادقة لرسول الله ﷺ أبو زكريا يحيى بن يوسف الأنصاري الصرصري، وكان ضرير البصر بصير البصيرة في قصيدة له: 

مُحَمَّدٌ الْمَبْعُوثُ لِلنَّـــــــــاسِ رَحْمَةًيُشَيِّدُ مَـــا أَوْهَى الضَّلَالُ وَيُصْلِــحُ
‌لَئِنْ ‌سَبَّحَتْ ‌صُــــمُّ ‌الْجِبَـــالِ مُجِيبَةًلِدَاوُدَ أَوْ لَانَ الْحَدِيــــــدُ الْمُصَفَّـــحُ
فَإِنَّ الصُّخُـــــورَ الصُّمَّ لَانَـتْ بِكَفِّهِوَإِنَّ الْحَصَـــــــا فِي كَفِّـــــهِ لَيُسَبِّحُ
وَإِنْ كَانَ مُوسَى أَنَبَعَ الْمَاءَ بِالْعَصَافَمِنْ كَفِّــــهِ قَدْ أَصْبَحَ الْمَـــاءُ يَطْفَحُ
وَإِنْ كَانَـــتِ الرِّيحُ الرَّخَـاءُ مُطِيعَةًسُلَيْمَانَ لَا تَأْلُو تَـــرُوحُ وَتَسْـــــرَحُ
فَإِنَّ الصَّبَــــا كَانَـــتْ لِنَصْـــرِ نَبِيِّنَاوَرُعْبٌ عَلَى شَهْرٍ بِهِ الْخَصْمُ يَكْلَحُ
وَإِنْ أُوتِيَ الْمُلْكَ الْعَظِيــمَ وَسُخِّرَتْلَــهُ الْجِـنُّ تَسْعَى فِي رِضَاهُ وَتَكْدَحُ
فَإِنَّ مَفَاتِيــــحَ الْكُنُــــــــوزِ بِأَسْرِهَاأَتَتْهُ فَرَدَّ الزَّاهِــــدُ الْمُتَرَجِّــــــــــحُ
وَإِنْ كَــــانَ إِبْرَاهِيمُ أُعْطِـــــيَ خُلَّةًوَمُوسَى بِتَكْلِيــمٍ عَلَى الطُّـورِ يُمْنَحُ
فَهَـــذَا حَبِيـــبٌ بَـــلْ خَلِيلٌ مُكَلَّــــمٌوَخُصِّصَ بِالرُّؤْيَــا وَبِالْحَـقِّ أَشْرَحُ
وَخُصِّصَ بِالْحَوْضِ الْعَظِيمِ وَبِاللِّوَاوَيَشْفَــــعُ لِلْعَاصِيــــــنَ وَالنَّارُ تَلْفَحُ
وَبِالْمَقْعَــــدِ الْأَعْلَــــى الْمُقَرَّبِ نَالَهُعَطَــــــــاءٌ لِعَيْنَيْهِ أَقَــــــــرُّ وَأَفْرَحُ
وَبِالرُّتْبَةِ الْعُلْيَا الْوَسِيــــــــلَةُ دُونَهَامَرَاتِــــبُ أَرْبَــــابِ الْمَوَاهِبِ تَلْمَحُ
وَلَهْــــوَ إِلَى الْجَنَّــــــاتِ أَوَّلُ دَاخِلٍلَــــهُ بَابُهَا قَبْــــــلَ الْخَلَائِـــقِ يُفْتَحُ

فبعد أن قارنا بين ما أعطى الله محمدا ﷺ وما أعطى الأنبياء قبله، وظهر لكلّ ذي لبّ وعقل سليم تفضيلَ الله لنبيه ﷺ وتمييزه له ورفعه له فوق خلقه وفوق الأنبياء والمرسلين في الرتبة، تبيّن لنا بعد ذلك فضل من نتبعه ونقتدي به ﷺ وظهر له أهمية إبراز معالم شريعته ونشر علمه بين الناس صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم، وإننا نزيد الحديث لذّة ونزيد القلب شوقا لهذا النبي الكريم ﷺ عندما نتكلم عن دلائل نبوته غير التي ذكرناها وفصلنا فيها، كيف لا نفعل ذلك وهو أكثر الأنبياء معجزات، ولا ينكر فضله ﷺ إلا من أعمى الله بصيرته وقلبه وطمس على لبّه وأرداه في مهاوي الرّدى، خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. 

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحَيًّا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السلام كُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ أُوتِيَ مِنَ الْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ عَلَى صِدْقِهِ وَصِحَّةِ مَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَحُجَّةٌ لِقَوْمِهِ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ سَوَاءٌ آمَنُوا بِهِ فَفَازُوا بِثَوَابِ إِيمَانِهِمْ أَوْ جَحَدُوا فَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ، وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ، أَيْ جُلُّهُ وَأَعْظَمُهُ، الْوَحْيُ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، الْحُجَّةُ الْمُسْتَمِرَّةُ الدَّائِمَةُ الْقَائِمَةُ فِي زَمَانِهِ وَبَعْدَهُ، فَإِنَّ الْبَرَاهِينَ الَّتِي كَانَتْ لِلْأَنْبِيَاءِ انْقَرَضَ زَمَانُهَا فِي حَيَاتِهِمْ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الْخَبَرُ عَنْهَا، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَهُوَ حُجَّةٌ قَائِمَةٌ كَأَنَّمَا يَسْمَعُهُ السَّامِعُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحُجَّةُ اللَّهِ قَائِمَةٌ بِهِ فِي حَيَّاتِهِ عليه السلام وبعد وفاته، ولهذا قال: فأرجو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَيْ لِاسْتِمْرَارِ مَا آتَانِيَ اللَّهُ مِنَ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ وَالْبَرَاهِينِ الدَّامِغَةِ، فَلِهَذَا يَكُونُ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ الأنبياء تبعا. 

ومن ذلك ما ثبت عنه وتناقلته الأمّة جيلا بعد جيل، فهذا حال المحبين لمحمد ﷺ يشغفون لذكر سيرته العطرة ﷺ فإن بذكره تنزل البركات الرحمات وبالصلاة عليه تنفرج الكربات بإذن الله رب العالمين. 

‌‌دُعَاؤُهُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَحْطِ

روى أبو نعيم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَقَالَ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [سورة ص/ الآية 86] وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَأَى قُرَيْشًا اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ)) فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُوا فِيهَا الْجِيَفَ وَالْعِظَامَ وَكَانَ الرَّجُلُ يَرَى فِي السَّمَاءِ شِبْهَ الدُّخَانِ، فَأَتَى أَبُو سُفْيَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الدخان/ الآية 10] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَائِدُونَ﴾ [سورة الدخان/ الآية 15]. فَيَكْشِفُ عَنْهُمْ عَذَابَ الْآخِرَةِ إِذَا جَاءَ، ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ، قَالَ: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [سورة الدخان/ الآية 16] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقَدْ مَضَتِ الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَهُوَ يَوْمُ بَدْرٍ وَاللِّزَامُ وَهُوَ يَوْمُ بَدْرٍ وألم غُلِبَتِ الرُّومَ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْقَمَرِ.

‌‌دُعَاؤهُ ﷺ لِعَلِيٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه

روي عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ شَاكِيًا فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ فَأَرِحْنِي، وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فَارْفَعْنِي وَإِنْ كَانَ بَلَاءً فَصَبِّرْنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟)) فَأَعَدْتُ عَلِيه الْقَوْلَ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اشْفِهِ)) قَالَ: فَمَا اشْتَكَيْتُ وَجَعِي بَعْدَ ذَلِكَ.

‌‌دُعَاؤُهُ بِشِفَاءِ الْأَمْرَاضِ النَّفْسِيِّةِ وَالْعُضْوِيَّةِ

عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((شُدُّوا رَأْسِي؛ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى الْمَسْجِدِ)) فَشَدَدْتُ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ صَفْرَاءَ ،ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَذَكَرَ كَلَامًا ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ كَانَتْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى أَمْرٍ يُخْفيِهِ إِلَيْهِ فَلْيَقُمْ، لِيَسْأَلْنِي؛ حَتَّى أَدْعُوَا اللَّهَ لَهُ))، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ فَأَوْمَتْ بِإِصْبَعِهَا إِلَى لِسَانِهَا، فَقَالَ: ((انْطَلِقِي إِلَى بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى آتِيَكِ)) فَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَبَخِيلٌ وَإِنِّي لَجَبَانٌ وَإِنِّي لَنَئُومٌ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُسَخِّيَ نَفْسِي وَأَنْ يُشَجِّعَ جُبْنِي وَأَنْ يَذْهَبَ بِكَثْرَةِ نَوِّمِي. قَالَ الْفَضْلُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْغَزْوِ مَعَنَا وَمَا مِنَّا رَجُلٌ أَسْخَى مِنْهُ نَفْسًا وَلَا أَشَدَّ بَأْسًا مِنْهُ، وَلَا أَقَلَّ نَوْمًا مِنْهُ، وَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَضِيبًا عَلَى رَأْسِ الْمَرْأَةِ، ثُمَّ دَعَا لَهَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَإِنْ كُنْتُ لَأَعْرِفُ دَعْوَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا حَتَّى إِنْ كَانَتْ لَتَقُولُ لِي: يَا عَائِشَةُ أَحْسِنِي صَلَاتَكِ.

‌‌دُعَاؤهُ لِغَنَمِ أَبِي قِرْصَافَةَ

كان زِيَادُ بْنُ سَيَّارٍ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي عَزَّةُ بِنْتُ عِيَاضِ بْنِ أَبِي قِرْصَافَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ جَدَّهَا أَبَا قِرْصَافَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى ﷺ يَقُولُ: كَانَ بَدْءُ إِسْلَامِي أَنِّي كُنْتُ يَتِيمًا بَيْنَ أُمِّي وَخَالَتِي وَكَانَ أَكْثَرَ مَيْلِي إِلَى خَالَتِي وَكُنْتُ أَرْعَى شُوَيْهَاتٍ لِي فَكَانَتْ خَالَتِي كَثِيرًا مَا تَقُولُ لِي: يَا بُنَيَّ لَا تَمُرَّ بِهَذَا الرَّجُلِ – تَعْنِي النبي ﷺ – فَيُغْوِيَكَ وَيُضِلَّكَ فَكُنْتُ أَخْرُجُ حَتَّى آتِي الْمَرْعَى وَأَتْرُكَ شُوَيْهَاتِي، ثُمَّ آتِي النَّبِيَّ ﷺ فلا أَزَالُ عِنْدَهُ أَسْمَعُ مِنْهُ وَأَرُوحُ بِغَنَمِي ضُمَّرًا يَابِسَاتِ الضُّرُوعِ. فَقَالَتْ لِي خَالَتِي: مَا لِغَنَمِكَ يَابِسَاتِ الضُّرُوعِ؟ قُلْتُ: مَا أَدْرِي، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ الثَّانِي فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ هَاجِرُوا وَتَمَسَّكُوا بِالْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَنْقَطِعُ مَا دَامَ الْجِهَادُ؛ ثُمَّ إِنِّي رَجَعْتُ بِغَنَمِي كَمَا رُحْتُ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَلَمْ أَزَلْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَسْمَعُ مِنْهُ حَتَّى أَسْلَمْتُ وَبَايَعْتُهُ وَصَافَحْتُهُ بِيَدِي وَشَكَوْتُ إِلَيْهِ أَمْرَ خَالَتِي وَأَمْرَ غَنَمِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((جِئْنِي بِالشِّيَاهِ)) فَجِئْتُهُ بِهِنَّ فَمَسَحَ ظُهُورَهُنَّ وَضُرُوعَهُنَّ وَدَعَا فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ فَامْتَلَأْنَ شَحْمًا وَلَبَنًا، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَى خَالَتِي بِهِنَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَكَذَا فَارْعَ. قُلْتُ: يَا خَالَةُ مَا رَعَيْتُ إِلَّا حَيْثُ كُنْتُ أَرْعَى كُلَّ يَوْمٍ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكِ بِقِصَّتِي، فَأَخْبَرْتُهَا بِالْقَصَّةِ وَإِتْيَانِي النبيَّ ﷺ وَأَخْبَرْتُهَا بِسِيرَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، فَقَالَتْ لِي أُمِّي وَخَالَتِي: اذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَأُمِّي وَخَالَتِي فَأَسْلَمْنَ وَبَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَهَذَا مَا كَانَ مِنْ إِسْلَامِ أَبِي قِرْصَافَةَ.

‌‌دُعَاؤهُ لِجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ

عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: كُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ عَلَى صَدْرِي، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا)) فَمَا سَقَطَتُ عَنْ فَرَسٍ بَعْدُ.

دُعَاؤهُﷺ لِعَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ وَالنَّابِغَةَ الْجَعْدِيِّ

قال عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ: اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِجُمْجُمَةٍ وَفِيهَا مَاءٌ وَفِيهِ شَعْرةٌ فَرَفَعْتُهُا فَنَاوَلْتُهُ فَنَظَرَ إِلَيَّ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ جَمِّلْهُ)) قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَمَا فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ شَعْرَةٌ بَيْضَاءُ.

وفي رواية قال يَعْلَى بْنُ الْأَشْدَقِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّابِغَةَ بْنَ الْجَعْدِ يَقُولُ: أَنْشَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَذَا الشِّعْرَ فَأَعْجَبَهُ:

بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَسناؤناوَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا

فَقَالَ ﷺ: ((إِلَى أَيْنَ الْمَظْهَرُ يَا أَبَا لَيْلَى؟)) قُلْتُ: إِلَى الْجَنَّةِ. قَالَ: ((أَجَلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى)) فَلَمَّا أَنْشَدْتُّهُ:

وَلَا خَيْرَ فِي حِلْمٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَــهُبَوَادِرُ تَحْمِي صَفْــوَهُ أَنْ يُكَدَّرَا
وَلَا خَيْرَ فِي جَهْلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُحَلِيمٌ إِذَا مَا أَوْرَدَ الْأَمْرَ أَصْدَرَا

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَجَدْتَ لَا يَفْضُضِ اللَّهُ فَاكَ)). قَالَ يَعْلَى: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ نَيِّفٌ وَمِائَةُ سَنَةٍ وَمَا ذَهَبَ لَهُ سِنٌّ.

ملاحظة: من قول النابغة الجعدي الذي قاله بين يدي النبي ﷺ وهو: بلغنا السماء، استدل أهل السنة والجماعة على أن الشخص قد يقول: بلغت السماء أو يقول: فلان في السماء ويريد بذلك الرتبة وليس المكان والجهة، وعلى هذا يُحمل حديث الجارية الذي يرويه بعض الحفاظ وفي بعض رواياتهم أنه قال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، فمعنى قول الجارية في السماء، أي عالي القدر جدا وليس معناه أن الله منحصر في السماء بذاته، فالعرب يقولون فلان في السماء ويريدون بذلك أن رتبته عاليه، وليس أينما ورد هذا اللفظ يراد به أن الله منحصر في السماء بذاته، كلا وحاشا، فالله تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ولا يجوز أن ينحصر في شيء هو خلقه كالسماء والجهات وغيرها من خلقه، وأيضا نقول: إن الرواية الأخرى لحديث الجارية أصوب وموافقة للأصول وفيها أن النبي ﷺ سألها: ((أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)) فقالت: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فهذه الرواية هي الموافقة للأصول فإنه يُحكم بإسلام الشخص عندما يقول: لا إله إلا الله وليس عندما يقول الله في السماء والعياذ بالله تعالى، فقد تواتر في الحديث المتفق عليه قوله ﷺ: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله))، وليس عندما يقولوا الله في السماء، وقد قال بعض الحفاظ كالبيهقي وغيره أن هذا الحديث وهو ما عُرِفَ بحديث الجارية مضطرب سندا ومتنا، فكيف يستدل به في العقيدة!!

‌‌قِصَّةُ عُتْيبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ

روى أبو نعيم عَنْ هَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: كَانَ أَبُو لَهَبٍ وَابْنُهُ عُتَيْبَةُ قَدْ تَجَهَّزَا إِلَى الشَّامِ وَتَجَهَّزْتُ مَعَهُمَا، فَقَالَ ابْنُهُ عُتَيْبَةُ: وَاللَّهِ لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَيْهِ فَلَأُوذِيَنَّهُ فِي رَبِّهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فأظهر له كفره بالله تعالى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ))، وَأَبُو طَالِبٍ حَاضِرٌ فَوَجِمَ عَنْهَا وَقَالَ: مَا أَغْنَاكَ عَنْ دَعْوَةِ ابْنِ أَخِي. فَرَجَعَ ثُمَّ انْصَرَفَ عَن النبي ﷺ فَرَجَعَ إِلَى أبيه فَقَالَ له أبوه: أَيْ بُنَيَّ مَا قُلْتَ لَهُ؟ قَالَ: كَفَرْتُ بإِلَهِهِ الَّذِي يَعْبُدُ. قَالَ: فَمَاذَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ. فَقَالَ أبو لهب: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا آمَنُ عَلَيْكَ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ. قَالَ: فَسِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا الشَّرَاةَ وَهِيَ مَأْسَدَةٌ – أي مليئة بالأسود – فَنَزَلْنَا إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ مَا أَنْزَلَكُمْ هَذِهِ الْبِلَادَ وَإِنَّهَا مَسْرَحُ الضَّيْغَمِ – وهو الأسد -؟ فَقَالَ لنا أَبُو لَهَبٍ: إِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ حَقِّي؟ قُلْنَا: أَجَلْ يَا أَبَا لَهَبٍ. فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ دَعَا عَلَى ابْنِي دَعْوَةً وَاللَّهِ مَا آمَنُهَا عَلَيْهِ، فَاجْمَعُوا مَتَاعَكُمْ إِلَى هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ، ثُمَّ افْرِشُوا لِابْنِي عُتَيْبَةَ ثُمَّ افْرِشُوا حَوْلَهُ. قَالَ: فَفَعَلْنَا، جَمَعْنَا الْمَتَاعَ حَتَّى ارْتَفَعَ ثُمَّ فَرَشْنا لَهُ عَلَيْهِ، وَفَرَشْنَا حَوْلَهُ فَبَيْنَا نَحْنُ حَوْلَهُ وَأَبُو لَهَبٍ مَعَنَا أَسْفَلَ وَبَاتَ هُوَ فَوْقَ الْمَتَاعِ، فَجَاءَ الْأَسَدُ فَشَمَّ وُجُوهَنَا، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مَا يُرِيدُ تَقَبَّضَ ثُمَّ وَثَبَ فَإِذَا هُوَ فَوْقَ الْمَتَاعِ فَجَاءَ الْأَسَدُ فَشَمَّ وَجْهَهُ ثُمَّ هَزَمَهُ هَزْمَةً فَفَضَخَ رَأْسَهُ فَقَالَ: سَيْفِي يَا كَلْبُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيَّ غَيْرُ ذَلِكَ وَوَثَبْنَا فَانْطَلَقَ الْأَسَدُ وَقَدْ فَضْخَ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: قَدْ عَرَفْتُ وَاللَّهِ مَا كَانَ لِيَنْقَلِبَ مِنْ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ.

وَقَد قيل عن عتيبة:

رمى رسولَ اللَّهِ مِن بينهمدُونَ قُرَيشٍ رَمْيَةَ القــــارعِ
فاستوجَبَ الدَّعوةَ منه بمابَيَّــــنَ للنَّاظِــــــرِ والسَّامعِ
أنْ سَلَّــــطَ اللَّهُ بـــــه كَلْبَهيمشي الهُوَيْنا مِشْيَةَ الخادِعِ
حتــى أتاه وَسْطَ أصحابِهوقــد عَلَتْهُمْ سِنَــةُ الهاجِـــعِ
فالتقَمَ الرأسَ بِيَافوخِــــــهِ‌والنَّحْرَ ‌منه ‌فَغْرَةَ ‌الجائــــعِ

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ