الحديث (121) · لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق

الدرس ١١٥ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ١:٠١:٥٨

المقدمة

الحمد لله الذي بِحَمْده نستفتح أقوالنا وأعمالنا، وبذكره نستنجح طلباتِنا وآمالَنا، إِيَّاه نستخيرُ وبعدله نستجير، وبحبله نعتصم، ولأمره نستسلم وَإِلَيْهِ نجأر، وفضلَه نشكر، وعفوَه نرجو، وعقابَه نخشى، وثوابَه نأمل، وإياه نستعين، عَلَيْهِ نتوكل، وبنبيه مُحَمَّد ﷺ نتوسل.

 لَهُ الْحَمد على نعمه الَّتِي لَا نحصيها عددًا، وَلَا نَعْرِف لَهَا أمدًا، حمدًا نبلغ بِهِ رِضَاهُ، ونستدر بِهِ نَعماه، اللَّهُمَّ كَمَا علمتنا بالقلم، وأنطقتنا باللسان الْأَفْصَح، وأريتنا الطَّرِيقَ الأوضح، وهديتنا لصراطك الْمُسْتَقيم، وفقهتنا فِي الدّين، فأوزعنا أن نطلب الزلفى لديك، بِالْحَمْد لَك وَالثنَاءِ عَلَيْك، وسددنا لقَضَاء حَقك وَأَدَاء فرضك، وشكر نِعْمَتك، وصل اللهم عَلَى محمد صلاةً نامية زاكية، وَسلم سَلاما طيبا كثيرا وعَلى أَصْحَابه وَأهل بَيته الَّذين أذهبت عَنْهُم الرجس وطهرتهم تَطْهِيرا، ومن سار على دربهم وسنتهم إلى يوم الفصل والدين، أما بعد: 

يقول الله تعالى: ((وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِيْنَ))، انطلاقًا من هذه الآية الكريمة أحبابي وبعد انقضاء أفضلِ شهور السنة رمضانَ وفي مجلسنا المباركِ هذا في هذا المسجد حيث نجتمع في مثل هذا الوقت كلَّ أسبوع نشرح أحاديث المصطفى ﷺ من كتاب رياض الصالحين أذكركم بما قال الله عز وجل: ((شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لَا إلهَ إلُّا هُوَ والملائكةُ وأولو العِلْمِ قائمًا بالقِسْطِ))، ويقول أيضا: ((إنَّمُا يَخشَى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلماءُ))، وقال سبحانه: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِيْنَ يَعْلَمُوْنَ وَالَّذِيْنَ لَا يَعْلَمُوْنَ))، ويقول عز وجل: ((يَرْفَعِ اللهُ الَّذِيْنَ ءامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِيْنَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ))، وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ”، ثم قال رسول الله ﷺ: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ”.  فيا له من فضلٍ كبيرٍ وشرفٍ عظيم، لا يناله العبد عادة إلا بعد شدة وتعب غالبا، فحتى ننال ما نال أهل الفضل من هذه الأمة ونلحق بالصالحين لا بد أن نتمثَّل بأعمالهم قولًا وفعلًا ونقتدي بهم مع الإخلاص وصدق العزيمة، فمن عرف كل هذا الذي ذكرت لا ينبغي أن يتخلف عن مجلسٍ تُشْرَحُ فيه أحاديث حبيب قلوبنا ﷺ ولا سيما في هذا الكتاب المبارك الذي ذاع صيته شرقَ البلاد وغربَها وجعل الله له قبولا بين الناس، بسبب إخلاص مؤلفه، ولا سيما أن المؤلف الحافظ النوويَّ رحمه الله تعالى دعا في مقدمة كتاب رياض الصالحين للمشتغلين بدراسة هذا الكتاب المبارك وتدريسه وهذا ما نشعر ببركته بفضل الله تعالى.

الحديث

وكنا وصلنا إلى الحديث الحادي والعشرين بعد المائة منه حيث يقول الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الخامس: عَنْهُ، قَالَ: قَالَ لي النَّبيّ ﷺ: «لَا تَحْقِرنَّ مِنَ المَعرُوفِ شَيئًا وَلَوْ أَنْ تَلقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ». رواه مسلم.

الشرح

الخامس (أي الحديث الخامس من باب في بيان كثرة طرق الخير وهو كما قلنا الحديث الحادي والعشرون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عَنْهُ (أي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وهو راوي كل الأحاديث الخمسة من هذا الباب إلى الآن) قَالَ: قَالَ لي النَّبيّ ﷺ: «لَا تَحْقِرنَّ (يقول أهل اللغة: حَقُرَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ حَقَارَةً هَانَ قَدْرُهُ فَلَا يُعْبَأُ بِهِ فَهُوَ حَقِيرٌ) 

(والمراد في هذا الحديث أي لا تستصغرنه، أي لا تعتبرنه صغيرا، فلا تقل: ماذا سيفعل لي هذا المعروف فهو قليل، بل اعمله ولو كان قليلا ولا تستَقِلَنَّه، ولا تعتبرنه قليلا) مِنَ المَعرُوفِ (المعروف كلمة تدل على كل ما أمر به الشرع وحث عليه، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْرُوفُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ – تَعَالَى – وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ وَهُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ (وقد ورد في بعض أحاديثه ﷺ قوله: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ لِغَنِيٍّ كَانَ أَوْ فَقِيرٍ»، وفي بعض الروايات: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ مَا أَنْفَقَهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَنْفَقَهُ عَلَى أَهْلِهِ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا وَقَى بِهِ عِرْضَهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ») شَيئًا (وكلمة “شيئا” جاءت في هذا الحديث نكرة والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، فهذا يدل على الحث على عدم ترك أي معروف ولو كان قليلا فقد يكون سببا في نجاتك من نار جهنم يوم القيامة ويكون سببا في تفريج الكربات عنك في هذه الدنيا 

وروي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَشَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَتَّى يُتِمَّهَا أَظَلَّهُ اللَّهُ بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَدْعُونَ لَهُ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ صَبَاحًا حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ كَانَ مَسَاءً حَتَّى يُصْبِحَ، وَلَا يَرْفَعُ قَدَمًا إِلَّا كُتِبَتْ حَسَنَةٌ، وَلَا يَضَعُ قَدَمًا إِلَّا حُطَّتْ عَنْهُ سَيِّئَةٌ») 

وَلَوْ أَنْ تَلقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْق» (ضِدُّ الْعُبُوسِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْبَشَاشَةُ وَالسُّرُورُ وَلَا شَكَّ أَنَّ إِيصَالَ السُّرُورِ إِلَى قَلْبِ مُسْلِمٍ حَسَنَةٌ).

(وفي بعض الروايات: «‌لَا ‌تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ المعرُوف؛ وَلَوْ أنْ تُؤنِسَ الْوَحْشَانَ» الْوَحْشَانُ: المُغْتَمُّ مِنَ الْوَحْشَةِ: ضِدُّ الأُنْس).

 (وهذا ثواب من عمل هذا المعروف القليل بين الناس بأن انبسط بوجهه لأخيه المؤمن فكيف بما هو أعظم من ذلك.

وقد جاء عن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ»، وقد قيل:

إِذَا شِئْتَ أَنْ تَبْقَى مِنَ اللَّهِ نِعْمَةٌ … عَلَيْكَ فَسَارِعْ فِي حَوَائِجِ خَلْقِهِ

وَلَا تَعْصِيَنَّ اللَّهَ مَا نِلْتَ ثَرْوَةً … فَيَحْظُرَ عَنْكَ اللهُ وَاسِعَ رِزْقِهِ)

وقد قيل: 

افْعَلِ الْخَيْرَ مَا اسْتَطَعْتَ وَإِنْ كَا … نَ قَلِيلًا فَلَسْتَ مُدْرِكَ كُلِّهْ

وَمَتَى تَفْعَلُ الْكَثِيرَ مِنَ الْخَيْ … رِ إِذَا كُنْتَ تَارِكًا لِأَقَلِّهْ». 

وقد جاء في الحديث: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ»، فأهل المعروف مرتبتهم يوم القيامة عالية في جنات النعيم، فقد روي عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: ” يُؤْتَى بِالرَّئِيسِ فِي الْخَيْرِ [أي الذي كان يفعل المعروف ويدل الناس عليه ليفعلوه] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَرَى مَنْزِلَتَهُ، وَمَنْزِلَةَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا يُجَامِعُونَهُ [أي يعاونونه] عَلَى الْخَيْرِ، وَيُعِينُونَهُ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذِهِ مَنْزِلَةُ فُلَانٍ، وَهَذِهِ مَنْزِلَةُ فُلَانٍ، فَيَرَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَيَرَى مَنْزِلَهُ أَفْضَلَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ، وَيُكْسَى حُلَّةً مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ، وَيُشْرِقُ وَجْهُهُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْقَمَرِ أَحْسِبُهُ قَالَ: فِي لَيْلَةِ الْبَدْرِ قَالَ: فَيَخْرُجُ، فَلَا يَرَاهُ أَهْلُ مَلَأٍ إِلَّا قَالُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ كَانُوا يُجَامِعُونَهُ عَلَى الْخَيْرِ وَيُعِينُونَهُ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ يَا فُلَانُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَعَدَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا، وَأَبْشِرْ يَا فُلَانُ، فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل أَعَدَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا، فَلَا يَزَالُ يُبَشِّرُهُمْ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْكَرَامَةِ حَتَّى يَعْلُوَ وُجُوهَهُمْ مِنَ الْبَيَاضِ مِثْلُ مَا عَلَا وَجْهَهُ، فَيَعْرِفُهُمُ النَّاسُ بِبَيَاضِ وُجُوهِهِمْ، فَيَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ”).

(فالعمل القليل قد ينجي الشخص ويكون سببا في قبول عمله، يحكى أن ملكا من الملوك أراد أن يبني مسجدا في مدينته، وأمر أن لا يشارك أحد في بناء هذا المسجد لا بالمال ولا بغيره، حيث يريد أن يكون هذا المسجد هو من ماله فقط دون مساعدة من أحد، وحذر وأنذر من أن يساعد أحد في ذلك، وفعلًا تم البدء في بناء المسجد ووضع اسمه عليه، وفي ليلة من الليالي رأى الملك في المنام: كأن ملكا من الملائكة نزل من السماء فمسح اسم الملك عن المسجد وكتب اسم امراة، فلما استيقظ الملك من النوم استيقظ مفزوعا وأرسل جنوده ينظرون هل اسمه مازال على المسجد؟ فذهبوا ورجعوا وقالوا: نعم، اسمك مازال موجودا ومكتوبا على المسجد، وقالوا له حاشيته: هذه أضغاث أحلام. وفي الليلة الثانية، رأى الملك نفس الرؤيا، رأى ملكا من الملائكة ينزل من السماء فيمسح اسم الملك عن المسجد ويكتب اسم امرأة على المسجد، وفي الصباح استيقظ الملك وأرسل جنوده يتأكدون هل مازال اسمه موجودًا على المسجد؟ ذهبوا ورجعوا وأخبروه أن اسمه مازال هو الموجود على المسجد، تعجب الملك وغضب، فلما كانت الليلة الثالثة، تكررت الرؤيا فلما قام الملك من النوم قام وقد حفظ اسم المرأة التي يكتب اسمها على المسجد، أمر بإحضار هذه المرأة، فحضرت وكانت امرأة عجوزا فقيرة ترتعش، فسألها: هل ساعدتِ في بناء المسجد الذي يبنى؟ قالت: يا أيها الملك أنا امرأة عجوز وفقيرة وكبيرة في السن، وقد سمعتك تنهى عن أن يساعد أحد في بناءه، فلا يمكنني أن أعصيك، فقال لها: أسألك بالله ماذا صنعت في بناء المسجد، قالت: والله ما عملت شيء قط في بناء هذا المسجد إلا، قال الملك: نعم، إلا ماذا؟ قالت: إلا أنني مررت ذات يوم من جانب المسجد، فإذا أحد الدواب التي تحمل الأخشاب وأدوات البناء للمسجد مربوط بحبل إلى وتد في الأرض، وبالقرب منه سطل به ماء، وهذا الحيوان يريد أن يقترب من الماء ليشرب فلا يستطيع بسبب الحبل، والعطش بلغ منه مبلغا شديدا فقمت وقربت سطل الماء منه، فشرب من الماء، هذا والله الذي صنعت، فقال الملك: عملتي هذا لوجه الله فقبل الله منك، وأنا عملت عملي ليقال مسجد الملك فلم يقبل الله مني، فأمر الملك أن يكتب اسم المرأة العجوز على هذا المسجد). 

(وروى ابن أبي الدنيا عن بعض الصالحين قَالَ: “مَاتَ لِي عَمٌّ فَرَأَيْتُهُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ وَهُوَ يَقُولُ: الدُّنْيَا غُرُورٌ وَالْآخِرَةُ لِلْعَامِلِينَ سُرُورٌ، لَمْ نَرَ مِثْلَ الْيَقِينِ وَالنُّصْحِ لِلَّهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، لَا تَحْقِرَنَّ ‌مِنَ ‌الْمَعْرُوفِ ‌شَيْئًا وَاعْمَلْ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَقَصِّرٌ”. 

وفي هذا الحث العظيم على الاستزادة من الخيرات والمبرات والفضائل، فمن رحمة الله ومن عظيم كرم الله عز وجل أنه لم يجعل الثواب في الآخرة لحدٍّ ينتهي إليه، بل مهما حصَّل العبد المؤمن من الثواب فإنه يجزى به خيرا ويعطى به فضلا كبيرا، لم يجعل الله الآخرة تنتهي مثلا لمليون حسنة أو مائة مليون، بل مهما أكثر المؤمن من الحسنات فإنه يعطى بها في الآخرة ثوابا كبيرا وفضلا عظيما).

هذا الحديث حديث عظيم يحثنا على كسب ود الناس بلا مخالفة للشرع، فأنت عندما تكلم الناس منطلق الوجه فإن أجرك عظيم بإذن الله، وهذا من فنون التعامل مع الناس، ومن أهم الأمور التي تجعل الآخرين مسرورين وسعداء أن يجدوا من يتحدث معهم في الأمور التي يحبّونها وتَسَرُّهم. فالمطلوب من المرء لكي يسرّ به الناس أن يحدثهم في المشروع أو المأذون به مما يسرّهم وليس في أي حديث، وبعبارة أخرى: ليس المطلوب من المرء الذي سُرَّ بالناس أن يُهْمِلَ أمر القيم الحسنة والمبادئ السليمة فيتكلم فيما يطيب لهم ويرضي شهواتهم وغرائزهم حتى لو كان ذلك مخالفًا للحق. ومن هنا فالتحدث فيما يسرّ الشخص الآخر ويطيب له من الأمور اللطيفة الحسنة التي تساعد على الدخول إلى قلبه أمر مفيد ونافع جدًا.

 فلكي يسرّ الناس بالمرء ويصبح محبوبًا بينهم ليكن حكيمًا في أن يدخل السرور إلى قلوبهم وأن يتحدث فيما يسرّهم ويطيب لهم وأن يُجْمّلَ طبعه ومعاملته بشىء من الدعابة والمطايبة.

مثل ذلك ما رُوي أن بعض الصحابة جاؤوا يطلبون من الرسول عليه الصلاة والسلام ما يركبونه من الدوابّ قالوا له: «احملنا يا رسول الله» معناه أعطنا مركوبًا من الدوابّ فقال لهم: «أحملكم على ولد الناقة»، فقالوا: «يا رسول الله ماذا يغني ولد الناقة « أي ماذا ينفعنا هل يقضي حاجاتنا، قال: «وهل تلد الإبلَ إلا النوق» معناه البعير الكبير والبعير الصغير كلّ ولد الناقة، الرسول ﷺ ما كذب، مثل هذا المزح الذي ما فيه كذب ولا فيه إيذاء لمسلم يجوز على الرسول ﷺ فقال بعض أصحاب الرسول  ﷺ: «إنك لتداعبنا»، لِمَا وجدوا منه من المزح اللطيف الذي ما فيه ضرر ولا كذب انبسطوا لذلك قالوا: «إنك لتداعبنا»، قال: «نعم ولا أقول إلا حقًا» . وكان الرسول ﷺ يضع الحسن والحسين أحيانًا على حُضْنِه وأحيانا يحملهما وكان يلاعب أولاده لإدخال السرور إلى قلوبهم. 

–  ومرة كان رجلٌ مِن أهلِ الباديةِ كان اسمُه زاهِرًا وكان يُهدي إلى النَّبيِّ ﷺ الهَديَّةَ فيُجَهِّزُه رسولُ اللهِ ﷺ إذا أراد أن يخرُجَ فقال رسولُ اللهِ ﷺ إنَّ زاهرًا بادِيَتُنا ونحن حاضِروه وكان النَّبيُّ ﷺ يُحِبُّه وكان دَميمًا فأتى النَّبيُّ ﷺ يومًا وهو يبيعُ متاعَه فاحتَضَنه مِن خَلفِه وهو لا يُبْصِرُه فقال أرْسِلْني مَن هذا؟ فالتفَت فعرَف النَّبيَّ ﷺ فجعَل لا يَأْلو ما ألصَقَ ظَهرَه بصَدرِ النَّبيِّ ﷺ حينَ عرَفه فلما انتبه له زاهر قال: فما فرحت بشىء أكثر من التصاق جسدي بجسد رسول الله ﷺ. 

وجعَل النَّبيُّ ﷺ يقولُ مَن يشتري العبدَ (هذا له تأويل أي صورته صورة عبد) فقال يا رسولَ اللهِ إذن تجِدَني كاسِدًا فقال النَّبيُّ ﷺ لكنَّك عندَ اللهِ لَسْتَ بكاسِدٍ أو قال عندَ اللهِ أنت غالٍ.

فإن إدخال السرور إلى قلوب الناس من الأمور التي تكسب ودّهم وحبّهم، فمن طبعهم أنهم يرغبون فيمن يدخل السرور إلى نفوسهم ويحبّونه. 

وقيل ثلاثةٌ من الدُنيا تَقَرُّ بها العيون: المرأةُ الموافقة، والولدُ الأديب، والأخُ الودود.

 وقيل لابن السَمَّاك: أيُّ الإخوان أحقّ ببناء المودّة قال: الوافرُ دينه، الوافي عقله، الذي لا يَمَلُّكَ على القرب ولا ينساك عن البعد إن دنوت منه ادناك وإن بَعُدت عنه راعاك وإن استعنت به عضَدَك وتكونُ مودّةُ فعله أكثر من مودّة قوله. 

فينبغي للمسلم أن يكون حسنَ البشر، طليقَ الوجه، مبتسمًا.

وإذا لم يكن من عادته الابتسام فليتعلم هذه الخصلة الحسنة، وليس عيبًا أن يتعلمها، وليجعل الابتسامة تَنْبُع من قلبه وتجري على فمه وعلى شفتيه لتبسط قسمات وجهه، ولن يتكلف شيئًا ولن يخسر بل هو الرابح والناجح والسعيد على أية حال إن أخلص النية. 

(خاتمة: هذا حال الصالحين والأبرار من هذه الأمة والعقلاء والحكماء والأولياء والأنبياء والأتقياء أنهم لا يستقلون من الحسنات بل يستزيدون منها على أي حال كانوا على حال الغنى أو الفقر أو الشدة أو الراحة أو التعب أو غير ذلك).

(وهذا الكلام كله الذي قلناه لمن كان مؤمنا بالله ورسوله، فإن الكافر لا تنفعه صور الحسنات التي يعملها ولو ملأ الأرض منها، أما المؤمن فإنه بإذن الله ينفعه كثير المعروف وقليله، لأنه موحِّد مات على كلمة التوحيد، عاش منزها لله معظّمًا له سبحانه يشهد أنْ لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) (ومما يدل على فضل وبركة كلمة التوحيد ما روى الترمذي وغيره عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العَاص سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول: «إِنَّ الله سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍ مِثْلُ مَدّ البَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحافِظُونَ؟ فيَقُولُ لاَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ لاَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ يَا ربِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَع هَذِهِ السِّجِلَّاتُ؟ فَقَالَ فَإِنَّكَ لَا تُظْلَمُ. قالَ: فَتُوْضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالِبطَاقَةُ في كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَت البِطَاقَةُ، ولا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ الله شَيْءٌ». 

(ولأهمية الإيمان والتوحيد والاعتقاد السليم فقد ألَّف فيه علماء الإسلام المئات من المؤلفات والرسائل المطولة والقصيرة، فهذا الإيمان هو سبب للدخول إلى الجنات وهو سبب في نيل أعالي الدرجات وهو سبب لقبول الطاعات وإن قلَّت، ومن ذلك ما سمي بين المسلمين بمنظومة مقتضى الشهادتين للنابلسي، فهذه الأبيات المسماة “مقتضى الشهادتين للنابلسي” التي نظمها الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي رحمه الله المتوفى سنة 1143 هـ في بيان العقيدة السنية التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، قال فيها رحمه الله: 

  1. مَعْرِفَةُ اللهِ عَلَيكَ تُفْتَرَضْ … بِأَنَّهُ لَا جَوْهَرٌ وَلَا عَرَضْ

الشرح: أنه يجب معرفة أن الله تعالى ليس بجوهر أي ليس جرما يأخذ حيزا من الفراغ، وليس بعرض وهو صفة الجسم. 

فائدة: العالم وهو كل ما سوى الله إما جواهر وإما أعراض، فالجواهر إما جوهر فرد وهو أصغر حجم مما لا يرى بالعين المجردة، وإما جسم وهو ما تركب من جوهرين فأكثر، ثم الجسم إما جسم كثيف وهو ما يضبط باليد كالإنسان والشجر والحجر، وإما جسم لطيف وهو ما لا يضبط باليد كالنور والهواء، والأعراض لاتستقل بنفسها بل تقوم في غيرها وهي نحو من الأربعين كالألوان والحركة والسكون والطعوم والروائح. 

  1. وَلَيْسَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ لَا، وَلَا … تُدْرِكُهُ العُقُولُ جَلَّ وَعَلَا

الشرح: معناه أن الله تعالى موجود بلا مكان، فالله تعالى كان موجودا قبل المكان بلا مكان وبعد أن خلق المكان لم يتغير عما كان؛ لأن التغير يكون للمخلوقات، فالمتغير محتاج والمحتاج عاجز والعاجز لا يكون إلها، فسبحان الذي يغير ولا يتغير، ولا تطلب معرفته بالتصور، ولا تحيط به العقول، فنحن منهيون عن التفكر في ذات الله مأمورون بالتفكر في مخلوقات الله، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: (تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذات الله)، فليس المراد بقولنا معرفة الله البحث عن حقيقة الله، بل المراد أن نؤمن بالله على ما يليق به مما ورد في الشرع ونقف عند حدود الشرع ولا نخوض؛ لأنه لا يعرف الله على الحقيقة إلا الله كما قال ذلك العلماء.

  1. لَا ذَاتُهُ يُشْبِهُ لِلذَّوَاتِ … وَلَا حَكَتْ صِفَاتُهُ الصِّفَاتِ

الشرح: ذات الله لا يشبه ذوات المخلوقين، ولا صفاته تشبه صفات الخلق، قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: (أنَّى يشبه الخالق مخلوقه) أي لا يصح عقلا ولا شرعا أن يشبه الخالق مخلوقه، ومعنى ذات الله حقيقة الله، وأما إذا قيل ذات زيد أي جسمه، ومعنى حكت: شابهت.

  1. فَرْدٌ لَنَا بِهِ تَتَمُّ المَعْرِفَةْ … وَوَاحِدٌ ذَاتًا وَفِعْلًا وَصِفَةْ

الشرح: معناه أن الله واحد لا شريك له في الألوهية، وهو عرّفنا بنفسه أنه لا يشبه شيئا من خلقه ولا بوجه من الوجوه، قال تعالى: {ليس كمثله شىء}[سورة الشورى: آية11]، فهو سبحانه واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في فعله، وهذا أقصى ما يصل إليه الإنسان من معرفة الله، قال الإمام أحمد الرفاعي       رحمه الله: (غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيف ولا مكان).

  1. فَهُوَ القَدِيمُ وَحْدَهُ وَالبَاقِي … فِي القَيْدِ نَحْنُ وَهُوَ في الإِطْلَاقِ

الشرح: أن الله سبحانه وتعالى قديم أي لا ابتداء لوجوده ولا أزلي سواه وهذا في حق الله، وأما إذا أطلق القديم على المخلوق فيكون بمعنى تقادم العهد والزمن، والله تعالى هو الباقي أي الدائم الذي لا يزول فلا يلحقه فناء ولا موت، وبقاء الله ذاتي ليس هناك من أوجب له هذه الصفة ولا شريك له في الديمومية، وأما إذا قيل عن بعض المخلوقات كالجنة والنار بأنها باقية فبقيد وهو أن بقاءهما ليس ذاتيا إنما شاء الله لهما البقاء.

فائدة: اتفق العلماء على جواز إطلاق القديم على الله بمعنى لا ابتداء لوجوده. ذكره الحافظ الزبيدي في شرح الأحياء.

  1. وَهُوَ السَّمِيعُ وَالبَصِيرٌ لَمْ يَزَلْ … بِغَيْرِ مَا جَارِحَةٍ وَفِي الأَزَلْ

الشرح: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفتي السمع والبصر، وهاتان الصفتان أزليتان أبديتان لكن سمعه وبصره ليسا كسمع وبصر المخلوقات، فسمعه سبحانه ليس بأذن ولا ءالة أخرى، وبصره ليس بحدقة ولا ءالة أخرى، قال تعالى: {ليس كمثله شىء وهو السميع البصير}[سورة الشورى: آية11]، وفي الآية قدم الله التنزيه ثم أثبت لنفسه صفتي السمع والبصر حتى لا يتوهم متوهم أنه سمع الله وبصره كسمع وبصر غيره، ومعنى الجارحة: العضو.

  1. لَهُ كَلَامٌ لَيْسَ كَالمَعْرُوفِ … جَلَّ عَنِ الأَصْوَاتِ وَالحُرُوفِ

الشرح: معناه كلام الله الذي هو صفة ذاته أزلي أبدي ليس ككلام خلقه، وما كان كذلك فليس حرفا ولا صوتا ولا لغة، قال الأمام أبو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر: (وكلامه لا ككلامنا، نحن نتكلم بالآلات من المخارج والحروف، والله متكلم بلا آلة ولا حرف).

  1. أَرْسَلَ رُسْلَهُ الكِرَامَ فِينَا … مُبَشِّرِينَ بَلْ وَمُنْذِرِينَا

الشرح: أن الله تعالى أرسل أنبياءه الكرام بدين واحد هو الإسلام، وهو الدين الذي رضيه الله لعباده، ومن يدين بغيره يكون في الآخرة من الخاسرين، قال الله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} وقال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلم يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}فالأنبياء مبشرين من ءامن بالجنة ومنذرين من كفر بالنار.

فائدة: النبي والرسول كلاهما مأمور بتبليغ الدعوة، قال الله تعالى: {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين}، وأما الفرق بينهما أن النبي الرسول إنسان أوحي إليه بشرع جديد، والنبي غير الرسول هو إنسان أوحي إليه لا بشرع جديد بل يتبع شرع الرسول الذي كان قبله ويبلغه، لذا قال بعض العلماء: كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.

  1. أَيَّدَهُمْ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةْ … وَالحِفْظِ وَالعِصْمَةِ وَالصِّيَانَةْ

الشرح: أن الأنبياء عليهم السلام جمّلهم الله بصفات تجب لهم، فهم موصوفون بالصدق فيستحيل عليهم الكذب، الأمانة فيستحيل عليهم الخيانة، الصيانة فيستحيل عليهم الرذالة، وحفظهم الله وعصمهم من الكفر والكبائر وصغائر الخسة قبل النبوة وبعدها، وأما المعصية الصغيرة التي لاخسة فيها ولا دناءة فتجوز عليهم لكن ينبهون فورا للتوبة قبل أن يقتدي بهم في تلك المعصية غيرهم؛ فهم قدوة للناس، وذلك كما حصل مع سيدنا آدم عليه السلام، و حفظ الله الأنبياء من الأمراض المنفرة كخروج الدود من البدن، فلا يجوز اعتقاد أن سيدنا أيوب مرض مرضا شديدا فخرج منه الدود.

  1. أَوَّلُهُمْ آدَمُ ثُـمَّ الآخِرُ … مُحَمَّدٌ وَهُوَ النَّبِيُّ الفَاخِرُ

الشرح: أن أول الأنبياء والمرسلين هو سيدنا ءادم عليه السلام وكان جميلَ الشكل يتكلم بكل اللغات ولم يكن أخرس ولا عاريا عن الثياب ولا شبيها بالقرود، فمن اعتقد أن أصل الإنسان قرد فقد كذب القرءان الكريم، وأن ءاخر الأنبياء هو سيدنا محمد بن عبد الله أرسله الله إلى الإنس والجن، قال رسول الله ﷺ: “وختم بي النبيون” رواه مسلم، وهو النبي الفاخر الطيب المعظم أفضل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، قال رسول الله ﷺ: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر” رواه الترمذي، والفاخر تطلق على من هو جليل القدر عظيم.

  1. وَصَحْبُهُ جَمِيعُهُمْ عَلَى هُدَى … تَفْضِيلُهُم مُرَتَّبٌ بِلَا اعْتِدَا
  2. فَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَبَعْدَهُ عُمَرْ … وَبَعْدَهُ عُثْمَانُ ذُو الوَجْهِ الأَغَرْ
  3. ثُمَّ عَلِيٌّ ثُمَّ بَاقِي العَشَرَةْ … وَهِيَ التِي في جَنَّةٍ مُبَشَّرَةْ

الشرح: أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام على هدى فلا نذكرهم جملة إلا بالخير، والصحابي هو المؤمن الذي التقى بالنبي على وجه العادة ومات على الإيمان. وأن أفضل الصحابة بالترتيب أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو عبد الله بن أبي قحافة، ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه صاحب الوجه الأبيض، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم باقي العشرة، وهم طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، والزبير بن العوام رضي الله عنه، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وسعيد بن زيد رضي الله عنه، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، وهم الذين بشّرهم رسول الله ﷺ بالجنة في سياق واحد؛ لذلك سموا بالعشرة المبشرين بالجنة، وبشر الرسول ﷺ غيرهم بالجنة كعمار بن ياسر و بلال الحبشي رضي الله عنهما.

  1. وَكُلُّ مَا عَنْهُ النَّبِيُّ أَخْبَرَا … فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ بِلا امْتِرَا

الشرح: أن كل ما أخبر الرسول ﷺ أنه يحصل فإنه محقق حصوله بلا شك لأن كل ما أتى به الرسول فحقه التصديق والقبول، قال الله تعالى: {وما ينطقُ عنِ الهوى * إنْ هو إلا وحيٌ يُوحَى} ويقول النبي ﷺ: “ما مِن أحدٍ منكم إلا يؤخذُ من قولِهِ ويُترَكُ غير رسول الله” رواه الطبراني في الأوسط.

  1. مِنْ نَحْوِ أَمْرِ القَبْرِ وَالقِيَامَةْ … وَكُلِّ مَا كَانَ لهُ عَلامةْ

الشرح: من جملة ما أخبر عنه النبي ﷺ ويجب الإيمان به أمر القبر من عذاب ونعيم، فعذاب القبر ثابت بالقرآن والحديث وإجماع العلماء، وهو يكون للكفار وبعض عصاة المسلمين، وذلك كضغطة القبر والانزعاج من ظلمة القبر ووحشته وضرب الكافر بمطرقة من حديد يسمعها كل من يليه إلا الثقلين، و نعيم القبر حق لمن هو من أهل النعيم، وذلك كشم رائحة الجنة وتوسيعه سبعين ذراعا في سبعين ذراعا وتنويره بنور يشبه نور القمر ليلة البدر.

ويجب الإيمان بالقيامة ويوم القيامة يكون من خروج الناس من قبورهم إلى استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وهو يوم مقداره خمسون ألف سنة يقول الله تعالى: {في يوم كان مقدارُهُ خمسينَ ألفَ سنةٍ} [سورة المعارج: آية4]، ولها علامات تدل على اقترابها وهي إما صغرى مثل كثرة الظلم والقتل والزلازل وظهور المهدي وإما كبرى وهي عشرة وإلى بعضها أشار المصنف في البيت الذي يليه فقال رحمه الله:

  1. مِثْلُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَـا … وَقِصَّةِ الدَّجَّالِ كُنْ مُنْتَبِهَا

الشرح: أن من علامات الساعة الكبرى طلوع الشمس من مغربها وحينها يغلق باب التوبة وكذلك خروج الدجال وهي أولى علامات الساعة الكبرى.

  1. هَذَا هُوَ الحَقُّ المُبِينُ الوَاضِحُ … وَبِالذِي فِيهِ الإِنَاءُ نَاضِحُ

الشرح: أن ما ذكر في هذه الأبيات هو الحق المبين الواضح الذي يجب على كل مكلف معرفته من أمور العقيدة، وهذا الذي عليه مئات الملايين من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة الذين على شريعة سيدنا محمد ﷺ وعلى ما أجمع عليه المسلمون. ومعنى ناضح: الإناء بما فيه ينضح أي يفيض.