صحيح البخاري (23) | كتاب العلم | الإشارة في الفتيا، ووفد عبد القيس، وآداب طلب العلم

المقدمة

الحَمدُ للهِ الأَوَّلِ قَبلَ كُلِّ أَوَّلٍ، وَالآخِرِ بَعدَ كُلِّ آخِرٍ، وَالدَّائِمِ بِلَا زَوَالٍ، وَالخَالِقِ خَلقَهُ مِن غَيرِ عَونٍ وَلَا امتِثَالٍ، فَهُوَ الفَردُ الوَاحِدُ مِن غَيرِ عَدَدٍ، وَهُوَ البَاقِي بَعدَ كُلِّ أَحَدٍ، إِلَى غَيرِ نِهَايَةٍ وَلَا أَمَدٍ، لَهُ الكِبرِيَاءُ وَالعَظَمَةُ، تَعَالَى عَن أَن يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي سُلطَانِهِ، أَو نَدِيدٌ فِي وَحدَانِيَّتِهِ، أَو مُعِينٌ أَو ظَهِيرٌ فِي تَدبِيرِهِ، أَو أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، لَا تُحِيطُ بِهِ الأَوهَامُ، وَلَا تَحوِيهِ الأَقطَارُ، وَلَا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ، وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصَارَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، أَحمَدُهُ عَلَى آلَائِهِ، وَأَشكُرُهُ عَلَى نَعمَائِهِ، حَمدَ مَن أَفرَدَهُ بِالحَمدِ، وَأَستَهدِيهِ مِنَ القَولِ وَالعَمَلِ لِمَا يُقَرِّبُنِي مِنهُ وَيُرضِيهِ، وَأُؤمِنُ بِهِ إِيمَانَ مُخلِصٍ لَهُ التَّوحِيدَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ النَّجِيبُ، وَرَسُولُهُ الأَمِينُ، اصطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ، وَابتَعَثَهُ بِوَحيِهِ، دَاعِيًا خَلقَهُ إِلَى عِبَادَتِهِ، فَصَدَعَ بِأَمرِهِ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ، وَعَبَدَهُ حَتَّى أَتَاهُ اليَقِينُ مِن عِندِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ أَفضَلَ صَلَاةٍ وَأَزكَاهَا وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، وَعَلَى آلهِ وَصَحبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحسَانٍ، أَمَّا بَعدُ:

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…

(68) بَابُ مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بِإِشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأْسِ

الشَّرحُ: (68) بَابُ مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بِإِشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأْسِ (هَذَا البَابُ مَعقُودٌ لِأَمرٍ مُهِمٍّ يَتَعَلَّقُ بِأَنَّ المُفتِيَ قَد يُجِيبُ السَّائِلَ عَلَى سُؤَالِهِ بِالإِشَارَةِ، وَقَد تَكُونُ الإِشَارَةُ بِاليَدِ، وَقَد تَكُونُ الإِشَارَةُ بِالرَّأسِ، فَيَأخُذُ السَّائِلُ الجَوَابَ مِنَ المُفتِي)

84- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ: «وَلَا حَرَجَ» قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: وَلَا حَرَجَ.

الشَّرحُ: 84- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ: «وَلَا حَرَجَ» قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: وَلَا حَرَجَ. (أَعَادَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هَذَا الحَدِيثَ بِلَفظٍ آخَرَ لِيُبَيِّنَ جَوَازَ إِعطَاءِ الجَوَابِ بِالإِشَارَةِ، فَاللَّفظُ الأَوَّلُ النَّبِيُّ ﷺ تَكَلَّمَ بِاللِّسَانِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الأُخرَى أَجَابَ عَلَى سُؤَالِ السَّائِلِ بِالإِشَارَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا مِن كَثرَةِ السَّائِلِينَ)

85- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ.

الشَّرحُ: 85- حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ أَيْ أمَالَها.اهـ

(قَالَ ابنُ حَجَرٍ فِي الفَتحِ: قَولُهُ: (‌فَحَرَّفَهَا) أَي جَعَلَهَا مُحَرَّفَةً؛ إِشَارة إلى صفة قطع السيف. وَمثل هَذِه الْفَاء تسمى الْفَاء التفسيرية) (مَعنَاهُ أَجَابَ نَبِيُّنَا ﷺ السَّائِلَ بِإِشَارَةٍ فَهِمَ السَّائِلُ مِنهَا أَنَّهُ يُرِيدُ القَتلَ).

86- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهْيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الْجَنَّةُِ وَالنَّارُِ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ» أَوْ «قَرِيبَ» لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ «مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ» أَوِ «الْمُوقِنُ» لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ «فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ، ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ» أَوِ «الْمُرْتَابُ» لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ «فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ».

الشَّرحُ: 86- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ (اسمُهَا فَاطِمَةُ بِنتُ المُنذِرِ، تَروِي عَن جَدَّتِهَا وَهِيَ أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ، أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ جَاءَت إِلَى السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ قَالَت: أَتَيتُ عَائِشَةَ، وَسَيَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ عَائِشَةَ كَانَت تُجِيبُهَا بِالإِشَارَةِ بِالرَّأسِ)، عَنْ أَسْمَاءَ (يُرِيدُ أَسمَاءَ بِنتَ أَبِي بَكرٍ) قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ (أَي أُمَّ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَأَرضَاهَا) وَهْيَ تُصَلِّي (صَلَاةَ الكُسُوفِ مَعَ النَّاسِ وَلَكِن هِيَ كَانَت دَاخِلَ حُجرَتِهَا) فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ (دَخَلَت أَسمَاءُ عَلَى حُجرَةِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، وَالسَّيِّدَةُ عَائِشَةُ كَانَت تُصَلِّي، فَأَسمَاءُ رَأَتِ النَّاسَ مِن خِلَالِ الحُجرَةِ، رَأَتِ النَّاسَ فِي المَسجِدِ، رَأَتهُم أَنَّهُم فِي حَالِ اضطِرَابٍ، مُضطَرِبِينَ، وَرَأَتهُم فَزِعِينَ، فَقَالَت أَسمَاءُ لِعَائِشَةَ: مَا شَأنُ النَّاسِ؟) فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ (أَي أَشَارَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا إِلَى السَّمَاءِ أَثنَاءَ صَلَاتِهَا، أَي نَحنُ نُصَلِّي لِأَجلِ كُسُوفِ الشَّمسِ، فَنَظَرَت أَسمَاءُ فَإِذَا الشَّمسُ قَدِ انكَسَفَت)، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ (أَي رَأَت بَعضَ النَّاسِ قِيَامًا فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ خَلفَ النَّبِيِّ ﷺ، يَعنِي كَأَنَّهَا التَفَتَت مِن حُجرَةِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ إِلَى مَن فِي المَسجِدِ)، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ (أَي قَالَت عَائِشَةُ بِلِسَانِهَا: سُبحَانَ اللهِ، أَثنَاءَ الصَّلَاةِ مَعَ الإِشَارَةِ إِلَى السَّمَاءِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لِأَجلِ كُسُوفِ الشَّمسِ)، قُلْتُ (أَيِ السَّيِّدَةُ أَسمَاءُ تَقُولُ): آيَةٌ؟ (أَي عَلَامَةٌ لِعَذَابِ النَّاسِ؟) فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ، (وَأَرَادَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن هَذَا أَنَّ المُفتِيَ قَد يُجِيبُ عَلَى سُؤَالِ السَّائِلِ بِالإِشَارَةِ، وَأَنَّ الإِشَارَةَ قَد تَكُونُ بِاليَدِ، وَقَد تَكُونُ الإِشَارَةِ بِالرَّأسِ) فَقُمْتُ (أَي فَقُمتُ فِي الصَّلَاةِ) حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ (أَي كَادَ أَن يُغشَى عَلَيَّ بِسَبَبِ التَّعَبِ مِن طُولِ القِيَامِ، وَالغَشيُ طَرَفٌ مِنَ الإِغمَاءِ وَحَالَةٌ قَرِيبَةٌ مِنهُ، فَكَانَ أَمَامِي قِربَةٌ مِن مَاءٍ فَأَخَذتُ المَاءَ وَصَبَبتُهُ عَلَى رَأسِي)، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ ﷺ (بَعدَمَا سَلَّمَ مِن صَلَاتِهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَثنَى عَلَيهِ) وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي (أَي رَأَيتُ رُؤيَةَ عَينٍ حَقِيقَةً كُلَّ شَيءٍ يَصِحُّ عَقلًا وَيَلِيقُ عُرفًا أَن يُرَى مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَمرِ الدِّينِ وَغَيرِهِ)، حَتَّى الْجَنَّةُِ وَالنَّارُِ (قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: رَوَينَاهُ بِالحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ فِيهِمَا: الجَنَّةُ، وَالجَنَّةِ وَالجَنَّةَ، وَالنَّارُ، وَالنَّارِ، وَالنَّارَ، مَعنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: مَا مِن شَيءٍ فِي هَذَا المَقَامِ الَّذِي أنََا فِيهِ إِلَّا وَرَبِّي أَرَانِي إِيَّاهُ)، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ (أَي تُمتَحَنُونَ وَتُختَبَرُونَ) فِي قُبُورِكُمْ (أَي سَيَسأَلُكُمُ المَلَكَانِ مُنكَرٌ وَنَكِيرٌ فِي القَبرِ) مِثْلَ» أَوْ «قَرِيبَ» لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ (شَكَّت فَاطِمَةُ بِنتُ المُنذِرِ فَبَيَّنَت ذَلِكَ مِن أَمَانَتِهَا) 

(فَاطِمَةُ بِنتُ المُنذِرِ نَسِيَت مَاذَا قَالَت أَسمَاءُ، هَل قَالَت: مِثلَ؟ أَو قَرِيبًا؟ قَالَت لِي: مِثلَ فِتنَةِ الدَّجَّالِ؟ أَم قَرِيبًا مِن فِتنَةِ الدَّجَّالِ؟ مَاذَا كَانَ لَفظُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَقَلَتهُ السَّيِّدَةُ أَسمَاءُ؟ قَالَت فَاطِمَةُ: أَنَا نَسِيتُ، لَا أَدرِي، هَذَا مَعنَى كَلَامِ البُخَارِيِّ) «مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ (حِكَايَةٌ عَن قَولِ المَلَكَينِ فِي القَبرِ، فَيَسأَلَانِ المَيِّتَ عَنِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ) فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ» أَوِ «الْمُوقِنُ» لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ «فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى (أَي بِالمُعجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَالهُدَى الدِّلَالَةُ المُوصِلَةُ إِلَى البُغيَةِ)، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ (يَعنِي: المُؤمِنُ يَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ)، ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا (أَي مُنتَفِعًا بِأَعمَالِكَ) قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ (مَعنَاهُ: المَلَكَانِ يَقُولَانِ لَهُ ذَلِكَ)، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ» أَوِ «الْمُرْتَابُ» (أَيِ الَّذِي كَانَ مُنَافِقًا أَو مُرتَابًا أَي شَاكًّا بِهَذَا المَذكُورِ فِي الدُّنيَالَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ (يَعنِي: كَذَلِكَ الشَّكُّ مِن فَاطِمَةَ) «فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ» (وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سُؤَالِ المَلَكَينِ فِي القَبرِ، وَفِيهِ إِثبَاتُ عَذَابِ القَبرِ وَنَعِيمِهِ، وَأَنَّ مَنِ ارتَابَ أَو شَكَّ فِي صِدقِ الرَّسُولِ ﷺ فَلَيسَ بِمُسلِمٍ)

(النبي ﷺ كان يعلمنا أن نستعيذ من عذاب القبر فقال: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ عَذَابِ الْقَبْرِ:

فمِمّا يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ عَذابُ القَبْرِ لِلْكافِرِ ولِبَعْضِ عُصاةِ الْمُسْلِمِينَ، قالَ الإِمامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في الفِقْهِ الأَكْبَرِ: “وضَغْطَةُ القَبْرِ وعَذابُهُ حَقٌّ كائِنٌ لِلْكُفّارِ ولِبَعْضِ عُصاةِ المُسْلِمِينَ” فَلا يَجُوزُ إِنْكارُ عَذابِ القَبْرِ بَلْ إِنْكارُهُ كُفْرٌ، قالَ الإِمامُ أَبُو مَنْصُورٍ البَغْدادِيُّ فِي كِتابِ الفَرْقِ بَيْنَ الفِرَقِ: “وقَطَعُوا ـ أَي أَهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ ـ بِأَنَّ المُنْكِرِينَ لِعَذابِ القَبْرِ يُعَذَّبُونَ فِي القَبْرِ” اهـ أَي لِكُفْرِهِم. 

فيَجبُ الإيمانُ بِأنَّ اللهَ يُعَذّبُ الكُفَّارَ جَمِيعَهُمْ في قُبُورِهِمْ، فَيَأمُرُ حَشَرَاتٍ في الأرضِ مُؤذِيَةً أنْ تَأكُلَ أجْسَادَهُمْ، وَيَأمُرُ الأرْضَ فَتَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ، فَتَكُونُ قُبورُهُمْ حُفْرَةً مِنْ حُفَرِ النارِ، إلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ أنْوَاعِ النَّكَدِ وَالعَذَابِ. 

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر/ الآية 46] وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّارَ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ، فَفِى الآيَةِ قَلْبٌ لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا؛ أَيْ يَحْصُلُ لَهُمْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً ءَاخِرَ النَّهَارِ وَالآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ هَذَا الْعَرْضَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِى الدُّنْيَا فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حُصُولُهُ بَعْدَ الدَّفْنِ، 

وَلِذَلِكَ قَالَ الحافظ الْبِقَاعِيُّ تلميذ الحافظ ابن حجر فِي كتابه نَظْمِ الدُّرَرِ: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ فِى عَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا نُقِلَ عَنْ عِكْرِمَةَ.اﻫ 

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أَىْ أَعْرَضَ عَنِ الإِيمَانِ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أَىْ مَعِيشَةً ضَيِّقَةً ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [سورة طه/ الآية 124] فَفِى الآيَةِ بَيَانُ أَنَّ الْمَعِيشَةَ الضَّيِّقَةَ تَحْصُلُ لَهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ فَسَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا رَوَاهُ مَرْفُوعًا ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِىُّ وغيرهما، فَهَاتَانِ الآيَتَانِ وَارِدَتَانِ فِى عَذَابِ الْقَبْرِ لِلْكُفَّارِ،

وَأَمَّا عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ التَّوْبَةِ فَهُمْ صِنْفَانِ صِنْفٌ يُعْفِيهِمُ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَلا يُصِيبُهُمْ وَصِنْفٌ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ فِى الْقَبْرِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَيُؤَخَّرُ لَهُمْ بَقِيَّةُ عَذَابِهِمْ إِلَى الآخِرَةِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ – أَىْ أَثْبَتَ لَهُمَا الْعَذَابَ فِى الْقَبْرِ – وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرِ إِثْمٍ – أَىْ بِحَسَبِ مَا يَتَوَهَّمُ النَّاسُ – قَالَ: بَلَى أَيْ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَهِيَ نَقْلُ الْكَلامِ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِلإِفْسَادِ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ أَىْ لا يَتَنَزَّهُ مِنَ الْبَوْلِ بَلْ يَتَلَوَّثُ بِهِ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَسِيبٍ رَطْبٍ أَىْ بِغُصْنِ نَخْلٍ أَخْضَرَ فَشَقَّهُ اثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا أَىْ لَعَلَّ عَذَابَ الْقَبْرِ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَ هَذَانِ الشِّقَانِ رَطْبَيْنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ وَفِيهَا: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.اﻫ

قَالَ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيد فِى إِحْكَامِ الأَحْكَامِ وَغَيْرُهُ إِنَّ التَّسْبِيحَ إِذَا حَصَلَ بِحَضْرَةِ الْمَيِّتِ حَصَلَتْ لَهُ بَرَكَتُهُ فَخُفِّفَ عَنْهُ مِنَ الْعَذَابِ وَهَذَا يَطَّرِدُ فِى كُلِّ مَا فِيهِ رُطُوبَةٌ فِى النَّبَاتِ وَكَذَلِكَ مَا فِيهِ بَرَكَةٌ كَالذِّكْرِ وَتِلاوَةِ الْقُرْءَانِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.اهـ وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ قِرَاءَةَ الْقُرْءَانِ عِنْدَ الْقَبْرِ.

(69) بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الْإِيمَانَ وَالْعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ».

الشَّرحُ: (69) بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ (أَي حَثِّ النَّبِيِّ ﷺ وَتَشجِيعِهِ) وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الْإِيمَانَ وَالْعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ (لَمَّا جَاءَهُ وَفدُ عَبدِ القَيسِ، النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَضَّهُم يَعنِي شَجَّعَهُم أَن يُبَلِّغُوا مَا سَمِعُوهُ وَأَن يُحَافِظُوا عَلَى إِيمَانِهِم)

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ». (أَي فَعَلِّمُوهُم أَمرَ دِينِهِم)

87- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «مَنِ الْوَفْدُ» أَوْ «مَنِ الْقَوْمُ؟»، قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ» أَوْ «بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى»، قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ، قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ»، وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ. قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ. وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ. قَالَ: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ».

الشَّرحُ: 87- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ (هَذَا أَبُو جَمرَةَ مَعرُوفٌ، هُوَ صَاحِبُ ابنِ عَبَّاسٍ، كَانَ يُتَرجِمُ لِابنِ عَبَّاسٍ، مَعنَاهُ يُعَبِّرُ لِابنِ عَبَّاسٍ مَا يَسمَعُهُ مِنَ النَّاسِ فَيُخبِرُهُ لِابنِ عَبَّاسٍ، وَمَا يَسمَعُ مِنَ ابنِ عَبَّاسٍ يُخبِرُهُ لِلنَّاسِ) فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «مَنِ الْوَفْدُ» أَوْ «مَنِ الْقَوْمُ؟» (هُنَا الشَّكُّ هُوَ مِنَ الرَّاوِي، «مَنِ الوَفدُ؟» أَو «مَنِ القَومُ؟»، الرَّاوِي شَكَّ، مَاذَا قَالَ النَّبِيُّ هَذَا أَم هَذَا؟)، قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ» أَوْ «بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى» (غَيرَ خَزَايَا وَلَا مُهَانِينَ)، قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ (أَي مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ وَسَفَرٍ بَعِيدٍ) وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ (يَعنِي نَحنُ يَا رَسُولَ اللهِ نَأتِيكَ مِن مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ، لَكِن بَينَنَا وَبَينَكَ قَبِيلَةٌ مِنَ الكُفَّارِ، جَمَاعَةٌ مِنَ الكُفَّارِ، هَؤُلَاءِ الكُفَّارُ إِذَا كُنَّا سَنَأتِي إِلَيكَ كُلَّ مَرَّةٍ سَيَتَعَّرَّضُونَ إِلَينَا بِالقَتلِ، لَكِن جِئنَا إِلَيكَ فِي شَهرٍ حَرَامٍ، وَالأَشهُرُ الحُرُمُ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَت لَا يَتَعرَّضُ النَّاسُ فِيهَا بِالقَتلِ لِبَعضِهِم، وَالمُرَادُ هُنَا أَنَّهُم كَانُوا قَد جَاؤُوا إِلَيهِ فِي شَهرِ رَجَبٍ، وَرَجَبٌ مِنَ الأَشهُرِ الحُرُمِ، جِئنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ مِن مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ وَاختَرنَا أَن نَأتِيَ إِلَيكَ فِي شَهرِ رَجَبٍ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ إِلَينَا الكُفَّارُ)، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا (فَمُرنَا بِأَمرٍ نُخبِرْ بِالجَزمِ، وَيَجُوزُ: نُخبِرُ، جَاءَت عَلَى الوَجهَينِ، نُخبِرُ بِهِ مَن وَرَاءَنَا نَدخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، جِئنَاكَ مِن مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، عَلِّمنَا، خَبِّرنَا، مُرنَا بِشَيءٍ نُخبِرُ بِهِ قَومَنَا بِسَبَبِ العَمَلِ بِهِ نَدخُلُ الجَنَّةَ) نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ (يَعنِي يَكُونُ سَبَبًا فِي دُخُولِنَا الجَنَّةَ، وَهُم طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا الطَّلَبَ العَظِيمَ)،

فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ (وَالإِيمَانُ هُوَ الِاعتِقَادُ الجَازِمُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ سُبحَانَهُ مَعَ الِاعتِقَادِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَمَن لَم يُؤمِن بِاللهِ بِأَن نَسَبَ إِلَى اللهِ النَّقَائِصَ وَمَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ كَأَن نَسَبَ إِلَيهِ صِفَاتِ البَشَرِ وَصِفَاتِ المَخلُوقِاتِ فَلَيسَ مُؤمِنًا بِاللهِ، كَأَن نَسَبَ إِلَى اللهِ الجِسمِيَّةَ وَصِفَاتِهَا كَالحَدِّ وَالمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالتَّغَيُّرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ، وَرَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّبِيهِ وَالمَثِيلِ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟» (ليسَ أنَّهُم لَا يعرِفُونَ التَّوحِيدَ، بَل هُم كَانُوا مُسلِمِينَ يَعرِفُونَ العَقِيدَةَ، لَكِن لَعَلَّ المُرَادَ لَا نعلَمُ مَا تُرِيدُ أَن تُخبِرَنَا عَنهُ مِنَ الأَشيَاءِ المَخصُوصَةِ، قال ملا علي القاري: تَأَدُّبًا وَطَلَبًا لِلسَّمَاعِ مِنْهُ ﷺ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُؤْمِنِين)، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ (النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَرَّفَ الإِيمَانَ بِهَذَا التَّعرِيفِ هُنَا، وَفِي حَدِيثِ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ جَعَلَهُ تَعرِيفَ الإِسلَامِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ وَالإِسلَامَ شَرعًا مُتَلَازِمَانِ)، وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ»، وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ. قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ. وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ.

قَالَ: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ». (وَهَذَا هُوَ الحَثُّ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ لِهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ لِيُعَلِّمُوا غَيرَهُم مِن أَقوَامِهِم مِمَّن لَم يَسمَعُوا هَذَا الكَلَامَ مِنهُ)

(70) بَابُ الرِّحْلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ

الشَّرحُ: (70) بَابُ الرِّحْلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ (هُنَا الرِّحلَةُ بِمَعنَى الِارتِحَالِ، إِذَا طَرَأَ عَلَيكَ طَارِئٌ فَاحتَجتَ إِلَى مَعرِفَةِ حُكمٍ شَرعِيٍّ مَن تَسأَلُ؟ تَسأَلُ العُلَمَاءَ الثِّقَاتِ إِن كَانَ فِي بَلَدِكَ، وَإِلَّا تَرتَحِلُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فِيهِ عُلَمَاءُ لِتَسأَلَ، وَهَذَا مَا حَصَلَ، وَلِأَجلِ هَذَا تَرجَمَ البُخَارِيُّ وَعَنوَنَ هَذَا البَابَ)

88- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ»، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.

الشَّرحُ: 88- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً (اسمُهَا غُنيَةُ وَكُنيَتُهَا أُمُّ يَحيَى) لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: لَا أَعرِفُ اسمَهُ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ)، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ (هَذَا عُقبَةُ تَزَوَّجَ مِنَ امرَأَةٍ وَبَعدَ أَن تَزَوَّجَ جَاءَتهُ امرَأَةٌ تَقُولُ لَهُ: إِنِّي قَد أَرضَعتُ عُقبَةَ وَأَرضَعتُ زَوجَتَهُ)، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي (مَا عِندِي خَبَرٌ بِذَلِكَ) وَلَا أَخْبَرْتِنِي (فِي بَعضِ النُّسَخِ: أَرضَعتِينِي، مَا أَعلَمُ أَنَّكِ أَرضَعتِينِي وَلَا أَخبَرتِينِي، مَاذَا سَيَفعَلُ عُقبَةُ؟)، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ (رَكِبَ عُقبَةُ، سَافَرَ مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ لِيَسأَلَ رَسُولَ اللهِ هَذَا السُّؤَالَ مِن مَكَّةَ لِلمَدِينَةِ، وَكَانَ السَّفَرُ عَلَى البَعِيرِ) بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» (أَي كَيفَ تُبَاشِرُهَا وَتُفضِي إِلَيهَا وَقَد قِيلَ إِنَّكَ أَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، مَعنَاهُ مِنَ الِاحتِيَاطِ أَن تُفَارِقَهَا، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيكَ أَن تَبقَى مَعَهَا، وَلَا أَنَّ هَذِهِ الدَّعوَى تَثبُتُ بِقَولِ هَذِهِ المَرأَةِ وَحدَهَا، بَل ذَلِكَ مِنَ الوَرَعِ)، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. (عِندَئِذٍ فَارَقَها عُقبَةُ وَنَكَحَت زَوجًا غَيرَهُ، يَعنِي بَعدَ فِرَاقِ عُقبَةَ نَكَحَت زَوجًا غَيرَهُ. وَاسْمُ هَذَا الزَّوْجِ ظُرَيْبٌ) (وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَتَرْجَمَةِ: بَابِ الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، أَنَّ هَذَا أَخَصُّ وَذَاكَ أَعَمُّ).

(71) بَابُ التَّنَاوُبِ فِي الْعِلْمِ

الشرح: (71) بَابُ التَّنَاوُبِ فِي الْعِلْمِ (أَي أَن يَتَنَاوَبَ الأَصحَابُ فِي أَخذِ العِلمِ فَيَأخُذَ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً ثُمَّ يَتَدَارَسَا مَا أَخَذَاهُ)

89- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهْيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لَا»، فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ.

الشَّرحُ: 89- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ (وَاسمُهُ عِتبَانُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ) (قَالَ ابنُ حَجَرٍ: تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِتْبَانَ وَسُؤَالُهُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ لِيَتَّخِذَهُ مُصَلًّى وَإِجَابَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى ذَلِكَ، فَهُوَ حُجَّةٌ فِي ‌التَّبَرُّكِ ‌بِآثَارِ الصَّالِحِينَ.اهـ) فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهْيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ (مِن قُرَى شَرقِ المَدِينَةِ)، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ (لِأَجلِ سَمَاعِ العِلمِ وَتَعَلُّمِهِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهَذَا مِن حِرصِهِم أَن لَا يَفُوتَهُمُ الِانتِفَاعُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ لَهُم عِيَالٌ، وَلَا بُدَّ مِنَ الِاشتِغَالِ بِتَحصِيلِ النَّفَقَةِ، فَكَانَا يَتَنَاوَبَانِ، وَاحِدٌ يَشتَغِلُ بِتَحصِيلِ النَّفَقَةِ وَالآخَرُ يَحضُرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يُخبِرُ الَّذِي حَضَرَ صَاحِبَهُ مَا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِالعَكسِ، فَلَا يَفُوتُهُمَا صُحبَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يُقَصِّرَانِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى العِيَالِ)، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ (أَي أُسمِعُهُ وَأُخبِرُهُ مَا سَمِعتُ وَتَعَلَّمتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِن قُرءَانٍ وَغَيرِهِ)، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ (أَي فِي دَورِهِ، فَسَمِعَ النَّاسَ يَتَكَلَّمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعتَزَلَ نِسَاءَهُ)، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا (رَجَعَ عِندَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَطَرَقَ بَابَهُ طَرقًا شَدِيدًا)، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ (أَي هَل عُمَرُ مَوجُودٌ؟) فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ (ظَنَّ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ طَلَّقَ نِسَاءَهُ)، قَالَ (أَي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ): فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي (مَا عَرَفَت لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ هَجَرَهُنَّ لِسَبَبٍ شَرعِيٍّ، فَلَم تَدرِ هَل طَلَّقَهُنَّ بَعدَ ذَلِكَ أَم لَا)، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ (وَاقِفٌ لَم يَجلِس): أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لَا»، فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ

وَفِي العامِ التّاسِعِ ءَالَى رسولُ الله ﷺ مِنَ نِسائِهِ، أي هَجَرَهُنَّ لِمصلحةٍ وحَلَف لا يَقرَبُهُنّ شَهرًا، فائدة: (قال ابن منظور: النِّسْوةُ والنُّسْوة، بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ، والنِّساء ‌والنِّسْوانُ ‌والنُّسْوان: جَمْعُ المرأَة مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والنِّسَاء جَمْعُ نِسْوَة إِذَا كَثُرْنَ).

رَوَى الحافِظُ الهَيثمِيُّ في «مَجمَعِ الزَّوَائِدِ» أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ رضِيَ الله عنه أَخبَرَ أنَّهُ كانَ لَهُ أخٌ مِنَ الأنصارِ إذَا حَضَر عُمَرُ وغابَ ذاكَ في بَعضِ ضَيعَتِهِ (أي تدبيرِ أمرِ معِيشَتِهِ) حَدَّثَهُ عُمَرُ بمَا قالَ رسُولُ الله ﷺ، وإذا غابَ عُمَرُ في بَعضِ ضَيعَتِهِ حَدَّثَهُ أخُوهُ مِن الأنصارِ.

قال عُمَرُ: فأتَانِي يَومًا، وَقَد كُنَّا نَتَخَوَّفُ جَبَلَةَ بنَ الأَيهَمِ الغَسَّانِيَّ (ءاخِرَ مُلوكِ الغَساسِنَةِ مِن نَصارىَ العرَبِ في الشَّامِ)، فقالَ: ما دَرَيتَ ما كانَ؟ فقلتُ: ومَا ذاكَ؟ لَعَلَّهُ جَبَلَةُ بنُ الأَيهَمِ الغَسّانيُّ تَذكُرُ؟، قالَ: لَا، إنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى الصُّبحَ فلَم يَجلِس كمَا كانَ يَجلِسُ، ولم يَدخُل علَى أزواجِهِ كمَا كان يَصنَعُ، وقدِ اعتَزَلَ فِي مَشرَبَتِهِ (هي شِبهُ الغُرفةِ المُرتفعَةِ عن وَجهِ الأَرضِ) وقَد تَرَكَ النّاسَ يَمُوجُونَ ولَا يَدرُونَ ما شَأنُهُ، قال عُمرُ: فأتَيتُ والنّاسُ في المسجِدِ يَمُوجُونَ ولا يَدرُونَ، فقالَ: يا أيُّها النّاسُ كمَا أَنتُم، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ فِي مَشرَبَتِهِ فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ أَسوَدَ وَكَانَ يَحجُبُهُ (أي حَاجِبًا عِندَه): استَأذِن لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، قَالَ: فَاستَأذَنَ لِي، فَدَخَلتُ وَرَسُولُ الله ﷺ فِي مَشرَبَتِهِ فِيهَا حَصِيرٌ وَقَد أَفضَى لِجَنبِهِ إِلَى الحَصِيرِ فَأَثَّرَ الحَصِيرُ فِي جَنبِهِ، وَتَحتَ رَأسِهِ وِسَادَةٌ مِن أَدَمٍ مَحشُوَّة لِيفًا، فَلَمَّا رَأَيتُهُ بَكَيتُ، فَقَالَ ﷺ: “مَا يُبكِيكَ؟”، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله، فَارِسُ وَالرُّومُ يَضطَجِعُ أَحَدُهُم فِي الدِّيبَاجِ (نوعٌ مِن الحريرِ غلِيظٌ) وَالحَرِيرِ، فَقَالَ: “إِنَّهُم عُجِّلَت لَهُم طَيِّبَاتُهُم وَالآخِرَةُ لَنَا“، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله مَا شَأنُكَ؟ فَإِنِّي تَرَكتُ النَّاسَ يَمُوجُ بَعضُهُم فِي بَعضٍ، فَعَن خَبَرٍ أَتَاكَ؟ فَقَالَ ﷺ: “كَانَ بَينِي وَبَينَ أَزوَاجِي شَىءٌ، فَأَحبَبتُ أَن لَا أَدخُلُ عَلَيهِنَّ شَهرًا“، ثُمَّ خَرَجَ عُمَرُ عَلَى النَّاسِ فقالَ: يَا أيُّها النَّاسُ ارجِعُوا فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ بَينَهُ وَبَينَ أَزوَاجِهِ شَىءٌ فَأَحَبَّ أَن يَعتَزِلَ.

قال عُمرُ: ثُمَّ دَخَلتُ عَلَى حَفصَةَ فَقُلتُ: يَا بُنَيَّةُ، أَتُكَلِّمِينَ رَسُولَ الله ﷺ وَتَغَارِينَ عَلَيهِ؟، فَقَالَت: لَا أُكَلِّمُهُ بَعدُ بِشَىءٍ يَكرَهُهُ، ثُمَّ دَخَلتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَت بينهما قرابة، فَقُلتُ لَهَا كَمَا قُلتُ لِحَفصَةَ، فَقَالَت: عَجَبًا لَكَ يَا عُمَرُ بنَ الخَطَّابِ، كُلُّ شَىءٍ تَكَلَّمتَ فِيهِ حَتَّى تُرِيدَ أَن تَدخُلَ بَينَ رَسُولِ الله ﷺ وَبَينَ أَزوَاجِهِ؟! (ولا تَقصِدُ أَن تُحَقِّرَهُ بِذَلِكَ أَو تَذُمَّهُ)، وَمَا يَمنَعُنَا أَن نَغَارَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَأَزوَاجُكُم يَغَرنَ عَلَيكُم؟!، وَأَنزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فقالَت عائشةُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ بَدَأَ بِي فَقالَ: “يَا عَائِشَةُ إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمرًا فَلَا عَلَيكِ أَن لَا تَعجَلِي فِيهِ حَتَّى تَستَأمِرِي أَبَوَيكِ“، قَالَت: قَد عَلِمَ أبَوايَ، وَالله إِنَّ أَبَوَيَّ لَم يَكُونَا لِيَأمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَت: فَقَرَأَ عَلَيَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فَقُلتُ: أَفِي هَذَا أَستَأمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، ثُمّ فَعَل أَزواجُهُ ﷺ مِثلَ ما فَعَلَت عائِشةُ رَضِيَ الله عَنهُنَّ.

 (هَذَا البَابُ بَوَّبَهُ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ لِأَجلِ التَّنَاوُبِ فِي العِلمِ، وَهَذَا مِمَّا يَنبَغِي مِن طَلَبَةِ العِلمِ فِيمَا بَينَهُم، هَذَا الأَمرُ قَد أَنتَ تَحضُرُ فِي مَجلِسِ العِلمِ وَأَنَا أَغِيبُ لِعُذرٍ ثُمَّ آتِي إِلَيكَ وَتُخبِرُنِي مَاذَا سَمِعتَ مِن أَهلِ العِلمِ الثِّقَاتِ، أَو بِالعَكسِ، نَتَنَاوَبُ فِيمَا بَينَنَا الحُضُورَ فِي مَجلِسِ العِلمِ حَتَّى لَا يَفُوتَنَا هَذَا الخَيرُ العَظِيمُ).

(72) بَابُ الْغَضَبِ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ

الشَّرحُ: (72) بَابُ الْغَضَبِ (وَهُوَ إِذَا أُطلِقَ عَلَى المَخلُوقِ فَمَعنَاهُ: انفِعَالٌ يَحصُلُ مِن غَلَيَانِ الدَّمِ لِشَيءٍ دَخَلَ فِي القَلبِ، وَإِذَا أُطلِقَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَعنَاهُ: إِرَادَةُ الِانتِقَامِ، رِضَا اللهِ وَغَضَبُهُ لَيسَ كَصِفَاتِ البَشَرِ، لَيسَتِ انفِعَالَاتٍ نَفسَانِيَّةً مِثلَنَا، قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ: وَاللَّهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى لا كَأَحَدٍ مِنَ الْوَرَى، أي يَجِبُ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْغَضَبِ وَصِفَةِ الرِّضَى لِلَّهِ مَعَ تَنْزِيهِهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يَكُونَ غَضَبُهُ وَرِضَاهُ تَأَثُّرًا بَلْ هُمَا صِفَتَانِ أَزَلِيَّتَانِ قَدِيمَتَانِ أَبَدِيَتَانِ.

أَمَّا مَا وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ مِنْ أَنَّ ءَادَمَ وَغَيْرَهُ يَقُولُونَ:«إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ ‌غَضِبَ ‌الْيَوْمَ ‌غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ» فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ ءَاثَارُ الْغَضَبِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الصِّفَةَ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَيْسَتْ طَارِئَةً فِى ذَاتِ اللَّهِ، 

مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَدَّ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ ءَاثَارِ الْغَضَبِ مَا لَمْ يَسْبِقْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلا يَفْعَلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَاءَ أَنْ يَكُونَ أَنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ ءَاثَارِ الْغَضَبِ مُنْتَهَى الآثَارِ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ فَالْعَذَابُ الَّذِى أَعَدَّهُ لِأَعْدَائِهِ شَاءَ فِى الأَزَلِ أَنْ يُصِيبَهُمْ فِى الآخِرَةِ لا يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ الْحَدَّ الَّذِى شَاءَ، هَذَا مَعْنَى مَا وَرَدَ فِى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَأَثَّرَ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِأَنَّ التَّأَثُّرَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّ الَّذِى يَتَأَثَّرُ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا) فِي الْمَوْعِظَةِ (أَي فِي حَالِ المَوعِظَةِ وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ) وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ (مَعنَاهُ الوَاعِظُ وَالمُعَلِّمُ وَالمُرشِدُ إِذَا رَأَى شَيئًا يَكرَهُهُ يَغضَبُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الأَدَبَ، لِأَنَّ هَذَا الغَضَبَ فِي مَحَلِّهِ.

مَتَى يَكُونُ مُنَافِيًا لِلأَدَبِ؟ مَتَى يَكُونُ أَمرًا مَعِيبًا؟ إِذَا كَانَ الغَضَبُ فِي غَيرِ مَحَلِّهِ، حَتَّى إِنَّ مِنَ النَّاسِ لَا يَقتَصِرُونَ فَقَط عَلَى الغَضَبِ فِي غَيرِ مَحَلِّهِ، بَل يَغضَبُونَ فِي غَيرِ مَحَلِّ الغَضَبِ وَيَزِيدُونَ بِارتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ وَالمُوبِقَاتِ بِالقَولِ أَو بِالفِعلِ، حَتَّى إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَن يَصِلُ بِهِ الحَدُّ فِي حَالِ غَضَبِهِ إِلَى أَن يَتَلَفَّظَ بِأَلفَاظٍ تُخرِجُهُ مِنَ الإِسلَامِ أَو يَفعَلُ أَفعَالًا تُخرِجُهُ مِنَ الإِسلَامِ، شَعَرَ أَو لَم يَشعُر، فَهَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا اللَّفظِ المُخرِجِ مِنَ الإِسلَامِ أَو فِي ذَاكَ الفِعلِ المُخرِجِ مِنَ الإِسلَامِ مَا عَلَيهِ إِلَّا أَن يَتَدَارَكَ نَفسَهُ بِالدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ فَورًا بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ، لِأَنَّ الغَضَبَ لَيسَ عُذرًا، إِنَّمَا هَذَا البَابُ لِبَيَانِ أَنَّ العَالِمَ إِذَا رَأَى شَيئًا يَكرَهُهُ قَد يَغضَبُ، هَذَا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ).

90- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ».

الشرح: 90- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ (هُوَ حَزْمُ بْنُ أَبِي كَعْبٍ): يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ (أَي كُنتُ أَتَأَخَّرُ عَن صَلَاةِ الجَمَاعَةِ بِسَبَبِ أَنَّ الإِمَامَ يُطِيلُ بِنَا جِدًّا)، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ (لِأَنَّهُ كَانَ سَبَقَ وَنَهَى عَن ذَلِكَ)، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ (تُنَفِّرُونَ النَّاسَ عَنِ الجَمَاعَاتِ)، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ» (أَي صَاحِبَ الحَاجَةِ)

(مَعنَاهُ المَرِيضُ الَّذِي لَيسَ بِصَحِيحٍ وَالضَّعِيفُ الَّذِي لَيسَ بِقَوِيِّ الخِلقَةِ كَالنَّحِيفِ أَوِ المُسِنِّ وَذُو الحَاجَةِ أَي صَاحِبُ الحَاجَةِ قَد يَكُونُ خَلفَنَا يُصَلِّي مَعَنَا الجَمَاعَةَ فَيَأتِي لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَرجِعُ وَلَا يَتَحَمَّلُ التَّطوِيلَ، وَكَذَلِكَ الضَّعِيفُ ضَعِيفُ الخِلقَةِ الَّذِي لَيسَ بِقَوِيِّ الخِلقَةِ لَا يَتَحَمَّلُ التَّطوِيلَ، وَصَاحِبُ الحَاجَةِ عِندَهُ حَاجَةٌ يَنتَظِرُ حَاجَةً مَا، فَإِذَا أَطَلنَا عَلَيهِ بِالصَّلَاةِ قَد لَا يَقضِي حَاجَتَهُ وَتَذهَبُ حَاجَتُهُ، هُنَا النَّبِيُّ ﷺ يُرشِدُنَا يُرشِدُ الأَئِمَّةَ، فَمَن صَلَّى بِالنَّاسِ فَليُخَفِّف، نَحنُ اليَومَ نَعرِفُ أَنَّ أَمرَ التَّخفِيفِ فِي صَلَاةِ الجَمَاعَةِ يَختَلِفُ عَمَّا كَانَ عَلَيهِ أَيَّامَ الصَّحَابَةِ، اليَومَ إِذَا قَرَأَ الإِمَامُ مَثَلًا سُورَةَ ﴿سَبِّح اسمِ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ قَد يَأتِي مَن يَقُولُ: طَوَّلتَ عَلَينَا يَا شَيخُ، وَعِندَمَا نُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ يَطلُبُونَ طَلَبًا: لَو تَقُولُ لِلإِمَامِ أَن لَا يُطَوِّلَ بَعدَ الفَاتِحَةِ، يَقرَأُ آيَتَينِ أَو ثَلَاثَةً، وَقَد يَعتَبِرُهَا بَعضُ النَّاسِ طَوِيلَةً).

91- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا» أَوْ قَالَ: «وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: «وَمَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا»، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ».

الشَّرحُ: 91- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ (هَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُمَيرٌ وَالِدُ مَالِكٍ، وَقِيلَ غَيرُهُ، سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ.

وَاللُّقَطَةُ هِيَ مَا ضَاعَ مِن مَالِكِهَا بِسُقُوطٍ أَو غَفلَةٍ أَو نَحوِ ذَلِكَ، فَأَنتَ وَجَدتَ هَذَا فِي الطَّرِيقِ فِي المَسجِدِ عَلَى شَاطِئِ البَحرِ، وَجَدتَ هَذِهِ اللُّقَطَةَ فِي هَذِهِ الأَمَاكِنِ العَامَّةِ، ثُمَّ أَنتَ التَقَطتَهَا، أَخَذتَ هَذِهِ اللُّقَطَةَ، حَمَلتَ هَذَا الغَرَضَ، مَاذَا سَتَفعَلُ؟ مَن أَرَادَ رِضَا اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فَيَتَعَلَّمُ الحُكمَ الشَّرعِيَّ فِي هَذَا، أَمَّا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا وَجَدُوا مَالًا أَو ذَهَبًا أَو أَشيَاءَ أُخرَى فِي الطَّرِيقِ لَا يُطَبِّقُونَ حُكمَ الشَّرعِ، لَا يَلتَزِمُونَ بِحُكمِ الشَّرِيعَةِ، يَقُولُ هَذِهِ نِعمَةٌ عَظِيمَةٌ، يَأخُذُهَا وَيَأكُلُهَا بِغَيرِ حَقٍّ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، إِنَّمَا لَا بُدَّ لَهُ أَن يَلتَزِمَ الحُكمَ الشَّرعِيَّ المُقَرَّرَ فِي الإِسلَامِ، سَنَذكُرُ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَشيَاءَ مِن هَذِهِ الأَحكَامِ.

فَإِذًا هَذَا الرَّجُلُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ) فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا» (أَيِ الحَبلَ الَّذِي وَجَدتَهَا مَربُوطَةً بِهِ) أَوْ قَالَ: «وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا (هُوَ الوِعَاءُ)، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»

(النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لَهُ: «اعرِف وِكَاءَهَا»، هَذَا الوِكَاءُ هُوَ الخَيطُ الَّذِي يُربَطُ بِهِ الوِعَاءُ وَيُشَدُّ، أَو قَالَ عَلَى حَسَبِ مَا رَوَى الرَّاوِي: أَو قَالَ: «وِعَاءَهَا وَعِفَاصَهَا»، العِفَاصُ هُوَ الوِعَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ وَالوِعَاءُ مَعرُوفٌ، هَذَا الظَّرفُ المَوضُوعَةُ فِيهِ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِهَذَا الَّذِي أَخَذَ اللُّقَطَةَ، التَقَطَهَا: «اعرِف وِعَاءَهَا وَعِفَاصَهَا»، مَعنَاهُ: اعرِف مَا فِيهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ بَعدَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَسأَلُ عَنهَا تَعرِفُ هَل هَذَا سَيَصِفُ لَكَ مَا فِيهَا تَمَامًا أَم لَا؟ لِتَعرِفَ حَقًّا مَن صَاحِبُهَا، فَأَنتَ أَخَذتَ هَذِهِ اللُّقَطَةَ أَوَّلًا لِأَجلِ أَن تَحفَظَهَا.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ثُمَّ عَرِّفهَا سَنَةً»، مَعنَاهُ مِن بَابِ الوُجُوبِ، تُعَرِّفُ عَنهَا سَنَةً، أَخَذتَ هَذِهِ اللُّقَطَةَ تُرِيدُ أَن تَحفَظَهَا عِندَكَ فَحِفظُهَا يَكُونُ فِي حِرزِ المِثلِ فِي مَكَانٍ يُحفَظُ فِيهِ مِثلُ هَذِهِ الأَشيَاءِ الَّتِي فُقِدَت، ثُمَّ تَلتَزِمُ حُكمَ الشَّرعِ فَتُعَرِّفُهَا سَنَةً كَامِلَةً، تُبَيِّنُ.

مِنَ التَّعرِيفِ كَمَا قَالَ الفُقَهَاءُ أَوَّلًا: أَن تُعَرِّفَ كُلَّ يَومٍ طَرَفَيِ النَّهَارِ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ يَومٍ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ أُسبُوعٍ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ شَهرٍ مَرَّةً أَو مَرَّتَينِ، وَهَكَذَا إِلَى أَن تَنتَهِيَ السَّنَةُ، وَهُنَاكَ تَفَاصِيلُ عِندَ العُلَمَاءِ:

 تَأتِي إِلَى أَبوَابِ المَسَاجِدِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، مَن أَرَادَ أَن يَسلَمَ مِنَ الحَرَامِ فَليَتَعَلَّم حُكمَ الشَّرِيعَةِ فِي هَذِهِ، 

أَوَّلًا تَعرِفُ مَا هُوَ هَذَا الشَّيءُ؟ وَتَحفَظُهُ عِندَكَ فِي حِرزِ المِثلِ، وَتُعَرِّفُ عَنهُ سَنَةً، بَعدَ مُضِيِّ السَّنَةِ إِذَا ظَهَرَ صَاحِبُ هَذَا الغَرَضِ وَوَصَفَ لَكَ وَصفًا دَقِيقًا بِمَا فِيهِ تُرجِعُ لَهُ هَذَا الأَمرَ، هَذَا مَعنَى قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «ثُمَّ عَرِّفهَا سَنَةً، ثُمَّ استَمتِع بِهَا»، بَعدَ سَنَةٍ لَكَ أَن تَنتَفِعَ بِهَا، فَإِن جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيهِ، إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا وَطَلَبَها مِنكَ تُعطِيهِ، هَذَا حُكمُ الشَّرعِ فِي أَمرِ اللُّقَطَةِ، بَعدَ مُضِيِّ سَنَةٍ لَكَ أَن تَنتَفِعَ بِهَذَا الغَرَضِ إِذَا رَفَعَتهَا بِنِيَّةِ التَّمَلُّكِ، لَكَ أَن تَستَعمِلَهُ، أَن تَنتَفِعَ بِهِ، لَكِن بِنِيَّةِ إِن ظَهَرَ صَاحِبُ هَذَا الغَرَضِ إِن كَانَ لَا يَزَالُ عَينُ هَذَا الغَرَضِ مَوجُودًا تُرجِعُ لَهُ إِذَا طَلَبَ، أَو إِذَا قَالَ لَكَ: أَنَا أُرِيدُ بَدَلَهُ، أَنتَ صَرَفتَهُ، أَنتَ انتَفَعتَ بِهِ، تَغَيَّرَ عَينُ الأَغرَاضِ، تَغرَمُ لَهُ بِذَلِكَ، عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ، أَنتَ تُعَرِّفُ إِلَى سَنَةٍ وَتُطَبِّقُ حُكمَ دِينِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِي هَذِهِ الأَشيَاءِ)،

قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ (هَذَا السَّائِلُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَن حُكمِ التِقَاطِ الإِبِلِ الضَّالَّةِ، إِبِلٌ مِثلُ الجَمَلِ، نَاقَةٌ ضَلَّتِ الطَّرِيقَ، تَاهَت عَن صَاحِبِهَا فِي الصَّحرَاءِ، فِي البَرَارِي، هَذَا السَّائِلُ يَسأَلُ النَّبِيَّ ﷺ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ يَعنِي حُكمُ ضَالَّةِ الإِبِلِ مِثلُ حُكمِ مَا ذَكَرتَهُ لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَغَضِبَ سَيِّدِي رَسُولُ اللهِ، غَضِبَ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ ﷺ) فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ (الوَجنَةُ مَا ارتَفَعَ عَنِ الخَدِّ)، أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ (لِأَنَّ هَذَا السَّائِلَ قَصُرَ فَهمُهُ فَقَاسَ مَا تَكَلَّمَ عَنهُ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّا يَنبَغِي أَن يُلتَقَطَ ثُمَّ يُعَرَّفَ عَلَى أَمرٍ لَا يَنبَغِي أَن يُلتَقَطَ، لِمَاذَا؟ النَّبِيُّ ﷺ أَوضَحَ لَهُ ذَلِكَ، الإِبِلُ إِذَا كَانَت ضَائِعَةً وَضَلَّتِ الطَّرِيقَ عَن صَاحِبِهَا فِي الصَّحَارَى وَالبَرَارِي حُكمُهَا أَنَّكَ تَترُكُهَا، لَا تَلتَقِطُهَا، لِأَنَّهَا لَا تَحتَاجُ إِلَى مَن يَحفَظُهَا)،

فَقَالَ: «وَمَا لَكَ وَلَهَا (يَعنِي: لِمَ تَأخُذُهَا؟ اترُكهَا، مَا لَكَ وَلَهَا؟)، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا (مَعنَاهُ الإِبِلُ إِذَا كَانَت فِي البَرَارِي ضَائِعَةً مَا عَرَفنَا مَن هُوَ صَاحِبُهَا لَا نَلتَقِطُهَا، لِأَنَّ الإِبِلَ بِمَا هِيَ فِيهِ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سَهَّلَ لَهَا الشُّربَ وَالطَّعَامَ، فَلَيسَت بِحَاجَةٍ إِلَى مَن يَلتَقِطُهَا، إِذَا أَرَدنَا أَن نَلتَقِطَ شَيئًا فَهَذَا خَشيَةَ أَن يَتلَفَ، خَشيَةَ أَن يَضِيعَ عَن صَاحِبِهِ، عَن مَالِكِهِ، أَمَّا الإِبِلُ فَلَا نَخشَى عَلَيهَا التَّلَفَ، لِأَنَّ مَعَهَا سِقَاءَهَا وَحِذَاءَهَا، اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَهَا لَا تَحتَاجُ إِلَى حِفظٍ مِنَ النَّاسِ بِمَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا مِنَ القُوَّةِ وَمَا يَسَّرَ لَهَا مِنَ الأَكلِ وَمَا يَسَّرَ لَهَا مِنَ الشُّربِ، هَذَا مَعنَاهُ، مَعَهَا سِقَاءَهَا يَعنِي أَجوَافَهَا، مَعَهَا مِنَ المَاءِ مَا يَكفِيهَا لِأَجلِ الشُّربِ، وَحِذَاءَهَا يَعنِي خُفَّهَا الَّذِي تَمشِي عَلَيهِ، مَعنَاهُ لَا تَتَأَذَّى، اترُكهَا، لِمَاذَا تَلحَقُ الضَّالَّةَ مِنَ الإِبِلِ، أَمَّا لَو كَانَت هَذِهِ الإِبِلُ ضِمنَ القُرَى وَضِمنَ المُدُنِ نَلتَقِطُهَا وَنُعَرِّفُهَا، لِأَنَّهُ إِذَا تُرِكَت ضِمنَ القُرَى وَضِمنَ المُدُنِ يُخشَى عَلَيهَا التَّلَفُ، هَذَا هُوَ المَقصُودُ مِن هَذَا الحَدِيثِ

تَرِدُ الْمَاءَ (تَأتِي إِلَى المَاءِ وَتَشرَبُ) وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» (أَي حَتَّى يَعُودَ إِلَيهَا صَاحِبُهَا فَيَأخُذَهَا، لِأَنَّ الإِبِلَ تَقوَى إِن شَرِبَتِ المَاءَ لِأَيَّامٍ) (اترُكهَا، هَذِهِ تَحفَظُ نَفسَهَا وَتَكفِي نَفسَهَا شُربًا وَطَعَامًا، اترُكهَا حَتَّى يَأتِيَ صَاحِبُهَا)،

قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ (الغَنَمُ إِذَا ضَلَّت مَا حُكمُهَا؟ هَل نَلتَقِطُهَا أَم لَا نَلتَقِطُهَا؟) قَالَ: «لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» (مَعنَاهُ ضَالَّةُ الغَنَمِ لَكَ أَن تَلتَقِطَهَا وَأَن تُعَرِّفَ عَنهَا إِلَى أَن يَأتِيَ صَاحِبُهَا، أَو لِأَخِيكَ، أَو لِغَيرِكَ مِنَ اللَّاقِطِينَ، وَإِلَّا إِن لَم تَلتَقِطهَا أَنتَ ثُمَّ تَلتَزِمَ حُكمَ الشَّرعِ فِي هَذَا مِنَ التَّعرِيفِ وَنَحوِهِ أَو إِن لَم يَلتَقِطهَا أَخٌ لَكَ سَيَأتِي الذِّئبُ وَيَأكُلُ هَذِهِ الغَنَمَ، فَالغَنَمُ بِحَاجَةٍ إِلَى مَن يَحفَظُهَا، هَذَا مَعنَى كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ ضَالَّةَ الغَنَمِ، الغَنَمَ إِذَا ضَلَّت وَوَجدَتهَا فِي مَكَانٍ وَصَاحِبُهَا لَيسَ مَعَهَا فَتَقُولُ هَذِهِ ضَلَّتِ الطَّرِيقَ وَضَاعَت عَن صَاحِبِهَا لِأَجلِ أَن تَحفَظَهَا لَكَ أَن تَلتَقِطَهَا، وَلَكِن تَلتَزِمُ حُكمَ الشَّرعِ فِي هَذَا، تُعَرِّفُ عَنهَا إِلَى سَنَةٍ وَتَلتَزِمُ مَا بَيَّنَهُ عُلَمَاءُ المُسلِمِينَ فِي هَذَا الأَمرِ.

فِي كِتَابِ النِّهَايَةِ شرح متن الغاية والتقريب لأبي شجاع” هو كتاب فقهي شافعي قيم، شرح فيه أبو الفضل ولي الدين البصير الشافعي (المعروف بابن بصير) متن “الغاية والتقريب” (المعروف بمتن أبي شجاع (ص215) يَذكُرُ:

«وَلَا فَرقَ فِي وُجُوبِ التَّعرِيفِ بَينَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ لِإِطلَاقِ الخَبَرِ السَّابِقِ -القَلِيلُ: أَيِ المُتَمَوَّلُ- لَكِن لَا يُقَدَّرُ بِمُدَّةٍ، بَل يُعَرَّفُ زَمَنًا يُظَنُّ فِي مِثلِهِ إِعرَاضُ فَاقِدِهِ عَنهُ، وَيَختَلِفُ ذَلِكَ بِاختِلَافِهِ -أَي بِاختِلَافِ المَالِ-، قَالَ الرُّويَانِيُّ: فَدَانِقُ الفِضَّةِ يُعَرَّفُ فِي الحَالِ، وَدَانِقُ الذَّهَبِ يُعَرَّفُ يَومًا أَو يَومَينِ أَو ثَلَاثَةً، وَكُلُّ هَذَا إِذَا لَم يَبلُغ فِي القِلَّةِ إِلَى حَدٍّ تَسقُطُ مَعَهُ القِيمَةُ -بِحَيثُ يُعلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا إِن ضَاعَت مِنهُ لَا يَبحَثُ عَنهَا-، فَإِن بَلَغَ ذَلِكَ كَالتَّمرَةِ لَم يَجِب تَعرِيفُهُ وَيَستَبِدُّ بِهِ آخِذُهُ».

فَأَمرُ اللُّقَطَةِ أَمرٌ مُهِمٌّ، وَفِي أَبوَابِ الفِقهِ وَكُتُبِ الفِقهِ الإِسلَامِيِّ بَابٌ خَاصٌّ مُتَعَلِّقٌ بِاللُّقَطَةِ، فَعَلَيكَ أَن تَتَعَلَّمَ هَذَا الحُكمَ الشَّرعِيَّ إِذَا أَرَدتَ أَنَ تَلتَقِطَ اللُّقَطَةَ).

92- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ»، قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ» فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

الشَّرحُ: 92- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا (مَعنَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ بَوَّبَ هَذَا وَذَكَرَهُ تَحتَ هَذَا البَابِ المُتَعَلِّقِ بِأَنَّ الإِمَامَ قَد يَغضَبُ، أَنَّ العَالِمَ العَامِلَ بِعِلمِهِ قَد يَغضَبُ إِذَا رَأَى شَيئًا يَكرَهُهُ، فَإِذَن هَذَا لَا يُنَافِي آدَابَ العَالِمِ، لَيسَ عَيبًا، لَيسَ قَبِيحًا، لَا يُعَابُ مِنهُ وَلَا يُستَقبَحُ مِنهُ، أَمَّا الغَضَبُ لِأَجلِ أَمرٍ دُنيَوِيٍّ، لِأَجلِ غَرَضٍ نَفسَانِيٍّ، لِأَجلِ هَوًى، هَذَا الَّذِي لَا يَنبَغِي، أَمَّا لِإِحقَاقِ حَقٍّ وَإِبطَالِ بَاطِلٍ فَيَكُونُ الغَضَبُ فِي هَذَا الحَالِ أَمرًا مَمدُوحًا)، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ»، قَالَ رَجُلٌ (هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ): مَنْ أَبِي؟ (رُبَّمَا سَأَلَا عَن ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَد طُعِنَ فِي نَسَبِهِمَا) قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ (هُوَ سَعْدُ بْنُ سَالِمٍ مَوْلَى شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ): مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ» فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ (أَي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ) مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ ذَلِكَ لِيُسَكِّنَ النَّبِيَّ ﷺ) (أَيْ: مِمَّا يسبب غَضَبَكَ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي بَعْدُ أَنَّ عُمَرَ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا).

– حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي»، فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، فَسَكَتَ.

الشَّرحُ:

(73) بَابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَوِ الْمُحَدِّثِ (قَد يَحصُلُ هَذَا مِنَ الطَّالِبِ فَيَأتِي بِقُربِ العَالِمِ وَيَكُونُ قَد بَرَكَ عَلَى رُكبَتَيهِ عِندَ هَذَا الإِمَامِ، عِندَ هَذَا المُحَدِّثِ، عِندَ هَذَا العَالِمِ، يَحصُلُ هَذَا مِن طَالِبِ العِلمِ، وَلَا يُنَافِي أَدَبَ المُتَعَلِّمِ)

93- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ»، ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي»، فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، فَسَكَتَ. (مَعنَاهُ هَذَا حَصَلَ أَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِأَصحَابِهِ: «سَلُونِي»، فَأَكثَرُوا عَلَيهِ، فَلَاحَظَ سَيِّدُنَا عُمَرُ أَنَّهُم أَكثَرُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ لَا يُحِبُّ إِزعَاجَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا أَن يَتَأَثَّرَ النَّبِيُّ ﷺ فَيَتَضَايَقَ، عَلَيهِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ، فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكبَتَيهِ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ عُمَرُ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، فَسَكَتَ، فَرَضِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَسَكَتَ).

مُختَارَاتٌ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالأَذكَارِ

كَنزٌ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ: رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا عَبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ، قُل: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ».

الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ…

اللهم اقسِم لَنَا مِن خَشيَتِكَ مَا يَحُولُ بَينَنَا وَبَينَ مَعَاصِيكَ، وَمِن طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَينَا مُصِيبَاتِ الدُّنيَا، وَمَتِّعنَا بِأَسمَاعِنَا وَأَبصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحيَيتَنَا، وَاجعَلهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجعَل ثَأرَنَا عَلَى مَن ظَلَمَنَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن عَادَانَا، وَلَا تَجعَل مُصِيبتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجعَلِ الدُّنيَا أَكبَر هَمِّنَا، وَلَا مَبلَغَ عِلمِنَا، وَلَا تُسَلِّط عَلَينَا مَن لَا يَرحَمُنَا

اللهم اجعَلنَا مِنَ العُتَقَاءِ مِنَ النَّارِ فِي هَذَا الشَّهرِ الفَضِيلِ نَسأَلُكَ اللهم فَرَجًا قَرِيبًا، وَصَبرًا جَمِيلًا، وَرِزقًا وَاسِعًا، وَنَسأَلُكَ اللهم العَافِيَةَ مِن كُلِّ بَلِيَّةٍ، وَنَسأَلُكَ اللهم تَمَامَ العَافِيَةِ، وَنَسأَلُكَ اللهم دَوَامَ العَافِيَةِ، وَنَسأَلُكَ اللهم السَّلَامَةَ مِن كُلِّ إِثمٍ، وَالغَنِيمَةَ مِن كُلِّ بِرٍّ، وَالفَوزَ بِالجَنَّةِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ.

تَقَبَّلِ اللهم صَالِحَ أَعمَالِنَا وَتَجَاوَزِ اللهم عَن تَقصِيرِنَا، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ الأَمنَ يَومَ الوَعِيدِ وَالجَنَّة يَومَ الخُلُودِ مَعَ المُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ المُوفِينَ بِالعُهُودِ إِنَّك رَحِيمٌ وَدُودٌ وَأَنتَ تَفعَلُ مَا تُرِيدُ.

اللهم اغفِر لِنَا جِدَّنَا وَهَزلَنَا وَخَطَأَنَا وَعَمدَنَا وَكُلُّ ذَلِكَ عِندَنَا اللهم اغفِر لَنَا مَا قَدَّمنَا وَمَا أَخَّرنَا وَمَا أَسرَرنَا وَمَا أَعلَنَّا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا أَنتَ المُقَدِّمُ وَأَنتَ المُؤَخِّرُ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ اللهم اغفِر لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللهم اجعَلنَا هُدَاةً مُهتَدِينَ غَيرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ اللهم استُر عَورَاتِنَا وَءَامِن رَوعَاتِنَا وَاكفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ. يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحمَتِكَ نَستَغِيثُ لَا تَكِلنَا إِلَى أَنفُسِنَا طَرفَةَ عَينٍ وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِن خَلقِكَ وَأَصلِح لَنَا شَاننا كُلَّهُ بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ 

اللهم انصُر إِخوَانَنَا المُجَاهِدِينَ فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، اللهم كُن لَهُم وَلَا تَكُن عَلَيهِم. اللهم انتَقِم مِن أَعدَائِهِم، وَاقذِفِ الرُّعبَ فِي قُلُوبِهِم وَرُدَّ كَيدَهُم فِي نُحُورِهِم. اللهم انصُرِ المُرَابِطِينَ المُستَضعَفِينَ مِن أَهلِ غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ.

اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ بِاسمِكَ الأَعظَمِ أَن تَحفَظَ المَسجِدَ الأَقصَى؛ فَلَا يُدَنِّسهُ غَاصِبٌ، وَلَا يَعتَدِ عَلَى حُرمَتِهِ ظَالِمٌ يَا جَبَّارَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

اللهم أَعتِقنَا مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ. 

اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.

وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ….