مقدمة
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي بِيَدِهِ الإِيجَادُ وَالإِنْشَاءُ، وَالإِمَاتَةُ وَالإِحْيَاءُ، وَالإِنْعَامُ وَالآلاءُ، وَالرُّخْصُ وَالْغَلاءُ، وَالْعَافِيَةُ وَالْبَلاءُ، وَالدَّاءُ وَالدَّوَاءُ، خَلَقَ ءادَمَ فَجَعَلَهُ أَوَّلَ الأَنبِيَاءِ، وَعَلَّمَهُ الْعِلْمَ فَانْجَلَتْ عَنْهُ الظَّلْمَاءُ، وَعَرَّفَهُ خَطَّ الْخَطِّ وَأَوْحَى إِلَيْهِ بِحُرُوْفِ الْهِجَاءِ، وَبَثَّ مِنْ نَسْلِهِ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، فَمِنْهُمُ الْعَالِمُ الذَّاكِرُ وَمِنْهُمُ الْجَاهِلُ النَّسَّاءُ، وَأَكْثَرُهُمُ الْغَافِلُونَ وَأَقَلُّهُمُ الأَلِبَّاءُ، {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، أَحْمَدُهُ لَهُ بِتَوْفِيقِي لِحَمْدِهِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَأُقِرُّ بِأَنَّهُ مَالِكُ الْمُلْكِ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ رَاكِبٍ حَوَتْهُ الْبَيْدَاءُ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مُصَاحِبِهِ إِنْ وَقَعَتِ الشِّدَّةُ أَوِ الرَّخَاءُ، وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي دَوَّخَ الْكَفَرةَ فَذَلَّتْ لَهُ الأَعْدَاءُ، وَعَلَى عُثْمَانَ الصَّابِرِ وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلاءُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي حَصَلَ لَهُ دُونَ الْكُلِّ الإِخَاءُ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي تَوَسَّلَ بِهِ الصَّحَابَةُ فَنَزَلَ الْغَيْثُ مِنَ السَّمَاء: أما بعد:
فضل العلم وشرفِ العلماء وفضلِهم
فالحمد لله الذي رفع درجة أهل العلم وجعل عملهم عمل الأنبياء فهم حراس العقيدة والذّابُّون عن سُنةِ الله تعالى، وهم الذين يُعَرِّفُوْنَ الخَلْقَ بالخالق وبعبادته سبحانه، فمن كان منهم سائرا على دربهم مخلصا لله عز وجل، فقد أحسن السَّير واختط طريق النجاة من الفِتَن واتَّضَحَت أمامَه الرؤيا، وحصلت له العِزَّة، فإن الإنسان لا يتشرَّفُ إلا بالإسلام وءادابه والتقوى وسبيلها، ولهذا قال سيدُنا عمرُ رضي الله عنه فيما رواه الحاكمُ: (إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ). وقال بعض الصالحين: (ليس الشرفُ شرفَ المال الشرفُ شرفُ الدين). وفي مُقدَّمِ أهل الشرفِ العلماءُ، فلا يخفى على ذي عقلٍ سليمٍ أن للعلم والعلماء مكانةً في الدين، وفضلًا كبيرًا لا يُنكر. فقد جاءت نصوص الشريعة متوافرةً مُتَعَاضِدَةً تُعَزِّزُ من مكانتهم، قال تعالى: {شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لَا إلهَ إلُّا هُوَ والملائكةُ وأولو العِلْمِ قائمًا بالقِسْطِ}، قال المفسِّر القرطبي رحمه الله: (في هذه الآية دليلٌ على فضل العلم وشرفِ العلماء وفضلِهم، فإنّه لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء لَقَرَنَهُمُ اللهُ باسمِهِ واسمِ ملائكتِهِ كَمَا قَرَنَ اسمَ العلماء). ومراد القرطبي أن العلماء الأتقياء أشرفُ وأفضلُ من عامة الناس. فيكفيهم شرفًا أن الله رفع من شأنهم، فهم أهل خشيته من بين خلقه، قال تعالى: {إنَّمُا يَخشَى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلماءُ}، أي أن العلماء الأتقياء هم أشدُّ خشيةً لله من غيرهم، وأبى الشرعُ التسويةَ بينهم وبين الجَهَلَة فقال: {قل هل يَستَوِي الذين يَعلَمُون والذينَ لا يَعلَمُونَ}، ورفعهم الله درجاتٍ فقال سبحانه: {يَرْفَعِ اللهُ الذين ءامَنُوا منكُم والذين أُوتُوا العِلمَ دَرجَاتٍ}، وورد في السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ“.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ”، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ”. فيا له من فضلٍ كبيرٍ وشرفٍ عظيم.
علم الحديث
فهنيئًا لمن شَغَلَ نَفْسَهُ بِمَا يَنْفَعُهُ مِنَ الْعُلُومِ، وَطَلَبَ سُنَنَ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَاقْتَفَى ءاثَارَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ -ولا سيما علمَ الحديث فإنه من أشرف العلوم- فإنه لو فعل هذا لَوَجَدَ فِي ذَلِكَ مَا يُغْنِيهِ عَمَّا سِوَاهُ وَاكْتَفَى بِالْحديثِ عَنِ الأهواء، لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ أُصُولِ التَّوْحِيدِ، وَبَيَانِ مَا جَاءَ مِنْ وُجُوهِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وِصِفَاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْإِخْبَارِ عَنْ صِفَاتِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا لِلْمُتَّقِينَ وَالْفُجَّارِ، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ مِنْ صُنُوفِ الْعَجَائِبِ وَعَظِيمِ الْآيَاتِ، وَذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَنَعْتِ الصَّافِّينَ وَالْمُسَبِّحِينَ. وَفِي الْحَدِيثِ قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَخْبَارُ الزُّهَّادِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَمَوَاعِظُ الْبُلَغَاءِ، وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ، وَسِيَرُ مُلُوكِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَأَقَاصِيصُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْأُمَمِ، وَشَرْحُ مَغَازِي الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَرَايَاهُ وَجُمَلُ أَحْكَامِهِ وَقَضَايَاهُ، وَخُطَبُهُ وَعِظَاتُهُ، وَأَعْلَامُهُ وَمُعْجِزَاتُهُ، وَعِدَّةُ أَزْوَاجِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَصْهَارِهِ وَأَصْحَابِهِ. وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ وَمَآثِرِهِمْ. وَشَرْحُ أَخْبَارِهِمْ وَمَنَاقِبِهِمْ، وَمَبْلَغُ أَعْمَارِهِمْ، وَبَيَانُ أَنْسَابِهِمْ. وَفِيهِ تَفْسِيرُ الْقُرْءانِ الْعَظِيمِ، وَمَا فِيهِ مِنَ النَّبَإِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. وَأَقَاوِيلُ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَحْفُوظَةِ عَنْهُمْ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَهُ (أي أهل الحديث المشتغلين به) أَرْكَانَ الشَّرِيعَةِ، وَهَدَمَ بِهِمْ كُلَّ بِدْعَةٍ شَنِيعَةٍ. فَهُمْ الأُمَنَاءُ عَلَى دِيْنِ اللَّهِ مِنْ خَلِيقَتِهِ، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ، وَالْمُجْتَهِدُونَ فِي حَفِظِ مِلَّتِهِ. أَنْوَارُهُمْ زَاهِرَةٌ، وَفَضَائِلُهُمْ سَائِرَهٌ، وَءايَاتُهُمْ بَاهِرَةٌ، وَمَذَاهِبُهُمْ ظَاهِرَةٌ، وَحُجَجُهُمْ قَاهِرَةٌ، حَفَظَةُ الدِّينِ وَخَزَنَتُهُ، وَأَوْعِيَةُ الْعِلْمِ وَحَمَلَتُهُ. إِذَا اخْتُلِفَ فِي حَدِيثٍ، كَانَ إِلَيْهِمُ الرُّجُوعُ، فَمَا حَكَمُوا بِهِ، فَهُوَ الْمَقْبُولُ الْمَسْمُوعُ. وَمِنْهُمْ كُلُّ عَالِمٍ فَقِيهٍ، وَإِمَامٍ رَفِيعٍ نَبِيهٍ، وَزَاهِدٍ فِي قَبِيلَةٍ، وَمَخْصُوصٍ بِفَضِيلَةٍ، وَقَارِئٍ مُتْقِنٍ، وَخَطِيبٍ مُحْسِنٍ. وَهُمُ الْجُمْهُورُ الْعَظِيمُ، وَسَبِيلُهُمُ السَّبِيلُ الْمُسْتَقِيمُ. مَنْ كَادَهُمْ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ عَانَدَهُمْ خَذَلَهُ اللَّهُ. لَا يَضُرُّهُمُ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا يُفْلِحُ مَنِ اعْتَزَلَهُمُ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.
روى الخطيب البغدادي عن عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمُ مَنْ خَالَفَهُمْ” هُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ، وَالَّذِينَ يَتَعَاهَدُونَ مَذَاهِبَ الرَّسُولِ، وَيَذُبُّونَ عَنِ الْعِلْمِ فَشَأْنُهُمْ حِفْظُ الْآثَارِ وَقَطْعُ الْمَفَاوِزِ وَالْقِفَارِ، وَرُكُوبُ الْبَرَارِيِّ وَالَبِحَارِ فِي اقْتِبَاسِ مَا شَرَعَ الرَّسُولُ الْمُصْطَفَى، لَا يُعَرِّجُونَ عَنْهُ إِلَى رَأْيٍ وَلَا هَوًى. قَبِلُوا شَرِيعَتَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَحَرَسُوا سُنَّتَهُ حِفْظًا وَنَقَلًا حَتَّى ثَبَّتُوا بِذَلِكَ أَصْلَهَا، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا. وَكَمْ مِنْ مُلْحِدٍ يَرُومُ أَنْ يَخْلِطَ بِالشَّرِيعَةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا. وَاللَّهُ تَعَالَى يَذُبُّ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَنْهَا. فَهُمُ الْحُفَّاظُ لِأَرْكَانِهَا وَالْقَوَّامُونَ بِأَمْرِهَا وَشَأْنِهَا.
وإننا إذا نظرنا للأئمةِ الأعلامِ نَرَى اهتمامَهُم لعلمِ الحديثِ جَلِيًّا، فقد كان الواحد منهم يرحل شهرا أو اثنين أو ثلاثة لتحصيل حديث واحد بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبطه كما نُقِلَ، وقد سعوا ليلهم ونهارهم لنقل الأحاديث النبوية لنا،
فقد قال ابن الجوزي في صيد الخاطر عن الإمام أحمد ومسنده: (إن أجمع المسانيد الظاهرة مسند أحمد بن حنبل، وقد طاف الدنيا مرتين حتى حصله وهو أربعون ألف حديث، منها عشرة آلاف مكررة) اهـ. وهذا كان حالَ العلماء الأعلام جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
شرح عن كتاب رياض الصالحين
ولأجل كل ما ذكرتُ ارتأيت أن ننتقي كتابا من كتب الحديث وهو كتاب رياض الصالحين للحافظ الإمام النووي رحمه الله رحمة واسعة.
وإن كتاب رياض الصالحين للحافظ النووي يعد باكورةً عظيمة وبستانا واسعا ورياضا زاهيا من تراث أمتنا العظيمة، طار ذكره في الآفاق وانتشر أمره بين المسلمين من زمن النووي رحمه الله لأيامنا وجعل الله له القبول في الأرض، حتى إنه لا تَكادُ تجد بيتا من المسلمين إلا وهو عندهم، ولم ينل على الأغلب كتابٌ القبولَ بعد الكتب الستة التي تروي أحاديث رسول الله بين المسلمين كما ناله كتاب “رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين”، فقد جمع مؤلفه الإمام يحيى بن شرف النووي الدمشقي أحاديث الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة، ورتّبها في أبواب وفصولٍ، وبلغ عدد الأحاديث التي في الكتاب نحوًا من ألفٍ وتِسعِمِائَةِ حديث، جاءت مرويّة عن طريق الصحابة -رضوان الله عليهم- في أفعال النبي وأقواله في العبادات والمعاملات والشؤون الحياتية وفي العقيدة،
وقد عزم المؤلف في كتابه رياض الصالحين على أن لا يذكر إلا الأحاديث الصحيحة، وقد جعل الأحاديث مبوّبة في أكثر من ثلاثمائة وسبعين بابا، ليسهل على القارئ والمتعلم قراءتها وفهمها والرجوع إليها، فما من بيت مسلم إلا وعنده كتاب رياض الصالحين. ويعود سبب انتشاره وقبوله بين المسلمين شدة إخلاص مؤلفه رضي الله عنه، فهو كما سنذكر كان له حصة وافرة من رياضة القلب وترويض النفس والإقبال على الآخرة، فكانت مؤلفاته مقبولة بين المسلمين في أقطار الدنيا، وقد قال ابن السبكي في طبقات الشافعية: لَا يخفى على ذِي بَصِيرَة أَن لله تبَارك وَتَعَالَى عنايةً بالنووي وببعض مصنفاته اهـ
وقال الذهبي: فَعَلَيْكَ يَا أَخِي بِتَدَبُّرِ كِتَابِ اللَّهِ، وَبِإِدْمَانِ النَّظَرِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ، وَرِيَاضِ النَّوَاوِيِّ وَأَذْكَارِهِ.اهـ وقال الحافظ ابن الدَّيْبَع:
أَيُّهَا السَّالِكُ نَهْجَ الْمُصْطَفَى … تَابِعًا سُنَّتَهُ فِي كُلِّ حِيْنْ
غَيْرَ كُتْبِ النَّوَوِيِّ لَا تَعْتَمِدِ … وَتَنَزَّهْ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينْ
ترجمة للحافظ النووي رحمه الله
هو شيخ الْإِسْلَام أستاذ الْمُتَأَخِّرين والداعي إِلَى سَبِيل السالفين الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْمَذْهَبِ، وَكَبِيرُ الْفُقَهَاءِ فِي زَمَانِهِ، علم الأئمة الأعلام، أوحد العلماء العاملين، والأولياء الصالحين، عين المحققين، وملاذ الفقهاء والمحدثين، وشيخ الحفاظ، شيخ الإسلام والمسلمين، الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ، يَحْيَى بْنُ شَرَفِ بْنِ مُرِّى بْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ جُمُعَةَ بْنِ حِزَامٍ الْحِزَامِيِّ الْعَالِمُ، مُحْيِي الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ، كَانَ رَحمَه الله سيدا وَحَصُورًا وليثا على النَّفس هصورا وزاهدا لم يبال بخراب الدُّنْيَا إِذا صير دينه ربعا معمورا لَهُ الزّهْد والقناعة ومتابعة السالفين من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والمصابرة على أَنْوَاع الْخَيْر لَا يصرف سَاعَة فِي غير طَاعَة هَذَا مَعَ التفنن فِي أَصْنَاف الْعُلُوم فقها ومتونَ أَحَادِيث وَأَسْمَاءَ رجال ولغةً وتصوفا وَغيرَ ذَلِك. والنووي: نسبة لنوى، وهي في بلدة يقال له حوران جنوبي دمشق.
مولده ونشأته
وأما مولده ونشأته فكان في العشر الأواسط من المحرّم، سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وقال ابن العطار: ولما بلغ من العمر سبع سنين، كان نائمًا ليلة السابع والعشرين من رمضان بجانب والده كما ذكره لي والده قال: فانتبه نحو نصف الليل وأيقظني وقال: يا أبتى ما هذا الضوء الذي قد ملأ الدار؟ فاستيقظ أهله جميعًا فلم نرَ كلّنا شيئًا. قال والده: فعرفت أنها ليلة القدر.
وقال: وذكر لي وليّ الله الشيخ ياسين بن يوسف المَرّاكِشي قال: رأيت الشيخ وهو ابن عشر سنين بنوى، والصبيان يُكرهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرءان في تلك الحال، قال: فوقع في قلبي محبتُه، وكان قد جعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرءان، قال: فأتيت معلّمَه فوصيته به، وقلت له: إنه يرجى أن يكون أعلمُ أهل زمانه وأزهدُهم، وينتفع الناس به، فقال لي: أمنجِّم أنت؟ فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك. قال: فذكر المعلّم ذلك لوالده، وحرَص عليه إلى أن ختم القرءان وقد ناهز الحُلُم.
قال النووي: فلما كان عمري تسعة عشر سنة قدم بي والدي إلى دمشق، فسكنت المدرسة الرّواحية. وقال السخاوي: واستمر بها حتى مات، كما قال التاج السَّبكي في “الطبقات الوسطى” قال: وبيته فيها بيت لطيف عجيب الحال. قال: وبقيت نحو سنتين لا أضع جنبي بالأرض، وأتقوّت بجراية المدرسة لا غير الجِرايا يَعْنِى المال الذي يَأْتِيهِ مِنْ قِبَلِ الأَوْقاف التي وُقِفَت لِطُلّاب العِلْم الشّرْعِيّ. وحفظتُ “التنبيه” في نحو أربعة أشهر ونصف. ثم حفظت ربع العبادات من “المذهّب” في باقي السنة. قال: وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا الكمال إسحاق المغربي، ولازمته، فأعجب بي لما رأي من ملازمتي للاشتغال وعدم اختلاطي بالناس، وأحبني محبة شديدة، وجعلني معيد الدرس بحلقته لأكثر الجماعة.
سفره للحج
قال ابن العطار قال النووي: فلما كانت سنة إحدى وخمسين وستمائة حججت مع والدي، ارتحلنا من أول رجب، فحصَّلت الإقامة بالمدينة النبوية نحوًا من شهر ونصف شهر، وكانت الوقفة تلك السنة يوم الجمعة. وحكى لي والده أنه من حين توجهنا من نوى أخذت الشيخ حمَّى، فلم تفارقه إلى يوم عرفة، وهو صابر لم يتأوه قط. فلما تم الحج “يعني حجة الإسلام” ووصلنا إلى نوى ورجع هو إلى دمشق، صبّ الله عليه العلم صبّا.
اشتغاله بالعلم
قال ابن العطار: ولم يزل يشتغل بالعلم والعبادة، من الصلاة وصيام الدهر، والزهد والورع، وعدم إضاعة شىء من أوقاته، لا سيما بعد وفاة شيخه، فإنه زاد في الاشتغال بالعلم والعمل، بحيث ذكر الشيخ لي أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسًا على المشايخ، شرحًا وتصحيحًا: درسين في “الوسيط”، وثالثًا في “المهذّب”، ودرسًا في “الجمع بين الصحيحين” وخامسًا في “صحيح مسلم”، ودرسًا في “اللُّمع” ودرسًا في “إصلاح المنطق” لابن السِّكِّيت في اللغة، ودرسًا في التصريف، ودرسًا في أصول الفقه، تارة في “اللَّمع” لأبي إسحاق، وتارة في “المنتخب” للفخر الرازي، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين.
وضُرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلا ونهارًا، وهَجْرِه النوم إلا عن غلبة، وضبط أوقاتَه بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة أو التردد إلى الشيوخ.
شيوخه
وأول شيوخه في الفقه كما قال رحمه الله الإمام المتفق على علمه وزهده، وورعه وكثرة عبادته، وعِظم فضله أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي، ثم المقدسي. ثم الإمام العارف الزاهد، العابد الورع، المتقن، مفتي دمشق في وقته أبو محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي، ثم الدمشقي. وأفاد السبكي في “الطبقات الكبرى” أن شيخه في الطريق: الشيخ ياسين المراكشي، وقال الذهبي في ترجمته: إن الشيخ كان يخرج إليه ويتأدب معه ويزوره، ويرجو بركته ويستشيره في أمور.
وأخذ فقه الحديث عن الشيخ المحقق أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي، الأندلسي، الشافعي شرح عليه “مسلمًا”، ومعظم “البخاري”، وقرأ على الشيخ الحافظ الزين أبي البقاء خالد بن يوسف بن سعد النابلسي “الكمال في أسماء الرجال” للحافظ عبد الغني المقدسي، وعلق عليه حواشي، وضبط عنه أشياء حسنة.
ودرس في اللغة والنحو والصرف أمهات الكتب، وفي أصول الفقه “المنتخب” للفخر الرازي، وقطعة من “المستصفى” للغزالي.
مسموعاته
الكتب الستة، والموطأ لمالك، والمسند للشافعي، ولأحمد، والدارمي، وأبي يعلى، وصحيح أبي عَوانة، والسنن للدارقطني، وللبيهقي، وشرح السنة للبغوي، ومعالم التنزيل في التفسير له أي للبغوي، وعمل اليوم والليلة لابن السني، والجامع لآداب الراوي والسامع للخطيب، والرسالة للقشيري والأنساب للزبير بن بكار، وأجزاء كثيرة غير ذلك.
وذكر أنه كان لا يضيِّع له وقتا في ليل ولا نهار إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى إنه في ذهابه في الطريق وإيابه يشتغل في تكرار محفوظه، أو مطالعة، وإنه بقي على التحصيل على هذا الوجه نحو ست سنين. وقال القطب اليونيني: إنه كان كثير التلاوة للقرءان والذكر، معرضًا عن الدنيا، مقبلا على الآخرة، من حال ترعرعه.
تصانيفه ومؤلفاته
اشتغل بالتصنيف والاشتغال والإفادة، فصنف: شرح مسلم. وقطعة من شرح البخاري. انتهى فيها إلى “كتاب العلم” سماه “التلخيص”، وقطعة من شرح أبي داود. قال السخاوي: وصل فيها إلى أثناء الوضوء سماها: “الإيجاز” ورياض الصالحين، والأذكار، والأربعين، والتبيان في ءاداب حَمَلَة القرءان، والإرشاد في علوم الحديث، اختصر فيه كتاب ابن الصلاح، ومختصره التقريب والتيسير في معرفة سنن البشير النذير. والروضة، والمنهاج، والمجموع في شرح المهذب ولم يتمه بل وصل فيه لباب الربا، وقال العماد ابن كثير في تاريخه: إنه لو كمل لم يكن له نظير في بابه، فإنه أبدع فيه وأجاد، وأفاد وأحسن الانتقاد، وحرر الفقه في المذهب وغيره، والحديث على ما ينبغي، واللغة والعربية، وأشياء مهمة، لا أعرف في كتب الفقه أحسن منه.
وألَّفَ الإيضاح في المناسك، وبستان العارفين في الزهد والتصوف، ومناقب الشافعي، التي لا يسع طالب العلم أن يجهلها، اختصر فيها كتاب البيهقي الحافل في ذلك، بحذف الأسانيد، وهي في مجلد، وغيرها الكثير، وقال العلماء في كتبه: وعمّ النفع بتصانيفه وانتشر في الأقطار ذكرها، وأكبوا على تحصيلها، فظهرت بركتها فحظيت بقبول العباد، والنفع في سائر البلاد.
وأثنى الشمس الموصلي على جملة منها نظما فقال:
أحيا لنا العلم “يحيى” حين ألّفه … ب “روضة” و”رياض” ثم أذكارِ
فالله يجزيه عنا كل صالحةٍ … وأن يقينا وإياه من النار
قال التقي السبكي في أول القطعة التي شرحها من المنهاج ما نصه: هذا الكتاب في هذا الوقت هو عمدة الطلبة وكثيرٍ من الفقهاء، في معرفة المذهب، انتهى كلام السبكي.
وألَّف روضة الطالبين، ولقد حُكي عنه رحمه الله: أنه همّ قبل وفاته بقليل بغسل “الروضة” كما غسل نحو ألف كَراسة من تعليقاته، فقيل له: قد سارت بها الركبان، فقال: في نفسي منها أشياء. ولم يتفق له مراجعتها وتحريرها، بل هجمت عليه المنية قبل إدراك الخمسين، فرضي الله عنه وعن جميع عباده الصالحين.
الوظائف التي تولاها
وولي رحمه الله من الوظائف الدينية مشيخة دار الحديث الأشرفية، ونشر بها علما جمًّا، وأفاد الطلبة، قال العلماء: والذي أظهره وقدمه على أقرانه ومن هو أفقه منه: كثرة زهده في الدنيا، وعِظَمُ ديانته وورعه.
وأنت الذي أرجوه في الأمر كلِّه … عليك اعتمادي في جميع النوائب
وأنت الذي أدعوه سرًّا وجهرة … أجرني بلطفٍ من جميع المصائب
وأنت الذي أدعوه سرّاً وجهرة … أجرني بلطفٍ من جميع المصائب
وبخط تلميذه العلاء بن العطار أنه وجد بخطه أيضًا:
أموت ويبقى كلُّ ما قد كتبتُه … فيا ليت من يقرأ كتابي دعا ليا
لعل إلهي أن يَمُنَ بلطفه … ويرحمَ تقصيري وسوءَ فِعاليا
تلاميذه
سمع منه خلق من العلماء والحفّاظ، والصدور والرؤساء، وتخرّج به خلق كثير من الآفاق، وسار علمه وفتاويه في البلدان. وقال ابن العطار: وكنت مدة صحبتي له مقتصرا عليه دون غيره، من أول سنة سبعين وقبلها بيسير، إلى حين وفاته. وقرأت عليه الفقه تصحيحا عرضا، وشرحا، وضبطا خاصا وعاما، وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه ضبطا وإتقانا، وأذِن لي في إصلاح ما يقع في تصانيفه، فأصلحت بحضرته أشياء أقرني عليها وكتبها بخطه، وكان رفيقاً بي شفيقا عليّ، لا يمكن أحدا من خدمته غيري، على جهد مني في طلب ذلك منه، مع مراقبته لي في حركاتي وسكناتي، ولطفه بي في جميع ذلك وتواضعه معي في جميع الحالات، وتأديبه لي.
صفاته ومناقبه
قال ابن العطار: وذكر لي صاحب الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن سالم بن الحسن الشافعي غير مرة، قال: ذكر لي الشيخ الصالح الصدوق المعمَّر أبو القاسم ابن عمير المزّي وكان من الأخيار إنه رأى فيما يرى النائم رايات كثيرة، قال: وسمعت نوبة تضرب، فعجبت من ذلك فقلت: ما هذا؟ فقيل لي: الليلة قطِّب يحيى النووي رحمه الله، فاستيقضت من منامي ولم أكن أعرف الشيخ ولا سمعت به قبل ذلك، واتفق إني دخلت المدينة يعني في حاجة فذكرت ذلك الشخص، فقال: هو شيخ دار الحديث الأشرفية، وهو الآن جالس فيها بميعادها، فاستدللت عليها ودخلتها، فوجدته جالسا فيها وحوله جماعة، فوقع بصره علي، فنهض إلى جهتي وترك الجماعة، ومشى إلى طرف أبواب إيوانها ولم يتركني أكلمه، وقال: اكتم ما معك ولا تحدث به أحدا، ثم رجع إلى موضعه ولم يزد على ذلك، ولم أكن رأيته قبلها ولم أجتمع به بعدها. ونقل السخاوي عن قاضي صفد في “طبقاته” قال: وأهل الكشف يقولون: إنه لم يمت حتى قُطِّب اهـ. وقال بعض أولياء عصره: كان الشيخ سالكا منهاج الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا أعلم أحدا في عصره سالكا على منهاجهم غيَره. ونقل التاج السبكي في “التوشيح” عن والده: أنه قال: ما اجتمع بعد التابعين الجموع الذي اجتمع بالنووي، ولا التيسير الذي يسّر له.
وقال ابن العطار: وذكر شيخنا العارف، القدوة المسلك، وليّ الله أبو الحسن المقيم. قال: كنت مريضا بمرض يسمى النَّقرس، في رجلي، فعادني الشيخ، فلما جلس عندي شرع يتكلم في الصبر، قال: فكان كلما تكلم يذهب الألم قليلا قليلًا، حتى زال الألم جميعه، فعرفت أن زواله ببركته.
وقال ابن العطار أيضا: وقال لي المحدِّث أبو العباس بن فروخ كان الشيخ قد صارت إليه ثلاث مراتب، كل مرتبة منها لو كانت لشخص شُدَّت إليه الرحال. المرتبة الأولى: العلم. والثانية: الزهد. والثالثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقال الذهبي في “سير النبلاء”: كان يؤثر عنه كرامات وأحوال. وقال التقي محمد بن الحسن اللخمي: إنه ظهرت له الكرامات الكثيرة: من سماع الهاتف، واجتماعه بالأولياء الأخفياء ومكاشفته هو للواحد بأحوال لا يعلمها إلا الله ثم صاحبها، وإعلامه بموته وهو بدمشق. ومن قوة نفسه ملازمته لحيّة عظيمة في بيته بالرواحية، ويراها كلَّ قليل تخرج إليه ويضع لها طعامًا تأكله، حتى أن بعضهم رآها في غفلة وهو يطعمها فقال له: يا سيدي ما هذه؟ وخاف، فقال: هذه خلق، من خلق الله لا تضر ولا تنفع، الا باذن الله أسألك بالله أن تكتم ما رأيت، ولا تحدث به أحداً. وأحواله كثيرة لا يسعها هذا المحل فرحمه الله، لقد كان من الدين بمكان عظيم، ظهر له العلم فشمَّر إليه.
تقدمه في العلم وكثرة عبادته
قال السخاوي: إن الشيخ نوزع مرة في نقل عن “الوسيط” فقال: تنازعوني في “الوسيط” وقد طالعته أربعمائة مرة؟ وقال بعض من عاصره: كنت ليلة في أواخر الليل بجامع دمشق، والشيخ واقف يصلي إلى سارية في ظلمة، وهو يردد قوله تعالى: {وقفوهم إنهم مسؤولون} مرارا، بحزن وخشوع، حتى حصل عندي من ذلك أمر عظيم.
عقيدته رضي الله عنه
صرح اليافعي والتاج السبكي رحمهما الله أنه أشعري اهـ. فقد كان يعتقد تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمكان وأنه خالق كل شىء خلق العباد وأعمالهم، ولا يحتاج إلى شىء من خلقه، ومن جملة ما كان أوّلَه في شرحه لصحيح مسلم: حديث الجارية، ففي شرحه على صحيح مسلم، الجزء الخامس (كتاب المساجد ومواضع الصَّلاة، باب تحريم الكلام في الصَّلاة ونسخِ ما كان من إباحته)، اﻹمام الحافظ النووي ينقل تأويل علماء أهل السنة لحديث الجارية فيقول: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَفِيهَا مَذْهَبَانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا مَرَّاتٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَحَدُهُمَا الْإِيمَانُ بِهِ مِنْ غَيْرِ خَوْضٍ فِي مَعْنَاهُ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ سِمَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالثَّانِي تَأْوِيلُهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ فَمَنْ قَالَ بِهَذَا قَالَ كَانَ الْمُرَادُ امْتِحَانَهَا هَلْ هِيَ مُوَحِّدَةٌ تُقِرُّ بِأَنَّ الْخَالِقَ الْمُدَبِّرَ الْفَعَّالَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ وَهُوَ الَّذِي إِذَا دَعَاهُ الدَّاعِي اسْتَقْبَلَ السَّمَاءَ كَمَا إِذَا صَلَّى الْمُصَلِّي اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ فِي السَّمَاءِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي جِهَةِ الْكَعْبَةِ بَلْ ذَلِكَ لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدَّاعِينَ كَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَةُ الْمُصَلِّينَ أَوْ هِيَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ الْعَابِدِينَ لِلْأَوْثَانِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَلَمَّا قَالَتْ فِي السَّمَاءِ عَلِمَ أَنَّهَا مُوَحِّدَةٌ وَلَيْسَتْ عَابِدَةً لِلْأَوْثَانِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَاطِبَةً فَقِيهُهُمْ وَمُحَدِّثُهُمْ وَمُتَكَلِّمُهُمْ وَنُظَّارُهُمْ وَمُقَلِّدُهُمْ أَنَّ الظَّوَاهِرَ الْوَارِدَةَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السماء أن يخسف بكم الأرض وَنَحْوِهِ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا بَلْ مُتَأَوَّلَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، وقال: مَعَ التَّمَسُّكِ بِالْآيَةِ الْجَامِعَةِ لِلتَّنْزِيهِ الْكُلِّيِّ الَّذِي لَا يَصِحُّ فِي الْمَعْقُولِ غَيْرُهُ وهو قوله تعالى ليس كمثله شيء عِصْمَةٌ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى.اهـ
وقال النووي: لَوْ قَالَ الْيَهُودِيُّ الْمُشَبِّهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَمْ يَكُنْ إِسْلَامًا حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنَ التَّشْبِيهِ وَيُقِرَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَإِنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَاءَ بِنَفْيِ التَّشْبِيهِ، كَانَ مُؤْمِنًا، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنَ التَّشْبِيهِ اهـ.
وقال أيضا في روضة الطالبين: وَلَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا سَاكِنُ السَّمَاءِ، لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ ; لِأَنَّ السُّكُونَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى اهـ.
وقال في قَوْلِهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفُهُ فَيُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ) إِلَى ءاخِرِهِ أَمَّا كَنَفُهُ وَهُوَ سَتْرُهُ وَعَفْوُهُ وَالْمُرَادُ بِالدُّنُوِّ هُنَا دنو كرامة واحسان لادُنوَ مَسَافَةٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَهٌ عَنِ الْمَسَافَةِ وَقُرْبِهَا اهـ.
وقال في قَوْلِهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ) مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ وَعَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ اهـ. وقال في موضع ءاخر: والله تعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِ وَالْحَدِّ اهـ.
وقال في ءايات وأحاديث الصفات: اعْلَمْ أَنَّ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآيَاتِ الصِّفَاتِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مَذْهَبُ مُعْظَمِ السَّلَفِ أَوْ كُلِّهِمْ أَنَّهُ لَا يُتَكَلَّمُ فِي مَعْنَاهَا بَلْ يَقُولُونَ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِهَا وَنَعْتَقِدَ لَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ مَعَ اعْتِقَادِنَا الْجَازِمِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّجَسُّمِ وَالِانْتِقَالِ وَالتَّحَيُّزِ فِي جِهَةٍ وَعَنْ سَائِرِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ وَهُوَ أَسْلَمُ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ مَذْهَبُ مُعْظَمِ الْمُتَكَلِّمِينَ أنها تُتَأول على مايليق بِهَا عَلَى حَسَبِ مَوَاقِعهَا وَإِنَّمَا يَسُوغُ تَأْوِيلُهَا لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ بِأَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَقَوَاعِدِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ ذَا رِيَاضَةٍ فِي الْعِلْمِ اهـ.
وكان يرى جواز زيارة القبور والتبرك بها: قال في شرحه لصحيح مسلم: وَأَطْبَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى التَّبَرُّكِ بِالصَّلَاةِ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّوْضَةِ الْكَرِيمَةِ وَدُخُولِ الْغَارِ الَّذِي دَخَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ هَذَا إِعْطَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا طَلْحَةَ شَعْرَهُ لِيَقْسِمَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَإِعْطَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِقْوَةً لِتُكَفَّنَ فِيهِ بِنْتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
وَجَمَعَتْ بِنْتُ مِلْحَانِ عَرَقَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَمَسَّحُوا بِوُضُوئِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَلَّكُوا وُجُوهَهُمْ بِنُخَامَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْبَاهُ هَذِهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فى الصحيح وكل ذلك واضح لا شك فِيهِ اهـ.
ورعه وخشونة عيشه
وأما ورعه وخشونة عيشه، فإنه كان لا يأكل من فاكهة دمشق، وسألته عن ذلك فقال: إنها كثيرة الأوقاف والأملاك لمن هو تحت الحجر شرعا، وفيها اختلاف بين العلماء، فلا تطيب نفسي؟ قال ابن العطار: ولكن يُحكى كما بلغني أنه أكل مرة نصف حبة من بعض الفواكه، لكون بعضهم علّق عتق عبد له على أكل الشيخ منها، وبلغه ذلك، ففعله لما ينشأ منه من فك رقبة مؤمنة، ولعله يتقيأه بعد استقراره، وقال الذهبي: أنه ترك جميع الجهات الدنيوية، فلم يكن يتناول من جهة من الجهات درهما، وكان لا يقبل من أحد شيئا إلا إن تحقق دينه ومعرفته.
وقال اللخمي: كان أبوه وأمه يرسلان إليه بعض القوت فيأكله، وترسل أمه له القميص ونحوه ليلبسه، ولا يقبل من أحدٍ شيئاً غير أقاربه وبعض أهل الصلاح. ورأيت رجلاً من أصحابه قشر خيارة ليطعمه إياها، فامتنع من أكلها وقال: أخشى أن ترطب جسمي وتجلب النوم. ولا يكاد يجمع بين لونين من إدام أبدا.
ولم يتزوج قط فيما علمت لاشتغاله بالعلم والعمل.
وقال الذهبي في “سير النبلاء”: كان عديم الميرة والرفاهية والتنعم، مع التقوى والقناعة والورع والمراقبة لله في السر والعلانية، ووصفه بأنه كان أسمر، كثّ اللحية، ربعةً مهيبا، قليل الضحك، عديم اللعب، بل هو جِدٌّ صرف، يقول الحق وإن كان مُرًّا، لا يخاف في الله لومة لائم.
مناصحته لحكام عصره
وكان مواجها للملوك والجبابرة بالإنكار لا يأخذه في الله لومة لائم، بل كان إذا عجز عن المواجهة كتب الرسائل، وحاولوا مرة عزله وقطع المال عنه فلما ذُكر لهم أنه لا يأخذ شيئا منهم تركوه.
قال تاج الدين السبكي: وَأَنا إِذا أردْت أَن أجمل تفاصيل فَضله وأدُلَ الْخلق على مبلغ مِقْدَاره بمختصر القَوْل وفصله لم أَزْد على بَيْتَيْنِ أنشدَنِيهِمَا من لَفظه لنَفسِهِ الشَّيْخُ الإِمَام أَنه أَعنِي الْوَالِد رَحمَه الله لما سكن فِي قاعة دَار الحَدِيث الأشرفية كَانَ يخرج فِي اللَّيْل إِلَى إيوانها ليتهجد تجاه الْأَثر الشريف ويمرغ وَجهه على الْبسَاط وَهَذَا الْبسَاط من زمَان الْأَشْرَف الْوَاقِف وَعَلِيهِ اسْمه وكان من ملوك الدولة الايوبية وَكَانَ النَّوَوِيّ يجلس عَلَيْهِ وَقت الدَّرْس فأنشدني الْوَالِد لنَفسِهِ
(وَفِي دَار الحَدِيث لطيف معنى … على بُسِطٍ لَهَا أصبو وآوي)
(عَسى أَنِّي أمس بَحرِ وَجْهي … مَكَاناً مَسّه قدمُ النواوي)
وفاته رضي الله عنه
تُوُفِّيَ رحمه الله تعالى فِي لَيْلَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ سَّنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِنَوَى، وَدُفِنَ هُنَاكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَفَا عَنَّا وَعَنْهُ، وقبره معروف هناك يزار ويتبرك به.