الحَمدُ للهِ المُتَفَرِّدِ بِوَحدَانِيَّةِ الأُلُوهِيَّةِ، العَالِمِ بِتَقَلُّبِ نُفُوسِ خَلقِهِ وَأَحوَالِهَا، المُتَفَضِّلِ عَلَيهِم بِتَوَاتُرِ آلَائِهِ، وَبِسَوَابِغِ نَعمَائِهِ، الَّذِي أَنشَأَ الخَلقَ بِلَا مُعِينٍ وَلَا مُشِيرٍ، وَخَلَقَ البَشَرَ كَمَا أَرَادَ وَلَيسَ لَهُ شَبِيهٌ وَلَا نَظِيرٌ، فَمَضَت فِيهِم مَشِيئَتُهُ، وَنَفَذَت فِيهِم بِعِزَّتِهِ إِرَادَتُهُ، فَأَلهَمَهُم حُسنَ الإِطلَاقِ، وَرَكَّبَ فِيهِم تَشَعُّبَ الأَخلَاقِ، فَهُم عَلَى طَبَقَاتِ أَقدَارِهِم يَمشُونَ، وَعَلَى تَشَعُّبِ أَخلَاقِهِم يَدُورُونَ، وَفِيمَا قَضَى وَقَدَّرَ عَلَيهِم يَهِيمُونَ، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ العُلَا، وَمُنشِيءُ الأَرَضِينَ وَالثَّرَى، لَا مُعَقِّبَ لِحُكمِهِ، وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ المُجتَبَى وَرَسُولُهُ المُرتَضَى، بَعَثَهُ بِالنُّورِ وَالأَمرِ المُرضِي عَلَى حِينِ فَترَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، فَدَمَغَ بِهِ الطُغيَانَ، وَأَكمَلَ بِهِ الإِيمَانَ، وَأَظهَرَهُ عَلَى كُلِّ الأَديَانِ، وَقَمَعَ بِهِ أَهلَ الأَوثَانِ، فَصَلَّى اللهُ عَلَيهِ مَا دَارَ فِي السَّمَاءِ فَلَكٌ، وَمَا سَبَّحَ فِي المَلَكُوتِ مَلَكٌ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:
فَكُنَّا قَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى: بَابٌ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى، وَشَرَحنَا جُزءًا مِن بِدَايَةِ هَذَا البَابِ، نَقرَأُ مِن حَيثُ وَصَلنَا وَنُكمِلُ الشَّرحَ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى. قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَالعَصرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ﴾، [العَصر:1-2]، قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلَامًا مَعنَاهُ: إِنَّ النَّاسَ أَو أَكثَرَهُم فِي غَفلَةٍ عَن تَدَبُّرِ هَذِهِ السُّورَةِ.
الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى الآيَاتِ المَذكُورَةِ:
معنى القسم بـالعصر، ودلالته على عِظم نعمة الوقت والعمر.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالعَصرِ
مَوعِظَةٌ فِي بِدَايَةِ العَامِ: (أَقسَمَ اللهُ بِالعَصرِ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَهِيَ عَلَى تَفسِيرِ بَعضِهِم: صَلَاةُ العَصرِ، وَعَلَى تَفسِيرِ بَعضِهِم: المَقصُودُ مِنهَا الدَّهرُ) وَقَد شَرَحنَا هَذِهِ الآيَةَ الدَّرسَ المَاضِيَ.
وَفِي هَذَا القَسَمِ بِالعَصرِ إِشَارَةٌ إِلَى نِعمَةِ العُمُرِ وَبَيَانُ أَهَمِّيَّةِ الِاعتِنَاءِ بِاغتِنَامِهِ فِي طَاعَةِ اللهِ، أقول لكم هذا ونحن في أول درس لنا في هذا العام، والله وحده يعلم من منا سيعيش إلى نهاية العام ويبلغه، ومن أدركه هل سيبقى إلى نهايته، من عرف هذا ينبغي أن يكون مبادِرًا إلى الطاعات مسرعًا إليها شديدَ الطلب لعلم الدين ملتفتًا إليه، فهو عمل الأنبياء والصالحين.
قصص السلف في تعظيم الوقت والمبادرة إلى العمل الصالح
قال بعض الوعَّاظ: طوبى لمن بادرَ عمرَه القصيرَ، فعمَّر به دارَ المصير، وتهيأَ للحسابِ قبل فواتِ القدرةِ وإعراضِ النصير.
وكان الحسن البصري يقول: عجبتُ لأقوامٍ أُمروا بالزادِ ونودِيَ فيهم بالرحيل، وجلسَ أولُهُم على آخرهم وهم يلعبون، وقيلَ كم من مستقبلٍ يومًا لا يستكملُه، وكم من مؤملٍ لغدٍ لايدرِكُه، إنكم لو رأيتمُ الأجلَ ومسيرَه لَأبغَضْتُم الأملَ وغرورَه.
وكانَ أبو بكر بنُ عياش يقول: لو سقطَ مِن أحدِكم درهمٌ لظلَّ يومَه يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهبَ درهمي، وهو يذهبُ عمرُه ولا يقول: ذهبَ عمري.
أبو بكر بن عيَّاش، واسمه شعبة، المقرئ، محدث وفقيه مقرئ، أحد رواة القُرَّاء السبعة، قرأ على عاصم بن أبي النجود القرآن ثلاث مرات، وينتهي سنده في القراءة عليه إلى عبد الله بن مسعود.
قال بعض الصالحين: لمَّا حضرَت أبا بكرِ بنَ عياشٍ الوفاةُ بكت أخته، فقال لها: لا تبكي، وأشار إلى زاوية في البيت وقال: إنه قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة.
وقد كانَ لله أقوامٌ يبادرون الأوقاتَ، ويحفظونَ الساعاتِ، ويلازمونَها بالطاعاتِ، فقيلَ عن عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه: إنه ما ماتَ حتى سردَ الصومَ، وكانتْ عائشةُ رضي الله عنها تسردُ، وسردَ أبو طلحةَ بعدَ رسولِ الله ﷺ أربعينَ سنةً، وقال سعيدُ بنُ المسيَّبِ: ماتركتُ الصلاةَ في جماعةٍ منذُ أربعينَ سنةً.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ خَفِيْفٍ الشيرازي رحمه الله أَنَّهُ كَانَ بِهِ وَجعُ الخَاصِرَةِ، فَكَانَ إِذَا أَصَابَهُ أَقعَدَهُ عَنِ الحركَةِ، فَكَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ يُحْمَلُ عَلَى ظَهرِ رَجُلٍ، فَقِيْلَ لَهُ: لَوْ خَفَّفْتَ عَلَى نَفْسِكَ؟! قَالَ: إِذَا سمِعتُمْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ تَرَوْنِي فِي الصَّفِّ فَاطلُبُونِي فِي المَقْبَرَةِ.اهـ
وكان سعيد بن جبير يختم القرآن في ليلتين، وقال ثابت البناني: ما تركت في الجامع أسطوانة إلا وختمت القرآن عندها، وقيل لعمرو بن هانيء: لا نرى لسانك يفتر من الذكر، فكم تسبح كل يوم؟ قال: مائة ألف، إلا ما تخطيء الأصابع.
وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها، وكان الليل كله يبكي، فتقول له أمه: يا بني، قتلت قتيلا؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعَتْ نفسي.
قال الربيع: وكان الشافعي رضي الله عنه يقرأ في كل شهر ثلاثين ختمة، وفي كل شهر رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلوات.
وقد قيل: اعلم أن الراحة لا تنال بالراحة، ومعالي الأمور لا تنال بالفتور، ومن زرع حصد، ومن جد وجد، وقد قيل:
تَأَهَّب لِلَّذِي لَابُدَّ مِنْهُ **** فَإِنَّ المَوْتَ مِيقَاتُ الْعِبَادِ
أَتَرْضَى أَنْ تَكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ **** لَهُمْ زادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ
وقال بعضهم:
نَسِيرُ إِلَى الآجَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ *** وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ
وَمَا أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا *** فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ لِلرَّأسِ شَاعِلُ
تَرَحَّلْ مِنَ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التُّقَى *** فَعُمْرُكَ أَيَّامٌ وَهُنَّ قَلَائِلُ
وروى ابن الجوزي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن له وقت ينام فيه، فكان ينعس وهو جالس، فقيل له: يا أمير المؤمنين، ألا تنام؟ فقال: كيف أنام؟! إن نمت بالنهار ضيّعت حقوق الناس، وإن نمت بالليل ضيّعت حظي من القيام في طاعة الله.
وقال الجنيد رحمه الله تعالى: ما رأيت أعبد لله تعالى من سريّ السّقطي، أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رؤي قط مضطجعًا إلا في علته التي مات فيها.
وقال الجنيد رحمه الله تعالى: سمعت السريّ السقطي رضي الله عنه يقول: لولا الجمعة والجماعة ما خرجت من بيتي، وللزمت بيتي في العبادة حتى أموت.
وقال أسلم بن عبد الملك: صحبت رجلا شهرين وما رأيته نائما بليل ولا نهار، فقلت: ما لك لا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أَطَرْنَ نومي، ما أخرج من أُعجوبة إلا وقعت في أخرى.
وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن ابن مسعود أنه كان يقول: إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع ما زرع.
وقد قيل: لِلَّهِ دَرُّ أقَوامٍ بادَرُوا الأَوْقاتِ، واسْتَدْركُوا الْهَفَوات، واغتنموا الأوقات للعمل بالباقيات الصالحات، فالعَينُ مَشْغُولةٌ بالدَّمْع عن المحرَّماتِ، واللسانُ مَحبوسٌ في سِجْن الصَّمْت عن الهَلَكَاتْ، والكفُّ قد كُفَّتْ بالخوفِ عن الشهوات، والقَدَم قد قُيِّدت بِقَيدِ المحاسبَات، ولسان حالها يقول: كيف تهنأ بالشهوات وهى مطية الآفات؟ فإذا حَلَّ بهم الليلُ رأيتهم يَجْأَرُونَ فيه بالأصْواتْ، وإذا جَاءَ النهارُ قَطَعُوهُ بمُقَاطَعة اللَّذات، فكَمِ مِن شَهْوَةٍ مَا بَلَغُوهَا حَتَّى الممات، فتيقَّظْ لِلِحَاقِهم مِن هَذِهِ الرَّقَدات، ولا تَطْمَعَنَّ في الخَلاص مَعَ عَدمِ الإخلاص في الطاعات، ولا تُؤَمّلنّ النجاة وأنت مقيمٌ على المعاصي والموبقات، ذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات، وانقضت الشهوات، وأورثت الحسرات، ولا تغتر بصفاء الأوقات، فإن تحتها غوامضَ الآفات، قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أن نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
قُلْ لِلْمُؤَمِّلِ إِنَّ الْمَوْتَ فِي أَثَرِكْ *** وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ الْأَمْرُ مِنْ نَظَرِكْ
دَارٌ تُسَافِرُ فِيهَا مِنْ غَدٍ سَفَرًا *** فَلَا تَئُوبُ إِذَا سَافَرْتَ مِنْ سَفَرِكْ
تَضْحَى غَدًا سَمَرًا لِلذَّاكِرِينَ كَمَا *** صَارَ الَّذِينَ مَضَوْا بِالْأَمْسِ مِنْ سَمَرِكْ
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القولَ فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب).
إِنَّ الإِنسَانَ
(أَي جِنسَ بَنِي آدَمَ، هُم مَوصُوفُونَ بِالخُسرَانِ إِلَّا مَا استَثنَتهُمُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وَهَذَا اللَّفظُ يَجُوزُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ، العُلَمَاءُ يَقُولُونَ: الشَّرعُ كُلُّهُ كَجُملَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَجُوزُ أَن يَأتِيَ لَفظٌ عَامٌّ فِي القُرآنِ أَوِ السُّنَّةِ ثُمَّ يُقَيَّدَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ، لِأَنَّ الشَّرعَ كُلَّهُ كَجُملَةٍ وَاحِدَةٍ.
أَمَّا فِي كَلَامِنَا وَخِطَابَاتِنَا نَحنُ فَلَيسَ الأَمرُ كَذَلِكَ، لِذَلِكَ العُلَمَاءُ قَالُوا: يُعتَبَرُ مُكَذِّبًا لِلدِّينِ مَن يَقُولُ مُعَمِّمًا كَلامَهُ عِبَارَةً يُكَذِّبُ التَّعمِيمُ فِيهَا مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ، كَمَن يَقُولُ: الكَلبُ أَحسَنُ مِن بَنِى ءَادَمَ، لِأَنَّ هَذَا اللَّفظَ لَفظٌ عَامٌّ يَرُدُّ قَولَ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الإِسرَاءِ: ﴿وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ﴾، كَمَا يَرُدُّ غَيرَهُ مِنَ النُّصُوصِ، أَو مَن يَقُولُ: العَرَبُ جَرَبٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَشمَلُ ذَمَّ العَرَبِ جَمِيعًا مَن كَانَ مِنهُم نَبِيًّا أَو وَلِيًّا صَالِحًا وَمَن لَم يَكُن.
أَمَّا إِذَا خَصَّصَ كَلامَهُ لَفظًا أَو بِقَرِينَةِ الحَالِ، أَى إِن أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّخصِيصِ سَوَاءٌ كَانَ قَالًا أَم حَالًا، أَى أَتَى بِمَا يُخرِجُ الكَلامَ عَن أَن يُعنَى بِهِ كُلُّ أَفرَادِ الجِنسِ فَلا يُعتَبَرُ مُكَذِّبًا لِلدِّينِ، كَقَولِهِ: الكَلبُ أَحسَنُ مِن بَنِي ءَادَمَ الكُفَّارِ، أَو قَولِهِ: اليَومَ العَرَبُ فَسَدُوا، ثُمَّ قَالَ: العَرَبُ جَرَبٌ، مُرِيدًا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعتَقِدُهُم فَاسِدِينَ فَلا يُعَدُّ مُكَذِّبًا لِلدِّينِ، لَكِن كَلَامُهُ لَا يَخلُو مِنَ المَعصِيَةِ فِي هَذِهِ الحَالِ، لِأَنَّ مِنَ العَرَبِ اليَومَ مَن هُوَ صَالِحٌ)
لَفِي خُسرٍ
(أَي فِي خَسَارَةٍ وَضَلَالٍ، وَالخَاسِرُ هُوَ مَن عَصَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَا خَسَارَتَهُ، وَأَشَدُّ الخُسرَانِ هُوَ الكُفرُ، وَفِي الأَمرِ بِالإِيمَانِ وَالنَّهيِ عَنِ الشِّركِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيرَ مُشرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشرِك بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخطَفُهُ الطَّيرُ أَو تَهوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، وَهَذَا أَمرٌ بِالثَّبَاتِ عَلَى الإِيمَانِ إِلَى آخِرِ العُمُرِ، وَتَحذِيرٌ مِنَ الِارتِدَادِ عَنِ الحَقِّ، وَهَذَا يَحتَاجُ إِلَى مُجَاهَدَةِ نَفسٍ، وَإِلَّا فَالنَّفسُ غَالِبًا مَا تُهلِكُ صَاحِبَهَا، نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النُّقصَانِ بَعدَ الزِّيَادَةِ، وَمِنَ الحَورِ بَعدَ الكَورِ، وَهَذَا أَمرٌ حَذَّرَ مِنهُ الشَّرعُ الحَنِيفُ، وَهُوَ أَن يَنقَلِبَ الشَّخصُ عَن دِينِهِ بِسَبَبِ سُوءِ عَمَلِهِ وَقُبحِ نِيَّتِهِ وَفِعلِهِ.
وَليَنتَبِهِ الشَّخصُ إِلَى نَفسِهِ وَليُتَابِعهَا، وَلَا يَلحَقَنَّ هَوَاهَا فَتُهلِكَهُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا»، فَهَنِيئًا لِمَن خُتِمَ لَهُ بِالإِيمَانِ وَالسَّعَادَةِ، وَالوَيلُ لِمَن خُتِمَ لَهُ بِالكُفرِ وَالشَّقَاوَةِ.
وَليُعلَم أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَن يُعَاقِبُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِسُوءِ الخَاتِمَةِ بِسَبَبِ شُؤمِ المَعَاصِي، يُروَى أَنَّ أَحَدَ العُلَمَاءِ -وَاسمُهُ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ- كَانَ لَهُ تِلمِيذٌ، وَكَانَ هَذَا التِّلمِيذُ يَحتَضِرُ عَلَى فِرَاشِ المَوتِ، فَوَقَفَ الفُضَيلُ عِندَهُ وَصَارَ يُلَقِّنُهُ الشَّهَادَتَينِ عِندَ الِاحتِضَارِ، يَقُولُ لَهُ: «قُل: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، فَلَا يَستَطِيعُ هَذَا التِّلمِيذُ أَن يَنطِقَ بِهَا، «قُل لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، فَلَا يَنطِقُ، حَتَّى قَالَ هَذَا التِّلمِيذُ: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنهَا»، وَمَاتَ عَلَى الكُفرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَخَافَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ وَارتَعَبَ وَصَارَ يَبكِي مِن خَشيَةِ اللهِ، ثُمَّ رَأَى هَذَا التِّلمِيذَ فِي المَنَامِ وَإِذ بِهِ يُجَرُّ إِلَى جَهَنَّمَ، فَقَالَ لَهُ الفُضَيلُ: «وَيلَكَ، مَاذَا فَعَلتَ؟»، قَالَ لَهُ: «يَا أُستَاذِي، أَنَا كُنتُ أَستَغِيبُ إِخوَانِي، وَكُنتُ أَحسُدُهُم، فَوَصَلتُ إِلَى هَذِهِ المَرحَلَةِ وَمِتُّ عَلَى الكُفرِ».
رَبَّنا لَا تُزِغ قُلُوبَنَا بَعدَ إِذ هَدَيتَنَا وَهَب لَنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ، اللهم لَا تَجعَل مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَثَبِّتنَا عَلَى الإِسلَامِ)
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
(هَؤُلَاءِ لَيسُوا خَاسِرِينَ، مَهمَا ابتَلَاهُمُ اللهُ فِي هَذِهِ الدُّنيَا بِأَصنَافِ البَلَاءِ الدُّنيَوِيِّ، ثَبَتُوا عَلَى تَعظِيمِ اللهِ وَتَنزِيهِهِ مَهمَا كَثُرَ عَلَيهِمُ البَلَاءُ الدُّنيَوِيُّ، أَهلُ الحَقِّ هُم أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، فَعَظَّمُوا اللهَ وَنَزَّهُوهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، وَأَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ يَقُولُونَ: عَظَمَةُ اللهِ أَنَّهُ لَا يُشبِهُ شَيئًا.اهـ
معنى الإيمان بالله على عقيدة أهل السنة: إثبات الوجود بلا تشبيه ولا تمثيل
هَذَا كَلَامُ أَهلِ العِلمِ، وَهُوَ المُوَافِقُ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ، وَالمُوَافِقُ لِمَا كَانَ عَلَيهِ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ، وَأَهلُ الحَقِّ مَوجُودُونَ إِلَى يَومِنَا هَذَا.
وَمَعنَى الإِيمَانِ بِاللهِ أَن يَعتَقِدَ الإِنسَانُ اعتِقَادًا جَازِمًا بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوجُودٌ لا شَكَّ فِي وُجُودِهِ، مَوجُودٌ لاَ يُشبِهُ شَيئًا مِنَ المَوجُودَاتِ، لَيسَ جِسمًا وَلاَ يُشبِهُ الأَجسَامَ، وَلَيسَ حَجمًا وَلاَ يُشبِهُ الأَحجَامَ، لَيسَ جِسمًا كَثِيفًا كَالإِنسَانِ وَالحَجَرِ وَالشَّجَرِ، وَلاَ جِسمًا لَطِيفًا كَالهَوَاءِ وَالجِنِّ وَالمَلائِكَةِ.
فَاللهُ سُبحَانَهُ لا يُشبِهُ الإِنسَانَ وَلا النَّبَاتَ وَلَا الجَمَادَاتِ، وَلَا يُشبِهُ الهَوَاءَ وَلَا الرُّوحَ وَلَا الضَّوءَ وَلَا المَلاَئِكَةَ وَلَا الجِنَّ، فَهُوَ تَعَالَى مَوجُودٌ لَا يُشبِهُ شَيئًا مِن هَذَا العَالَمِ، بَل هُوَ كَمَا أَخبَرَ عَن نَفسِهِ فِي مُحكَمِ كِتَابِهِ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
وَمَهمَا تَصَوَّرتَ بِبَالِكَ فَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِخِلافِ ذَلِكَ، أَي لا يُشبِهُ ذَلِكَ، لا يُتَصَوَّرُ فِي الوَهمِ، وَلا يَتَمَثَّلُ فِى النَّفسِ، غَايَةُ المَعرِفَةِ بِاللهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلا كَيفٍ وَلا مَكَانٍ، أَي أَقصَى مَا تَصِلُ إِلَيهِ مَعرِفَةُ الإِنسَانِ بِاللهِ تَعَالَى هُوَ أَن يَعتَقِدَ أَنَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَوجُودٌ لا كَالمَوجُودَاتِ، مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الكَمَالِ الَّتِى تَلِيقُ بِهِ وَالَّتِى لا تُشبِهُ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، مِن غَيرِ أَن يَكُونَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِى جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ السِّتِّ، وَمِن غَيرِ أَن يَكُونَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِى مَكَانٍ مِنَ الأَمَاكِنِ، هَذَا مَعنَى الإِيمَانِ بِاللهِ.
معنى الإيمان برسول الله ﷺ ووجوب تصديقه في كل ما أخبر به
أَمَّا الإِيمَانُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَمَعنَاهُ أَن يَعتَقِدَ الإِنسَانُ اعتِقَادًا جَازِمًا لاَ يُخَالِطُهُ شَكٌّ بِأَنَّ مُحَمّدًا ﷺ رَسُولُ اللهِ، مُرسَلٌ مِن عِندِ اللهِ، صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِن أُمُورِ التَّحلِيلِ وَالتَّحرِيمِ، أَم مِن أَخبَارِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ، أَم مِن أُمُورِ البَرزَخِ وَالآخِرَةِ، لا يُخطِئُ فِي شَىءٍ مِن ذَلِكَ، أَيَّدَهُ اللهُ بِالمُعجِزَاتِ البَاهِرَاتِ الدَّالَّةِ دِلاَلَةً قَطعِيَةً عَلَى صِدقِهِ، وَحَلَّاهُ رَبُّهُ بِالصِّدقِ وَالأَمَانَةِ وَالحِفظِ وَالعِصمَةِ وَالصِّيَانَةِ كَسَائِرِ إِخوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمُرسَلِينَ، لا يَصدُرُ مِنهُ كُفرٌ لا قَبلَ النُّبُوَّةِ وَلا بَعدَهَا، وَلا يَحصُلُ مِنهُ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ وَلا فِعلٌ خَسِيسٌ يَدُلُّ عَلَى دَنَاءَةٍ وَخِسَّةِ نَفسٍ.
دَعَا النَّاسَ لِدِينِ الإِسلَامِ دِينِ كُلِّ الأَنبِيَّاءِ، الدِّينِ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ، الدِّينِ الَّذِي مَن مَاتَ عَلَيهِ لا بُدَّ أَن يَدخُلَ الجَنَّةَ وَإِن سَبَقَ لَهُ دُخُولُ النَّارِ بِسَبَبِ مَعَاصِيهِ إِن لَم يَعفُ اللهُ عَنهُ، الدِّينِ الَّذِي مَنِ ابتَغَى دِينًا غَيرَهُ يَدِينُ بِهِ لَن يُقبَلَ مِنهُ بَل هُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ الهَالِكِينَ.
فَلاَ سَبِيلَ لِلنَّجَاةِ مِنَ الخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي النَّارِ إِلَّا بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغنِيَ عَنهُم أَموَالُهُم وَلَا أَولَادُهُم مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَأُولَئِكَ أَصحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
نَسأَلُ اللهَ أَن يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ، وَيُكرِمَنَا بِالوَفَاةِ عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ، وَيَجعَلَنَا مِمَّن يَدخُلُ الجَنَّةَ مِن غَيرِ سَابِقِ عَذَابٍ، إِنَّهُ كَرِيمٌ وَهَّابٌ)
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
(أَي عَلَى الوَجهِ المُوَافِقِ لِلشَّرعِ، فَمَا خَالَفَ الشَّرعَ لَا يُسَمَّى عَمَلًا صَالِحًا، وَهَذَا لَا يَكُونُ بِلَا عِلمٍ، فَالجَاهِلُ يَظُنُّ نَفسَهُ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ وَهُوَ خَاسِرٌ يَعصِي اللهَ وَلَا يُمَيِّزُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَلِذَلِكَ نَصَّ الأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ عَلَى أَنَّ طَلَبَ العِلمِ أَفضَلُ مِن صَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَالصَّلَاةَ أَفضَلُ مِنَ الصِّيامِ المُتَطَوَّعِ بِهِ، فَيَكُونُ العِلمُ أَفضَلَ مِن صِيَامِ النَّفلِ بِطَرِيقِ الأَولَى، فَإِنَّ العِلمَ مِصبَاحٌ يُستَضَاءُ بِهِ فِي ظُلمَةِ الجَهلِ وَالهَوَى.اهـ
قَالَ ابنُ سِيرِينَ: إِنَّ قَومًا تَرَكُوا العِلمَ وَاتَّخَذُوا مَحَارِيبَ فَصَلَّوا وَصَامُوا بِغَيرِ عِلمٍ، وَاللهِ مَا عَمِلَ أَحَدٌ بِغَيرِ عِلمٍ إِلَّا كَانَ مَا يُفسِدُ أَكثَرَ مِمَّا يُصلِحُ، وَلِهَذَا كَانَ اهتِمَامُ السَّلَفِ الصَّالِحِ بِعِلمِ الدِّينِ وَبِطَلَبَةِ العِلمِ عَظِيمًا، لِذَلِكَ كَثُرَ الخَيرُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ فِي عَصرِهِم.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمَدَ بنِ أَبِي الثَّلجِ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: سَأَلتُ أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ قُلتُ: يَا أَبَا عَبدِ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيكَ: الرَّجُلُ يَكتُبُ الحَدِيثَ أَو يَصُومُ وَيُصَلِّي تَطَوُّعًا؟ فَقَالَ: يَكتُبُ الحَدِيثَ.اهـ
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: تَذَاكُرُ العِلمَ بَعضَ لَيلَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن إِحيَائِهَا.
وَرُوِيَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا: «بَابٌ مِنَ العِلمِ تَتَعَلَّمُهُ أَحَبُّ إِلَينَا مِن أَلفِ رَكعَةِ تَطَوُّعٍ، وَبَابٌ مِنَ العِلمِ تُعَلِّمُهُ عُمِلَ بِهِ أَو لَم يُعمَل بِهِ أَحَبُّ إِلَينَا مِن مِائَةِ رَكعَةِ تَطَوُّعٍ»، وَقَالَا: سَمِعنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا جَاءَ المَوتُ طَالِبَ العِلمِ وَهُوَ عَلَى تِلكَ الحَالِ مَاتَ شَهِيدًا»، رَوَاهُ الفَسَوِيُّ فِي المَعرِفَةِ.
وَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُخَرِّجُ فِي رَمَضَانَ فُقَهَاءَ، فِي ثَلَاثِينَ يَومًا يَخرُجُ الوَاحِدُ مِنهُم فَقِيهًا مِن عِظَمِ هِمَّتِهِم، فَيَنبَغِي عَلَينَا أَن نَقتَدِيَ بِمِثلِ هَؤُلَاءِ وَنَعمَلَ بِعَمَلِهِم.
فَاملَؤُوا أَوقَاتَكُم بِطَلَبِ العِلمِ، فَمَرَاتِبُ العِلمِ وَالعُلَمَاءِ -وَهِيَ المَرتَبَةُ الَّتِي يَغبِطُ النَّاسُ عَلَيهَا صَاحِبَهَا- لَا تُدرَكُ بِالأَمَانِي، إِنَّمَا تُدرَكُ بِالأَخذِ بِقُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَتَعَبٍ وَسَهَرٍ وَإِخلَاصٍ وَصَفَاءِ نِيَّةٍ).
وَتَوَاصَوا
(أَي تَعَاوَنُوا)
بِالحَقِّ
(أَي عَلَى الحَقِّ، بِأَن يُعِينَ بَعضُهُم بَعضًا عَلَيهِ، وَالحَقُّ هُنَا هُوَ كُلُّ مَا حَثَّ عَلَيهِ الشَّرعُ، وَصَحَّ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَاللهُ فِي عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ فِي عَونِ أَخِيهِ»، أَي فِي إِعانَتِهِ، يَعنِى يُعِينُهُ، لَكِن قَولُهُ ﷺ: «فِي عَونِ العَبدِ» أَبلَغ، يَدُلُّ عَلَى المعنَى أَكثَر، «وَاللهُ فِى عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ فِى عَونِ أَخِيهِ»، المُدَّةَ الَّتِي يَكُونُ العَبدُ فِيهَا يُعِينُ أَخَاهُ اللهُ يَكُونُ فِي عَونِهِ، مَا أَعظَمَ هَذِهِ النِّعمَةَ، أَعَانَهُ بِبَدَنِهِ، أَو أَعَانَهُ بِمَالِهِ، أَو أَعَانَهُ بِجَاهِهِ، كَيفَمَا أَعَانَهُ، مُدَّةَ دَوَامِهِ فِي عَونِهِ، اللهُ تَعَالَى يُعِينُ هَذَا العَبدَ.
هَذَا -كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ- إِذَا أَعَانَهُ عَلَى خَيرٍ، لَا إِذَا أَعَانَهُ عَلَى حَرَامٍ أَو مَكرُوهٍ)
وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ﴾،
(هَذَا فِيهِ حَثٌّ لَنَا عَلَى أَن نُعِينَ بَعضَنَا البَعضَ، وَأَن نُذَكِّرَ بَعضَنَا البَعضَ بِالصَّبرِ، فَالصَّبرُ عِبَادَةُ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ ضِيَاءٌ لِلقُلُوبِ بِجَمِيعِ أَنوَاعِهِ، فَالصَّبرُ عِبَادَةُ الأَنبِيَاءِ وَالمُتَّقِينَ وَالصَّالِحِينَ، وَحِليَةُ أَولِيَاءِ اللهِ المُخلِصِينَ، وَهُوَ مِن أَهَمِّ مَا نَحتَاجُ إِلَيهِ نَحنُ فِي هَذَا العَصرِ الَّذِي كَثُرَت فِيهِ المَصَائِبُ وَتَعَدَّدَت وَقَلَّ مَعَهَا صَبرُ النَّاسِ عَلَى مَا أَصَابَهُم بِهِ اللهُ تَعَالَى مِنَ المَصَائِبِ.
وَالصَّبرُ ضِيَاءٌ لِلقُلُوبِ، فَبِالصَّبرِ يَظهَرُ الفَرقُ بَينَ ذَوِي العَزَائِمِ وَالهِمَمِ وَبَينَ ذَوِي الجُبنِ وَالضَّعفِ.
وَالصَّبرُ لَيسَ حَالَةَ جُبنٍ أَو يَأسٍ أَو ذُلٍّ، بَلِ الصَّبرُ حَبسُ النَّفسِ عَنِ الوُقُوعِ فِي سَخَطِ اللهِ تعالَى وتَحَمُّلُ الأُمُورِ بِحَزمٍ وَتَدَبُّرٍ، وَالصَّابِرُونَ يُوَفَّونَ أُجُورَهُم بِغَيرِ حِسَابٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُجزَونَ الغُرفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّونَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى عَن أَهلِ الجَنَّةِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيكُم بِمَا صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدَّارِ﴾، هَذَا هُوَ الصَّبرُ، المَحَكُّ الرَّئِيسُ لِصِدقِ العَبدِ فِي صَبرِهِ وَاحتِسَابِهِ مُصِيبَتَهُ عِندَ اللهِ.
فَوَطِّن نَفسَكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ تَأتِي إِنَّمَا هِيَ بِإِذنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَإِنَّ الأَمرَ لَهُ، وَاعلَم أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لَم يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، وَاستَعِن عَلَى الصَّبرِ: بِالِاستِعَانَةِ بِاللهِ وَالِاتِّكَالِ عَلَيهِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ.
عَن أَبِي يَحيَى صُهَيبِ بنِ سِنَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَجَبًا لِأَمرِ المُؤمِنِ، إِنَّ أَمرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيرٌ، وَلَيسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلَّا للمُؤمِنِ: إِن أَصَابَتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيرًا لَهُ، وَإِن أَصَابَتهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيرًا لَهُ» رَوَاهُ مُسلِمٌ.
وَمِنَ الصَّبرِ عَلَى بَلَاءِ اللهِ أَن يَصبِرَ الشَّخصُ عَلَى قِلَّةِ العَيشِ وَعَلَى ضِيقِهِ، وَليَعلَمِ الوَاحِدُ مِنَّا أَنَّ الأَرزَاقَ مِن عِندِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَليَصبِرِ الوَاحِدُ عَلَى ضِيقِ العَيشِ وَقِلَّتِهِ، وَهَذَا هُوَ حَالُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، فَحَالُهُم أَنَّ كَثِيرًا مِنهُم مَا كَانَ يَملِكُ ثَوبَينِ، إِنَّمَا هُوَ ثَوبٌ وَاحِدٌ يَلُفُّهُ حَولَ عَورَتِهِ يَستُرُهَا بِهِ، هَذَا الَّذِي يَملِكُهُ مِنَ الدُّنيَا، وَمَعَ ذَلِكَ لَم يَحُل فَقرُهُم هَذَا بَينَهُم وَبَينَ العَمَلِ لِلنَّعِيمِ المُقِيمِ، لَم يَمنَعهُم هَذَا الحَالُ أَن يَكُونُوا عِبَادَ اللهِ الصَّالِحِينَ المُتَّقِينَ، وَأَحَدُهُم لَا يَملِكُ إِلَّا ثَوبًا وَاحِدًا مِن مَتَاعِ الدُّنيَا لَا يَتَسَخَّطُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَشَأنُ مَأكَلِهِم كَشَأنِ مَلبَسِهِم.
رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: إِنِّى لَأَوَّلُ العَرَبِ رَمَى بِسَهمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَأَيتُنَا نَغزُو وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الحُبلَةِ (وَالمُرَادُ بِهِ ثَمَرُ العِضَاهِ وَثَمَرُ السَّمُرِ، وَهُوَ يُشبِهُ اللُّوبِيَا، وَقِيلَ: المُرَادُ عُرُوقُ الشَّجَرِ) وَهَذَا السَّمُرُ (أَي نَوعٌ مِنَ الشَّجَرِ)، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ)
قَالَ الإِمَامُ
(هُوَ لُغَةً: مَن يُقتَدَى بِهِ، وَفِي عُرفِ الشَّرعِ: مَن يُقتَدَى بِهِ فِي الخَيرِ)
الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
(لَم أَكُن أُرِيدُ أَن أُعَرِّفَ بِالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، فَهُوَ أَشهَرُ مِن أَن نَختَصِرَ سِيرَتَهُ بِدَقَائِقَ، وَلِي فِي سِيرَتِهِ كِتَابٌ مُنفَصِلٌ بِفَضلِ اللهِ، لَكِنَّنِي أَذكُرُهُ تَبَرُّكًا بِذِكرِ الصَّالِحِينَ فَأَقُولُ:
كَانَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ إِدرِيسَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ أَعلَامِ الأُمَّةِ البَارِزِينَ فِي تَارِيخِ الإِسلَامِ، فَقَد جَمَعَ بَينَ رُسُوخِهِ فِي العِلمِ، وَعُلُوِّ الهِمَّةِ، وَسَعَةِ الفِقهِ، وَدِقَّةِ النَّظَرِ، حَتَّى استَحَقَّ أَن يَكُونَ مُجَدِّدَ القَرنِ الثَّانِي الهِجرِيِّ، وَإِمَامًا فِي الفِقهِ، وَالتَّوحِيدِ، وَاللُّغَةِ، وَالاجتِهَادِ، وَالأُصُولِ، وَالأَثَرِ.
وَقَد أَدرَكَ العُلَمَاءُ وَالمُحَدِّثُونَ وَالفُقَهَاءُ عَظِيمَ أَثَرِهِ فِي التَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ، فَبَادَرُوا إِلَى تَدوِينِ سِيرَتِهِ، وَرِوَايَةِ مَنَاقِبِهِ، وَجَمعِ أَقوَالِهِ وَمَوَاقِفِهِ، وَأَلَّفُوا فِي ذَلِكَ المُصَنَّفَاتِ، وَجَعَلُوهُ مِحوَرًا فِي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ التَّرَاجِمِ، وَالطَّبَقَاتِ، وَالتَّارِيخِ، وَالمَنَاقِبِ، وَكُتُبِ الفِقهِ وَالنَّظَرِ، فَحَفِظَت لَنَا تِلكَ الكُتُبُ صُورَةً مُشرِقَةً مِن حَيَاةِ هَذَا الإِمَامِ، مُنذُ وِلَادَتِهِ وَنَشأَتِهِ بِمَكَّةَ وَرِحلَاتِهِ إِلَى المَدِينَةِ وَالعِرَاقِ وَمِصرَ وَغَيرِهَا مِن بِلَادِ الإِسلَامِ، مُرُورًا بِعِلمِهِ وَفِقهِهِ وَمَجَالِسِهِ وَتَلَامِيذِهِ، وُصُولًا إِلَى كَيفِيَّةِ انتِشَارِ مَذهَبِهِ وَمَدرَسَتِهِ فِي بِلَادِ الإِسلَامِ.
وَهُوَ -كَمَا قَالَ السُّيُوطِيُّ-: أَبُو عَبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ إِدرِيسَ بنِ العَبَّاسِ بنِ عُثمَانَ بنِ شَافِعِ بنِ السَّائِبِ بنِ عُبَيدِ بنِ عَبدِ يَزِيدَ بنِ هِشَامِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبدِ مَنَافٍ القُرَشِيُّ المُطَّلِبِيُّ المَكِّيُّ، نَزِيلُ مِصرَ، إِمَامُ الأَئِمَّةِ، وَقُدوَةُ الأُمَّةِ، وُلِدَ بِغَزَّةَ سَنَةَ خَمسِينَ وَمِائَةٍ، وَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابنُ سَنَتَينِ.
قَالَ ابنُ عَبدِ الحَكَمِ: لَمَّا حَمَلَت أُمُّ الشَّافِعِيِّ بِهِ رَأَت كَأَن المُشتَرِي خَرَجَ مِنهَا حَتَّى انقَضَّ بِمِصرَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنهُ شَظِيَّةٌ، فَتَأَوَّلَهُ أَصحَابُ الرُّؤيَا أَنَّهُ يَخرُجُ عَالِمٌ يَخُصُّ عِلمُهُ أَهلَ مِصرَ ثُمَّ يَتَفَرَّقُ فِي سَائِرِ البُلدَانِ.
وَقَالَ أَحمَدُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُقَيِّضُ لِلنَّاسِ فِي رَأسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَن يُعَلِّمُهُمُ السُّنَنَ وَيَنفِي عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ الكَذِبَ، فَنَظَرنَا فَإِذَا فِي رَأسِ المِائَةِ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ، وَفِي رَأسِ المِائَتَينِ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ إِسمَاعِيلُ بنُ يَحيَى: سَمِعتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: حَفِظتُ القُرآنَ وَأَنَا ابنُ سَبعِ سِنِينَ، وَحَفِظتُ المُوَطَّأَ وَأَنَا ابنُ عَشرٍ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بنُ سُلَيمَانَ: كَانَ الشَّافِعِيُّ يُفتِي وَلَهُ خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً، وَكَانَ يُحيِى اللَّيلَ إِلَى أَن مَاتَ.
وَكَانَ الحُمَيدِيُّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا سَيِّدُ الفُقَهَاءِ الشَّافِعِيُّ.
مَاتَ فِي آخِرِ رَجَبٍ سَنَةَ أَربَعٍ وَمِائَتَينِ)
كَلَامًا مَعنَاهُ:
(قَالَ ابنُ عَلَّانٍ: وَلَم أَقِف عَلَى لَفظِهِ المَذكُورِ، وَلَم يَذكُرِ المُصَنِّفُ مَن خَرَّجَهُ عَنهُ حَتَّى يُرجَعَ إِلَيهِ)
إِنَّ النَّاسَ أَو أَكثَرَهُم فِي غَفلَةٍ
(أَي فِي ذُهُولٍ وَعَدَمِ انتِبَاهٍ)
عَن تَدَبُّرِ
(أَي عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهَا وَالتَّفَكُّرِ بِمَعَانِيهَا، وَنَحنُ مَأمُورُونَ بِالتَّفَكُّرِ بِآيَاتِ اللهِ وَعَجَائِبِ مَخلُوقَاتِ اللهِ وَبِكِتَابِ اللهِ وَمَا فِيهِ مِنَ الوَعدِ وَالوَعِيدِ، وَلَكِن أَكثَرُ النَّاسِ عَن هَذَا غَافِلُونَ، وَقالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ * الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ الآيَاتِ، وَسَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ المُشرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: اجعَل لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا إِن كُنتَ صَادِقًا، فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ.اهـ فَخَتَمَ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ سُورَةَ آلِ عِمرَانَ بِالأَمرِ بِالنَّظَرِ وَالِاستِدلَالِ فِي آيَاتِهِ، إِذ لَا تَصدُرُ إِلَّا عَن حَيٍّ قَيُّومٍ قَدِيرٍ قُدُّوسٍ سَلَامٍ غَنِيٍّ عَنِ العَالَمِينَ، حَتَّى يَكُونَ إِيمَانُهُم مُستَنِدًا إِلَى اليَقِينِ لَا إِلَى التَّقلِيدِ.
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ﴾: الَّذِينَ يَستَعمِلُونَ عُقُولَهُم فِي تَأَمُّلِ الدَّلَائِلِ، وَرُوِيَ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَامَ يُصَلِّي، فَأَتَاهُ بِلَالٌ يُؤذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَرَءَاهُ يَبكِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَبكِي وَقَد غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ! فَقَالَ: «يَا بِلَالُ، أَفَلَا أَكُونُ عَبدًا شَكُورًا؟ وَلَقَد أَنزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ اللَّيلَةَ آيَةً: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ﴾»، ثُمَّ قَالَ: «وَيلٌ لِمَن قَرَأَهَا وَلَم يَتَفَكَّر فِيهَا».
فَالنَّظَرُ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ وَوَحدَانِيَّتِهِ، وَقَد قَالَ عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَن يَكُونَ فِي قَلبِهِ الدَّلِيلُ الإِجمَالِيُّ عَلَى وُجُودِ اللهِ، فَالوَاحِدُ مِنَّا يَعرِفُ مِن نَفسِهُ أَنَّهُ لَم يَكُن مَوجُودًا فِي وَقتٍ مِنَ الأَوقَاتِ ثُمَّ وُجِدَ وَخُلِقَ، وَمَن كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَى مَن أَوجَدَهُ بَعدَ أَن لَم يَكُن، لِأَنَّ العَقلَ السَّلِيمَ يَحكُمُ بِأَنَّ وُجُودَ الشَّيءِ بَعدَ عَدَمِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَى مُوجِدٍ لَهُ، وَهَذَا الموجِدُ هُوَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فهَذَا العَالَمُ مُتَغَيِّرٌ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، الهَوَاءُ يَهُبُّ تارةً وَيَسكُنُ تارةً، وَيَسخُنُ وَقتًا وَيَبرُدُ فِي وَقتٍ ءاخرَ، وَتُشرِقُ الشَّمسُ مِنَ المشرِقِ وَتَغرُبُ مِنَ المغرِبِ، وَتَكُونُ الشَّمسُ فِي وَسَطِ النَّهَارِ بَيضَاءَ وَفِي ءاخرِهِ صَفرَاءَ، فَكُلُّ هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَشيَاءَ حَادِثَةٌ مَخلُوقَةٌ لَهَا مُغَيِّرٌ غَيَّرَهَا وَطَوَّرَهَا، وَهَذِهِ الأَشيَاءُ أَجزَاءٌ مِن هَذَا العَالَمِ، فَهَذَا العَالَمُ مَخلُوقٌ حَادِثٌ مُحتَاجٌ إِلَى مَن خَلَقَهُ، وَهُوَ اللهُ تَعَالَى.
فَلَو قَالَ مُلحِدٌ لَا يُؤمِنُ بِوُجُودِ اللهِ: نَحنُ لَا نَرَى اللهَ، فَكَيفَ تُؤمِنُونَ بِوُجُودِهِ؟ يُقَالُ لَهُ: إِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّ ءاثارَ فِعلِهِ كَثِيرَةٌ، فَوُجُودُ هَذَا العَالَمِ وَمَا فِيهِ مِنَ المخلُوقَاتِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ، فَالكِتَابُ لَا بُدَّ لَهُ مِن كَاتِبٍ، وَالبِنَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مَن بَنَّاءٍ، وَكَذَلِكَ هَذَا العَالَمُ لاَ بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ خَلَقَهُ وَأَوجَدَهُ، وَأَمَّا كَونكَ لَا تَرَاهُ فَلَيسَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ وُجُودِهِ، فَكَم مِنَ الأَشيَاءِ الَّتِي تُؤمِنُ بِوُجُودِهَا وَأَنتَ لَا تَرَاهَا، وَمِن ذَلِكَ عَقلُكَ وَرُوحُكَ وَأَلَمُكَ وَفَرَحُكَ.
يُروَى أَنَّ بَعضَ الملَاحِدَةِ دَخَلُوا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَرَادُوا الفَتكَ بِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يفتأُ يَرُدُّ ضَلَالَاتِهِم وَيَفضَحُ زيغَهُم، فَقَالَ لَهُم: أَجِيبُونِي عَلَى مَسأَلَةٍ ثُمَّ افعَلُوا مَا شِئتُم، فَقَالُوا لَهُ: هَاتِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ يَقُولُ لَكُم: إِنَّي رَأَيتُ سَفِينَةً مَشحُونَةً بِالأَحمَالِ، مَملُوءَةً بِالأَثقَالِ، قَدِ احتَوَشَتهَا فِي لُجَّةِ البَحرِ أَموَاجٌ مُتَلَاطِمَةٌ، وَرِيَاحٌ مُختَلِفَةٌ، وَهِيَ مِن بَينِهَا تَجرِي مُستَوِيَةً، لَيسَ لَهَا مَلَّاحٌ يُجرِيهَا، وَلَا مُدَبِّرٌ يُدَبِّرُ أَمرَهَا، هَل يَجُوزُ ذَلِكَ فِي العَقلِ؟ قَالُوا: لَا، هَذَا شَىءٌ لَا يَقبَلُهُ العَقلُ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: سُبحَانَ اللهِ، إِذَا لَم يُجِزِ العَقلُ سَفِينَةً تَجرِي مِن غَيرِ مَلَّاحٍ يُدِيرُهَا فِي جَرَيَانِهَا، فَكَيفَ يَجُوزُ قِيَامُ هَذِهِ الدُّنيَا عَلَى اختِلَافِ أَحوَالِهَا وَتَغَيُّرِ أَعمَالِهَا وَسَعَةِ أَطرَافِهَا مِن غَيرِ صَانِعٍ وَحَافَظٍ؟! فَبَكَوا جَمِيعًا وَقَالُوا: صَدَقتَ، وَأَغمَدُوا سُيُوفَهُم وَتَابُوا بِالإِسلَامِ.اهـ)
هَذِهِ السُّورَةِ
(قَالَ ابنُ عَلَّانٍ: وَمَا هِيَ مُؤَدِّيَةٌ وَمُنَبِّهَةٌ بِشَرَفِهِ مِنَ التَّوَاصِي بِالحَقِّ وَالصَّبرِ وَمِن عَمَلِ البِرِّ وَخُسرَانِ مَن لَم يَكُن كَذَلِكَ)
(وَهَذِهِ الغَفلَةُ سَبَبُهَا غَالِبًا المَعَاصِي وَالذُّنُوبُ وَاتِّبَاعُ الهَوَى، وَانكِبَابُ القُلُوبِ عَلَى هَذِهِ الدُّنيَا، وَابتِعَادُهَا عَن طَاعَةِ اللهِ، وَمَا أَكثَرَ مَن هُوَ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الأَوصَافِ فِي أَيَّامِنَا.
قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: إِخوَانِي: مَتَى أَصبَحَ الهَوَى أَمِيرًا أَمسَى العَقلُ أَسِيرًا، التَّقوَى دِرعٌ، وَالدِّرعُ مَجمُوعٌ حِلَقٌ، فَغَضُّ البَصَرِ حَلقَةٌ، وَحَبسُ اللِّسَانِ حَلقَةٌ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ مَا يُتَوَقَّى، فَإِيَّاكَ أَن تَترُكَ خَلَلًا فِي دِرعِكَ، فَإِنَّ الرَّامِيَ يَقصِدُ الخَلَلَ، مَتَى فَسَّحتَ لِنَفسِكَ فِي تَفرِيطٍ -وَإِن قَلَّ- انخَرَقَ حِرزُ احتِرَازِكَ!
كَانَ بَعضُ المُتَعَبِّدِينَ يَمشِي فِي وَسَطِ الوَحلِ وَيَتَّقِيهِ وَيُشَمِّرُ عَن سَاقَيهِ، إِلَى أَن زَلِقَت رِجلُهُ، فَجَعَلَ يَمشِي فِي وَسَطِ الوَحلِ وَيَبكِي، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبكِيكَ؟ فَقَالَ: هَذَا مَثَلُ العَبدِ، لا يَزَالُ يَتَوَقَّى الذُّنُوبَ حَتَّى يَقَعَ فِي ذَنبٍ وَذَنبَينِ، فَعِندَهَا يَخُوضُ الذُّنُوبَ خَوضًا.
وَقِيلَ لِعُبَيدَةَ بِنتِ أَبِي كِلَابٍ: مَا تَشتَهِينَ؟ فَقَالَتِ: المَوتَ. فَقِيلَ: وَلِمَ؟ قَالَت: لأَنِّي وَاللَّهِ فِي كُلِّ يَومٍ أُصبِحُ أَخشَى أَن أَجنِيَ عَلَى نَفسِي جِنَايَةً يَكُونُ فِيهَا عَطَبِي أَيَّامَ الآخِرَةِ.اهـ
وَقَالَ: يَا ابنَ آدَمَ، فَرَحُ الخَطِيئَةِ اليَومَ قَلِيلٌ، وَحُزنُهَا فِي غَدٍ طَوِيلٌ، مَا دَامَ المُؤمِنُ فِي نُورِ التَّقوَى فَهُوَ يُبصِرُ طَرِيقَ الهُدَى، فَإِذَا طَبَقَ ظَلَامُ الهَوَى عُدِمَ النُّورُ.اهـ
انهَض إِلَى التَّقوَى بِقَرِيحَةٍ، وَابكِ الذُّنُوبَ بِعَينٍ قَرِيحَةٍ، وَأَتعِب لِلجِدِّ أَعضَاءَكَ المُستَرِيحَةَ، تَاللَّهِ لَئِن لَم تَقبَل هَذِهِ النَّصِيحَةَ لَتَندَمَنَّ غَدًا، ﴿أَيَحسَبُ الإِنسَانُ أَن يُترَكَ سُدًى﴾.
إِخوَانِي: إِنَّمَا العُمرُ مَرَاحِلُ، وَكَأَن قَد بَلَغَت سَفِينَةُ الرَّاحِلِ، إِنَّ لِكُلِّ سَفَرٍ زَادًا فَتَزَوَّدُوا لِسَفَرِكُمُ التَّقوَى، وَكُونُوا كَمَن عَايَنَ مَا أُعِدَّ لَهُ، وَلا يَطُولَنَّ عَلَيكُمُ الأَمَدُ فَتَقسُوَ قُلُوبُكُم، وَاللَّهِ مَا بُسِطَ أَمَلُ مَن لا يَدرِي: أَيُصبِحُ إِذَا أَمسَى أَو يُمسِي إِذَا أَصبَحَ.
زَارَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ قُبُورَ آبَائِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ يَبكِي، فَقَالَ لأَصحَابِهِ: نَادَانِيَ التُّرَابُ: أَلَا تَسأَلنِي عَمَّا صَنعتُ بِأَحبَابِكَ؟ فَقُلتُ: مَا فَعَلتَ؟ قَالَ: فَصَلتُ الكَفَّينِ مِنَ السَّاعِدَينِ، وَالقَدَمَينِ مِنَ السَّاقَينِ، وَفَعَلتُ وَفَعَلتُ، فَلَمَّا وَلَّيتُ نَادَانِي: أَلا أَدُلُّكَ عَلَى كَفَنٍ لَا يَبلَى؟ قُلتُ: بَلَى. قَالَ: التَّقوَى.
وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ: آهٍ مِن قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعدِ السَّفَرِ وَوَحشَةِ الطَّرِيقِ! وَاعَجَبًا لِخَوفِهِم مَعَ التَّقوَى وَأَمنِكَ مَعَ المَعَاصِي!
وَكَانَ ﷺ يَقُولُ لِمَن أَرَادَ السَّفَرَ: «فِي حِفظِ اللَّهِ وَكَنَفِهِ، زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقوَى، وَغَفَرَ ذَنبَكَ، وَوَجهَكَ لِلخَيرِ أَينَمَا كُنتَ».اهـ
وَقَالَ الغَزَالِيُّ: وَالقُرآنُ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ التَّقوَى مِفتَاحُ الهِدَايَةِ وَالكَشفِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوعِظَةٌ لِلمُتَّقِينَ﴾، وَقَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ ابنُ أَبِي الدُّنيَا: الكَرَمُ التَّقوَى، وَالشَّرَفُ التَّوَاضُعُ، وَاليَقِينُ الغِنَى).
خاتمة:
(وكلام الإمام الشافعي رحمه الله هنا أن أكثر الناس يغفلون عن تدبر هذه السورة، لما حوت من معان عظيمة وبليغة، فهي تنظم للمؤمن طريق النجاة من فتن هذه الدنيا وعذاب الآخرة، وكل من خالف مقتضى هذه السورة الكريمة فهو خاسر والعياذ بالله تعالى).