قصة أصحاب الأخدود والغلام والساحر | رياض الصالحين (30)

الدرس ٧ من ١٦ في هذا البابنزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٣١:٠٦

الحمد لله الذي أعزَّنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيِّه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل السعادة في خشيته وتقواه، وجعل العزة والكرامة لمن خافه واتَّقاه، وأشهد أن سيدنا وحبيب قلوبنا محمدًا رسولُ الله، وحبيبه من خلقه ورضيُّه ومصطفاه، فاز وربح من اتبع سنتَه وهُداه، وخاب وخسر من خالف نهجه وعَصاه. اللهم صلِّ عليه وعلى ءاله وصحابته، صلاة تَزيد في رفعته، وتظلنا تحت لوائه في أعز زمرته، وتجعلنا من رُوَّاد حوضه وأهل شفاعته. أما بعد:

الحديث

وعن صهيب رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فيمَنْ كَانَ قَبلَكمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ للمَلِكِ: إنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ؛ فَبَعثَ إِلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ، وَكانَ في طرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعدَ إِلَيْه وسَمِعَ كَلامَهُ فَأعْجَبَهُ، وَكانَ إِذَا أتَى السَّاحِرَ، مَرَّ بالرَّاهبِ وَقَعَدَ إِلَيْه، فَإذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذلِكَ إِلَى الرَّاهِب، فَقَالَ: إِذَا خَشيتَ السَّاحِرَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإذَا خَشِيتَ أهلَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ. فَبَيْنَما هُوَ عَلَى ذلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَقَالَ: اليَوْمَ أعْلَمُ السَّاحرُ أفْضَلُ أم الرَّاهبُ أفْضَلُ؟ فَأخَذَ حَجَرًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هذِهِ الدّابَّةَ حَتَّى يَمضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَها ومَضَى النَّاسُ، فَأتَى الرَّاهبَ فَأَخبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهبُ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ اليَومَ أفْضَل منِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى، وَإنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإن ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ؛ وَكانَ الغُلامُ يُبْرىءُ الأكْمَهَ وَالأَبْرصَ، ويداوي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْوَاء. فَسَمِعَ جَليسٌ لِلملِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فأتاه بَهَدَايا كَثيرَةٍ، فَقَالَ: مَا ها هُنَا لَكَ أَجْمعُ إنْ أنتَ شَفَيتَنِي، فَقَالَ: إنّي لا أشْفِي أحَدًا إِنَّمَا يَشفِي اللهُ تَعَالَى، فَإنْ آمَنْتَ بالله تَعَالَى دَعَوتُ اللهَ فَشفَاكَ، فَآمَنَ بالله تَعَالَى فَشفَاهُ اللهُ تَعَالَى، فَأَتَى المَلِكَ فَجَلسَ إِلَيْهِ كَما كَانَ يَجلِسُ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَنْ رَدّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيري؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الغُلامِ، فَجيء بالغُلَامِ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: أيْ بُنَيَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرىء الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ، وتَفْعَلُ وتَفْعَلُ! فَقَالَ: إنِّي لا أَشْفي أحَدًا، إِنَّمَا يَشفِي الله تَعَالَى. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهبِ؛ فَجِيء بالرَّاهبِ فَقيلَ لَهُ: ارجِعْ عَنْ دِينكَ، فَأَبَى، فَدَعَا بِالمِنْشَارِ فَوُضِعَ المِنْشَارُ في مَفْرِقِ رَأسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَليسِ المَلِكِ فقيل لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَوضِعَ المِنْشَارُ في مَفْرِق رَأسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بالغُلَامِ فقيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينكَ، فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الجَبَل، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلَّا فَاطْرَحُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفنيهمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بهِمُ الجَبلُ فَسَقَطُوا، وَجاءَ يَمشي إِلَى المَلِكِ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهمُ الله تَعَالَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فاحْمِلُوهُ في قُرْقُورٍ وتَوَسَّطُوا بِهِ البَحْرَ، فَإنْ رَجعَ عَنْ دِينِهِ وإِلَّا فَاقْذِفُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنيهمْ بمَا شِئْتَ، فانْكَفَأَتْ بِهمُ السَّفينةُ فَغَرِقُوا، وَجَاء يَمْشي إِلَى المَلِكِ. فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فعلَ أصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانيهمُ الله تَعَالَى. فَقَالَ لِلمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بقَاتلي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعيدٍ وَاحدٍ وتَصْلُبُني عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبدِ القَوْسِ ثُمَّ قُلْ: باسْم الله ربِّ الغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِني، فَإنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ قَتَلتَني، فَجَمَعَ النَّاسَ في صَعيد واحدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوقَعَ في صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، فَأُتِيَ المَلِكُ فقيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ والله نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ. قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ بأفْواهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وأُضْرِمَ فيهَا النِّيرانُ وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجعْ عَنْ دِينهِ فَأقْحموهُ

فيهَا، أَوْ قيلَ لَهُ: اقتَحِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءت امْرَأةٌ وَمَعَهَا صَبيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فيهَا، فَقَالَ لَهَا الغُلامُ: يَا أُماه اصْبِري فَإِنَّكِ عَلَى الحَقِّ!». رواه مسلم.

«ذِروَةُ الجَبَلِ»: أعْلاهُ، وَهيَ – بكَسْر الذَّال المُعْجَمَة وَضَمِّهَا – و «القُرْقُورُ»: بضَمِّ القَافَينِ نَوعٌ مِنَ السُّفُن وَ «الصَّعيدُ» هُنَا: الأَرضُ البَارِزَةُ وَ «الأُخْدُودُ» الشُّقُوقُ في الأَرضِ كَالنَّهْرِ الصَّغير، وَ «أُضْرِمَ»: أوْقدَ، وَ «انْكَفَأتْ» أَي: انْقَلَبَتْ، وَ «تَقَاعَسَتْ»: تَوَقفت وجبنت.

الجزء الأول

الشرح

وعن صهيب – رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ (أي: ذو مُلْكٍ) فيمَنْ كَانَ قَبلَكمْ (من الأمم السابقة، وَكَانُوا بِنَجْرَانَ فِي الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ) (وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ النَّصَارَى كَانُوا بِالْيَمَنِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأربعين سنة، أخذهم يوسف بن شَرَاحِيلَ بْنِ تُبَّعٍ الْحِمْيَرِيُّ، وَكَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَحَفَرَ لَهُمْ أُخْدُودًا وَأَحْرَقَهُمْ فِيهِ) وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ (هوَ مَن يتَعَاطَى السِّحْرَ، والسِّحْرُ منَ الكبائرِ وَهُوَ مِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ وَهُوَ مُزَاوَلَةُ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ خَبِيثَةٍ وَهُوَ أَنْوَاعٌ مِنْهُ مَا يُحْوِجُ إِلَى عَمَلٍ كُفْرِيٍّ وَمِنْهُ مَا يُحْوِجُ إِلَى كُفْرٍ قَوْلِيٍّ فَالأَوَّلُ كَالسُّجُودِ لِلشَّمْسِ أَوِ السُّجُودِ لإِبْلِيسَ وَمِنْهُ مَا يُحْوِجُ إِلَى تَعْظِيمِ الشَّيْطَانِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَا يُحْوِجُ إِلَى الْكُفْرِ وَلا يَحْصُلُ إِلا بِالْكُفْرِ فَهُوَ كُفْرٌ. وَمَا لا يُحْوِجُ إِلَى الْكُفْرِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ. وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تَعَلَّمُوا السِّحْرَ وَلا تَعْمَلُوا بِهِ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَالسِّحْرُ سَوَاءٌ كَانَ لِلْمَحَبَّةِ حَتَّى يُحِبَّ هَذَا هَذِهِ أَوْ هَذِهِ هَذَا أَوْ لِلتَّبْغِيضِ حَتَّى يَكْرَهَ هَذَا هَذِهِ أَوْ هَذِهِ هَذَا فَهُوَ حَرَامٌ. وَكَذَلِكَ السِّحْرُ لإِمْرَاضِ الشَّخْصِ حَتَّى يُجَنَّ حَرَامٌ أَيْضًا وَمِنَ السِّحْرِ مَا هُوَ تَخْيِيلٌ لِلأَعْيُنِ كَالسِّحْرِ الَّذِي عَمِلَهُ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ لَمَّا تَحَدَّى فِرْعَوْنُ سَيِّدَنَا مُوسَى فَأَلْقَى السَّحَرَةُ الْحِبَالَ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ فَخُيِّلَ لِلنَّاسِ أَنَّهَا حَيَّاتٌ تَسْعَى فَأَلْقَى سَيِّدُنَا مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْقَلَبَتْ ثُعْبَانًا حَقِيقِيًّا أَكَلَ تِلْكَ الْحِبَالَ الَّتِي رَمَاهَا السَّحَرَةُ. فَالَّذِي يَنْفِي وُجُودَ السِّحْرِ عَلَى الإِطْلاقِ فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْءَانَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/102] فَيُعْلَمُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مَلَكَانِ أَمَرَهُمَا اللَّهُ أَنْ يَنْزِلا إِلَى الأَرْضِ وَيُعَلِّمَا النَّاسَ السِّحْرَ لا لِيَعْمَلُوا بِهِ بَلْ لِيَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ، كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ مَعَ التَّحْذِيرِ، يَقُولانِ لِلنَّاسِ نَحْنُ فِتْنَةٌ أَيْ مِحْنَةٌ وَابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ وَاخْتِبَارٌ نُعَلِّمُكُمْ وَلا تَكْفُرُوا أَيْ لا تَعْتَبِرُوا السِّحْرَ حَلالًا إِنَّمَا تَتَعَلَّمُونَ فَقَطْ لتفرقوا به بين السحر والمعجزة فقد كثر في زمانهم الخلط بين السحر والمعجزة فظن أناس أن المعجزة سحر والعياذ بالله، كَانُوا يُعَلِّمُونَهُمْ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ مِنْ نَوْعِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ، ثُمَّ النَّاسُ الَّذِينَ تَعَلَّمُوا مِنْهُمَا بَعْضُهُمْ مَا عَمِلَ بِهَذَا السِّحْرِ الَّذِي تَعَلَّمَهُ، وَبَعْضُ النَّاسِ عَمِلُوا بِهِ وَعَصَوْا رَبَّهُمْ. وَكَانَ مِنَ السِّحْرِ غَيْرُ هَذَا الَّذِي عَلَّمَهُ هَارُوتُ وَمَارُوتُ لِلْبَشَرِ، الشَّيَاطِينُ أَيْ كُفَّارُ الْجِنِّ كَانَتْ تَعْمَلُ السِّحْرَ وَتُعَلِّمُهُ لِلنَّاسِ لَكِنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِ السِّحْرِ الَّذِي كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تُعَلِّمُهُ الْبَشَرَ كَانَ فِيهِ كُفْرٌ كَعِبَادَةِ الشَّمْسِ وَمِنْهُ مَا فِيهِ عِبَادَةُ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وَمِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ حَتَّى إِنَّ مِنْهُ مَا تَشْتَرِطُ الشَّيَاطِينُ عَلَى مَنْ تُعَلِّمُهُ لِتُسَاعِدَهُ أَنْ يَبُولَ الشَّخْصُ عَلَى الْمُصْحَفِ لأِنَّ الْكُفْرَ إِذَا حَصَلَ مِنِ ابْنِ ءَادَمَ فَهَذَا عِنْدَهُمْ أَعْظَمُ شَىْءٍ، يَشْتَهُونَ هَذَا اشْتِهَاءً. ثُمَّ مِمَّا يَحْتَالُونَ بِهِ لِتَرْوِيجِ عَمَلِ السِّحْرِ أَنَّهُمْ يَخْلِطُونَ بَعْضَ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةِ بِالسِّحْرِ حَتَّى يُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّ الْقُرْءَانَ لَهُ دَخَلٌ فِي السِّحْرِ، وَالْقُرْءَانُ ضِدُّ السِّحْرِ، بِالْقُرْءَانِ يُفَكُّ السِّحْرُ. لَكِنْ أُولَئِكَ يَخْلِطُونَ بَعْضَ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةِ بِالسِّحْرِ، يَضَعُونَ كَلامًا خَبِيثًا فِي الْوَرَقَةِ ثُمَّ يَكْتُبُونَ قُرْبَهُ بَعْضَ الآيَاتِ فَيَظُنُّ الْجَاهِلُونَ مِنَ الْبَشَرِ أَنَّ الْقُرْءَانَ لَهُ دَخَلٌ فِي السِّحْرِ، الشَّيَاطِينُ بِذَلِكَ تُضِلُّ النَّاسَ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مَكْتُوبًا مِنَ السِّحْرِ وَإِلَى جَانِبِهِ ءَايَاتٌ قُرْءَانِيَّةٌ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْقُرْءَانَ لَيْسَ لَهُ دَخَلٌ إِنَّمَا الشَّيَاطِينُ أَدْخَلَتْ هَذَا لِتُضِلَّ النَّاسَ بِأَنْ يَظُنُّوا أَنَّ الْقُرْءَانَ فِيهِ سِحْرٌ. سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلامُ الْكُفَّارُ كَانُوا يَقُولُونَ عَنْهُ إِنَّهُ كَانَ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ وَإِنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِالسِّحْرِ وَكَذَبُوا، السِّحْرُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ إِنَّمَا الشَّيَاطِينُ كَانُوا مُغْتَاظِينَ مِنْ سَيِّدِنَا سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لأِنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ سِرًّا فَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تُطِيعُهُ مَعَ كُفْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْمِنُوا كَانُوا يَخْدِمُونَهُ، يَعْمَلُونَ لَهُ أَعْمَالًا شَاقَّةً وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْهُم اللَّهُ تَعَالَى يُنْزِلُ بِهِ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا، لِذَلِكَ كَانُوا مَقْهُورِينَ لَهُ، فَلَمَّا مَاتَ كَتَبُوا السِّحْرَ وَدَفَنُوهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ ثُمَّ قَالُوا لِلنَّاسِ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ بَعْضُهُمْ أَوْ عَدَدٌ مِنْهُمْ لِلنَّاسِ هَلْ تَدْرُونَ بِمَ كَانَ يَحْكُمُكُمْ سُلَيْمَانُ، كَانَ يَحْكُمُكُمْ بِالسِّحْرِ احْفِرُوا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا هَذَا الْكِتَابَ فَصَدَّقُوا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ لِسُلَيْمَانَ وَضَعَ فِيهِ السِّحْرَ فَكَفَرُوا، الَّذِينَ صَدَّقُوا الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا، لأِنَّ السِّحْرَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الأَنْبِيَاءِ وَلا الأَوْلِيَاءِ) فَلَمَّا كَبِرَ (بكسر الباء: أي كبِرت سنه، أما كبُر بضم الباء ففي القدر قال تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً}) قَالَ للمَلِكِ: إنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ (أي أرسل) إلَيَّ غُلامًا (في رواية: فَطِنًا، والغلام لغة: الصبي من الفطام إلى البلوغ) أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ (وفي الترمذي: فَأُعَلِّمَهُ عِلْمِي هَذَا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ أَمُوتَ فَيَنْقَطِعَ مِنْكُمْ هَذَا العِلْمُ، وَلاَ يَكُونَ فِيكُمْ مَنْ يَعْلَمُهُ)؛ فَبَعثَ إِلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ (وكانَ اسمُ الغلامِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَامِرٍ)، وَكانَ في طرِيقِهِ (أي الغلام) إِذَا سَلَكَ (إلى الساحر) رَاهِبٌ (وكان على التوحيد دين الإسلام دين عيسى عليه الصلاة والسلام كما تشير إليه الروايات الأخرى كما سأذكر إن شاء الله، والراهب هنا: هو المتعبد من أتباع عيسى وهو على دين الإسلام المتخلي عن أشغال الدنيا التارك لملذاتها بالزهد فيها الصابر على مشاقها المعتزل عن أهلها)، فَقَعدَ (الغلام) إِلَيْه (أي إلى الراهب) وسَمِعَ كَلامَهُ فَأعْجَبَهُ (زاد الضحاك في روايته «فدخل في دين الراهب»، وفي الترمذي: قَالَ مَعْمَرٌ: إِنَّ أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ كَانُوا يَوْمَئِذٍ مُسْلِمِينَ على دينِ عيسى عليه السلامُ، قَالَ: فَجَعَلَ الغُلاَمُ يَسْأَلُ ذَلِكَ الرَّاهِبَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ)، وَكانَ (أي الغلامُ) إِذَا أتَى (أي أراد أن يصل) السَّاحِرَ، مَرَّ بالرَّاهبِ (لكونه في طريقه) وَقَعَدَ إِلَيْه (لمحبته دينه ونهجه)، فَإذَا أَتَى السَّاحِرَ (ووصل إليه) ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذلِكَ إِلَى الرَّاهِب (وفي الترمذي: فَجَعَلَ الغُلاَمُ يَمْكُثُ عِنْدَ الرَّاهِبِ وَيُبْطِئُ عَنِ الكَاهِنِ، فَأَرْسَلَ الكَاهِنُ إِلَى أَهْلِ الغُلاَمِ إِنَّهُ لاَ يَكَادُ يَحْضُرُنِي)، فَقَالَ (أي الراهب): إِذَا خَشيتَ السَّاحِرَ (لتخلفك عندي في الذهاب إليه)، فَقُلْ: حَبَسَنِي (أي منعني أهلي) أَهْلِي (وجوّز ذلك من باب الكذب لإنقاذ المحترم من التعدي عليه بالضرب)، وَإذَا خَشِيتَ أهلَكَ (لتخلفك عندي في العودة من عند الساحر)، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ فَبَيْنَما هُوَ عَلَى ذلِكَ (أي على التردد بين الرجلين) إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ (عند الترمذي: فَبَيْنَمَا الغُلاَمُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ مَرَّ بِجَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٍ قَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ تِلْكَ الدَّابَّةَ كَانَتْ أَسَدًا، وقيل هي أفعى ضخمة) قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ (أي: منعتهم من المرور لخوفهم من صولتها)، فَقَالَ (أي الغلام): اليَوْمَ أعْلَمُ السَّاحرُ أفْضَلُ أم الرَّاهبُ أفْضَلُ؟ (ليس معنى هذا الكلام أنه يشكُّ في دين الإسلام الذي دخله وهو فيه الآن، لا، بل معناه اليوم يظهر لي إثبات أكثر مما أعرف عن صدق أمر الراهب ودينه، اليوم أرى برهانا أعظم وأدعو الله أن يريَني برهانا آخر على صدق الراهب، وليس أنه يشك في دين الإسلام فمن شك في حَقِّيَّةِ الإسلام فليس مسلمًا والعياذ بالله تعالى) فَأخَذَ حَجَرًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أمْرِ السَّاحِرِ (أي أرني دليلا ظاهرا للناس على صدق الراهب المسلم) فَاقْتُلْ هذِهِ الدّابَّةَ (أي: عقب وصول الحجر إليها، ليكون ذلك آية على أفضلية الراهب عندك) حَتَّى يَمضِي النَّاسُ (أي حتى يمر الناس فيشهدوا على ما أبرزته لي من الخير بسبب دين الإسلام فيكون هذا سببا في هدايتهم)، فَرَمَاهَا (أي الغلام رمى هذه الدابة) فَقَتَلَها (بتلك الرمية، وإسناد القتل إليه مجاز عقلي لكونه السبب الصوري في ذلك والفاعل حقيقة هو الله سبحانه وتعالى وفي الحديث إثبات كرامات الأولياء، وإهانة أعداء الله الأغبياء، وهنا ينبغي التنبيه على أن الإنسان يكتسب أعماله فقط ولا يخلقها. قال الله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ فالإنسان لا يكون منه إلا ما قدَّرَ الله كما قال عليه الصلاة والسلام: « وقل اعملوا فكل ميَسَرٌ لما خلق له » وحظ العبد من فعله توجيه القصد نحو العمل، والله يخلقه عند ذلك إن شاء، فالعباد مظاهرٌ لاكتساب الأعمال لا حظ لهم في الخلق قال الله تعالى: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّـهِ ﴾ معناه لا خالق إلا الله وروى ابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله صانع كلِ صانعٍ وصنعتِه » أي صانع العبدِ وفعلِه. ومن أقوى الأدلة لأهل السنة أن الله هو خالق فعلِ العبد لا حظَّ للعبد في الخلق، قولُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ رَمَىٰ﴾ [سورة الأنفال آية 17] معناه وما رميت يا محمدُ خلقاً، إذ رميت كسباً، ولكن الله رمى خلقًا) ومَضَى النَّاسُ (أي: انطلقت ألسنتهم بالثناء عليه بالعلم. وفي الترمذي: فَقَالَ النَّاسُ: مَنْ قَتَلَهَا؟ قَالُوا: الغُلامُ، فَفَزِعَ النَّاسُ وَقَالُوا: لَقَدْ عَلِمَ هَذَا الغُلامُ عِلْمًا لَمْ يَعْلَمْهُ أَحَدٌ، ويحتمل أن يكون المراد فمضى الناس في تلك السبيل لزوال المانع من سلوكها وهو تلك الدابة)، فَأتَى (الغلام) الرَّاهبَ فَأَخبَرَهُ (فيه وفيما بعده من جهة حكايته له وعدم إنكاره أنه لا بأس بذكر الإنسان مفاخِرَهُ وحمد الناس له والثناء عليه بحضوره إذا لم يترتب عليه فتنة من نحو عجب، وهنا ينبغي التنبيه إلى قول يقوله البعض: فإنهم يقولون: مادح نفسه كذاب، وهذا القول لا يجوز إطلاقه هكذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم مدح نفسه وليس هذا مذمومًا فالنبي صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه البخاري: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ.اهـ وهو القائل فيما رواه الطبراني: «والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَسَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ بِغَيْرِ فَخْرٍ ولا رِيَاءٍ، ومَا مِنَ النَّاسِ إِلاَّ وَهُوَ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ القِيَامَةِ يَنْتَظِرُ الفَرَجَ، وإِنَّ مَعِي لِوَاءُ الحَمْدِ أَمْشِي ويَمْشِي النَّاسُ مَعِي حَتّى آتِي بَابَ الجَنَّةِ اسْتَفْتِحُ فَيُقَالُ: مَنْ هَذا؟ اقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيُقَالُ: مَرْحبًا بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلّم»، وتدل هذه الأحاديث التي ذكرت على بطلان ما يقوله بعض الناس حيث يقولون: أعوذ بالله من كلمة أنا، وهذا لا يجوز إطلاقه في كل حال فالشخص يجوز أن يذكر فضل الله عليه فيقول مثلا أنا والحمد لله أحفظ القرآن، أو أنا والحمد لله أطعم الفقراء، فهذا إن لم يكن رياء فهو جائز لا ضرر فيه، وهو من باب قوله عز وجل: [وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ]، فلا ضرر فيه أما إن كان عجبا أو رياء فهو حرام والعياذ بالله تعالى). فَقَالَ لَهُ الرَّاهبُ: أَيْ بُنَيَّ (يعني يا بنيَّ) أَنْتَ اليَومَ أفْضَل منِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى (أي: من كمال اليقين وصدق الاعتقاد، والله تعالى أجرى على يديك هذه الكرامة ليُظهِرَ أمرك للناس)، وَإنَّكَ سَتُبْتَلَى (يحتمل أن يكون هذا منه بطريق الكشف فيكون كرامة له كذلك، فالله تعالى يُلهِمُ بعض الأولياء مما سيحصل في المستقبل على وجه الكرامة لهم كما كان يحصل مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحصل مع غيره أيضًا، وهذا يشبه ما يحصل وحصل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان يخبر بما سيحصل في المستقبل مما يوحي الله إليه أو يلهمه الله وليس أن النبي أو الولي يعلمون الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله، وقد قال السيوطي: ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي إلا ما كان من خصائص النبوة، وقد يكون الذي حصل مع هذا الراهب هو بطريق الفراسة وهي لا تكون إلا للأولياء، وقد يكون الذي قاله له بطريق العادة والتجربة، إذ من خالف الناس في منهجهم ابتلوه وآذوه عادة ولو كان حقًّا وهم على باطل، فكم من شخص من مشركي قريش كان يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه آذاه وكفر به، وعندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم هو وخديجة رضي الله عنها لورقة بن نوفل قال له لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي.اهـ وهذا والعياذ بالله من سوء حال من عاداه صلى الله عليه وسلم)، فَإن ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ  وَكانَ الغُلامُ (أي صار الغلام) يُبْرىءُ الأكْمَهَ (أي: يحصل البرء عقب علاجه فالإسناد إليه مجاز عقلي والله هو الذي يشفي هذا الأكمه، والأكمه: هو الذي ولد أعمى) وَالأَبْرصَ (أي: من وقع به البرص)، ويداوي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ (أي جميع) الأَدْوَاء (أي: الأمراض والأسقام جمع داء والجملة معطوفة على «يبرىء» الخ، عطف عام على خاص، وخُصَّا بالذكر لأنهما أمراض إعياء). فَسَمِعَ (أي سمع به) جَليسٌ لِلملِكِ (أي من الذين هم من خاصة جلساء هذا الملك) كَانَ قَدْ عَمِيَ (أي أصابه العمى)، فأتاه (أي: فأتى جليسُ الملك الغلامَ) بَهَدَايا كَثيرَةٍ (يرجو بها برَّه وصلته لكي يشفى من عماه)، فَقَالَ (أي جليس الملك): مَا ها هُنَا لَكَ (أي الذي هنا كلُّه من الهدايا لك أنت، وفي راواية “هي لك”) أَجْمعُ (أي أجمعه لك، وهذا تأكيد لما مضى) إنْ أنتَ شَفَيتَنِي (أي إن أنت شفيتني وصلتك بما ترى من الهدايا وغيرِها، أي إن شفيتني فلك جميع ما هاهنا)، فَقَالَ (أي الغلام): إنّي لا أشْفِي أحَدًا إِنَّمَا يَشفِي اللهُ تَعَالَى (وهذا اعتقاد المسلمين أن الفاعل على الحقيقة هو الله وحده، لا يقدر أحد على خلق الشفاء إلا الله تعالى)، فَإنْ آمَنْتَ بالله تَعَالَى (وهذا حال الذي ذاق حلاوة الإيمان فإنه يدعو إلى دين الله بأي ظرف كان به ومهما اشتدت عليه الظروف فإنه يدعو إلى دين الله ويغتنم أي فرصة للدعوة إلى الله تعالى، كما حصل مع سيدنا يوسف عليه السلام فإنه دعا إلى الله تعالى وهو في السجن ولم يَثْنِهِ مشقة ما هو فيه من الدعوة إلى دين الله تعالى) دَعَوتُ اللهَ فَشفَاكَ (من عماك الحسي كما شفاك بالإيمان من عماك المعنوي)، فَآمَنَ بالله تَعَالَى (أي أن جليس الملك آمن بالله بعد قول الغلام له وهذا من فضل الله وسبق عنايته به فإنه شاء له الهداية) فَشفَاهُ اللهُ تَعَالَى (أي: حصل له الشفاء الموعود بترتبه على الإيمان ليزداد يقينه،)، فَأَتَى (جليس الملك) المَلِكَ فَجَلسَ إِلَيْهِ كَما كَانَ يَجلِسُ (أي: إن جلوسه بعد شفائه مماثل لجلوسه قبل حلول دائه، أي جلس إليه كما كان يجلس قبل أن يصيبه العمى)، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَنْ رَدّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي (أي أن ربي هو الذي ردَّ عليَّ بصري بقدرته عز وجل)، قَالَ (أي الملك): وَلَكَ رَبٌّ غَيري؟ (وهو مستغرب لحاله منكرٌ عليه ما آل إليه حالُه) قَالَ: رَبِّي (أي: مالكي) وَرَبُّكَ اللهُ (فهو ربُّ كل شيء سبحانه)، فَأَخَذَهُ (أي أمر بتعذيبه) فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ (باعتبار أنواع العذاب، أو باعتبار شدته وغلظه، ليدل على من علمه ما هو فيه) حَتَّى دَلَّ (هذا الجليس) عَلَى الغُلامِ، فَجيء بالغُلاَمِ (أي: فأمر بالغلام فجيء به)، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: أيْ بُنَيَّ (، قاله على سبيل التلطف به أو على ما جرت به العادة من مخاطبة الكبير للصغير)، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرىء الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وتَفْعَلُ وتَفْعَلُ! (كناية عن كثرة تصرفاته ومزيد أعماله، وفي نسخة: وتفعل ما تفعل) فَقَالَ: إنِّي لا أَشْفي أحَدًا، (رد لما يفهم من كلام الملك حيث نسب إليه إبراء المريض دون الله عز وجل، ثم أثبت الغلام ذلك وحده بقوله:) إِنَّمَا يَشفِي الله تَعَالَى.اهـ 

الجزء الثاني

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاء مُزَيَّنَةً بِزِينَةِ النُّجُومِ، وَثبَّتَ الأَرْض بِجِبَالٍ فِي أَقَاصِي التُّخُومِ، عَلِمَ الأَشْيَاءِ كلها وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَعْلُومُ، وقدَّر الْمَحْبُوب وَالْمَكْرُوه وَالْمَحْمُود وَالْمَذْمُوم، واطَّلَعَ عَلَى بَوَاطِنِ الأَسْرَارِ وَعَلِمَ خَفَايَا الْمَكْتُومِ، جَلَّ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الأَفْكَارُ أَوْ أن تَتَخَيَّلَهُ الْوُهُومُ، وَقَضَى ما يكون فَقَضَاؤُهُ مَحْتُومٌ، وَبِتَقْدِيرِهِ مَعْصِيَةُ الْعَاصِي وَعِصْمَةُ الْمَعْصُومِ ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وأصلِّي وأُسلم على رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلاةً تَبْلُغُهُ عَلَى الْمَرُومِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَلَى السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَعَلَى عُمَرَ الْمُنْتَصِفِ بَيْنَ الظَّالِمِ وَالْمَظْلُومِ، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمُتَهَجِّدِ إِذَا رَقَدَ النَّئُومُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي حَازَ الشَّرَفَ وَالْعُلُومَ.

الشرح

فَأَخَذَهُ (أي أن الملكَ أخذَ الصبيَّ) فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ (ليدل على من علمه ما هو فيه) حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهبِ (أي بعد تعذيبه العذاب الشديد دلَّ على الراهب)؛ فَجِيء بالرَّاهبِ فَقيلَ لَهُ: ارجِعْ عَنْ دِينكَ (ودينه هو الإسلام دين التوحيد)، فَأَبَى، فَدَعَا بِالمِئْشَارِ (بالهمزة في رواية الأكثرين وهو الأفصح ويجوز تخفيف الهمزة وقلبها ياء، وروي «بالمنشار» بالنون لغتان صحيحتان، إذ يقال أشرت الخشبة ونشرتها) فَوُضِعَ المِئْشَارُ في مَفْرِقِ رَأسِهِ (أي في وسط رأسه، وهو  بفتح الميم وكسر الراء: أي مكان فرق الشعر)، فَشَقَّهُ (أي قطعه وقسمه نصفين) حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ (أي نصفاه وقعا على الأرض ولم يرجع عن دينه ولم يغيره، وهذه من الحكم في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لنا هذ القصةَ وهي أنه يريد أن يعلمنا كيف يصبر الواحد على البلاء ويثبت على دينه ولو أُريد به العذاب ونزل به البلاء، وهذا معنى قوله عز وجل في القرآن الكريم: [يَا أَيُّهَا الذِيْنَ أمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ] أي اثبتوا على الإيمان والتوحيد، فقد أمرنا بالثبات على الإيمان حَتَّى يَكُونَ الْقَذْفُ فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَذَلِكَ لِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” فِيمَا رواه الشيخان ” ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ” قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بعد ذكر هذا الحديث: فَأَبَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الشُّحَّ بِالدِّينِ (أي حفظ الدين) مِنَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْحَلَاوَةِ مِثْلُ الْإِيمَانِ، وَأَرَادَ أَنَّ الشَّحِيحَ بِدِينِهِ كَالْمُتَطَعِّمِ بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ، فَكَمَا أَنَّ الرَّاغِبَ فِي الْحُلْوِ لَا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فَيَلْتَذُّ بِهَا إِلَّا بِتَطَعُّمِهِ كَذَلِكَ الرَّاغِبُ فِي الْإِيمَانِ لَا يَسْلَمُ لَهُ مَقْصُودُهُ مِنْهُ إِلَّا وَأَنْ يَكُونَ شَحِيحًا بِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا شَحَّ بِالْإِيمَانِ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُفْسِدُهُ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ مَنْ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْحُلْوِ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُبْطِلُهَا عَلَيْهِ – وَاللهُ أَعْلَمُ.اهـ فكلنا مأمور بالثبات على هذا الدين، كما ثبت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على دينهم، فإننا نعلم مَا قَاسَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْمَكَارِهِ بِمجاوَرَةِ الْكُفَّارِ حَتَّى أُمِرُوا بِالْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاللهُ يُوَفِّقُنَا لِمُتَابَعَةِ سَلَفِنَا فَنِعْمَ السَّلَفُ كَانُوا لَنَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فقد روى البخاري ومسلم عَنْ خَبَّابٍ قال: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ فَأَتَيْتُهُ أَطْلُبُهُ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قَالَ: قُلْتُ: ” وَاللهِ، لَا أَكْفُرُ بِهِ أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ تُبْعَثَ “، قَالَ: فَإِنِّي إِذَا مِتُّ، ثُمَّ بُعِثْتُ كَانَ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَتَأْتِينِي فَأَقْضِيكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا}، وروي عَنْ عُرْوَةَ، ” أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَعْتَقَ مِمَّنْ كَانَ يُعَذَّبُ فِي اللهِ سَبْعَةً فَذَكَرَهُمْ وَذَكَرَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهُمْ الزِّنِّيرَةُ قَالَ فَذَهَبَ بَصَرُهَا وَكَانَتْ مِمَّنْ يُعَذَّبُ فِي اللهِ عَلَى الْإِسْلَامِ ” فَتَأْبَى إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا أَصَابَ بَصَرَهَا إِلَّا اللَّاتُ وَالْعُزَّى، فَقَالَتْ: كَلَّا وَاللهِ مَا هُوَ كَذَلِكَ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهَا بَصَرَهَا.اهـ وثبت أَنَّ سُمَيَّةَ أُمَّ عَمَّارٍ عَذَّبَهَا هَذَا الْحَيُّ مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهِيَ تَأْبَى حَتَّى قَتَلُوهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِعَمَّارٍ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَهُمْ يُعَذَّبُونَ بِالْأَبْطَحِ فِي رَمْضَاءِ مَكَّةَ فَيَقُولُ: ” صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ”)، ثُمَّ جِيءَ بِجَليسِ المَلِكِ فقيل لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى (أي: امتنع أشد امتناع)، فَوضِعَ المِئْشَارُ في مَفْرِق رَأسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ (أي بالمئشار) حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ (أي جانباه على الأرض). ثُمَّ جِيءَ بالغُلاَمِ (ولعل تأخيره حتى يرى ما فعل بصاحبه فيرجع عما هو عليه) فقيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينكَ، فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ (بفتح أوليه اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة: ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا واحد له من لفظه) مِنْ أصْحَابهِ (أي: الملك: أي أتباعه وخدمه)، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا (قال ابن الأثير: وَهِيَ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ مِثْلُ كَيْتَ وذَيْت. وَمَعْنَاهُ: مِثْل ذَا. ويُكْنَى بِهَا عَنِ المَجْهُول، وعَمَّا لَا يُراد التَّصْرِيحُ بِهِ) فَاصْعَدُوا بِهِ الجَبَل، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ (أعلاه كما قال النووي) فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ (أي فاتركوه) وَإلَّا فَاطْرَحُوهُ (أي وإن لم يرجع عن دينه فاطرحوه). فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا (بكسر العين) بِهِ الجَبَلَ (أي أخذوه إلى أعلاى الجبل)، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفنيهمْ بِمَا شِئْتَ (أي: بمشيئتك، فما مصدرية أو موصولة، أي: بالذي شئت من أنواع الكفاية إما بإهلاكهم أو بغيره، فالله هو الكافي الذي يكفي المهِمَّ ويدفعُ الملِمَّ وهوَ الذي يُكتَفى بمعونَتِه عنْ غيرِه قالَ تعالى: [أليس الله بكافٍ عبدَه]، وروى السيوطيُّ قالَ: “قالَ النَّبِيُّ ﷺ لفاطمةَ رضيَ اللهُ عنها: ((إِذا أَخَذْتِ مَضْجَعَكِ فَقُولُي: الْحَمْدُ للهِ الْكَافي، سُبْحَانَ اللهِ الأَعْلَىٰ، حَسْبِيَ اللهُ وَكَفَىٰ، مَا شَاءَ اللهُ قَضَىٰ، سَمِعَ اللهُ لِمَنْ دَعَا، لَيْسَ مِنَ اللهِ مَلْجَا، وَلا وَرَاءَ اللهِ مُلْتَجَا، تَوَكَّلْتُ عَلَى رَبي وَرَبِّكُمْ، مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِدٌ بِنَاصِيَتِهَا، إِنَّ رَبي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، الْحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيْرًا، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَقُولُهَا عِنْدَ مَنَامِهِ ثُمَّ يَنَامُ وَسَطَ الشَّيَاطِينِ وَالْهَوَامِّ فَتَضُرُّهُ)) فاللهُ تعالى كفى رسولَه ﷺ كيدَ الكائدينَ والمستهزئينَ بهِ قالَ تعالَى: [إنَّا كَفَيْنَاكَ المستَهزِئِينَ]،)، فَرَجَفَ بهِمُ (قال ابن الأثير: وأصلُ الرَّجْفِ: الحركةُ والاضطرابُ) الجَبلُ فَسَقَطُوا (فسقطوا أي: بسبب اضطرابه: وفيه نصر من توكل على الله سبحانه وانتصر به وخرج عن حول نفسه وقواها)، وَجاءَ (أي الغلام) يَمشي إِلَى المَلِكِ (ليريه آية الله تعالى بنصر أهل دينه لينكشف عن قلبه حجب الغواية فيرجع إلى الإيمان، وهذا يبين قوة توكله على الله عز وجل، وقد أمرنا الله عز وجل بالتَّوَكُّلِ عليه وَالتَّسْلِيمِ لَأَمْرِهِ تَعَالَى فِي كُلِّ شَيْءٍ ” قَالَ اللهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} وَقَالَ: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، وقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وجُمْلَةُ التَّوَكُّلِ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إِلَى اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَالثِّقَةُ بِهِ)، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهمُ الله تَعَالَى (وحاق سوء عملهم بهم)، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ (آخرين) مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فاحْمِلُوهُ في قُرْقُورٍ (قال ابن الأثير: هُوَ السَّفِينَةُ الْعَظِيمَةُ، وجَمْعُها: قَراقِير) وتَوَسَّطُوا بِهِ البَحْرَ (أي: ليبعد الغور فيتعذر الخلاص)، فَإنْ رَجعَ عَنْ دِينِهِ (فاتركوه) وإِلَّا (أي وإن لم يرجع عنه) فَاقْذِفُوهُ (أي: ارموه بقوّة). فَذَهَبُوا بِهِ (حتى بلغوا به وسط البحر)، فَقَالَ (أي الغلام): اللَّهُمَّ اكْفِنيهمْ بمَا شِئْتَ، فانْكَفَأَتْ بِهمُ السَّفينةُ (أي انقلبت بهم) فَغَرِقُوا (يحتمل أنه كان معهم في القرقور فنجاته دونهم آية وهذا هو الأقرب ويحتمل أنه كان في قرقور آخر فغرق قرقورهم ونجا ما كان هو فيه)، وَجَاءَ (أي الغلام) يَمْشي إِلَى المَلِكِ (ليريه الآيات الكبرى المرّة بعد الأخرى ليبصر ضياء الإيمان، ولكن لا تبصر أعين العميان). فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فعلَ أصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانيهمُ الله تَعَالَى. فَقَالَ (الغلام) لِلمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بقَاتلي (أي: في أي حال من الأحوال، وهذا يدل على شدة يقينه وتوكله على الله عز وجل) حَتَّى تَفْعَلَ (أي إذا فعلت ما سأقول لك ستقتلني) مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ (الملك): مَا هُوَ؟ (أي: أيّ شيء الأمر الذي تأمرني به) قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعيدٍ وَاحدٍ (أي: أرض واحدة ومقام واحد) وتَصْلُبُني (بضم اللام من الصلب وهو تعليق الإنسان للقتل،) عَلَى جِذْعٍ (أي عود من أعواد النخل وجمعه جذوع)، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتي (الكنانة بيت السهام)، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبدِ القَوْسِ (أي في وسط القوس) ثُمَّ قُلْ: باسْم اللهِ (قال النووي: قَالَ الْكُتَّابُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ إِذَا قِيلَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَيَّنَ كَتْبُهُ بِالْأَلِفِ وَإِنَّمَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا كُتِبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِكَمَالِهَا لكثرتها) ربِّ الغُلَامِ (تمم به الغلام لئلا يوهم الملك الحاضرين أن الغلام أراد بقوله باسم الله معبود ذلك الملك أو الملك وإن كان لفظ الجلالة لم يسم به غير الله تعالى، ونظيره ما حكي عن السحرة {قالوا آمنا بربّ العالمين ربّ موسى وهارون} وإلا فلفظ الجلالة أعرف الأسماء، قال سيبويه في كتابِه الذي يُسمَّى “الكتابَ”: “اللهُ أعرفُ المعارِفِ “اهـ  لأنَّ كلَّ شىءٍ دليلٌ على وجودِه، فلا شىءَ معروف يشهدُ بوجودِه كلُّ شىءٍ إلا اللهُ، وقد رُؤِيَ سيبويهِ بعد موتِه فقيلَ له ما فعَلَ اللهُ بك؟ قالَ: غَفَرَ لي بقولي: “اللهُ أعرُف المعارِفِ”)، ثُمَّ ارْمِني (أي ارمني بهذا السهم الذي وضعته في كبد القوس)، فَإنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ قَتَلتَني (إسناد القتل إليه مجاز: ومعنى كلامه أي أتيت بما جعله الله سببًا لقتلي، وقصد الغلام من هذا الكلام إفشاء توحيد الله تعالى ونشره بين الناس وإظهار أن لا مؤثر في شيء سواه، ولم يفطن الملك لذلك لفرط غباوته)، فَجَمَعَ (أي الملك) النَّاسَ في صَعيدٍ (مقام) واحدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ (أي صلب الغلامَ على جذع الشجرة)، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ (أي كنانة الغلام)، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ (قال ابن الأثير: الصُّدغُ: وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ إِلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ)، فَوَضَعَ (أي الغلام) يَدَهُ في (أي على) صُدْغِهِ (من الألم الذي حصل له بسبب السهم الذي دخل في صُدغه) فَمَاتَ (وفي رواية: فَقَالَ أُنَاسٌ: لَقَدْ عَلِمَ هَذَا الغُلاَمُ عِلْمًا مَا عَلِمَهُ أَحَدٌ، فَإِنَّا نُؤْمِنُ بِرَبِّ هَذَا الغُلاَمِ. قَالَ: فَقِيلَ لِلْمَلِكِ أَجَزِعْتَ أَنْ خَالَفَكَ ثَلاثَةٌ، فَهَذَا العَالَمُ كُلُّهُمْ قَدْ خَالَفُوكَ.اهـ وفي رواية: قَالَ: فَأَمَّا الغُلامُ فَإِنَّهُ دُفِنَ قَالَ: فَيُذْكَرُ أَنَّهُ أُخْرِجَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ وَإِصْبَعُهُ عَلَى صُدْغِهِ كَمَا وَضَعَهَا حِينَ قُتِلَ)، فَقَالَ النَّاسُ (لما رأوا الآية العظمى الشاهدة تعالى بالوحدانية وأنه الفاعل المختار ولا فاعل سواه وأنه هو الإله): آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ (دخلوا في الإسلام لما أيقنوا أنه لا إله إلا الله فهو الخالق القادر على كل شيء) (وفي رواية: قَالَ أَهْلُ مَمْلَكَةِ الْمَلِكِ: لَا إِلَهَ إِلَّا إِلَهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَامِرٍ، وَكَانَ اسْمَ الْغُلَامِ)، فَأُتِيَ المَلِكُ فقيلَ لَهُ : أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ والله نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ (أي حصل ما كنت تحذر منه وهو إيمان الناس بربِّ الغلام). قَدْ آمَنَ النَّاسُ (تفسير للذي كان يحذر منه). فَأَمَرَ (أي الملك) بِالأُخْدُودِ (أي بأن يُصنَعَ) بأفْواهِ السِّكَكِ (جمع سكة: وهي الطرق، والمراد من أفواهها أبوابها) فَخُدَّتْ (أي شُقَّت الأخاديد) وأُضْرِمَ فيهَا النِّيرانُ (أي أشعل فيها النيران) وَقَالَ (أي الملك): مَنْ لَمْ يَرْجعْ عَنْ دِينهِ (أي: الإيمان الذي صار إليه) فَأقْحموهُ (أي ألقوه كرهًا) فيهَا، أَوْ قيلَ لَهُ (شكٌّ من الراوي): اقتَحِمْ (والمراد أنه شك هل أمرهم بإلقاء من أبى، أو بأمره أن يلقى نفسه فيها) (وفي رواية: فَغَضِبَ الْمَلِكُ، وَأَمَرَ فَخُدَّتْ أَخَادِيدُ، وَجُمِعَ فِيهَا حَطَبٌ وَنَارٌ، وَعَرَضَ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ عَلَيْهَا، فَمَنْ رَجَعَ عَنِ التَّوْحِيدِ تَرَكَهُ، وَمَنْ ثَبَتَ على دينه قذفه في النار) فَفَعَلُوا (أي: ما أمروا به من الأخدود وما بعده، واستمروا كذلك) حَتَّى جَاءت امْرَأةٌ وَمَعَهَا صَبيٌّ لَهَا (أي: في غير أوان الكلام كما أشار إليه المصنف، وزاد أنه كان سنه أكبر من سن صاحب المهد وإن كان صغيرًا، جاء في رواية عند أبي قتيبة: أنه كان ابن سبعة أشهر)، فَتَقَاعَسَتْ (أي توقفت ولزمت موضعها وكرهت) أَنْ تَقَعَ فيهَا (أي في النار)، فَقَالَ لَهَا الغُلامُ (بلسانه): يَا أُمَّهُ (أي يا أماه) اصْبِري (أي: على هذا العذاب فإنه يئول إلى جزيل الثواب) فَإِنَّكِ عَلَى الحَقِّ (أي على الإيمان، وفي رواية: وقيل: قال لها قعي ولا تقاعسي، وقيل ما هي إلا غُمَيْضَةٌ. فصبرت)» (وفي رواية: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّارَ ارْتَفَعَتْ مِنَ الْأُخْدُودِ فَصَارَتْ فَوْقَ الْمَلِكِ وَأَصْحَابِهِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا فَأَحْرَقَتْهُمْ). (وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ النَّصَارَى كَانُوا بِالْيَمَنِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأربعين سنة، أخذهم يوسف ابن شَرَاحِيلَ بْنِ تُبَّعٍ الْحِمْيَرِيُّ، وَكَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَحَفَرَ لَهُمْ أُخْدُودًا وَأَحْرَقَهُمْ فِيهِ. حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ عَنْهُ أَنَّ أَصْحَابَ الْأُخْدُودِ من بني إسرائيل، أخذوا رجالا وَنِسَاءً، فَخَدُّوا لَهُمُ الْأَخَادِيدَ، ثُمَّ أَوْقَدُوا فِيهَا النَّارَ، ثُمَّ أُقِيمَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ لَهُمْ: تَكْفُرُونَ أَوْ تُقْذَفُونَ فِي النَّارِ؟ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ دانيال وأصحابه)) رواه مسلمٌ.

(وقيل: كان عدد أصحاب الأخدود عِشْرِينَ أَلْفًا. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ سَبْعِينَ أَلْفًا.اهـ ).

قال الحافظ النووي: «ذِروَةُ الجَبَلِ»: أعْلاهُ، وَهيَ – بكَسْر الذَّال المُعْجَمَة وَضَمِّهَا – و «القُرْقُورُ»: بضَمِّ القَافَينِ نَوعٌ مِنَ السُّفُن وَ «الصَّعيدُ» هُنَا: الأَرضُ البَارِزَةُ وَ «الأُخْدُودُ» الشُّقُوقُ في الأَرضِ كَالنَّهْرِ الصَّغير، وَ «أُضْرِمَ»: أوْقدَ، وَ «انْكَفَأتْ» أَي: انْقَلَبَتْ، وَ «تَقَاعَسَتْ»: تَوَقفت وَجَبُنَتْ. 

قال ابن علان: وفي الحديث بيان شرف الصبر، وأنه وإن عظم في الألم وتحمل الشدائد فهو سهل في جنب ما أعد لصاحبه من الثواب. وفيه فضل الثبات على الدين وإن عذب بأنواع العذاب كما وقع من بلال في أول الإسلام، وإن كان يجوز في مثل هذه الحالة الإتيان بألفاظ الكفر مع الإيمان القلبي لعذر الإكراه كما وقع من عماربن ياسر، إلا أن ما وقع من بلال أفضل لما في الحديث: «إن مسيلمة أخذ أسيرين من أصحاب النبي، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله فقال: ما تقول فيّ؟ فقال: وأنت: فأرسله، وقال للآخر ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله، فقال: وما تقول فيّ؟ فقال: لا أدري فلم يزل يسأله وهو يجيبه بذلك حتى قطعه إربًا إربًا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما أحدهما فقد أخذ برخصةالله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له». 

قال القرطبي: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: أَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، مَا كَانَ يَلْقَاهُ مَنْ وَحَّدَ قَبْلَهُمْ مِنَ الشَّدَائِدِ، يُؤْنِسُهُمْ بِذَلِكَ. وَذَكَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِصَّةَ الْغُلَامِ لِيَصْبِرُوا عَلَى مَا يُلَاقُونَ مِنَ الْأَذَى وَالْآلَامِ، وَالْمَشَقَّاتِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، لِيَتَأَسَّوْا بِمِثْلِ هَذَا الْغُلَامِ، فِي صَبْرِهِ وَتَصَلُّبِهِ فِي الْحَقِّ وَتَمَسُّكِهِ بِهِ، وَبَذْلِهِ نَفْسَهُ فِي حَقِّ إِظْهَارِ دَعْوَتِهِ، وَدُخُولِ النَّاسِ فِي الدِّينِ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ وَعِظَمِ صَبْرِهِ. وَكَذَلِكَ الرَّاهِبُ صَبَرَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْحَقِّ حَتَّى نُشِرَ بِالْمِنْشَارِ. وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَمَّا آمَنُوا بِاللَّهِ تَعَالَى وَرَسَخَ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، صَبَرُوا عَلَى الطَّرْحِ فِي النَّارِ وَلَمْ يَرْجِعُوا فِي دِينِهِمْ.اهـ 

وقال أيضًا: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَلَقَدِ امْتُحِنَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَتْلِ وَالصَّلْبِ والتعذيب الشديد، فصبروا ولم يلتفتوا إلى شي مِنْ ذَلِكَ وَيَكْفِيكَ قِصَّةُ عَاصِمٍ وَخُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِمَا وَمَا لَقُوا مِنَ الْحُرُوبِ وَالْمِحَنِ وَالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَالْحَرْقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

و قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عما كان يحصل مع المستضعفين ولا سيما مع عمار بن ياسر وأهله: أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَخَذُوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ سُمَيَّةَ وَصُهَيْبًا وَبِلَالًا وَخَبَّابًا وَسَالِمًا فَعَذَّبُوهُمْ، وَرُبِطَتْ سُمَيَّةُ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وَوُجِئَ قُبُلُهَا بِحَرْبَةٍ، وَقِيلَ لَهَا إِنَّكِ أَسْلَمْتِ مِنْ أَجْلِ الرِّجَالِ، فَقُتِلَتْ وَقُتِلَ زَوْجُهَا يَاسِرٌ، وَهُمَا أَوَّلُ قَتِيلَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا عَمَّارٌ فَأَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ”؟ قَالَ: مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ”.