الحديث (119) · عرضت علي أعمال أمتي

المقدمة

الحمدُ للهِ الذي خلقَ الأَرَضِيْنَ والسماواتِ، وجعلَ النورَ والظلماتِ، وجعلَ المؤمنينَ فِي الجنةِ درجاتٍ، وفَضَّلَ الأنبياءَ بعضَهُم علَى بعضٍ وخَصَّ محمدًا ﷺ بأعلى المقاماتِ، وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لَهُ فلَا ذاتُهُ سبحانَهُ يشبهُ الذواتِ، ولا حَكَتْ صفاتُهُ الصفاتِ، منزه عن الشبيه والنظير في الذات والصفات، تَعَالَى عَنِ الْحُدُودِ وَالْغَايَاتِ وَالأَعْضَاءِ وَالأَرْكَانِ وَالأَدَوَاتِ لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ، ومن شبهه بخلقه فقد خالف المنقول والمعقول والآيات البينات الواضحات، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُهُ سيدُ الساداتِ، شهادةً تُنَالُ بهَا الحسناتُ، وتُحَطُّ بِهَا الخطيئاتُ، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنَا محمدٍ الذي جعلَ اللهُ زيارَتَهُ مِنْ أنجَحِ المساعي وأفضلِ القُرُبَاتِ، هو صاحب المقام المحمود يوم القيامة وصاحب الفضيلة والوسيلة في أعالي الجنات، اللهم صلِّ وسلِّمْ على سيّدِنَا محمَّدٍ وعلى ءالِهِ وصَفْوَةِ صَحْبِهِ السابقين الأولين سادةِ المؤمنين والمؤمنات، أتمَّ صلاةٍ كلَّمَا ذكرك الذاكرون والذاكرات، وكلَّمَا هَبَّتْ مِنْ طيبةَ النَسَمَاتُ، أما بعد: 

يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، الْمُسَارَعَةُ: الْمُبَادَرَةُ، أَيْ سَارِعُوا إِلَى مَا هو سبب الْمَغْفِرَةَ وهي الطاعة. فمن كان مبادرا إلى طاعة ربه مغتنمًا الأوقاتَ الفاضلةَ الشريفةَ فإنه يفوز بإذن الله بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، ففي البخاري عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ ‌عَرْشُ ‌الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ»، أذكركم أحبابي بهذا الأمر وهو اغتنام الأنفاس في طاعة الله ونحن في شهر شعبان المبارك، ونقترب أكثر وأكثر من سيد الشهور رمضان، فلنغتنمه في طاعة الله وذكره وعباداته ولا سيما في علم الدين ونشره وبثه بين الناس، أسأل الله لي ولكم حسن العمل والختام.

الحديث والشرح

وكنا قد وصلنا في كتاب رياض الصالحين للحديث الثالث من باب بيان كثرة طرق الخير، قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثالث (هو الحديث الثالث من باب بيان كثرة طرق الخير وهو الحديث التاسع عشر بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): وعَنْهُ (أي عن أبي ذرٍّ الغِفَاريِّ رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ: (قبل قراءة هذا الحديث الشريف أقول: إن هذا الحديث الشريف فيه بيان شيء من طرق الخير التي جُعِلَتْ في شريعة محمد ﷺ، وهي أعمال يسيرة سهلة يستطيعها أي واحد منا كما سنبين إن شاء الله تعالى، لكنه كذلك يبين فضل نبينا محمد ﷺ وأن له مرتبةً وقدرًا عاليا عند الله عز وجل، كيف لا وهو ﷺ قد بَعَثَه الله فِي العرب رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَنْفَسِهِمْ عَرَبًا وَعَجَمًا، وَأَزْكَاهُمْ أَصْلًا وَمَنْمًى، وَأَرْجَحِهِمْ عَقْلا وَحِلْمًا، وَأَوْفَرِهِمْ عِلْمًا وَفَهْمًا، وَأَقْوَاهُمْ يَقِينًا وَعَزْمًا، وَأَشَدِّهِمْ بِهِمْ رَأْفَةً وَرُحْمًا، زَكَّاهُ رُوحًا وَجِسْمًا، وَحَاشَاهُ عَيْبًا وَوَصْمًا وَآتَاهُ حِكْمَةً وَحُكْمًا، وَفَتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَقُلُوبًا غُلْفًا وآذَانًا صُمًّا، فَآمَنَ بِهِ وَعَزَّرَهُ وَنَصَرَهُ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فِي مَغْنَمِ السَّعَادَةِ قَسْمًا، وَكَذَّبَ بِهِ وَصَدَفَ عَنْ آيَاتِهِ مَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشقاء حتما، وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى، فصلى الله على محمد صَلاةً تَنْمُو وَتُنْمَى، نسأل الله أن ينفعنا بذكر حبيب قلوبنا محمدٍ ﷺ) يقول ﷺ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي (وعرض أعمال هذه الأمة على رسول الله ﷺ ثابت بالنصوص الشرعية، كهذا الحديث فهو نص صريح في عرض الأعمال عليه ﷺ وتعرض الأعمال على النبي ﷺ كذلك بعد وفاته عليه الصلاة والسلام كما ثبت في حديث البزار حيث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: »حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ فَمَا رَأَيْتُ مِنْ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْتُ مِنْ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ«، رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. 

وقد ألف الحافظ عبد الله الغماري كتابا مطبوعا في إثبات هذا الحديث وسماه: نهاية الآمال في صحة وشرح حديث عرض الأعمال. فهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ يَنْفَعُ بَعْدَ مَوْتِهِ خِلافًا لِلْجفاة النفاة الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لا يَنْفَعُ أَحَدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ لَمَّا قَالَ: »وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ« أَفْهَمَنَا أَنَّهُ يَنْفَعُنَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَيْضًا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا نَفَعَنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِكَ؟، فَقَالَ لَهُ: »خَمْسِينَ صَلاةً«، قَالَ: ارْجِعْ وَسَلِ التَّخْفِيفَ فَإِنِّي جَرَّبْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ صَلاتَانِ فَلَمْ يَقُومُوا بِهِمَا، فَرَجَعَ فَطَلَبَ التَّخْفِيفَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ لَهُ: ارْجِعْ فَسَلِ التَّخْفِيفَ، إِلَى أَنْ صَارُوا خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِأَجْرِ خَمْسِينَ، فَهَلْ يَشُكُّ عَاقِلٌ بِنَفْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ هَذَا النَّفْعَ الْعَظِيمَ، وَقَدْ كَانَ مُوسَى تُوُفِّيَ قَبْلَ لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ، فَهَذَا عَمَلٌ بَعْدَ الْمَوْتِ نَفَعَ بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. 

وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: »تُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ «فَمَعْنَاهُ يَحْصُلُ مِنْكُمْ أُمُورٌ ثُمَّ يَأْتِي الْحُكْمُ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ. 

ثُمَّ يُؤَكِّدُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ نَفْعَهُ لِأُمَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِقَوْلِهِ: »وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ فَمَا رَأَيْتُ مِنْ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْتُ مِنْ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ

فَبَطَلَ قولُ القائلين بأن الأنبياء لا ينفعون بعد موتهم، وبناء عليه فإنهم يحرمون زيارة قبورهم ويحرمون التوسل والتبرك بهم، فمن قال إن الأنبياء لا ينفعون بعد موتهم فهو محجوج عليه بنفع موسى لهذه الأمة وبنفع إبراهيم بأن أوصى رسول الله أن يخبر أمته بأن يكثروا من غراس الجنة، ثم كيف يقال إنهم تنقطع بركتهم وينقطع نفعهم وهم أكرم الخلق عند الله، النبي أليس نفع هذه الأمة؟ أليس نفعه قائم إلى الآن؟ أليس انتفع ذلك الذي كان يتردد الى عثمان ولا ينظر لحاجته لانشغاله فانتفع بالتوسل بالنبي وقضيت حاجته، فقد أَخرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمَيهِ الكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ عَن عُثمَانَ بنِ حُنَيفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، وَكَانَ عُثمَانُ لَا يَلتَفِتُ إِلَيهِ وَلَا يَنظُرُ فِي حَاجَتِهِ لِانشِغَالِهِ بِالنَّظَرِ فِي أُمُورِ المُسلِمِينَ، فَلَقِيَ هَذَا الرَّجُلُ عُثمَانَ بنَ حُنَيفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَشَكَى إِلَيهِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُثمَانُ بنُ حُنَيفٍ: (ائتِ المِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكعَتَينِ ثُمَّ قُلْ: “اللهم إنِّي أسْأَلُكَ وأتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ لِتُقْضَى لِيَ حَاجَتِي” وَتَذكُرُ حَاجَتَكَ، وَرُحْ حَتَّى أَرُوحَ مَعَكَ)، فَانطَلَقَ الرَّجُلُ فَصَنَعَ مَا قَالَ عُثمَانُ لَهُ، ثُمَّ أَتَى عُثمَانَ بنَ عَفَّانٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَجَاءَ البَوَّابُ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَأَدخَلَهُ عَلَى عُثمَانَ بنِ عَفَّانٍ فَأَجلَسَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ فَقَالَ: (مَا حَاجَتُكَ؟) فَذَكَرَ لَهُ حَاجَتَهُ فَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: (مَا ذَكَرتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَت هَذِهِ السَّاعَةُ)، وَقَالَ لَهُ: (مَا كَانَ لَكَ حَاجَةٌ فَأْتِنَا)، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِن عِندِهِ فَلَقِيَ عُثمَانَ بنَ حُنَيفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيرًا مَا كَانَ يَنظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلتَفِتُ حَتَّى كَلَّمتَهُ فِيَّ، فَقَالَ عُثمَانُ بنُ حُنَيفٍ: (وَاللهِ مَا كَلَّمتُهُ وَلَكِنْ شَهِدتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَد أَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إِلَيهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: “أَوَتَصْبِرْ؟” فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ لَيسَ لِي قَائِدٌ وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: “ائتِ الِميضَأَةَ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَعَوَاتِ“، قَالَ عُثمَانُ بنُ حُنَيفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: (فَوَاللهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَلَا طَالَ بِنَا الحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَينَا الرَّجُلُ كَأنَّهُ لَم يَكُن بِهِ ضُرٌّ قَطُّ) اهـ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: وَالحَدِيثُ صَحِيح. وهذا فيه أن النبي نفع ذلك الأعمى الذي توسل به ونفع صاحبَ الحاجة في زمن عثمان بأن قُضيت حاجته، فنفعه متواصل إلى أيامنا هذه. أليس قال رسول الله ﷺ: مَن زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي.اهـ رواه الدارقطني والبيهقي وصححه الحافظ تقي الدين السبكي.اهـ أليس هذا نفعا للزائر رسولَ الله ﷺ؟ هذا الحديث فيه دليل واضح وبرهان ساطع على مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ وأن زائره ينال خيرًا عظيمًا بثبوت شفاعة النبي له كما ورد في الحديث. وسنية زيارة قبر الرسول ﷺ هي من الأمور التي أجمع أئمة الاجتهاد الأربعة وغيرهم عليه من السلف والخلف. قال رسول الله ﷺ: ليهبطن عيسى ابن مريم حكمًا عدلا وإمامًا مقسطًا وليسلكن فجًّا حاجًّا أو معتمرًا أو بنيتهما وليأتين قبري حتى يسلم علي ولأردَّنَّ عليه.اهـ صححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الإمام اللغوي الفيروزءابادي في كتابه [الصِّلات والبِشر في الصلاة على خير البشر]: وأما زيارة قبره فالإجماع على استحبابها للرجال والنساء 

ومنها أن الإجماع على جواز شد الرحال للتجارة وتحصيل المنافع الدنيوية فهذا أولى لأنه من أعظم المصالح الأخروية، ومنها إجماع الناس العملي على زيارته ﷺ وشد الرحال إليه بعد الحج من بعد وفاته إلى زمننا هذا ومنها الإجماع القولي قال أبو الفضل القاضي: «زيارة قبره ﷺ سنة من سنن المسلمين مجمع عليها». ثم إن بلالاً رأى في منامه النبي ﷺ وهو يقول له ما هذه الجفوة يا بلال أما ءان لك أن تزورني يا بلال، فانتبه حزينًا وجلًا خائفًا فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي فجعل يبكي  ويمرغ وجهه عليه فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذنه لرسول الله في المسجد فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الذي كان يقف فيه فلما قال: الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله زادت رجتها فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول الله خرجت العواتق من خدورهن وقلنَّ أوبعث رسولُ الله فما رؤي يومٌ أكثرُ باكيًا ولا باكية في المدينة بعد رسول الله من ذلك اليوم. ذكره ابن عساكر في ترجمة بلال، فسفر بلال في زمن صدر الصحابة لم يكن إلا للزيارة والسلام على رسول الله ﷺ، وقد روى هذا الأثر عن بلال من الحفاظ عدد كبير منهم: الإمام السبكي والقاضي عياض والسمهودي. قال الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي في كتابه «شفاء السقام» في الباب الرابع من الكتاب ما نصه: قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وزيارة قبره ﷺ سنة بين المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها اهـ. ثم أفاض في نقل استحبابها عن أعيان من العلماء من المذاهب الأربعة، فنقل ذلك عن الشافعية عن القاضي أبي الطيب الطبري، والمحاملي، والحليمي، والماوردي، والروياني والقاضي حسين، والشيخ أبي إسحـاق الشيرازي. وعن الحنفية عن أبي منصور الكرماني في منـاسكه، وعبد الله بن محمود في شرح المختار، وأبي الليث السمرقندي في فتاويه، والسَروجي في الغاية، وعن الحنابلة عن أبي الخطاب الكَلْوَذَاني في الهداية وأبي عبد الله السامري في المُستَوعِب، ونجم الدين بن حمدان في الرعاية الكبرى، وعن المالكية عن أبي عمران الفاسي، والشيخ ابن أبي زيد. كل هذا الكلام يدل على أن النبي ينفع في حياته وبعد وفاته ﷺ، 

ومما يزيد الأمر تأكيدا أن بركته عليه الصلاة والسلام باقية بين أفراد الأمة إلى يومنا هذا، والمسلمون يتبركون بآثاره إلى اليوم، وهذا يدل على أنه ينفع في حياته وبعد وفاته، أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتبركون بآثار النبي ﷺ في حياته وبعد مماته ولا زال المسلمون بعدهم إلى يومنا هذا على ذلك وجواز هذا الأمر يعرف من فعل النبي ﷺ وذلك أنه ﷺ قسم شعره حين حلق في حجة الوداع فقد روى البخاري ومسلم أنه ﷺ قسم شعره بين أصحابه أي ليتبركوا به لا ليأكلوه لأن الشعر لا يؤكل، وليستشفعوا إلى الله بما هو منه ويتقربوا بذلك إليه، قسمه بينهم ليكون بركة باقية بينهم وتذكرة لهم وكان أحدهم أخذ شعرة والآخر أخذ شعرتين وما قسمه إلا ليتبركوا به فكانوا يتبركون به في حياته وبعد مماته، حتى إنهم كانوا يغمسونه في الماء فيسقون هذا الماء بعض المرضى تبركا بأثر رسول الله ﷺ. 

وروى الحافظ البيهقي في دلائل النبوة والحاكم في مستدركه وغيرهما أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك، فقال: اطلبوها، فلم يجدوها، ثم طلبوها فوجدوها، فقال خالد: اعتمر رسول الله ﷺ، فحلق رأسه، وابتدر الناس جوانب شعره، فسبقتهم إلى ناصيته، فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا وهي معي، إلا رزقت النصر. أي ببركة شعر النبي ﷺ قال الحافظ البوصيري رواه أبو يعلى بسند صحيح وقال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ورجالهما رجال الصحيح، ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء، ورواه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية. 

وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك. قال كان النبي ﷺ يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها. وليست فيه. قال : فجاء ذات يوم فنام على فراشها. فأتيت فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك، على فراشك. قال فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم، على الفراش. ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها. فاستيقظ النبي ﷺ فقال ما تصنعين؟ يا أم سليم! فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا. قال: أصبت. استنقع أي اجتمع. عتيدتها أي كالصندوق الصغير تجعل المرأة فيه ما يعز من متاعها. وعن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما، فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر، فأخذ برقبته. وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم. فأقبل عليه، فإذا هو: أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه فقال: جئت رسول الله ﷺ ولم آت الحجر سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله). رواه أحمد والطبراني وغيرهما وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. 

وروى البخاري وغيره أن عِتبان بنَ مالك، كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحب أن أصلي، وفي رواية للبخاري: فقال: (أين تحب أن أصلي لك من بيتك). فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ. قال الحافظ في الفتح: وقد تقدم حديث عتبان وسؤاله النبي ﷺ أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى وإجابة النبي ﷺ إلى ذلك، فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين.اهـ 

وذكر الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يتحرى الصلاة في الأماكن التي كان يصلي فيها رسول الله. قال الحافظ الزبيدي في الإتحاف: وإنما كان ابن عمر يصلي في هذه المواضع للتبرك. 

وأخرج البخاري عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُــولَ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ. وروى البخاري وغيره عن جابر بن عبد الله أنه قال: جاءني النبي يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب من وَضوئه علي فعقَلت. ثم تبع الصحابة في خُطتهم في التبرك بآثاره ﷺ من أسعده الله وتوارد ذلك الخلف عن السلف واستمر ذلك إلى هذا الوقت. وعن ثابت قال: كنت إذا أتيت أنسًا يخبر بمكاني، فأدخل عليه، فآخذ بيديه فأقبلهما، وأقول: بأبي هاتان اليدان اللتان مستا رسول الله ﷺ، وأقبّل عينيه وأقول: بأبي هاتان العينان اللتان رأتا رسول الله ﷺ. قال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ثقة. ونقل البهوتي الحنبلي في كشاف القناع عن الإمام المجتهد إبراهيم الحربي وهو من علماء السلف أنه قال: يستحب تقبيل حجرة النبي ﷺ. فكل هذه الأدلة تدل على أن النبي ﷺ ينفع في حياته وبعد وفاته) حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا (أي الأعمال الحسنة وهي التي مدحها الشرع وحث عليها، والأعمال القبيحة عكسها وهي التي نهى عنها الشرع الحنيف، فالشرع يأمر بالخير وينهى عن المنكر، قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ]، وقال تعالى: [وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا، قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ]) قال العلماء: في هذا الحديث إشارة إلى أنها لم تعرض على رسول الله ﷺ إلا وهي بسبيل أن يستغفر لأهلها منها، لأنه قد علم الله سبحانه وتعالى رحمة نبيه لأمته فلا يعرض عليه سيئات أعمالهم إلا رفقًا بهم لعلمه أنه يستغفر لهم. فقد وصفه الله عز وجل: {عَزِيْزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيْصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَءُوْفٌ رَحِيْمٌ}) (وقد ثبت عرض أشياء عديدة على النبي ﷺ ولكن تروى روايات غير صحيحة ويذكرون أنه عرضت على النبي ﷺ،  فيقولون قال عليه الصلاة والسلام: [عرضت ‌عليَّ ‌أعمال أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورةٍ من القرآن، أو آية أوتيها رجل ثم نسيها]، هذا غير صحيح، فَلَا يَجُوزُ القَولُ بِأَنَّ مَن حَفِظَ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ ثُمَّ نَسِيَهُ أَو نَسِيَ بَعضًا مِنهُ عَلَيهِ مَعصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَلَو كَانَ المُرَادُ مِن ذَلِكَ الحَثُّ عَلَى حِفظِ القُرءَانِ، وَلَا إِثمَ وَلَا حَرَجَ عَلَى مَن يَحفَظُ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ ثُمَّ يَنسَاهُ. وَالقَولُ بِأَنَّ نِسيَانَ القُرءَانِ مَعصِيَةٌ هُوَ مِنَ الغُلُوِّ فِي الدِّينِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى جَعلِ الحَرَجِ فِي الدِّينِ، بَل وَيُؤَدِّي إِلَى عَكسِ المَقصُودِ مِنهُ حَيثُ يُنَفِّرُ النَّاسَ عَن حِفظِ القُرءَانِ وَلَوِ القَلِيلِ مِنهُ لِئَلَّا يَقَعُوا فِي الكَبِيرَةِ إِذَا نَسُوا مِنهُ شَيئًا بِحَسَبِ دَعوَاهُمُ الفَاسِدَةِ، وَقَد سُمِعَ ذَلِكَ مِن بَعضِ مَن بَدَأَ بِحِفظِ القُرءَانِ حَيثُ قَالَ عِندَمَا سَمِعَ هَذِهِ الفَتوَى البَاطِلَةَ: إِن كَانَ فِي نِسيَانِ شَيءٍ مِنَ القُرءَانِ مَعصِيَةٌ فَالأَسلَمُ أَن لَا أَحفَظَ حَتَّى لَا أَقَعَ فِي المَعصِيَةِ إِن نَسِيتُهُ، فَلَا يَحصُلُ بِهَذَا تَشجِيعُ النَّاسِ عَلَى حِفظِ القُرءَانِ. ثُمَّ إِنَّ أَمرَ النِّسيَانِ لَيسَ بِيَدِ الشَّخصِ، وَمَا سُمِّيَ الإِنسَانُ إِنسَانًا إِلَّا لِنِسيَانِهِ، وَلَو كَانَ الأَمرُ كَمَا يَقُولُونَ فَلَا يَكَادُ يَسلَمُ شَخصٌ وَاحِدٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الكَبَائِرِ. فَعَلِمنَا أَنَّ القَولَ بِأَنَّ مَن نَسِيَ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ يَكُونُ وَاقِعًا فِي كَبِيرَةٍ مُصَادِمٌ وَمُعَارِضٌ لِلإِجمَاعِ، وَمُصَادِمٌ لِلنُّصُوصِ الحَدِيثِيَّةِ الصَّحِيحَةِ وَالصَّرِيحَةِ. روي عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَن أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسيَانَ وَمَا استُكرِهُوا عَلَيهِ.اهـ رواه ابن ماجه والبيهقي وقال الحافظ النووي في الأربعين النووية عنه حديث حسن. وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يَقرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيلِ فَقَالَ: “يَرحَمُهُ اللهُ لَقَد أَذكَرَنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا كُنتُ أُنسِيتُهَا مِن سُورَةِ كَذَا وَكَذَا”. رواه البخاري. فَقَد يَحصُلُ لِلنَّبِيِّ نِسيَانُ بَعضِ الآيَاتِ مِنَ القُرءَانِ بَعْدَ أَنْ يُبَلِّغَهُ للنَّاسِ لَكِنَّهُ يَعُودُ وَيَتَذَكَّرُهَا عَن قُربٍ، وَهَذَا يَحصُلُ بَعدَ تَبلِيغِ هَذِهِ الآيَاتِ أَمَّا قَبلَ تَبلِيغِهَا فَلَا يَجُوزُ عَلَيهِ أَن يَنسَى القُرءَانَ أَصلًا، قَالَ هَذَا الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى الحَدِيثِ. وَعَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَسقِطَ آيَةً فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنهَا قَالَ: “أَفِي القَومِ أُبَيُّ؟” قَالَ: نَعَم يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: “فَلِمَ لَم تُذَكِّرنِي؟” قَالَ: خَشِيتُ أَنَّهَا رُفِعَت، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “لَم تُرفَع وَلَكِنِّي نَسِيتُهَا“. رواه أحمد والبيهقي. إذًا فالحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: (عُرِضَت عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَم أَرَ ذَنبًا أَعظَمَ مِن آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا)، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَد تَكَلَّمَ فِيهِ التِّرمِذِيُّ وَصَرَّحَ بِتَضعِيفِهِ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَقَالَ عَنهُ: (ضَعِيفٌ)، وَضَعَّفَهُ أَيضًا الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ) وقدتأوله أبو يوسف القاضي صاحب الإمام أبي حنيفة مع ضعفه بأن معناه ترك العمل بالقرءان، بهذا أوّل النسيان الوارد في الحديث، أي بترك العمل به بإضاعة الفرائض وارتكاب الكبائر. وقد قيل

 قال رسول الله مصطفانا **** في رجل قد قرأ القرءانا

ذكرني ءايا من القرءان **** ما قال نُزهتُ عن النسيان

وقوله ذكرني معناه **** بعد البلاغ جاز أن ينساه

هل سمي الإنسان بالإنسان **** إلا لحظه من النسيان

من ينس ءايات من القرءان **** فما أتى بذاك من عصيان

إن قيل أن ذا من الذنوب **** فصنف الحديث بالمكذوب

أو أول النسيان بالإحجام **** والبعد عما فيه من أحكام)

فَوَجَدْتُ في مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّريقِ (الأذى هو ما يؤذي الناس، والطريق سمي طريقا لأنه تطرقه الأقدام، وقد ورد في الصحيحين أنه قال عليه الصلاة والسلام: [وَيُميطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَة]، يُمِيطُ مِن “أَماطَ” أَوْ “ماطَ” أَيْ يُزِيلُ وَيُنَحِّي الأَذَى عَنْ طَريقِ الناس، مِنْ شَوْك أَوْ حَجَر أَوْ عَظم أَوْ زُجاج مُتَكَسِّر. بِتَنْحِيَتِهِ هذه يَكُونُ كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مارٍ من هذه الطّرِيق لأَنَّهُ جَنَّبَهُ لِلتَّعَرُّضِ للأَذَى. بَعْضُ الصّحابَة، يُقالُ لَهُ عائِذُ بنُ عَمْرو الْمُزَنِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهذا كانَ مِمّن شَهدَ البَيْعَةَ مَعَ الرّسُولِ (أي بايَعَ الرّسُول) ما كانَ يُخْرِجُ مِنْ أَذاه إِلَى النّاس. يَعْنِى الأَذَى الذي كانَ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ فِى الدّار كانَ يَحْفِرُ لَهُ وَيَدْفِنُهُ فِى دارِهِ. ما كانَ يُلْقِي الأَذَى خارِجًا فِى الطُّرُقات حَتّى لا يُؤذِيَ الناس بِهذا الأَذَى. حَتّى الماء الذي كانَ يَخرُجُ مِنِ اسْتِعْمالِهِ لَه فِى دارِهِ، ما كانَ جَعَلَ لَهُ مَنْفَذًا مِنْ دارِهِ إِلَى طَرِيقِ الناس حَتّى لا يَتَأَذَّى الناس بِهذا الماء. هذا الرّجُلُ رَآهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إِنْسانٌ فِى المنام، يَقُولُ لَهُ: “بَشِّر عائِذَ بنَ عَمْرٍو بِالجَنَّة”! أَوَّل مَرَّة ثُمَّ ثانِيَ مَرَّة ثُمَّ ثالِثَ مَرَّة ثُمَّ فِى المرَّةِ الرّابِعَة قالَ رائِي المنام: “بِمَ نالَ هذه الدّرَجَة؟” فقالَ لَهُ هذا الهاتِفُ فِى المنام: “إِنَّهُ كانَ لا يُلْقِي أَذاهُ فِى طَرِيقِ المسْلِمِين”. بِسَببِ هذا العمَل نالَ هذه البِشارَةَ بِالجَنَّة حَتّى إَنَّهُ إِذا كانَ ماتَ لَهُ طائِر أَوْ بَهِيمَة أَوْ هِرّ، كانَ يَحْفِرُ لهُ فِى دارِهِ وَيَدْفِنُهُ فِى دارِهِ. لا يُلْقِيهِ فِى الطُّرُقات فِى دارِهِ حَتَّى لا يُنْتِنَ فَيُؤْذِي الناس بِنُتْنِهِ وَرائِحَتِهِ الكَرِيهة. بِهذا نالَ الجَنَّة. وهذه الخَصْلَةُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا يسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَها. كُلُّ واحِدٍ مِنّ يَمْشِي فِى الطُّرُقات، يَرَى حَجَر فَيُنَحِّيهِ، وَلَوْ بِقَدَمِهِ جانِبًا! مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْحَنِيَ حَتّى لا يَتَأَذّى أَحَد بِهِ! وَيَقْصِدُ بِعَمَلِهِ هذا الأَجْرَ مِنَ الله. وَقَدْ كانَ أَجْدادُنا يَحْرِصُونَ عَلَى هذا إِذا مَرُّوا فِى الطُّرُقات لأَنَّهُم كانُوا عَرَفُوا هذا الخَيرَ العَظِيم وَسَمِعُوهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ الله فَكانوا يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ أَشَدّ الحِرْص. أَمّا الآن، فقَد ماتت الهِمم وَضَعُفَت مَعْرِفَةُ الناس بِهذه الآداب وَهذه الخِصال الحَسَنَة التي أَرْشَدَنا إِلَيْها رَسُولِ الله. فَإِذا عَرَفْنا أَنَّ إِماطةَ الأَذَى عَنْ الطَرِيق خَصلةُ خَيرٍ، حَسَنَةٌ، فَإِماطَةُ الظُّلْم عَنِ المظلوم وَدَفْعُ ظُلْمِ الظالِمِ عَنِ النّاس أَوْلَى وَأَعْظَم! إِنْ كُنتَ تَسْتَطِيع أَنْ تَدْفَعَ بِقُوَّةِ بَدَنِك أَوْ بِحِكمَتِك أَوْ بِلِسانِك أَوْ بِنُصْحِك أَوْ بِأَمْرِكَ بالمَعْرُوف أَوْ نَهْيِكَ عَنِ المنْكَر ظُلْمَ الظالِمِ عَنِ الناس فلا يَنْبَغِي أَنْ تُقَصِّرَ لأِنَّ هذا أَولَى وَأَعْلَى فِى الدَرَجَةِ مِنْ إِماطَةِ الأَذَى عَنِ الطّرِيق) وَوَجَدْتُ في مَسَاوِئ أعمَالِهَا النُّخَاعَةَ (قال ابن الأثير: النخامة: ما يبصُقُه الإنسان مع تنخع، وهي من مخرج حرف الخاء. وقال في موضع آخر: هِيَ البَزْقَة الَّتِي تَخْرُج مِنْ أَصْلِ الفمَ، مِمَّا يَلي أصْلَ النُّخَاع) تَكُونُ في المَسْجِدِ (فضَّلَ المساجدَ علَى سائرِ بقاعِ الدنيَا، فقدْ روَى مسلمٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا» وقدْ أُعطيتِ المساجدُ هذهِ الفضيلةَ العظيمةَ لِمَا خُصَّتْ بهِ مِنَ العباداتِ والأذكارِ واجتماعِ المؤمنينَ فيهَا، وظُهورِ شعائِر الدِّينِ ولأنَّها بيوتُ الطاعةِ وأساسُ التقوَى ومحلُّ تنزلِ الرحمةِ. وقد عظَّمَ اللهُ تعالَى المساجدَ ومَنْ يعمُرُهَا حيثُ قالَ سبحانَه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ ءامَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، ومدحَ اللهُ مَنْ يعبدونَ اللهَ فِي المساجدِ فقالَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ووعدَ رسولُ اللهِ ﷺ مَنْ بنَى للهِ مسجدًا ببيتٍ فِي الجنةِ حيثُ قالَ: «مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ في الجَنَّةِ» رواه الترمذي. إنَّ مِمَّا يُبَيِّنُ فضلَ المساجدِ فِي الإسلامِ أنَّنَا نُضِيْفُهَا إلَى اللهِ عزَّ وجلَّ فنقولُ عنهَا إنَّها بيوتُ اللهِ، وهذهِ الإضافةُ إضافةُ تشريفٍ لَهَا وليسَ معنَى الإضافةِ هنَا أنَّ اللهَ يسكُنُهَا والعياذُ باللهِ فهوَ سبحانَهُ منزَّهٌ عنِ الحلولِ فِي الأماكنِ وَالجهاتِ ليسَ كمثلِهِ شيءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ) لَا تُدْفَنُ» (مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَنْجِيسُ الْمَسْجِدِ وَتَقْذِيرُهُ وَلَوْ بِطَاهِرٍ فَيَحْرُمُ تَنْجِيسُهُ بِالنَّجَاسَةِ وَكَذَلِكَ تَقْذِيرُهُ بِغَيْرِ النَّجَاسَةِ كَالْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ وَأَمَّا مَنْ يُلَطِّخُ الْمَسْجِدَ بِالْقَاذُورَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ اسْتِخْفَافًا بِالْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مَكَانُ الصَّلاةِ فَذَلِكَ رِدَّةٌ كَمَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سُورَةَ الْحَجّ/32] وَمِنْ تَعْظِيمِهَا تَطْيِيبُهَا فَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ فِى الْمَدِينَةِ بِتَبْخِيرِ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْعُودِ كُلَّ جُمُعَةٍ وَذَلِكَ مِنَ الْقُرُبَاتِ إِلَى اللَّهِ. وَمِمَّا يَحْرُمُ رَمْىُ قِشْرِ الْبِزْرِ فِى أَرْضِ الْمَسْجِدِ أَوْ رَمْىُ الأَظَافِرِ فِى أَرْضِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَنْ يَتْرُكَ الشَّخْصُ فُتَاتَ الْخُبْزِ فِى أَرْضِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْحُصُرِ وَالسَّجَاجِيدِ بِحَيْثُ يَلْصَقُ بِجَبْهَةِ الْمُصَلِّى عِنْدَ سُجُودِهِ وَرِجْلِهِ عِنْدَ الْقِيَامِ أَوِ السَّيْرِ وَثَوْبِهِ عِنْدَ الْقُعُودِ. فَكُلُّ مَا يُؤْذِى الْمُصَلِّينَ لا يَجُوزُ رَمْيُهُ فِى أَرْضِ الْمَسْجِدِ. 

وَيَخْتَلِفُ الْحَالُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْمَفْرُوشِ بِالْحَصَى وَنَحْوِهِ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْمَفْرُوشِ بِالْحِجَارَةِ الْمُمَلَّسَةِ الَّتِى عَلَيْهَا بُسُطٌ فَالأُولَى يَجُوزُ الْبَصْقُ عَلَيْهَا بِنِيَّةِ أَنْ يَدْفِنَهَا فِيمَا بَعْدُ أَمَّا أَنْ يَبْصُقَ بِدُونِ نِيَّةِ أَنْ يُدْفَنَ هَذَا الْبُصَاقُ فَهُوَ حَرَامٌ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ أَنَّهُ بَصَقَ فِى مَسْجِدِهِ ثُمَّ دَفَنَهَا بِقَدَمِهِ الْيُسْرَى وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ» الْبُصَاقُ فِى الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا« رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ) (قال ابن هبيرة: وفي هذا الحديث ما يدل على أنه لا يجوز أن يحتقر من البر شيء، ولا يستصغر من الإثم شيء وإن قل. وفيه أيضًا أن الصحائف على ما يخفى فيها من الأعمال الثقال فإنها لا يغادر منها مثاقيل الذر) (ففي هذا الحديث: التنبيه على فضل كل ما نفع الناس أو أزال عنهم ضررًا. وأنَّ القليل من الخير والشر مكتوب على العبد، قال الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}). رواه مسلم.