المقدمة
الحَمدُ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، العَزِيزِ الغَفَّارِ، مُقَدِّرِ الأَقدَارِ، مُصَرِّفِ الأُمُورِ مُكَوِّرِ اللَّيلِ عَلَى النَّهَارِ، تَبصِرَةً لِأُولِي القُلُوبِ وَالأَبصَارِ، الَّذِي أَيقَظَ مِن خَلقِهِ مَنِ اصطَفَاهُ فَأَدخَلَهُ في جُملَةِ الأَخيَارِ، وَوَفَّقَ مَنِ اختَارَ مِن عَبِيدِهِ فَجَعَلَهُ مِنَ الأَبرَارِ، وَبَصَّرَ مَن أَحَبَّهُ لِلحَقَائِقِ فَزَهِدُوا فِي هَذِه الدارِ، فَاجتَهَدُوا فِي مَرضَاتِهِ والتَّأَهُّبِ لِدَارِ القَرَارِ، وَاجتِنَابِ مَا يُسخِطُهُ وَالحَذَرِ مِن عَذَابِ النارِ، أَحمدُهُ حَمدًا علَى جميعِ نَعمائِهِ، وَأَسأَلُهُ المَزِيدَ مِن فَضلِهِ وَكَرَمِه، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ إِقرَارًا بِوَحدَانِيَّتِهِ، وَاعتِرَافًا بِمَا يَجِبُ عَلَى الخَلقِ كَافَّةً مِنَ الإِذعَانِ لِرُبُوبِيَّتِهِ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ وَحَبِيبُهُ المُصطَفَى مِن خَلِيقَتِهِ، وَأَكرِمُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مِن بَرِيَّتِهِ، أَكرَمُ الخَلقِ وأَزكَاهُم وَأَكمَلُهُم وَأَعرَفُهُم بِاللهِ تَعَالَى وَأَخشَاهُم وَأَعلَمُهُم بِهِ وَأَتقَاهُم وَأَشَدُّهُمُ اجتِهَادًا وَعِبَادَةً وَخَشيَةً وَزَهَادَةً، وَأَعظَمُهُم خَلقًا، وَأَبلَغُهُم بِالمُؤمِنِينَ تَلَطُّفًا وَرِفقًا، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ وَعَلَى النَّبِيِّينَ وَآلِ كُلٍّ وَصَحَابَتِهِم أَجمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَغَفَلَ عَن ذِكرِهِ الغَافِلُونَ. أَمَّا بَعدُ:
فقد وصلنا في كتاب رياض الصالحين إلى الحديث الخامس من باب في الاقتصاد في العبادة وهو الحديث السادس والأربعون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين: قال الحافظ النووي رحمه الله:
الحديث
وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: دَخَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المَسْجِدَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الحَبْلُ؟» قالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ. فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حُلُّوهُ، لِيُصلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
الشرح والتعليق على هذا الحديث
وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: (روى البخاريُّ هذَا الحديثَ في بابٍ سماهُ: [بَابَ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ] قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْمَلَالِ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْعِبَادَةِ) دَخَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المَسْجِدَ (أي المسجدَ النبويَّ، وهو كمَا ذكرنا سابقًا أفضلُ وأكبرُ المساجدِ بعدَ المسجدِ الحرامِ) فَإِذَا حَبْلٌ (قال الفيوميُّ: الْحَبْلُ مَعْرُوفٌ وَالْجَمْعُ حِبَالٌ.اهـ
وقال الفيروزأباديُّ: وقد وردَ في القرآن على ستَّةِ معانٍ، الأَوّلُ بمعنى: العهدِ قالَ تعالى: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ الله} أَي بعهدٍ منهُ.
الثاني بمعنى: الأَمانةِ قالَ تعالى:{وَحَبْلٍ مِّنَ الناس} أَي أَمانٍ منهم. الثالثُ بمعنى: الإِسلامِ والإِيمانِ وبهِ فَسَّرَ ابنُ عبّاسٍ قولَه تعالَى: {إِلَّا بحبلٍ من اللهِ}.
الرّابع يأتي بمعنى: الرَّسَنِ [أَي الحَبلِ المَعرُوف] كما في قولِه تعالى: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}
الخامسُ بمعنى: القرآنِ المجيدِ قالَ تعالَى: {وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ}. السادسُ بمعنى عِرْقٍ في البدنِ قالَ تعالى: {ونحن أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد} وشُبِّهَ بالحبلِ المعروفِ مِنْ حيثُ الهيئةُ، وقُربُ اللهِ مِن عبادِهِ علَى معنَى الإثابةِ والإكرامِ للعبدِ المؤمنِ ويأتِي علَى معنَى العلمِ بهِ.
مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ (هذا اللفظُ مِن روايةِ البخاريِّ فِي صحيحِه، قالَ ابنُ حجرٍ: أَيِ اللَّتَيْنِ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، وَكَأَنَّهُمَا كَانَتَا مَعْهُودَتَيْنِ لِلْمُخَاطَبِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ؛ بِالتَّنْكِيرِ) (أي كانَ هذَا الحبلُ مربوطًا بينَ هاتينِ الساريتينِ)
(أما لو سألَ سائلٌ عنْ حكمِ الصلاةِ بينَ السواري ولا سيَّما أنَّ هذَا الأمرَ يكثرُ في المساجدِ فأقولُ: الصلاةُ بينَ السواري [بلا عذرٍ] وردَ النهيُّ عنها لأنَّها تقطعُ اتصالَ الصفوفَ، أمَّا إنْ كانَ هناكَ عذرٌ لا كراهةَ إنْ كانَ هناكَ زحمة.
واختلفتْ أقوالُ العلماءِ في الكلامِ عنهَا. وأمَّا الحديثُ الَّذِي وردَ فيهَا فهوَ مَا رواهُ أبو داودَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدُفِعْنَا إِلَى السَّوَارِي فَتَقَدَّمْنَا، وَتَأَخَّرْنَا، فَقَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ».
وروى الضياءُ المقدسيُّ في السننِ والأحكامِ عنْ معاويةَ بنِ قرةَ عن أبيهِ قال: “كنَّا ننهَى أنْ نَصُفَّ بينَ السواري عَلَى عهدِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ ونطردُ عنهَا طَردًا”. وهذَا كمَا ذكرتُ بِلَا عذرٍ.
ومَنْ قَالَ بالجَوَازِ عَلَى الإِطلاقِ استدَلَّ بحديثِ البخاريِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى».
وقد ذكرَ عبدُ الرزاقِ في “مصنفِه” بالإسنادِ إِلَى ابنِ مسعودٍ أَنَّه قالَ:
(لَا تَصُفُّوا بَينَ السَّوَارِي).
والكراهةُ لانقطاعِ الصفِّ، ولَا خلافَ فِي جوازِِهِ عندَ الضيقِ، وأمَّا مَعَ السَّعَةِ فمَكروهٌ)
فَقَالَ: «مَا هَذَا الحَبْلُ؟» (سألَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عنهُ لأنَّه لمْ يُعهَدْ وجودُ حبلٍ في المسجدِ) قالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ (قالَ ابنُ حجرٍ: جَزَمَ كَثِيرٌ مِنَ الشُّرَّاحِ تَبَعًا لِلْخَطِيبِ فِي مُبْهَمَاتِهِ بِأَنَّهَا بِنْتُ جَحْشٍ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ) (وهيَ زينبُ بنتُ جَحش بن رِئابِ بن يَعمُر فهِيَ بِنتُ عمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، فأُمُّها أُمَيمَةُ بنتُ عبدِ المطَّلِبِ بنِ هاشِمٍ، كانَت تحتَ زَيدِ بنِ حارثةَ بنِ شُرَحْبِيلَ، ثم تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي القَعدَةِ سنَةَ خَمسٍ مِنَ الهِجرَةِ وقيلَ في السنةِ الثالثةِ مِنَ الهجرةِ وَهِيَ يومَئِذٍ بِنتُ خمسٍ وثلَاثِينَ سَنَةً، وقَد أطعَمَ ﷺ حينَ بِنَائِهِ بِهَا خَلقًا كثيرًا مِن طعَام قُدِّمَ إلَيهِ فِي قَصعَةٍ أَهدَتهَا إليهِ أُمُّ سُلَيمٍ سَهلَةُ بِنتُ مِلحانَ أُمُّ أَنَسٍ خادِمِهِ، فَلَمَّا رُفِعَ الطعامُ مِن بَينِهِم وقد شَبِعُوا وُجِدَ كمَا وُضِعَ أو أَكثَرَ، وهذَا مِن مُعجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ الشريفَةِ.
وتُوُفِّيَت زينَبُ رضيَ الله عَنها وهِيَ ابنَةُ ثَلَاثٍ وخَمسِينَ سَنَةً وصَلَّى علَيهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي اللهُ عنه ودُفِنَت بِالبَقِيعِ، وهيَ أوَّلُ أزوَاجِهِ مَوتًا بَعدَه ﷺ.
وقد طَعَن بعضُ الكُفَّارِ الملَاحِدَةُ في النَّبِيِّ ﷺ بِقَولِهِم: إنَّ محمَّدًا احتَالَ علَى زَيدِ بنِ حارِثَةَ لَمَّا عَلِقَت نفسُهُ بزَوجَتِهِ زينَبَ بِنتِ جَحشٍ حتَّى تَوَصَّلَ لزِوَاجِهَا، والجوابُ أنَّ زَينبَ لم تَكُن معرفَتُهُ ﷺ بِهَا جديدَةً لأنَّها بنتُ عَمَّتِه أُمَيمةَ كمَا ذكَرنَا، وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ أرادَ أن يُزَوِّجَهَا زيدَ بنَ حارِثَةَ مَولَاهُ فكَرِهَت ذلك (أي لَم تَمِل إلى زَيدٍ إلّا أنَّها لَم تَكرَه فِعلَ الرسولِ ﷺ)، ثم رَضِيَتْ بمَا صَنَع رسولُ اللهِ ﷺ فزَوَّجَها إيَّاه، ثُمَّ أَعلَمَ اللهُ عَزَّ وجل نَبِيَّه ﷺ أنها تكُونُ مِن أزوَاجِهِ فكَانَ يَستَحيِي أنْ يَأمُرَهُ بطَلَاقِهَا، وكَانَ لَا يزَالُ يَكُونُ بَينَ زَيدٍ وزينبَ ما يكُونُ بينَ الأَزوَاجِ مِن خُصُومَاتٍ، فأَمَرَه رسولُ الله ﷺ أن يُمسِكَ عليه زَوجَه وأن يَتَّقِيَ اللهَ، فقال زَيدٌ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ زَينبَ اشتَدَّ عَلَيَّ لِسانُها وأنَا أُرِيدُ أن أطَلِّقَها، فقَالَ لَهُ: “اتَّقِ اللهَ وَأَمسِك عَلَيكَ زَوجَكَ“، فالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُخفِي مَا أُخبِرَ بوَحيٍ مِن غيرِ القرآنِ مِن أَنَّ زَينَبَ سَتَصِيرُ زوجَتَهُ، ولَم يكُن أُمِرَ بَعدُ بِالجَهرِ بذلِكَ، وهذا ليسَ مِنَ الخِيانَةِ في شىءٍ ولا هُوَ مِنَ التَّقصِيرِ فِي التَّبلِيغِ، لأنّهُ كانَ ﷺ ينتَظِرُ أن يُؤمَرَ بالجَهرِ لِيَجهَرَ، وكانَ يَحمِلُه على إخفاءِ ذلكَ خَشيةُ قولِ بعضِ المنافقين: تَزَوَّجَ امرأَةَ ابنِهِ، أيِ الذِي تَبَنَّاهُ ﷺ قَبلَ نُزُولِ تَحرِيمِ التّبَنِّي، وأَرَادَ اللهُ إبطالَ ما كانَ علَيهِ النَّاسُ مِن أحكامِ التَبَنِّي قبلَ نُزولِ تَحريمِهِ بأمرٍ لا أبلغَ فِي الإِبطَالِ مِنهُ، وهو تَزَوُّجُ النّبِيِّ امرأَةَ الذِي يُدعَى ابنًا له، ثُم نزَلَ تحرِيمُ التبَنِّي في القرءَانِ، فإنه لَمَّا نزل قوله تعالى: ((فلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا))، أَظهَرَ ﷺ ذلكَ فتَلَاهُ عَلَى النَّاسِ قُرءَانًا، وبهذَا يَظهَر ويَتَّضِحُ أنَّهُ ﷺ لو كانَ مُتَعَلِّقَ القَلبِ بالنِّسَاءِ كان غَلَبَ علَيهِ ذَلِك التَّعَلُّقُ فعَدَّد الزِّواجَ بالكثيرِ مِنَ النِّساءِ قبلَ بلُوغِ خمسِينَ عامًا مِن عُمُرِهِ.
وهذَا معنَى قولِهِ تعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وَهُوَ زَيدُ بنُ حَارِثَةَ، أَنعَمَ اللهُ عليهِ بالإِسلَامِ، وأنعَمَ عليهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالعِتقِ، وَزَوَّجَهُ بابنَةِ عَمَّتِهِ زَينَبَ بِنتِ جحشٍ ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ أي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما أَظهَرَ ما نَزَلَ بهِ الوَحيُ وهذا في غيرِ القرآنِ وكانَ في بَدءِ الأَمرِ لِأَنَّهُ مَا أُمِرَ بإِظهَارِهِ ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ لَا تُرِيدُ أَن يَقُولُوا تَزَوَّجَ زَوجَةَ ابنِهِ، لِأَنَّهُ مَا نَزَلَ حُكمُ تَحرِيمِ التَّبَنِّي بَعدُ ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أي فَارَقَهَا زَيدٌ وبَعدَ ذَلِكَ كَان تَزوِيجُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ تَبَنَّوهُم مِن قَبلُ، فَفِي تزوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَينَبَ بنتِ جَحشٍ إِبطَالُ حُكمِ التَّبَنِّي.
وكذلكَ أَمْرٌ آخرُ متعلقٌ بقصةِ زينبَ بنتِ جحشٍ رضيَ اللهُ عنهَا نُبَيِّنُهُ هنَا: (وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لِنِسَاءِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ) فَلَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتُ الْحَيِّزِ وَالْمَكَانِ للهِ تَعَالَى كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الْمُشَبِّهَةِ انْسِيَاقًا خَلْفَ وَهْمِهِمُ الْفَاسِدِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُثْبِتُهُ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ تَزْوِيجَ زَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا لَمْ يَقَعْ بِوَلِىٍّ وَشَاهِدَيْنِ كَمَا هُوَ شَأْنُ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ حُكْمٌ خَاصٌّ بِحَيْثُ وَقَعَ تَزْوِيجُهَا فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ أَيْ حَصَلَ زِوَاجُ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا بِأَمْرٍ حَدَثَ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ [أَرْقِعَةٍ جَمْعُ رَقِيعٍ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ السَّمَاءِ] فَمَعْنَاهُ أَنَّ تَزَوُّجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا حَصَلَ بِكِتَابَةٍ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الْمَوْجُودِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ فَهُوَ مُسَجَّلٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ثُمَّ أَوْحَى اللهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الأَحْزَابِ ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وَاللَّوْحُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَفْتَخِرُ بِهِ. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ثم إنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقَانِ بِفِعْلِ زَوَّجَ لا بِلَفْظِ الْجَلالَةِ كَمَا لَوْ قُلْتَ جَلَبْتُ لَكَ هَذِهِ الْبِضَاعَةَ مِنَ الصِّينِ فَإِنَّ الْجَلْبَ قَدْ حَصَلَ مِنَ الصِّينِ وَلا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّكَ كُنْتَ بِذَاتِكَ مَوْجُودًا هُنَاكَ)
(وهنا أذكرُ مسألةً مهمةً وهيَ بيانُ أنَّ زينبَ بنتَ جحشٍ رضيَ اللهُ عنهَا كانتْ تصلِّي وتعتمدُ على حبلِها هذَا في المسجدِ وكانَ يراهَا الصحابةُ فهُمْ مَن أخبروا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بشأنِها لَمَّا رأَى الحبلَ، وهذَا يدلُّ علَى جوازِ اختلاطِ الرجالِ بالنساءِ بقيودِهِ وضوابطِهِ وليسَ علَى إطلاقِهِ، كمَا نشاهدُ فِي المسجدِ الحرامِ والمسجدِ النبويِّ وغيرِهِما، وَلَا عبرةَ بِمَنْ يُطلِقُ لسانَهُ فِي تحريمِ ذلكَ ويُكَفِّرُ المُسلمينَ بسببِ هذَا، بلْ سمعنَا عنْ بعضِ الغُلَاةِ والعياذُ باللهِ يدعُو إِلَى هدمِ المَسجدِ الحرامِ لأَنَّهُ يوجدُ فيهِ اختلاطٌ بزعمهِ والعياذُ باللهِ.
أوَّلًا نقولُ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئتُ بِهِ“. التَّمَسُّكُ بالدِّينِ الحَنِيفِ أَيُّهَا الإِخوَةُ بالِاتِّبَاعِ وَلَيسَ بِالِابتِدَاعِ، فَاعلَمُوا أَنَّهُ لَا ينبغِي الغُلُوُّ فِي الدِّينِ بَل يَجِبُ الِاعتِدَالُ، فَلَا يَجُوزُ تَحلِيلُ مَا حَرَّمَ اللهُ وَلَا تَحرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لابنِ عَبَّاسٍ حِينَ التَقَطَ لَه ابنُ عَبَّاسٍ الحَصَى فِي الحَجِّ بِمُزدَلِفَةَ “بِأَمثَالِ هَؤُلَاءِ فَارمُوا وَإِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُمُ الغُلُوُّ فِي الدِّينِ”.
وَإِنَّ بَعضَ النَّاسِ غَلَوْا بِمَسئَلَةِ اجتِمَاعِ الرَّجُلِ بِالنِّسَاءِ فِي هَذَا الزَّمَنِ فِي بَعضِ البِلَادِ فَحَرَّمُوا مَا لَم يُحَرِّمِ اللهُ وَهُوَ مُجَرَّدُ اجتِمَاعِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ مِن غَيرِ خَلوَةٍ وَمِن غَيرِ تَلَاصُقٍ وَمِن غَيرِ كَونِ النِّسَاءِ كَاشِفَاتِ الرُّؤُوسِ، وَلَيسَ لَهُم دَلِيلٌ فِي ذَلِكَ إِلَّا اتِّبَاعَ الهَوَى. فَاختِلَاطُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ هُوَ عَلَى وَجهَينِ، وَجهٌ جَائِزٌ وَوَجهٌ مُحَرَّمٌ، وَالوَجهُ الجَائِزُ هُوَ الِاختِلَاطُ بِدُونِ تَلَاصُقٍ بِالأَجسَامِ وَلَا خَلوَةٍ مُحَرَّمَةٍ، فَلَقَد رَوَى الإِمَامُ المُجتَهِدُ ابنُ المُنذِرِ فِي كِتَابِهِ الأَوسَطِ عَن أَنَسٍ قَالَ [قَدِمنَا مَعَ أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ فَصَلَّى بِنَا العَصرَ فِي المِربَدِ (وَهُوَ مَكَانٌ بَعِيدٌ عَنِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ بِمِيلَينِ اسمُهُ مِربَدُ النَّعَمِ) ثمَّ جَلَسنَا إِلَى المَسجِدِ الجَامِعِ فَإِذَا المُغِيرَةُ بنُ شُعبَةَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مُختَلِطُونَ فَصَلَّينَا مَعَهُ]. فَالنِّسَاءُ كُنَّ يُصَلِّينَ خَلفَ الرِّجَالِ فِي عَهدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيسَ بينَ صُفُوفِ الرِّجَالِ وَصُفُوفِ النِّسَاءِ سِتَارَةٌ، وَقَد قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسلام “لَا تَمنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ“. وَنَقَلَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ الإِجمَاعَ فِي شَرحِهِ عَلَى كِتَابِ المُهَذَّبِ عَلَى أَنَّهَا أَيِ المَرأَةَ لَو حَضَرَت وَصَلَّتِ الجُمُعَةَ جَازَ.
وَقَد ثَبَتَتِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُستَفِيضَةُ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ خَلفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَسجِدِهِ خَلفَ الرِّجَالِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اختِلَاطَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ إِذَا لَم يَكُن خَلوَةٌ لَيسَ بِحَرَامٍ.
ثُمَّ أَلَيسَ يَجتَمِعُ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ مَعًا فِي مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ عِندَ الطَّوَافِ بِالكَعبَةِ فِي مَوسِمِ الحَجِّ وَغَيرِهِ؟ فَإِن قِيلَ: هَذَا فِي الحِجَازِ هَذَا عِندَ الطَّوَافِ بِالكَعبَةِ، يُقَالُ لَهُ: مَن قَالَ إِنَّ لِلنِّسَاءِ شَرِيعَتَينِ شَرِيعَةً فِي الحِجَازِ وَشَرِيعَةً خَارِجَ الحِجَازِ؟ وَجَاءَ فِي كِتَابِ المُوَطَّأِ لِلإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ هَل يَجُوزُ أَن يَأكُلَ الرَّجُلُ وَزَوجَتُهُ مَعَ رَجُلٍ ءاخَرَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ [لَا بَأسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُعرَفُ مِن أَمرِ النَّاسِ]. فَإِذَا كَانَ جُلُوسُهَا مَعَ زَوجِهَا وَرَجُلٍ أَجنَبِيٍّ أَي مِن غَيرِ مَحَارِمِهَا لِلطَّعَامِ جَائِزًا فَكَيفَ بِجُلُوسِهَا فِي مَجلِسٍ تَتَعَلَّمُ فِيهِ أُمُورَ دِينِهَا تَتَلَقَّى فِيهِ مِن رَجُلٍ؟ وَقَد ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ الرِّجَالَ يَسأَلُونَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهَا عَنِ الأحكامِ والأحاديثِ مشافهةً. فَليَتَّقِ اللهَ مَن يُحَرِّمُ تَدرِيسَ الرَّجُلِ لِلنِّسَاءِ عِلمَ الدِّينِ بِغَيرِ دَلِيلٍ شَرعِيٍّ وَليَعْلَمْ أَنَّ كَلَامَهُ الَّذِي يَقُولُهُ يُكتَبُ عَلَيهِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ سورة النحل، ءاية 116. وأمَّا الوجهُ المحرَّمُ مَا يكونُ فيهِ تلاصقٌ وتضامٌّ وكشفُ عوراتٍ كمَا بيَّنَ ذلكَ الشيخُ ابنُ حجَرٍ فِي فتاويهِ الكبرَى، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حرَّمَ خَلوةَ رجلٍ أجنبيٍّ بامرأةٍ واحدةٍ وسَمَحَ في اجتماعِ رجلينِ أوْ أكثرَ بامرأةٍ. قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: “لَا يَخلُوَنَّ رَجُلٌ بِامرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيطَانُ“. فَفِي هذَا الحديثِ دليلٌ فِي قولِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ: “بِامْرَأَةٍ” أَنَّهُ إِذَا كانتِ النساءُ أكثرَ مِن واحدةٍ ليسَ بحرامٍ)
فَإِذَا فَتَرَتْ (أَيْ: كَسِلَتْ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِالشَّكِّ: فَإِذَا فَتَرَتْ أَوْ كَسِلَتْ)
تَعَلَّقَتْ بِهِ (وَهُنَا مسألةٌ: مَا حُكمُ الِاستِنَادِ فِي الصَّلَاةِ؟ مَسأَلَةُ الِاستِنَادِ فِي صَلَاةِ الفَرضِ: إِذَا استَنَدَ إِنسَانٌ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الفَرِيضَةِ إِلَى شَيءٍ كَجِدَارٍ وَهُوَ لَا يَحتَاجُ إِلَى ذَلِكَ أَجزَأَتْهُ الصَّلَاةُ، حَتَّى لَو تَحَامَلَ عَلَيهِ بِحَيثُ لَو رَفَعَ مَا يَستَنِدُ عَلَيهِ لَسَقَطَ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ اسمِ القِيَامِ، لَكِنَّ هَذَا الِاستِنَادَ مَكرُوهٌ، وَهَذَا هُوَ الوَجهُ الأَصَحُّ. وَمِنَ العُلَمَاءِ مَن فَصَّلَ فَقَالَ: يَجُوزُ هَذَا الِاستِنَادُ إِنْ كَانَ بِحَيثُ لَو رَفَعَ مَا يَستَنِدُ عَلَيهِ لَم يَسقُطْ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَو رَفَعَ مَا يَستَنِدُ عَلَيهِ لَسَقَطَ لَا يُجزِئُ هَذَا الِاستِنَادُ. أَمَّا إِن كَانَ عَاجِزًا عَنِ القِيَامِ إِلَّا بِشَيءٍ يُعِينُهُ فَيَلزَمُهُ ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا استَنَدَ عَلَى شَيءٍ فِي صَلَاةِ النَّفلِ قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ فلَا بَأسَ بِهِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي المُدَوَّنَةِ قَالَ لَا بَأسَ. وَقَد أَخَذَ مَالِكٌ هَذَا الحُكمَ مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّحِيحِ مِن أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى العِشَاءَ، وَعِندَمَا خَرَجَ مِنَ المَسجِدِ رَأَى حَبلًا رُبِطَ بَينَ سَارِيَتَينِ فَقَالَ: “مَا هَذَا؟“، فَقَالَ بَعضُ الصَّحَابَةِ: هَذَا حَبلٌ رَبَطَتهُ زَينَبُ فَأَمَرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِإِزَالَتِهِ وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “فَليُصَلِّ أَحَدُكُم نَشَاطَهُ وَإِذَا فَتَرَ فَليَنَم“، رواهُ مَالِكٌ وَالبُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ)
فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حُلُّوهُ، لِيُصلِّ أَحَدُكُمْ (أيْ مَنْ يصَلِّي التَّطَوُّعَ وَالنَّفلَ) نَشَاطَهُ (أي فترةَ نشَاطِهِ وَمَا يَستَطِيعُ) فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ (أي ليَنَمْ فهذِهِ استطاعتُه ومقدرتُه)»
(وهذَا الحديثُ يبينُ لنَا منهجَ سيدِنا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي العباداتِ وفي أمورِ الدينِ، فإنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم كانَ يهتمُّ بأمرِ التوسطِ والاعتدالِ وينهَى عنِ الغلوِّ في الدينِ ويحذرُ مِنْ مَغَبَّتِهِ وإلى ماذَا يؤدِّي.
والبعدُ عنِ النهجِ النبويِّ يوصلُ الناسَ إلَى مَا نرَى ونسمعُ فِي هذهِ الأيامِ، فكمْ نسمعُ مَن يصفُ الإسلامَ بالتطرفِ والعياذُ باللهِ وانظروا إلى المنهجِ النبويِّ أنَّه كانَ يخشَى مِنَ الغلوِّ ومجاوزةِ الحدِّ ويدعُو إلَى الوسطيةِ والاعتدالِ حتَّى فِي العباداتِ ولم يسكتْ عن حبلٍ وضعَتْهُ زوجَتُهُ خوفًا مِن مُجَاوَزَةِ الحَدِّ عليه الصلاة والسلام.
أحبابي: التطرفُ والإرهابُ كلمتانِ همَا مِنْ أكثرِ الكلامِ تداولًا فِي هذَا الزمنِ ولنْ أدخلَ في المعاني اللغويةِ والإصطلاحاتِ ولكنْ لا بدَّ مِن وِقْفَةٍ، وَصَحيحٌ أَنَّ الأَحزابَ المتَطَرِّفَةَ حَمَّلَتِ المُسلِمِينَ عِبئًا وَحِمْلًا مِن جَرَّاءِ الفَتَاوَى الفَاسِدَةِ والتَّوَجُّهَاتِ المُنحَرِفَةِ، إِلَّا أَنَّ الإِشَارَةَ اليَومَ إِلَى أَنَّ التَّطَرُّفَ شَدِيدٌ فِي الكَلَامِ عَلَى الأَنبياءِ بِحِقدٍ وَافترَاءٍ، وَكَمَا هُوَ عِندَ بَعضِ مَن يَنتَسِبُ لِلإسلامِ كذلكَ عندَ غيرِ المسلمينَ يوجدُ تطرفٌ وتعصبٌ بغيضٌ لايرضَى بهِ أصحابُ العقولِ السليمةِ والأفكارِ المنوَّرةِ مِن تشويشٍ لصورِ وسيرِ الأنبياءِ ودسِّ الافتراءاتِ على الشرائعِ التِي جاءَ بها الأنبياءُ، ولا سيَّمَا سيرةِ نبيِّ اللهِ محمدٍ عليه الصلاة والسلام والتِي هيَ مِنَ السيرِ التِي حُفِظَتْ عَلَى مَرِّ العصورِ والدُّهُورِ فَفِي العُصُورِ المَاضِيَةِ والأَحقَابِ السَّالِفَةِ عَاشَ كَثِيرٌ مِنَ العُظَمَاءِ وَرِجَالَاتِ التَّأرِيخِ، نَقَلَتِ الأَنبَاءُ أَخبَارَهُم، وَدَوَّنَتِ الكُتُبُ أَوصَافَهُم، وَسَجَّلَتِ المُدَوَّنَاتُ أَحوَالَهُم، غَيرَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ مِن هَؤُلَاءِ العُظَمَاءِ وَالرِّجَالِ مَن نُقِلَت أَخبَارُهُ وَدُوِّنَتْ صِفَاتُهُ وَحُفِظَتْ سِيرَتُهُ وَكُتِبَ سِجِلُّ حَيَاتِهِ كَمَا كَانَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، لَقَد وَصَلَ إِلَينَا ذَلِكَ بِالنَّقلِ المُتَوَاتِرِ.
إِنَّ سيرةَ رسولِ اللهِ محمدٍ أصحُّ سيرةٍ لتأريخِ نبيِّ مرسَلٍ، هيَ سيرةٌ واضحةٌ مدقَّقَةٌ فِي جميعِ أطوارِهَا ومراحِلِهَا، حَتَّى قَالَ كَاتِبٌ مِن غَيرِ المُسلِمِينَ “مُحمَّدٌ هوَ النبيُّ الوحيدُ الذِي وُلِدَ تحتَ ضوءِ الشمسِ”، إشارةً مِن هذَا الكاتبِ إلَى دقَّةِ سيرتِهِ عليه الصلاة والسلام وصحَّتِهَا وتوازُنِهَا ووضُوحِهَا وضبطِ أسَانِيدِهَا. نقولُ ذلكَ ليسَ لإثَارَةِ فتنٍ ولكنْ لِرَدِّ حملةٍ متطرِّفَةِ الفكرِ تعملُ مُشَوِّشَةً تريدُ النيلَ مِن سيرةِ النبيِّ محمدٍ فضلًا علَى النيلِ مِن سِيَرِ إخوانِهِ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسَلَامُهُ عليهِم أجمعِينَ.
وَإِنَّ الهجومَ على الإسلامِ ونبيِّ الإسلامِ لا يزيدُ الدّينَ وأهلَه إلَّا صلابةً وثباتًا وانتشارًا وظهورًا، وفي كتابِ اللهِ تعالَى: ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا)) سورة الفتح، ءاية 28. إنَّهم يعلمونَ أنَّ الذينَ يدخلونَ فِي دينِ الإسلامِ فِي ازديادٍ وَتَنَامٍ علَى الرَّغمِ مِن كلِّ الظروفِ والمتغيِّراتِ والأحداثِ والمقاوماتِ ومَا تَسَبَّبَهُ البعضُ مِمَّنْ يَنتَسِبُونَ إِلَى الإسلامِ مِن تشويهٍ لِلحَقَائِقِ بسببِ تَطَرُّفِهِم وَغُلُوِّهِم، وَمُحَاوَلَةِ التَّشوِيهِ للإِسلَامِ وأَهلِهِ ونبيِّهِ وقرآنِهِ.
إنَّنَا ندعُو كُلَّ مُنصِفٍ وَكُلَّ طَالِبٍ للحقِيقَةِ أَن يَقرَأَ دينَنَا مِن مَصَادِرِهِ ومِن أَهلِ العِلمِ ويَجلِسَ مجَالِسَ العِلمِ فَهُوَ الذِي يُبَيِّنُ حَقِّيَّةَ هَذَا الدِّينِ وَحَقِيقَتَهُ. وَأَن يَطَّلِعَ عَلَى سِيرَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ مِن أَهلِ الِاعتِدَالِ مِنَ المُسلِمِينَ فَالرَّسُولُ هُوَ المَثَلُ والقُدوَةُ لِلمُسلِمِينَ وَلَيسَتِ الأَسمَاءُ وَالرُّمُوزُ الَّتِي تَدَّعِي التَّكَلُّمَ وِصَايَةً عَنِ المُسلِمِينَ فَالسيرةُ النبويةُ وعلومُ الدينِ وعلومُ الحديثِ الشريفِ مدوَّنَةٌ محفوظةٌ تدوينًا وتوثيقًا لا يدانيهِ توثيقٌ ولا يقاربُه تحقيقٌ.
ولْيَعْلَمْ طَالِبُ الحقيقةِ ومبتغِي الإنصافِ أنَّ المسلمينَ يكفيهِم فخرًا وشرفًا أن دينَهم يحرِّمُ كلَّ انتقاصٍ أو تكذيبٍ لأيِّ نبيٍّ مِن أنبياءِ اللهِ، ويأمرُ باحترامِ ما جاؤوا بهِ مِنَ الحقِّ والهُدَى وهوَ الإسلامُ والتوحيدُ وليسَ ما نسمعُ مِنَ العقائدِ الفاسدةِ التِي تُنسَبُ للأنبياءِ، قالَ اللهُ تعالَى ((شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)) [سورة الشورى، ءاية 13]. وقدِ اقتَضَتْ إرادةُ اللهِ سبحانَه وحكمتُه أنْ يَختِمَ الأنبياءَ والرسلَ بمحمدٍ، وأن يختمَ الرسالاتِ بالشريعةِ التِي جاءَ بهَا، ليكونَ للناسِ بشيرًا ونذيرًا، وليكونَ للعالمينَ رحمةً. بعثَهُ على فترةٍ مِنَ الرسلِ، ضلَّ فيهَا الناسُ رشادَهُم، وجَحَدُوا عُقُولَهُم وقلوبَهُم، فصارُوا كالأصنامِ تعبُدُ الأصنامَ، وكالحجارةِ تقدِّسُ الحجارةَ، ملَؤُوا الأرضَ خرافاتٍ وأوهامًا، فلطفَ اللهُ بمَن شاء مِن عبادِه، فاصطفَى محمدًا صلى الله عليه وسلم، ليبلِّغَ خاتِمَةَ رسالاتِهِ، ويهديَ بآخِرِ كتُبِهِ، فكَانَ بِإذنِ اللهِ الغَيثَ نَزَلَ علَى الأرضِ المَوَاتِ، فتبصَّر الضالُّونَ طريقَ النجاةِ، واستردَّ مَنْ تَبِعَهُ كرَامَتَهُم.
ثُمَّ عَلَى طالبِ الحقيقةِ والإنصافِ أنْ ينظرَ فيمَا نالَتْهُ سيرةُ محمدٍ مِنَ العنايةِ الفائقةِ والدِّقَّةِ البالغةِ في التدوينِ والتحقيقِ والشمولِ والتصنيفِ والاستنباطِ، لقدْ كانتْ سيرةً ومسيرةً جليَّةَ المعالمِ، كلُّها حقٌّ، وكلُّها صدقٌ، توثيقًا وكتابةً، وقراءةً وبحثًا، واستيعابًا واستنباطًا. لم تُحفَظْ قصةُ حياةٍ ولا سيرةُ رجلٍ ولا مسيرةُ بطلٍ مثلَما حُفظَتْ سيرةُ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم. سيرةٌ لم تلحَقْهَا الأساطيرُ والأوهامُ، إِنَّ الذِينَ وصفوهُ ودوَّنُوا سيرتَهُ أحبُّوهُ والتَزَمُوا الِاقتدَاءَ بِهِ، فاجتَمَعَ فِي وَصفِهِم وتدوِينِهِم أمانةُ النقلِ معَ محبَّةِ الموصوفِ، فامتزَجَت لدَيهِمُ العاطفةُ بالدينِ والحبُّ بالأمانةِ، فكانوا فِي نقلِهِم يؤدُّونَ واجبًا ويتَّبعونَ سُنَّةً، فَسَلِمُوا مِنَ الكَذِبِ والتَّحرِيفِ والتَّنَاقُضِ والجَهلِ، لقدْ ضمَّتِ السيرةُ النبويةُ جميعَ شؤونِ رسولِ اللهِ وتفاصيلَ حياتِه وأطوارَ عمُرِهِ، مِنَ الولادَةِ والرضاعةِ والطفولةِ والشبابِ والكهولةِ، في حياتِه قبلَ النبوةِ، مِن صدقهِ وأمانتِه واشتغالِه بالرعيِ والتجارةِ وزواجِه، ثمَّ ما حبِّبَ إليهِ مِنَ الخَلوَةِ والتعبُّدِ، ثُمَّ بِعثَتِهِ ومواقفِ قومِهِ العِدَائِيَّةِ، ومُقَاوَمَتِهِم وَمَا وَاجَهُوهُ بِهِ مِنَ اتِّهَامَاتٍ مِن سِحرٍ وَجُنُونٍ وَكَذِبٍ، ثُمَّ تَزَايُدِ أَتبَاعِهِ وَعُلُوِّ شَأنِهِ، وَمَا حَصَلَ مَعَ قَومِهِ مِن مُوَاجَهَاتٍ وَمُهَادَنَاتٍ وَحُرُوبٍ وَمُسَالَمَاتٍ وَمَا أَظهَرَ اللهُ عَلَى يَدَيهِ مِن مُعجِزَاتٍ.
أمَّا حياتُه الشخصيةُ فقدْ نقلَ لنَا النَّقَلَةُ الأَثبَاتُ تَفَاصِيلَ أَوصَافِهِ الجَسَدِيَّةِ مِنَ الطولِ واللَّونِ والهَيئةِ والمِشيَةِ ونقَلُوا تفَاصِيلَ حياتِهِ اليوميَّةِ مِن قيامِهِ وجلوسِهِ ونومِهِ ويَقَظَتِهِ وضَحِكِهِ وغَضَبِهِ وأَكلِهِ وَشُربِهِ وَلِبَاسِهِ وَمَا يُحِبُّ وَمَا يَكرَهُ وَعِبَادَتِهِ فِي لَيلِهِ وَنَهَارِهِ، وَحَيَاتِهِ مَعَ أَهلِ بَيتِهِ وَفِي مَسجِدِهِ وَأَصحَابِهِ مَعَ الأَصدِقَاءِ وَمَعَ الغرباءِ وفي السفرِ وفي الحضرِ، ناهِيكُم بأخلاقِه الكريمةِ مِنَ التواضعِ والحِلمِ والحياءِ والصبرِ وحسنِ العِشرةِ، بحيثُ لم يبقَ شيءٌ مِنْ حياتِه مَخفِيًّا أو مكتُومًا، إذا دخَلَ بيتَهُ فهوَ بينَ أهلِهِ وخدَمِهِ وأولادِهِ، وإذَا خرَجَ فهُوَ مَعَ الأَصحَابِ والغرباءِ، وكلُّ ذلكَ منقولٌ محفوظٌ، ولمْ تلحقْ حياتَه الأساطيرُ، ولمْ تُنسبْ إليهِ صفاتُ الألوهيةُ لا قليلًا ولا كثيرًا، فهوَ النبيُّ الرسولُ، والرسولُ الإمامُ، والرسولُ الحاكمُ، والرسولُ الزوجُ، والرسولُ الأبُ، والرسولُ المجاهدُ، والرسولُ المربِّي، والرسولُ الصَّدِيقُ. العارفُ بربِّهِ المعلمُ للناسِ الخيرَ والرشادَ، محمدٌ أنموذجُ الإنسانيةِ الكاملةِ والأخلاقِ الفاضلةِ، وحاملُ لواءِ الدعوةِ العالميةِ الشاملةِ. أعطاهُ ربُّهُ وأكرَمَهُ، وأعلَى قدرَه ورفعَ ذكرَه، صفوةُ خلقِ اللهِ، وأكرمُ الأكرمينَ على اللهِ، ومعَ حبِّ المسلمينَ لنبيِّهم عليهِ الصلاةُ والسلامُ وتعظيمِهم له وتوقيرِهم لمقامِه فإنَّ عقيدتَهُم فيهِ أنَّهُ بشرٌ رسولٌ، عبدٌ لا يُعبَدُ، ورسولٌ لا يُكَذَّبُ، بلْ يُطاعُ ويُحَبُّ ويُوَقَّرُ ويُتَّبَعُ، شَرَّفَهُ اللهُ بِالعُبُودِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ. قَالَ اللهُ تعالَى: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ))، فهوَ أقربُ إلِى قلوبِنا مِن قلوبِنَا، وأحبُّ إلى نفوسِنا مِنْ نفوسِنَا، وهوَ المقدَّمُ على أعزِّ مَا لدينَا مِن نفسٍ أو مالٍ أو ولدٍ أو حبيبٍ، ولنْ يذوقَ المسلمُ حلاوةَ كمالِ الإيمانِ في قلبِه وشعورِه ووجدانِه إذا لمْ يكنْ حبُّ رسولِ اللهِ فوقَ كلِّ حبيبٍ، ففِي الحديثِ الصحيحِ: “ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ؛ أَن يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا“.
فَيَا عُقَلَاءَ العَالَمِ، هذَا هوَ نبيُّنَا، وهذهِ هيَ سيرتُهُ، وهذَا هوَ حبُّنا لهُ وإيمانُنا بهِ ومتابَعَتُنَا لهُ، وَلَن نَقبَلَ أَنْ يَنَالَ مِنهُ أَحَدٌ، هؤلاءِ الَّذِينَ يَسعَونَ إلَى تشويهِ صورةِ نبيِّنا محمدٍ، كما فعلُوا ويفعلونَ مِن نشرِ الأغاليطِ والأكاذيبِ حولَ قرآنِنا وتفسيرِه والدسِّ عليهِ. إنَّها إساءةٌ مُتَتَابِعَةٌ ومُتَكَرِّرَةٌ تثيرُ مَشاعرَ المُسلمينَ، وَمِمَّا يُؤسَفُ لَهُ أَنَّ هَذِهِ الإِسَاءَاتِ تَصدُرُ مِن رِجَالٍ يَنتَسِبُونَ إِلَى مُؤَسَّسَاتٍ وَكُتَّابٍ وأعلاميِّينَ وجمعياتٍ تَدَّعِي الحوارَ والمحبةَ والفكرَ، اتَّهموا نبيَّنَا بالكذبِ وبالجنونِ وبالسَّرِقَةِ وقطعِ الطريقِ وسَيِّئِ الأفعالِ، ووصفوا دينَنا بأنَّه خُدعةٌ كبرَى. وقرآنَنا بأنَّ فيهِ أغاليطَ زورًا وبهتانًا، إنَّ هذهِ المحاولاتِ مِن التشويهِ والدسِّ والأكاذيبِ والإفكِ إنَّما تسيءُ إلى العلاقاتِ بينَ الشعوبِ، وتبثُّ بذورَ الكراهيةِ البغيضَةِ، وتُذَكِّي أجواءَ التَّعَصُّبِ البَغِيضِ، وتُثِيرُ أَبشَعَ صُوَرِ البَغضَاءِ بينَ النَّاسِ. إنَّ أمَّةَ الإسلامِ وقدْ فاقتْ أعدادُها المليارَ وربعَ المليارِ وتقترِبُ نسبتُها إلى رُبعِ سكانِ العالمِ، إنَّ كلَّ مَنْ ينتسبُ إلَى هذهِ الأمَّةِ يحملُ في قلبِه الحبَّ للأنبياءِ ومَنْ تَبِعَهُم بحَقٍّ ويرَدِّدُ ويكَرِّرُ فِي كلِّ صلاةٍ الطلبَ مِنَ اللهِ تعالى أنْ يهديَهُ طريقَ الرسلِ والأنبياءِ وأتباعِهِم في قولِ اللهِ تعالَى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} فُسِّرَ ذلكَ بصِرَاطِ الأنبياءِ ومَنْ تَبِعَهُمْ، وَبَعدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مَعَ عِظَمِ خَطَرِهِ وأَلِيمِ وَقعِهِ فَإِنَّ المُسلمِينَ ليسوا فِي شَكٍّ مِن دِينِهم ولَا مِن نبيِّهِم، فهذهِ الاتِّهَامَاتُ والأوصَافُ الَّتِي تُثَارُ عَينُهَا سَبَقَ إِلَيهَا أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى، وَلَم يكنْ لَهَا أَيُّ تَأثيرٍ فِي السيرةِ النبويةِ ولَا المسيرةِ الإسلاميةِ. فالإسلامُ دينُ اللهِ، ومحمّدٌ رسولُ الله، وكلُّ ذلكَ محفوظٌ بحفظِ اللهِ، فللهِ الحمدُ والمنةُ)
(قالَ ابنُ حجرٍ في المستفادِ مِنَ الحديثِ: وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الغلوفِيهَا، وَالْأَمْرُ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا بِنَشَاطٍ، وَفِيهِ إِزَالَةُ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَجَوَازُ تَنَفُّلِ النِّسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّعَلُّقِ فِي الْحَبْلِ فِي الصَّلَاةِ). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
أسئلة فقهية
ما حكمُ الصلاةِ بالنعلِ أيِ الحذاءِ؟
الجواب: الصلاةُ بالنعلِ أيِ بالحذاءِ جائزةٌ إذا كانَ هذا الحذاءُ طاهرًا، ففِي البخاريِّ ومسلمٍ عَنْ سَعِيدٍ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ أَنَسًا: أَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ».
وروى أبو داود عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ، وَلَا خِفَافِهِمْ».
ولْيَحتَرِزِ المصلِّي إذَا صلَّى في المسجدِ أنْ لا يُقَذِّرَهُ إذَا كَانَ عَلَى نَعلَيهِ قَذَارَةٌ، فَإِذَا كَانَ فِي النَّعلِ نَجَاسَةٌ فَيُخلَعُ وَلَا يُصَلَّى بِهِ سواءٌ كَانِ فِي المَسجِدِ أَم لَا، فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاودَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا، أَوْ قَالَ: أَذًى، وَقَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا، أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».
وروَى أبو داودَ أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَلَا يُؤْذِ بِهِمَا أَحَدًا، لِيَجْعَلْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَوْ لِيُصَلِّ فِيهِمَا».