بسم الله الرّحمن الرّحيم
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَالِمُ السِّرِّ وَالنَّجوَى، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى كَلِمَةِ التَّقوَى، رَفَعَ اللهُ مَقَامَهُ فَهُوَ خَيرُ مَن مَشَى بَينَ الحَطِيمِ وَزَمزَمَ وَطَافَ وَسَعَى، وَنَالَ فِي هَذِهِ البِقَاعِ الشَّرِيفَةِ مَا تَمَنَّى، اللهم صَلِّ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَئِمَّةِ العِلمِ وَالهُدَى، مَا هَبَّتِ الصَّبَا، وَمَا عَاشِقٌ تَرَنَّمَ بِمَدحِهِ وَأَثنَى، وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا،
أَمَّا بَعدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن كِتَابِ حِليَةِ البَشَرِ إِلَى:
بَابُ خُطْبَةِ النِّكَاحِ
الشَّرْحُ:
بَابُ خُطْبَةِ النِّكَاحِ أي ماذا يسن للشخص أن يتكلم به عند خِطبة النساء، وفيها التذكير بتقوى الله كما سأبين وفيها بيان أن هذا الأمر الذي تقدمون عليه من أمر النكاح هو أمر عظيم مبارك حثّ عليه الشّرع وأمر به بقيوده وضوابطه الشّرعية، وفيه التذكير أنه سبب انتشار البشر على وجه الأرض، وأن الله جعله لفوائد عظيمة منها حفظ النوع البشري بهذه الطريقة، وفيه من الفوائد الكثير الكثير كما سأبين بإذن الله.
بيان مرتبة النكاح في الإسلام و معنى كلمة الخطبة
ولنتذكر ابتداء أنّ النكاح له مرتبة كبيرة في الإسلام، فَفَضْلُ النّكاح في الشّريعة الإسلامية واضح ظاهر، ولذلك لا يجوز ذمُّه على الإطلاق، بل من ذمَّه على الإطلاق كذَّب الشرع، مثلا يقول بعض الناس عن الزواج: “شرٌّ لا بدَّ منه” والعياذ بالله، لو كان شرًّا كيف يحثّ عليه الشرع، كيف يفعله النبي ﷺ وقد عدَّدَ النكاحَ مراتٍ ومراتٍ كما لا يخفى عليكم، لو كان شرًّا كيف يأمر به القرآن الكريم، هذه العبارة ومثلها لا يجوز أن تقال ففيها تكذيب للشّريعة إن أراد بها ذمّ النّكاح على الإطلاق، بل نقول: لقد حثَّ عليهِ الشّرعُ الحنيفُ حيثُ قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ، وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة النور/ الآية 32].
وروى مسلم في صحيحه عن النبيِّ ﷺ أنه قال:
((الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)).
وروى ابن ماجه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ، بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ، خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ))، وروي عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: ((من أحب فِطْرَتِي فَليَسْتَنَّ بِسنتي وإن من سنتي النِّكَاحَ)) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سنَنه.
وكلمة الخُطبة جذرها (خ ط ب) يقال لغة: خَاطَبَهُ مُخَاطَبَةً وَخِطَابًا وَهُوَ الْكَلَامُ بَيْنَ مُتَكَلِّمٍ وَسَامِعٍ، وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ الْخُطْبَةِ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا بِاخْتِلَافِ مَعْنَيَيْنِ.
وَخَطَبَ الْمَرْأَةَ إلَى الْقَوْمِ إذَا طَلَبَ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ.
والنكاح أصلها وجذرها من (ن ك ح) قال في اللغة: نَكَحَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ أَيْضًا يَنْكِحُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ نِكَاحًا، ويُطْلَقُ عَلَى الْوَطْءِ، وَقَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ أَيْضًا نَكَحْتُهَا إذَا وَطِئْتَهَا أَوْ تَزَوَّجْتَهَا، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: حَلَلْتِ فَانْكِحِي بِهَمْزَةِ وَصْلٍ أَيْ فَتَزَوَّجِي، وَامْرَأَةٌ نَاكِحٌ ذَاتُ زَوْجٍ.
ونحن نتكلم في شرح ما يقال في خطبة النكاح؛ أي ما يسنّ للشّخص أن يقوله عند خطبة امرأة:
رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللهِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ إِلَى ءَاخِرِ الآيَةِ [سُورَةَ الأَحْزَابِ/ الآية 70]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَانَ/ الآية 102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سُورَةَ النِّسَاءِ/ الآية 1].
الشَّرْحُ:
رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وهو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاهقَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ المراد خطبة يتكلّم بها الشّخص عند طلب حاجة معينة والمقصود بها هنا خطبة النّكاح: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ أَيْ: فِي حَمْدِهِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ وَمَا بَعْدَهُ جُمَلٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأَحْوَالِ الْحَامِدِينَ وَنَسْتَغْفِرُهُ أَيْ: فِي تَقْصِيرِ عِبَادَتِهِ وَتَأْخِيرِ طَاعَتِهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا أَيْ: مِنْ ظُهُورِ شُرُورِ أَخْلَاقِ نُفُوسِنَا الرَّدِيَّةِ وَأَحْوَالِ طِبَاعِ أَهْوَائِنَا الدَّنِيَّةِ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ أَيْ مِنْ يُوَفِّقُهُ لِلْهِدَايَةِ فَلا مُضِلَّ لَهُ أَيْ: مِنْ شَيْطَانٍ وَنَفْسٍ وَغَيْرِهِمَا وَمَنْ يُضْلِلْ بِخَلْقِ الضَّلَالَةِ فِيهِ فَلا هَادِىَ لَهُ أَيْ: لَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَلَا مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَبِيٍّ، فالمهدي من هداه الله.
وهذا فيه دليل أنّ الرّسول ﷺ كان يعلّم التّوحيد في خطبه وفي خطاباته وكلامه ﷺ، فهذا المذكور من جواهر التوحيد وفيه ردّ على المعتزلة القائلين بأنّ الله لا يضلّ أحدًا وبأنّه لم يخلق الشّرّ وإنّما خلق الخير فقط والعياذ بالله.
أقوال العلماء في تنزيه الله عن الكيفية
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَعنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) كَمَا قَالَ أَهلُ العِلمِ: لَا مَعبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ، لَا أَحَدَ يَستَحِقُّ العِبَادَةَ إِلَّا اللهُ، لَا أَحَدَ يَستَحِقُّ أَن نَتَذَلَّلَ لَهُ غَايَةَ التَّذَلُّلِ إِلَّا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى،
وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، اللهُ تَعَالَى خَلَقَنَا وَخَلَقَ أَعمَالَنَا الِاختِيَارِيَّةَ وَأَعمَالَنَا غَيرَ الِاختِيَارِيَّةِ، اللهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فكل ما يحصل في الوجود يَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ بِتَقْدِيرِهِ؛ أَىْ بِإِيجَادِ اللهِ لَهُ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ، وَيَحْصُلُ بِخَلْقِهِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْفُرْقَانِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة الفرقان/ الآية 2]؛ أَىْ أَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلَفْظَةُ شَىْءٍ فِى الآيَةِ شَامِلَةٌ لِكُلِّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ فَلا خَلْقَ بِهَذَا الْمَعْنَى لِغَيْرِ اللَّهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 3]؛ أَيْ لا خَالِقَ إِلَّا اللهُ.
وَقَالَ الإِمَامُ عُمَرُ النَّسَفِىُّ صَاحِبُ الْعَقِيدَةِ النَّسَفِيَّةِ مَا مَعْنَاهُ: فَإِذَا ضَرَبَ إِنْسَانٌ زُجَاجًا بِحَجَرٍ فَكَسَرَهُ فَالضَّرْبُ – وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَقَدْ يَحْصُلُ مِنْهُ انْكِسَارٌ وَقَدْ لا يَحْصُلُ – وَالْكَسْرُ – وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ الَّذِي فَعَلَهُ فِى الزُّجَاجِ بِوَاسِطَةِ الرَّمْيِ بِالْحَجَرِ – وَالِانْكِسَارُ – وَهُوَ الأَثَرُ الْحَاصِلُ فِى الزُّجَاجِ مِنْ تَشَقُّقٍ وَتَنَاثُرٍ – بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى لا بِخَلْقِ الْعَبْدِ.
معنى لا إله إلا الله
فمَعنَى قَوْلِنا “لا إِلٰه إِلا الله“: لا خالِقَ إِلّا الله. وَهذا التَّفْسِير لِكَلِمَةِ “لا إِلٰه إِلّا الله” نَصَّ عَلَيْهِ إِمامُ أَهْلِ السُّنَّة الإِمام أَبُو الحَسَن الأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الحافِظُ البَيْهَقِيّ فِى كِتابِهِ الاعْتِقاد، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ كلامِ الإِمامِ أبِي مَنْصُورٍ الماتريدِي، قالوا هذا المعنى لانتشار المعتزلة في زمانهم، وهذا المعنى فيه ردّ على المعتزلة، فَلِذلِك أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلٰه إِلا الله أَيْ أَنْ تَعْتَرِفَ بِلِسانِكَ مَعَ التَّصْدِيقِ بِقَلْبِك أَنَّهُ لا إِلٰه إِلّا الله. لا خالِقَ لِشىءٍ مِنَ الأَشْياءِ سِواه، وَأَنَّهُ تعالى هُوَ المَوْجُود الذي لا يُشْبِهُ المَوْجُودات وَأَنَّهُ سُبْحانَه لَيسَ بِذِي صُورَة وَلا هَيْئَة وَلا كَمِّيَّة أَيْ حَجْم وَمِقْدار وَلا كَيْفِيَّة.
معنى الكيفية
الكَيْفِيَّةُ هِيَ عِبارَةٌ عَنِ السُّؤالِ عَنِ تَغَيُّرِ أَحْوالِ المَخْلُوقِين .. الكَيْفِيّة كلِمَة قَدْ تَسْمَعُونَها فِى عِباراتِ عُلماءِ التَّوْحِيدِ – العَقِيدَة – كَثِيرًا.
ما مَعْنَى الكَيْفِيّة التي هِيَ عَنِ اللهِ تعالى وَعَنْ صِفاتِهِ مَنْفِيَّة؟ مَعناهُ لا يَجوزُ أَنْ نَصِفَ اللهَ بِها. الكَيْفِيّة هِيَ عِبارَةٌ عَنِ السُّؤالِ عَنِ تَغَيُّرِ أَحْوالِ المَخْلُوقِين. مثلًا أَسْأَلُكَ: كيف يجْلِس فُلان فَتَقُولُ لِي: يَجْلِس مُتَرَبِّعا. واللهُ تَعالى خالِق وَليسَ بِمَخْلُوق، فَلِذلِك لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السُّؤالُ بِكَيْف. اللهُ تعالى لا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ بِـ “كَيْف”. لِذلِكَ قالَ الإِمام أَبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيّ وَهُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَة: “إِنَّ الذي يَجِبُ عَلَيْنا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْلَمَه أَنَّ اللهَ سُبْحانَه لَيْسَ بِذِي صُورَةٍ وَلا هَيْئَة” لأَنَّ الصُّورَةَ تَحْتاج إِلَى جِسم، فَيُصَوَّر هذا الجِسم بالصُّورة. وَأَنا أُمَيِّزُ فُلان عَنْ فُلان عَنْ فُلان بِصُورَتِهِ التي هُوَ عَلَيْها. اللهُ تعالى هُوَ الذي خَلَقَنا عَلَى صُوَرِنا. قالَ تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [سورة الانفطار/ الآية 8] وَالْمُصَوِّر اسْم مِنْ أَسْماءِ الله تعالى وَمَعْناهُ خالِقُ الصُّوَر، فَخالِقُ صُوَرِنا، رَبُّنا سبحانَهُ وَتعالى ليسَ بِذِي صُورَة لأَنَّ الخالِقَ لا يُشْبِهُ المَخْلُوق.
لِذلِكَ قالَ الإِمام أَبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيّ: “إِنَّ الذي يَجِبُ عَلَيْنا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْلَمَه أَنَّ اللهَ سُبْحانَه لَيسَ بِذِي صُورَةٍ وَلا هَيْئَة لأَنَّ الصُّورَةَ تَقْتَضِي الكَيْفِيّة وَالكَيْفِيّةُ عَنِ اللهِ وَعَنْ صِفاتِهِ مَنْفِيَّة”، مَنْفِيَّة مَعناهُ لا يَجُوزُ أَنْ نَصِفَ اللهَ تعالى بِالكَيْفِيّة وَلا بِالصُّورَة وَلا بِالهَيْئَة. واللهُ لا يَحتاجُ إِلَى شىءٍ مِنْ مَخْلُوقاتِهِ ولا إِلَى أَرْضِهِ وَلا إِلَى كُرْسِيِّهِ وَلا إِلَى عَرْشِهِ. خَلَقَ الخَلائِقَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُم أَزَلًا وَأَبَدا وَكُلُّ الخَلائِقِ مُحْتاجُونَ إِلَى الله فِى دَقِيقِ الأُمُورِ وَعَظِيمِها. والله لا يَنْتَفِعُ بِطاعاتِنا، لا بِصَلاتِنا وَلا بصيامِنا وَلا يَنْضَرُّ بِمعاصِينا. لا يَزْدادُ كَمالُهُ بِطاعَةِ عِبادِهِ وَلا يَنْقُصُ كَمالُهُ بِمَعْصِيَتِهِم لأَنَّ الزِّيادَةَ والنُّقْصان مِنْ صِفات المَخْلُوقات وَليسَت مِنْ صِفاتِ الخالِق. فَكَمالُ اللهِ لا يَزِيد وَلا يَنْقُص. كُلُّ مُتغَيِّرٍ مُحْتاجٌ إِلَىْ مَنْ يُغَيِّرُهُ والمحتاجُ لا يَكونُ إِلٰهًا.
وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ أي أن الله لا يوصف بالشريك لا في الذّات ولا في الصّفات، وَهَذَا هُوَ التَّوحِيدُ الَّذِي هُوَ مِفتَاحُ الدُّخُولِ إِلَى الجَنَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُؤمِنًا وَلَوْ أَدَّى صُورَةَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَقَالَ مَا قَالَ وَفَعَلَ مَا فَعَلَ مَعَ فَقْدِهِ التَّوحِيدَ فَهَذَا لَا يَشَمُّ رِيحَ الجَنَّةِ وَلَا يَدخُلُهَا.
وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ.اهـ
فالتوحيد هو السبب الأول لدخول الجنة وإن عذب بعض أهل التوحيد في النار مآلهم في النهاية إلى الجنة، قَالَ ابنُ حَجَرٍ: أَهْلُ السُّنَّةِ فَسَّرُوا التَّوْحِيدَ بِنَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْجُنَيْدُ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ: التَّوْحِيدُ إِفْرَادُ الْقَدِيمِ مِنَ الْمُحْدَثِ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ، فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ: التَّوْحِيدُ مَصْدَرُ وَحَّدَ يُوَحِّدُ، وَمَعْنَى وَحَّدْتُ اللهَ: اعْتَقَدْتُهُ مُنْفَرِدًا بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ.
وَقِيلَ مَعْنَى وَحَّدْتُهُ: عَلِمْتُهُ وَاحِدًا، وَقِيلَ: سَلَبْتُ عَنْهُ الْكَيْفِيَّةَ وَالْكَمِّيَّةَ فَهُوَ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا انْقِسَامَ لَهُ، وَفِي صِفَاتِهِ لَا شَبِيهَ لَهُ، فِي إِلَاهِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ وَتَدْبِيرِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، وَلَا خَالِقَ غَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَضَمَّنَ مَعنَى التَّوحِيدِ أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأَنَّ الجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَشْيَاءَ مُؤَلَّفَةٍ، وَذَلِكَ يَرُدُّ عَلَى الْمُشَبِّهَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ جِسْمٌ. وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْمَقَالَاتِ أَنَّهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ حَتَّى نُسِبُوا إِلَى التَّعْطِيلِ، وَقَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الجَهمِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ خَلَفِ بنِ سُلَيْمَانَ البَلخِيِّ قَالَ: كَانَ جَهْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَكَانَ فَصِيحًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفَاذٌ فِي الْعِلْمِ، فَلَقِيَهُ قَوْمٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، فَقَالُوا لَهُ: صِفْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ، فَدَخَلَ البَيْتَ لَا يَخْرُجُ مُدَّةً، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: هُوَ هَذَا الهَوَاءُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْءٌ.اهـ
فَأَعْظَمُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَىْ أَعْظَمَ الْفَرَائِضِ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ بِهَا هُوَ تَوْحِيدُهُ تَعَالَى وَأَنْ لا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ لِأَنَّ الإِشْرَاكَ بِاللَّهِ هُوَ أَكْبَرُ ذَنْبٍ يَقْتَرِفُهُ الْعَبْدُ وَهُوَ الذَّنْبُ الَّذِى لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمـَنْ يَشَاءُ قَالَ تَعَالَى فِى سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أَىْ لِمَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء/ الآية 48] أَىْ لِمَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ أَيْضًا.
بيان معنى أشهد أن محمدا رسول الله
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَعْتَرِفُ بِلِسَانِى وَأُذْعِنُ بِقَلْبِى أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا أَىِ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِىَّ ﷺ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَى كَافَّةِ الْعَالَمِينَ مِنْ إِنْسٍ؛ أَىْ بَشَرٍ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ وَجِنٍّ لِيُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيُبَشِّرَ مَنْ أَطَاعَ فَآمَنَ بِالثَّوَابِ الْعَظِيمِ وَيُنْذِرَ مَنْ أَعْرَضَ فَكَفَرَ بِالْعَذَابِ الأَلِيمِ كَمَا قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِى سُورَةِ الْفُرْقَانِ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 1] فَالْمُرَادُ بِالْعَالَمِينَ فِى هَذِهِ الآيَةِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ وَلا دُخُولَ لِلْمَلائِكَةِ فِيهِمْ لِأَنَّهُمْ لا يَعْصُونَ اللَّهَ أَبَدًا وَلا يَخْتَارُونَ إِلَّا الطَّاعَةَ فَلا يَحْتَاجُونَ إِلَى الإِنْذَارِ.
وَهُوَ ﷺ صَادِقٌ فِى كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى لِلثَّقَلَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِى سَتَحْدُثُ فِى الْمُسْتَقْبَلِ أَمْ مِنْ أَخْبَارِ الأُمَمِ الْمَاضِيَةِ أَمْ مِنَ التَّحْلِيلِ أَمِ التَّحْرِيمِ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا أَىْ لِيَأْمُرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِشَرِيعَتِهِ وَيَتَّبِعُوهُ فِى مَا جَاءَ بِهِ كُلِّهِ فَإِنَّهُ لا يُخْطِئُ فِى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ كُلٌّ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُدَعُ غَيْرَ نَبِىِّ اللَّهِ ﷺ.اﻫ
فَمَن عَرَفَ بِثُبُوتِ حُكْمٍ مِنَ الأَحْكَامِ فِى الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ثُمَّ رَدَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ مَهْمَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ لِأَنَّ رَدَّهُ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ وَلِلنَّبِىِّ ﷺ وَكَفَى بِذَلِكَ كُفْرًا.
فَالْمُرَادُ بِالشَّهَادَتَيْنِ نَفْىُ الأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ وَإِثْبَاتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى مَعَ الإِقْرَارِ بِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَهَذَا هُوَ الأَصْلُ الَّذِى لا بُدَّ مِنْ تَحْصِيلِهِ لِيَكُونَ الشَّخْصُ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا فَمَنْ حَصَّلَهُ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَلا جَاءَ بِمَا يُنَاقِضُهُ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوِ اعْتِقَادًا فَهُوَ مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ يَعْبُدُ اللَّهَ وَيُصَدِّقُ بِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ إِلَى ءَاخِرِ الآيَةِ [سُورَةَ الأَحْزَابِ/ الآية 70] (وتتمة الآيات الكريمة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [سُورَةَ الأَحْزَابِ/ الآية 70- 71]، والقول السّديد هو الأصوب وهو الموافق للشريعة، فمع اختلاف الآراء ووجهات النّظر يبقى السّديد الصّواب هو ما وافق كتاب الله وسنّة نبيه ﷺ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [سورة الإسراء/ الآية 9]، فالشَّرعُ هُوَ المِيزَانُ الَّذِي نَزِنُ بِهِ أَفعَالَنَا وَأَقوَالَنَا، تَعلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَن نَجعَلَ هَذَا المِيزَانَ حَاكِمًا فِي كُلِّ أُمُورِ حَيَاتِنَا، بِالشَّرعِ تَعرِفُ الحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ، فَالحَسَنُ هُوَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرعُ، وَالقَبِيحُ هُوَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرعُ. إِذَا جَعَلنَا هَذِهِ القَاعِدَةَ مِعيَارًا لِحَيَاتِنَا، فَسَنَعلَمُ أَنَّ المَصلَحَةَ الحَقِيقِيَّةَ تَكُونُ فِي اتِّبَاعِ أَحكَامِ الشَّرعِ وَتَطبيقِهَا. أَمَّا مَا خَالَفَهُ، فَسَيَؤدِّي إِلَى الخُسرَانِ. فَإِنَّ مَصَالِحَ العِبَادِ مُنحَصِرَةٌ فِيمَا وَافَقَ الشَّرِيعَةَ، فَالحِكمَةُ كُلُّهَا فِي مَا جَاءَ بِهِ الدِّينُ.
الشَّرعَ هُوَ الحَقُّ المُطلَقُ الَّذِي يَجبُ أَن يَكُونَ مِيزَانًا لِأَفعَالِنَا وَأَقوَالِنَا، وَمَعَ ذَلِكَ نُلاحِظُ أَنَّ الالتِزَامَ بِتَعلِيمَاتِ الشَّرعِ قَد يُثِيرُ استِغرَابًا لَدَى البَعضِ، بَل قَد يَرَى فِيهِ البَعضُ تَطَرُّفًا فِي زَمَانٍ أَصبَحَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ الشَّرعَ عَادَةً مَألُوفَةً غَالِبًا، إِذَا نَظَرنَا إِلى المَاضِي عِندَمَا كَانَت تُطَبَّقُ الأَحكَامُ الإِسلَامِيَّةُ وَالحُدُودُ الشَّرعِيَّةُ مَا كَانَت تَكثُرُ المَفَاسِدُ، وَإِن كَانَت تُوجَدُ لَكِن بِقِلَّةٍ، غَيرَ أَنَّهُم كَانُوا يَخَافُونَ اللهَ وَيَضَعُونَ الشَّرعَ نُصبَ أَعيُنِهِم، وَكَانَ الوَاحِدُ مِنهُم إِذَا حَصَلَت مِنهُ مَعصِيَةٌ يَستَتِرُ مِنهَا لِئَلَّا يُفضَحَ بَينَ قَومِهِ، أَمَّا الآنَ فَتَجِدُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُجَاهِرُونَ بِالمَعصِيَةِ وَيَتَفَاخَرُونَ بِأَنفُسِهِم، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُم مُخَلَّدُونَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، لَا يَأتِيهِم يَومٌ يُبعَثُونَ فِيهِ فَيُحَاسَبُوا عَلَى كُلِّ أَعمَالِهِم، تَجِدُ الأَولَادَ عِندَهُم عُقُوقٌ لِآبَائِهِم، وَالزَّوجَةَ لَا تُطِيعُ زَوجَهَا، وَالزِّنا شَاعَ بَينَ الرِّجَالِ وَكَأَنَّهُ أَمرٌ بَسِيطٌ فَتَجِدُهُم كَالبَهَائِمِ يَزنِي مَعَ تِلكَ وَتِلكَ وَتِلكَ، الشُّذُوذُ صَارَ أَمرًا هَيِّنًا، لَا وَبَل يُطَالِبُونَ بِحُقُوقِهِم؟! وَإذَا أَنكَرَ البَعضُ هَذَا الأَمرَ وَمَا قَبِلَهُ يُعَادَى، وَهَذَا كُلُّهُ كَانَ بِسَبَبِ مُخَالَطَةِ الكُفَّارِ لِلمُسلِمِينَ وَبَثِّ مُعتَقَدَاتِهِم وَآرَائِهِم بَينَهُم مِمَّا أَدَّى إِلَى هَذَا الفُسُوقِ وَرُؤيَةِ هَذَا الدِّينِ غَرِيبًا وَمَن يُطَبِّقُهُ غَرِيبًا ((بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ)) رواه مسلم.اهـ
مِنَ الَّذِينَ قَالَ عَنهُم سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “النَّاسُ نِيَامٌ إِذَا مَاتُوا انتَبَهُوا” فَلَا تَكُن غَافِلًا نَاسِيًا عَمَّا سَيَكُونُ بَعدَ هَذِهِ الدُّنيَا فَإِنَّهَا سَتَفنَى وُسَتُحَاسَب عَلَى مَا عَمِلتَ بِهَا، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
| يَا مَــنْ بِدُنيَاهُ اشتَغَلْ | وغَـــــرَّهُ طُـــولُ الأَمَلْ | |
| المــَوتُ يَـــأتِي بَغتَةً | وَالقَبــرُ صُندُوقُ العَمَلْ |
تَفَكَّر بِأَحكَامِ الإِسلَامِ وَبِحِكمَةِ اللهِ بِنَا تَفَكَّر بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُنَا ﷺ خَيرُ قَائِدٍ وَخَيرُ مُرَبٍّ، فَقَد حَدَثَت غُربَةُ الإِسلَامِ أَوَّلًا فِي عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَد وَاجَهَ الإِسلَامُ أَكْثَرَ النَّاسِ حِينَ كَانوا يَقُومُون عَلَى ظُلمِ الإِنسَانِ لِأَخِيهِ، وَتَسُودُهُم الجَهَالَةُ وَالجُهَلَاءُ، ظُلُمَاتٌ بَعضُهَا فَوقَ بَعضٍ، تُصَوِّرُهُ كَلِمَةُ جَعفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِلنَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ إِذ قَالَ: “أيُّهَا المَلِكُ، كُنَّا قَومًا أَهلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعبُدُ الأَصنَامَ، وَنَأتِي الفَوَاحِشَ، وَنَقطَعُ الأَرحَامَ، وَيَأكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ فِينَا رَسُولًا مِنَّا”. كَانَ الإِسلَامُ أَمرًا غَرِيبًا عَلَيْهِمْ، أَثَارَ عَجَبَ المُشرِكِينَ فِي تِلكَ الأَيَّامِ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [سورة ق/ الآية 2-3].
فالخلاصة إذًا: الشَّرعُ هُوَ المِيزَانُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَجِبُ أَن نَزِنَ بِهِ أَفعَالَنَا وَأَقوَالَنَا وَأَفكَارَنَا وَحَتَّى عَادَاتِنَا. وَمَعَ ذَلِكَ نَجِدُ أَنَّ الالتِزَامَ بِهِ أَصبَحَ أَمرًا يُستَغرَبُ مِنهُ أَحيَانًا، بَينَمَا تُقبَلُ عَادَاتٌ أُخرَى مُخالِفَةٌ لِلدِّينِ وَكَأَنَّهَا جُزءٌ طَبِيعِيٌّ مِن حَيَاتِنَا، فَهَذَا يَعكِسُ بُعدًا عَن تَعَالِيمِ الإِسلَامِ، وَالحَاجَةَ المَاسَّةَ لِإِعَادَةِ النَّظَرِ فِي فَهمِنَا لِلشَّرعِ وَأَهَمِّيَّتِهِ فِي تَنظِيمِ حَيَاتِنَا.
من التزم بهذه الآيات الكريمة المذكورة في خطبة النّكاح ينصلح حاله، حيث يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [سُورَةَ الأَحْزَابِ/ الآية 70- 71]، والفوز العظيم هو النّجاة إلى الجنّة بإذن الله وهذا هو السبيل، التزام شرع الله وأمره عزّ وجلّ واجتناب نواهيه وأن لا نؤثر على ذلك شهوة نفس ومال وولد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَانَ/ الآية 102] هذه الآية الكريمة فيها الأمر بالتقوى أيضا وفيها الأمر بالثبات على الإسلام، وَقَد أَمَرَنَا اللهُ تعالى في هذه الآية بِالثَّبَاتِ عَلَى الإِسلَامِ إِلَى آخِرِ العُمُرِ،.
دين الإسلام هو الدين الذي رضيه الله لعباده
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعبُد رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [سُورَةُ الحِجرِ/ الآية 99]، فَلَم يَرضَ سُبحَانَهُ مِن عِبَادِهِ وَلَم يَقبَل مِنهُم دِينًا غَيرَ الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ وَهُوَ دِينُ الإِسلَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلَامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَان/ الآية 85]، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَنبِيَاءَ جَمِيعًا دِينُهُم وَاحِدٌ وَشَرَائِعُهُم مُختَلِفَةٌ، وَلَيسَت دِيَانَاتُهُم مُختَلِفَةً بَل كُلُّهُم دَعَوا إِلَى تَوحِيدِ اللهِ وَإِلَى تَنزِيهِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى قَولِ: “لَا إلهَ إِلَّا اللهُ”، فَفِي مُوَطَّأ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَفضَلُ مَا قُلتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِن قَبلِي: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ)).اهـ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [سورة النساء/ الآية 136]، أي اثبتوا على الإيمان والتوحيد. وكان ابن عمر حج ستين حجة واعتمر ألف عمرة وكان لمَّا يُنهِي السعي بين الصفا والمروة يدعو ومن جملة ما يقول: اللَّهُمَّ إِذْ هديتني للإِسلام فَلَا تنزعه مني وَلَا تنزعني مِنْهُ حَتَّى تتوفاني على الإِسلام وَقد رضيت عني، اللَّهُمَّ لَا تقدمني للعذاب وَلَا تؤخرني لسَيِّءِ الْفِتَن.اهـ فَلِذَلِكَ قَالَ الفُقَهَاءُ: إِنَّ نِيَّةَ الثُّبُوتِ عَلَى الإِسلَامِ ضَرُورِيَّةٌ، وهذا يعلم من هذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 102]، أَي أَن يَخلُوَ قَلبُهُ عَن أَيِّ عَزمٍ عَلَى تَركِ الإِسلَامِ فِي المُستَقبَلِ أَو تَرَدُّدٍ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ مَن نَوَى الكُفرَ فِي المُستَقبَلِ كَفَرَ فِي الحَالِ. وثَمَّةَ فَرقٌ كَبِيرٌ بَينَ العَزمِ عَلَى الإِيمَانِ وَبَينَ العَزمِ عَلَى الكُفرِ، فَالعَزمُ عَلَى الإِيمَانِ لَيسَ إِيمَانًا وَالعَزمُ عَلَى الكُفرِ كُفرٌ فِي الحَالِ. فَمَن عَزَمَ عَلَى الكُفرِ فِي المُستَقبَلِ أَو عَلَى فِعلِ شَيءٍ مِنَ المُكَفِّرَاتِ أَو تَرَدَّدَ فِيهِ. سَوَاءٌ كَانَ كُفرًا فِعلِيًّا أَم كَانَ كُفرًا قَولِيًّا أَو كَانَ كُفرًا اعتِقَادِيًّا مَن عَزَمَ عَلَى فِعلِهِ فَإِنَّهُ يَكفُرُ فِي الحَالِ، العَزمُ هُوَ التَّصمِيمُ الجَازِمُ المُؤَكَّدُ، مَن عَزَمَ مَن صَمَّمَ مَن نَوَى عَلَى أَن يَكفُرَ فِي المُستَقبَلِ كَفَرَ فِي الحَالِ، كَذَلِكَ مَن تَرَدَّدَ – كَلَامُنَا عَن مَن تَرَدَّدُ فِي الكُفرِ، لَا عَن مَن تَرَدَّدَ فِي أَمرٍ آخَرَ هَل أَعصِي أَو لَا أَعصِي – تَعَلَّمنَا أَنَّ الهَمَّ بِالمَعصِيَةِ لَيسَ مَعصِيَةً، الهَمَّ هُوَ أَن يَكُونَ فِي نَفسِهِ جَانِبُ أَفعَلُ أَقوَى مِن جَانِبِ لَا أَفعَلُ، الهَمُّ فِي المَعصِيَةِ لَيسَ مَعصِيَةً، كَأَن قَالَ فِي نَفسِهِ أَشرَبُ الخَمرَ أَم لَا أَشرَب، أَزنِي أَم لَا أَزنِي وَجَانِبُ أَفعَل أَقوَى فَإِنَّهُ لَا يَعصِي، مَتَى يَعصِي؟ مَتَى مَا عَزَمَ، صَمَّمَ، نَوَى عَلَى فِعلِ المَعصِيَةِ عَصَى هُنَاكَ فَرق بَينَ الهَمّ وبَينَ العَزَم عَلَى المَعصِيَة، أَمَّا هُنَا كَلَامُنَا عَن تَرَدُّدٍ لَو كَانَ دُونَ الهَمِّ لِأَنَّهُ فِي الكُفرِ يَكفُرُ فِي الحَالِ، فَالعَزمُ وَالهَمُّ وَالتَّرَدُّدُ فِي الكُفرِ كُفرٌ فِي الحَالِ، الآنَ قَبلَ أَن يَفعَل. إِذَا قَالَ فِي نَفسِهِ لَأَسجُدَنَّ لِلصَّنَمِ الَّذِي فِي مَكَانِ كَذَا مِنَ الآن صَارَ كَافِرًا. وَلَيسَ المَقصُودُ خُطُورَهُ فِي البَالِ بِدُونِ إِرَادَةٍ. فَمَن خَطَرَ لَهُ شَىءٌ مِن ذَلِكَ فِي بَالِهِ؛ أَي قَلبِهِ، خُطُورًا أَي بِلَا إِرَادَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَكفُرُ، لِأَنَّ الخَاطِرَ بِالإِجمَاعِ غَيرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ بَلِ الَّذِي يَخطُرُ لَهُ الكُفر ثُمَّ لَا يَعتَقِدُهُ بَل لَايَزَالُ عَقدُ قَلبِهِ جَازِمًا بِدِينِ اللهِ تَعَالَى فَيَشعُرُ صَاحِبُهُ بِالكَرَاهِيَةِ لِهَذَا الخَاطِرِ فَلَهُ ثَوَابٌ، وَلَو تَكَرَّرَ هَذَا الخَاطِرُ لِأَنَّ هَذَا لَيسَ مِمَّا يَستَطِيعُ الإِنسَانُ مَنعَهُ وَاللَّهُ لَا يُكَلِّفُ العَبدَ إِلَّا مَا هُوَ فِي وُسعِهِ وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ شَىءٍ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سُورَةَ النِّسَاءِ/ الآية 1] هذه الآية الكريمة أيضًا فيها الوصية والتذكير بالتقوى وفيها بيان أنّ أصلنا يرجع لأبينا آدم عليه الصّلاة والسّلام وهذا فيه ردّ على من يقول إنه قبل آدم كان يوجد أوادم كثر، فهذا تكذيب لهذه الآية الكريمة، فأوّل البشر هو آدمُ عليهِ السلامُ وهو أبو الأنبياءِ وأبو البشرِ ليسَ قبلَه بشرٌ، وهوَ أساسُ الخيرِ، عاشَ آدمُ ألفَ سنةٍ ولم يمتْ حتَّى رأى مِن صلبِه أربعينَ ألفًا، آدمُ عليهِ السلامُ أولُ البشرِ وآخرُ جنسٍ في المخلوقاتِ خلقًا، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسٰنَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ [سورة الحجر/ الآية 26-27]، إنَّ اللهَ تعالى يخبرُنا بأنَّه خَلَقَ ﴿الإِنسان﴾ أيْ ءادمَ ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ أي طينٍ يابِسٍ غيرِ مطبوخٍ ﴿مِّنْ حَمَإٍ﴾ أي طينٍ أسودَ مُتغيّرٍ ﴿مَّسْنُونٍ﴾ أي مُصَوَّرٍ، أمرَ اللهُ مَلَكًا فجَمَعَ مِنْ جَميعِ أنواعِ ترابِ الأرضِ مِنْ أبيضِها وأسوَدِها وما بينَ ذلكَ، ومِنْ طَيّبِها ورديئِها وما بينَ ذلك، ومِن سَهلِها وحَزْنِها وما بينَ ذلك، فجاءَ بنو ءادمَ على قَدْرِ ذلك؛ منهُم الأسودُ ومنهُم الأبيضُ ومنهُم ما بينَ ذلك، ومنهُم حَسَنُ الخُلُقِ ومنهُم سيئ الخلقِ إلى غيرِ ذلك. يقولُ رسولُ الله ﷺ ((إنَّ الله تعالى خَلَقَ ءادمَ مِنْ قَبضَةٍ قبَضَها – أي أمرَ الملَكَ أن يَقبِضَها – مِنْ جَميعِ الأرض فجاءَ بنو ءادمَ على قَدْرِ الأرضِ، جاءَ منهُم الأبيضُ والأحمرُ والأسودُ وبينَ ذلكَ، والسَّهلُ والحَزْنُ والخبيثُ والطيبُ وبينَ ذلك)) رواهُ أحمدُ وأبو داود والترمذي وغيرهم. وقد خلق الله أبانا آدم على صورة حسنة فلم يكن قردا ولا يشبه القرود، بل خلقه في أحسن تقويم، كان جميل الشكل والصورة، ولم تتغير خلقته وتنتكس عندما نزل إلى الأرض، وفي هذا يقول ﷺ فيما رواه مسلم: ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَليَجتَنِبِ الوَجهَ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ الجَوزِيِّ في كتابه كشفِ المشكل: وَهَذَا شَيءٌ قَد تَخَبَّطَ فِيهِ جَمَاعَةٌ، فَالمُتَقَدِّمُونَ مِنَ السَّلَفِ قَرَأُوهُ وَعَبَرُوا وَلَم يَنطِقُوا بِشَيءٍ، مَعَ عِلمِهِم وَاعتِقَادِهِم أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي هِيَ تَخَاطِيطُ لَا تَجُوزُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا التَّغَيُّر. وَهَذَانِ أَصلَانِ لَا بُدَّ مِنَ اعتِقَادِهِمَا: التَّخَاطِيطُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الأَجسَامِ، وَالتَّغَيُّرُ لَا يَصلُحُ أَن يَطرَأَ عَلَى الإِلَهِ، فَإِنَّ الخَلِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَابَ النَّجمَ بِالأُفُولِ فَقَالَ: ﴿لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 76] لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ مَا يَطرُقُهُ التَّغَيُّرُ لَا يَصلُحُ أَن يَكُونَ مَعبُودًا.اهـ
)معنى حديث (إن الله خلق آدم على صورته
وَقَالَ النَّوَوِيُّ في شرحه لمسلم: قَولُهُ ﷺ: ((فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) فَهُوَ مِن أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَقَد سَبَقَ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ بَيَانُ حُكمِهَا وَاضِحًا وَمَبسُوطًا وَأَنَّ مِنَ العُلَمَاءِ مَن يُمسِكُ عَن تَأوِيلِهَا وَيَقُولُ نُؤمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيرُ مُرَادٍ وَلَهَا مَعنًى يَلِيقُ بِهَا وَهَذَا مَذهَبُ جُمهُورِ السَّلَفِ وَهُوَ أَحوَطُ وَأَسلَمُ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تُتَأَوَّلُ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِتَنزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ، قَالَ المَازِرِيُّ: هَذَا الحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفظِ ثَابِتٌ وَرَوَاهُ بَعضُهُم (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحمَنِ) وَلَيسَ بِثَابِتٍ عِندَ أَهلِ الحَدِيثِ وَكَأَنَّ مَن نَقَلَهُ رَوَاهُ بِالمَعنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ،
قَالَ المَازِرِيُّ: وَقَد غَلِطَ ابنُ قُتَيبَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ فَأَجرَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وقال: لِلَّهِ تَعَالَى صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ!! وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَاهِرُ الفَسَادِ لِأَنَّ الصُّورَةَ تُفِيدُ التَّركِيبَ وَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحدَثٌ وَاللهُ تَعَالَى لَيسَ بِمُحدَثٍ فَلَيسَ هُوَ مُرَكَّبًا فَلَيسَ مُصَوَّرًا، قَالَ وَهَذَا كَقَولِ المُجَسِّمَةِ جِسمٌ لَا كَالأَجسَامِ!!
قَالَ: العَجَبُ مِنِ ابنِ قُتَيبَةَ فِي قَولِهِ صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الحَدِيثِ عَلَى رَأيِهِ يَقتَضِي خَلْقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ فَالصُّورَتَانِ عَلَى رَأيِهِ سَوَاءٌ فَإِذَا قَالَ لَا كَالصُّوَرِ تَنَاقَضَ قَولُهُ!!
وَاختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَأوِيلِهِ فَقَالَت طَائِفَةٌ الضَّمِيرُ فِي صُورَتِهِ عَائِدٌ عَلَى الأَخِ المَضرُوبِ وَهَذَا ظَاهِرُ رِوَايَةِ مُسلِمٍ،
وَقَالَت طَائِفَةٌ يَعُودُ إِلَى آدَمَ وَفِيهِ ضَعفٌ،
وَقَالَت طَائِفَةٌ يَعُودُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَيَكُونُ المُرَادُ إِضَافَةَ تَشرِيفٍ وَاختِصَاصٍ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 73] وَكَمَا يُقَالُ فِي الكَعبَةِ بَيتُ اللَّهِ وَنَظَائِرُهُ وَاَللَّهُ أَعلَمُ.اهـ
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَحسَنُ مَا قِيلَ فِي تَأوِيله إِنَّ الإِضَافَةَ لِلتَّشرِيفِ كَنَاقَةِ اللهِ وَبَيتِ اللهِ أَي الصُّورَةِ الَّتِي اختَارَهَا لآدَمَ.اهـ.
ففي هذه الآيات المذكورة كلها التذكير بتقوى الله وفائدة ذكرها هنا هو بيان أن البيت الذي يبنى على تقوى الله يكون راسخ البنيان ثابت الأساس لا تزيله الفتن ولا تمحه بإذن الله تعالى، والتقوى فيها النجاة من هموم وكروب هذه الدنيا فناسب التذكير بها، وَمِنْ فَوائِدِ وَمَنافِعِ التَّقْوَى أَنَّها سَبَبٌ للنَّجاةِ مِنَ الشَّدائِدِ وَالتَّخْلِيصِ مِنَ الكُرُبات! قالَ اللهُ تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجًا﴾ ما مَعنَى ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ يَعنِى يُهَيِّئُ اللهُ تعالى لَهُ بابَ النَّجاة وَالخَلاص مِنَ الشَّدائِد إِذا وَقَعَ فِيها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [سورة الطلاق/ الآية 2-3] يَعنِى اللهُ تعالى يُوَسِّعُ عَلَيْهِ فِى الرِّزْقِ بِسَبَبِ تَقْواه مِنْ حَيثُ لا يَظُنُّ أَنَّ الرِّزْقَ يَأْتِيهِ مِنْ هذا الباب.
وَكَثِيرٌ مِنَ المفَسِّرين ذَهَبَ أَنَّ سَببَ نُزُولِ هذه الآيَة أَنَّ عَوْفَ بْنَ مالِك الأَشْجَعِيّ الصّحابِيّ، كانَ لَهُ ابنٌ أَسَرهُ الكُفّار، أَخَذُوهُ أَسِيرًا، وَبَقِيَ عِنْدَ الكُفّارِ زَمانًا حَتَّى ضاقَ الأَمْرُ عَلَى أُمِّهِ، فَصارَت تَبْكِي بُكاءً عَظِيمًا عَلى فِقْدانِ وَلَدِها أَسِيرًا فِى أَيْدِي الكُفّار! فجاءَ الأَب عَوْفُ بْنُ مالِك الأَشْجَعِيّ إِلَى رَسُولِ الله يَشْكُو إِلَيْهِ الحال الذي هُم عَلَيْها، فَقالَ لَهُ: ((يا عوف، اصبِر وَاتَّقِ اللهَ وَأَكثر أَنت وَزَوْجك مِنْ قَوْلِ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِالله)) فَرَجَعَ عَوْفُ بْنُ مالِك إِلَى زَوْجِهِ ثُمَّ كَلَّمَها بِما أَوْصَى بِهِ رَسُولُ الله ﷺ وَجَعَلا يُكْثِرانِ مِنْ قَوْلِ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا الله. هذه الكَلِمَة الطّيبَة، وَرَدَ فِى مسْتَدْرَكِ الحاكِمِ وَغَيرِهِ أَنَّها سَببٌ لِدَفْعِ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ داءً، أَقَلُّ هذه الأَمْراض الهَمّ! فغَفَلَ الكُفّارُ ذاتَ يَوْمٍ عَنِ الوَلَد وَاسْمُهُ سالِم فاسْتَطاعَ أَنْ يَفِرَّ مِنْهُم، أَيْ أَنْ يَهرُبَ مِنَ الأَسْر، ثُمَّ وَجَدَ عِندَهُم غَنَمًا كَثِيرًا فَساقَ الغَنمَ مَعَهُ وَرَجِعَ إِلَى أَهْلِهِ. أَرْبَعَةَ آلافِ شاة! ساقَها خَلْفَهُ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. جُمْهُورُ المفَسِّرِين أَنَّ هذه الآيَة نَزَلَت فِى عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأَشْجَعِيِّ ووَلَدِهِ الذي كانَ مَأْسُورًا فَرَزَقَهُ اللهُ تعالى وَأَنْقَذَهُ مِنَ الشَّدائِدِ وَجَعَلَ لَهُ مِنْها مَخْرَجا بِسَبَبِ صبرِ وَتَقوَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ثُمَّ عاقِبَةُ التَّقْوَى خَير، فِى الآخِرَة الْمُتَّقُون لَهُم خَيرٌ عَظِيم. يَكُونُونَ فِى الآخِرَةِ مُمَيَّزِينَ عَنْ سائِرِ المؤمِنِين بِسَبَبِ أَنَّهُم حازُوا هذه الصِّفَةَ وَهِيَ تَقْوَى اللهِ تعالى فِى الدُّنْيا، فَتَقْوَى اللهِ بَرَكاتٌ وَنَفَحاتٌ وَإِمْداداتٌ لصاحِبَها فِى الدُّنيا وَيَنالُ مِنْ بَرَكاتِها وَخَيراتِها فِى الآخِرَة.
وَكَانَ الْقَفَّالُ يَقُولُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ فِي خُطبَةِ النِّكَاحِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ يَقْضِي فِيهَا مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ لَا مُؤَخِّرَ لِمَا قَدَّمَ وَلَا مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّرَ وَلَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ وَلَا يَفْتَرِقَانِ إلَّا بِقَضَاءٍ وَقَدْرٍ وَكِتَابٍ قَدْ سَبَقَ، وَإِنَّ مِمَّا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى وَقَدَّرَ أَنْ خَطَبَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ عَلَى صَدَاقِ كَذَا، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ أَجْمَعِينَ.
والله تعالى أعلم وأحكم