شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه | بطلٌ من أبطال الشام

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

حَفَلَ التَّارِيخُ الإِسلَامِيُّ بِرِجَالٍ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ، فَكَانُوا مَنَارَاتٍ فِي الإِيمَانِ وَالجِهَادِ وَالقِيَادَةِ. 

وَمِن أُولَئكَ العُظَمَاءِ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ شُرَحبِيلُ بنُ حَسَنَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَحَدُ السَّابِقِينَ إِلى الإِسلَامِ، وَصَاحِبُ الهِجرَتَينِ، وَأَحَدُ أُمَرَاءِ الأَجنَادِ الأَربَعَةِ الَّذِينَ اعتَمَدَ عَلَيهِمُ الخَلِيفَةُ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي فَتحِ بِلَادِ الشَّامِ. جَمَعَ بَينَ قُوَّةِ الإِيمَانِ، وَحُسنِ القِيَادَةِ، وَالشَّجَاعَةِ فِي مَيَادِينِ القِتَالِ، وَالزُّهدِ فِي الدُّنيَا، وَالحِرصِ عَلى اتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى خَتَمَ اللهُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ فِي طَاعُون عَمَوَاس سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ لِلهِجرَةِ.

وَعَلى الرَّغمِ مِن عَظِيمِ مَنزِلَتِهِ، فَإِنَّ اسمَهُ لَا يَحضُرُ فِي أَذهَانِ كَثِيرٍ مِنَ المُسلِمِينَ كَمَا تَحضُرُ أَسمَاءُ بَعضِ القَادَةِ المَشهُورِينَ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَحَدَ أَعمِدَةِ الفُتُوحِ الإِسلَامِيَّةِ، وَأَسهَمَ فِي تَثبِيتِ أَركَانِ الدَّولَةِ الإِسلَامِيَّةِ فِي بِلَادِ الشَّامِ، وَكَانَ أَوَّلَ وَالٍ لِلمُسلِمِينَ عَلى الأُردُنِّ، وَلَهُ مَوَاقِفُ مَشهُودَةٌ فِي الجِهَادِ، وَالإِمَارَةِ، وَالوَرَعِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ.

نسبه ونشأته

هُوَ شُرَحبِيلُ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ المُطَاعِ الكِندِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهرَةَ مِن قُرَيشٍ، وَيُكنَى أَبَا عَبدِ الرَّحمَن، وَأَبا عَبدِ اللهِ، وَأََبَا وَائِلٍ. وَاشتَهَرَ بِالنِّسبَةِ إِلى أُمِّهِ حَسَنَةَ، وَهِيَ مِنَ السَّابِقَاتِ إِلى الإِسلَامِ وَالمُهَاجِرَاتِ، وَلِذَلِكَ غُلِبَ عَلَيهِ لَقَبُ شُرَحبِيلُ بنُ حَسَنَةَ.

لماذا اشتهر باسم “ابن حسنة”؟

مِنَ المَعلُومِ أَنَّ العَرَبَ تَنسُبُ الرَّجُلَ غَالِبًا إِلى أَبِيهِ، إِلَّا أَنَّ شُرَحبِيلَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ اشتَهَرَ بِالنِّسبَةِ إِلى أُمِّهِ حَسَنَةَ، حَتَّى صَارَ هَذَا الاسمُ أَشهَرُ مِنِ اسمِ أَبِيهِ، فَقِيلَ: شُرَحبِيلُ بنُ حَسَنَةَ.

وَقَد ذَكَرَ أَهلُ السِّيَرِ أَنَّ أُمَّه كَانَت مِن السَّابِقَاتِ إِلى الإِسلَامِ، فَغُلِبَت نِسبَتُهُ إِليهَا حَتَّى صَارَ لَا يُعرَفُ عِندَ عَامَّةِ أَهلِ العِلمِ إِلَّا بِهَذَا الاسمِ، وَهَذَا مِنَ النَّوَادِرِ فِي تَرَاجِمِ الصَّحَابَةِ.

وَلَيسَ فِي هَذِهِ النِّسبَةِ مَا يُنقِصُ مِن قَدرِهِ، بَل صَارَ هَذَا اللَّقبُ عَلَمًا عَلَيهِ، حَتَّى إِنَّ كِبَارَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَالتَّارِيخِ، كَابنِ حَجَرٍ، وَابنِ الأَثِيرِ، وَابنِ عَسَاكِرَ، وَغَيرِهِم يُتَرجِمُونَ لَهُ بِهَذَا الاسِمِ.

إسلامه وهجرته

أَسلَمَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي أَوَائِلِ الإِسلَامِ مَعَ أَخَوَيهِ لِأُمِّهِ جُنَادَةَ وَجَابِرٍ، وَهَاجَرُوا إِلى الحَبَشَةِ مَعَ مَن هَاجَرَ مِنَ المُسلِمِينَ فِرَارًا بِدِينِهِم، ثُمَّ هَاجَرُوا إِلى المَدِينَةِ، فَجَمَعُوا بَينَ الهِجرَتَينِ، وَنَالَ شُرَحبِيلُ شَرَفَ صُحبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالجِهَادَ مَعَهُ.

صحبته للنبي ﷺ

كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنَ السَّابِقِينَ إِلى الإِسلَامِ، وَمِن أَصحَابِ الهِجرَتَينِ إِلى الحَبَشَةِ ثُمَّ إِلى المَدِينَةِ، فَحَظِيَ بِصُحبَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَرَاحِلِ الدَّعوَةِ المُختَلِفَةِ، وَشَهِدَ مَعَهُ كَثِيرًا مِنَ الأَحدَاثِ، فَتَلَقَّى مِنهُ العِلمَ وَالعَمَلَ، وَتَخَلَّقَ بِأَخلَاقِهِ، حَتَّى أَصبَحَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ اعتَمَدَ عَلَيهِم الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ.

وَكَانَت صُحبَتُهُ صُحبَةَ تَعَلُّمٍ وَامتِثَالٍ، فَقَد عُرِفَ عَنهُ شِدَّةُ تَمَسُّكِهِ بِالسُّنَّةِ، حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ جَلِيًّا فِي مَوَاقِفِهِ بَعدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ.

إرساله رسولًا إلى مصر

مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلى مَكَانَةِ شُرَحبِيلَ بنِ حَسَنَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اختَارَهُ رَسُولًا إِلى مِصرَ، يَحمِلُ دَعوَةَ الإِسلَامِ إِلى أَهلِهَا، وَكَانَتِ الرَّسَائِلُ إِلى المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ لَا يَحمِلُهَا إِلَّا خِيَارُ الصَّحَابَةِ.

وَقَد ذَكَرَ أَهلُ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ شُرحبِيلَ رَضِيَ الله عَنهُ إِلى مِصرَ رَسُولًا، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَشُرَحبِيلُ لَا يَزَالُ هُنَاكَ، فَعَادَ بَعدَ ذَلِكَ إِلى المَدِينَةِ وَالْتَحَقَ بِخِدمَةِ الإِسلَامِ فِي عَهدِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

روايته للحديث وحرصه على السنة

رَوَى شُرَحبِيلُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَدَدًا مِنَ الأَحَادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِن ذَلِكَ مَا أَخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الكَبِيرِ: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمَّ رُكُوعَهُ يَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ مَاتَ هَذَا عَلَى حَالِهِ هَذِهِ مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ»، أَي عَلَى غَيرِ صِفَاتِ المُؤمِنِينَ الكَامِلِينَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَثَلُ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ ويَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ، مَثَلُ الْجَائِعِ يَأْكُلُ التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَانِ لَا يُغْنِيَانِ عَنْهُ شَيْئًا» . قَالَ أَبُو صَالِحٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ سَمِعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

مكانته عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه

بَعدَ أَن انتَشَرَ خَبرُ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَارتَدَّت قَبَائِلُ مِنَ العَرَبِ، وَظَهَرَتِ الفِتَنُ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، احتَاجَ الخَلِيفَةُ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلى رِجَالٍ يَجمَعُونَ بَينَ قُوَّةِ الإِيمَانِ، وَحُسنِ القِيَادَةِ، وَالثَّبَاتِ عِندَ الشَّدَائِدِ، فَكَانَ شُرَحبِيلُ بنُ حَسَنَةَ رَضِي اللهُ عَنهُ مِن هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ.

وَمِن دَلَائِلِ هَذِهِ الثِّقَةِ بِهِ أَنَّ أَبَا بَكرٍ لَم يَجعَلْهُ قَائِدًا عَلى سَرِّيَّةٍ صَغِيرَةٍ أَو مُهِمَّةٍ مَحدُودَةٍ، بَل دَفَعَ بِهِ إِلى مَيَادِينِ القِتَالِ الكُبرَى، ثُمَّ اختَارَهُ بَعدَ ذَلِكَ وَاحِدًا مِن أُمَرَاءِ الأَجنَادِ الأَربَعَةِ الَّذِينَ فَتَحَ اللهُ عَلى أَيدِيهِم بِلَادَ الشَّامِ.

بعثه أبو بكر رضي الله عنه في أثر مسيلمة الكذاب

بَعَثَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ شُرَحبِيلَ بنَ حَسَنَةَ فِي أَثَرِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ إِلى اليَمَامَةِ، وَأَمَرَهُ أَلَّا يَبدَأَ قِتَالَ بَنِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيهِ أَمرَهُ أَو يَجتَمِعَ بِخَالِدٍ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَغَيرُهُ. غَيرَ أَنَّ شُرَحبِيلَ رَضِيَ اللهُ عَنه نَازَلَ بَنِي حَنِيفَةَ قَبلَ وُصُولِ خَالِدٍ، ثُمَّ انحَازَ عَنهُم حَتَّى قَدِمَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، فَاجتَمَعَ الجَيشَانِ، وَوَقَعَت مَعرَكَةُ اليَمَامَةِ الَّتِي انتَهَت بِمَقتَلِ مُسَيلِمَةَ الكَذَّابِ وَانكِسَارِ المُرتَدِّينَ.

من اليمامة إلى فتوح الشام

بَعدَ أَن أَنهَى أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن حُرُوبِ الرِّدَّةِ، بَدَأَ مَرحَلَةً جَدِيدَةً وَهِيَ نَشرُ الدَّعوَةِ خَارِجَ جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَأَرسَلَ خَالِدًا إِلى العِرَاقِ، وَاختَارَ أُمَرَاءَ الأَجنَادِ الأَربَعَةِ، وَمِنهُم شُرَحبِيلُ بنُ حَسَنَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم إِلى فَتحِ الشَّامِ. 

فَكَانَ شُرَحبِيلُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِمَّن انتَقَلُوا مُبَاشَرَةً مِن مَيَادِينِ قِتَالِ المُرتَدِّينَ إِلى مَيَادِينِ الفُتُوحِ، فَلَم يَعرِفِ الرَّاحَةَ، وَلَم يَركَنْ إِلى الدُّنيَا، وَإِنَّمَا ظَلَّ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ، يَترُكُ وَطَنَهُ وَأَهلَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاةِ رَبِّهِ.

وَالفَرقُ كَبِيرٌ بَينَ المَعرَكَتَينِ؛ فَفِي اليَمَامَةِ كَانَ القِتَالُ مَعَ المُرتَدِّينَ مِنَ العَرَبِ، أَمَّا فِي الشَّامِ فَكَانَ المُسلِمُونَ يُوَاجِهُونَ إِحدَى أَعظَمِ إِمبرَاطُورِيَّاتِ العَالَمِ آنَذَاكَ، وَهِيَ الإِمبرَاطُورِيَّةُ البِيزَنطِيَّةُ، بِمَا تَملِكُهُ مِن جُيُوشٍ ضَخمَةٍ وَخِبرَةٍ عَسكَرِيَّةٍ طَوِيلَةٍ.

وَمَعَ ذَلِكَ لَم يَتَرَدَّد شُرَحبِيلُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، بَل لَبَّى نِدَاءَ الجِهَادِ، وَخَرَجَ ضِمنَ الجَيشِ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلى يَدَيهِ فَتحَ بِلَادِ الشَّامِ.

اختيار أبي بكر شرحبيل أحد أمراء الأجناد الأربعة

عِندَمَا عَزَمَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلى فَتحِ بِلَادِ الشَّامِ، لَم يَكتَفِ بِإِرسَالِ جَيشٍ وَاحِدٍ، بَل قَسَمَ الجُيُوشَ إِلى أَربَعَةِ أَجنَادٍ، وَجَعَلَ عَلى كُلِّ جَيشٍ قَائِدًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُم:

  • أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
  • خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ (بَعَثَهُ أَوَّلًا إِلى العِرَاقِ ثُمَّ لَحِقَ بِهِم).
  • عَمرُو بنُ العَاصِ.
  • يَزِيدُ بنُ أَبِي سُفيَانَ.
  • وَشُرَحبِيلُ بنُ حَسَنَةَ.

وَلَيسَ مِنَ المُبَالَغَةِ أَن يُقَالَ: إِن مُجَرَّدَ إِدرَاجِ شُرَحبِيلَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي هَذِهِ الكَوكَبَةِ مِن كِبَارِ القَادَةِ يُعَدُّ مَنقَبَةً لَهُ.

رؤيا شرحبيل ومحادثته مع أبي بكر رضي الله عنهما

رَوَى ابنُ عَسَاكِرَ وَالسُّيُوطِيُّ عَن مُحَمَّدِ بنِ إِسحَاقَ، قَالَ: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا حَدَّثَ نَفْسَهُ أَنْ يَغْزُوَ الرُّومَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، إِذْ جَاءَهُ شرحبيلُ بنُ حَسَنَةَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ تُحَدِّثُكَ نَفْسُكَ أَنَّكَ تَبْعَثُ إِلى الشَّامِ جُنْدًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ قَدْ حَدَّثْتُ نَفْسِي بِذلِكَ وَمَا أَطْلَعْتُ عَلَيْهِ أَحَدًا، وَمَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ إِلاَّ لِشَيْءٍ، قَالَ: أَجَلْ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِني رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّكَ تَمشِي فِي النَّاسِ فَوْقَ حَرْشَفَةٍ (أَرضٍ غَلِيظَةٍ) مِنَ الجَبَلِ، ثُمَّ أَقْبَلْتَ تَمشِي حَتَّى صَعِدْتَ قُنَّةً مِنَ القُنَانِ الْعَالِيَةِ، فَأَشْرَفْتَ عَلى النَّاسِ وَمَعَكَ أَصْحَابُكَ، ثُمَّ إِنَّكَ هَبَطْتَ مِنْ تِلْكَ الْقَنَانِ (جَبَلٌ) إِلى أَرْضٍ سَهْلَةٍ دَمِثَةٍ (وَهِي الأَرضُ السَّهلَةُ) فِيهَا الزَّرْعُ وَالْقُرى وَالْحُصُونُ فَقُلْتَ لِلمسلِمِينَ، شُنُّوا الْغَارَةَ عَلى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَنَا ضَامِنٌ لَكُمْ بِالْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ، فَشَدَّ المُسلمُونَ وَأَنَا فِيهِمْ مَعِي رايَةٌ فَتَوَجَّهْتُ بِهَا إِلى أَهْلِ قَرْيَةٍ فَسَأَلُونِي الأَمَانَ فَأَمَّنْتُهُمْ، ثُمَّ جِئْتُ فَأَجِدُكَ قَدْ جِئْتَ إِلى حِصْنٍ عَظِيمٍ فَفَتَحَ اللَّهُ لَكَ وَأَلْقُوا إِلَيْكَ السَّلَمَ وَوَضَعَ اللَّهُ لَكَ مَجْلِسًا فَجَلَسْتَ عَلَيْهِ ثُمَّ قِيلَ لَكَ: يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْكَ وَتُنْصَرُ فَاشْكُرْ رَبَّكَ وَاعْمَلْ بِطَاعَتِهِ ثُمَّ قُرِئَ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سورة النصر:1_3] ثُمَّ انْتَبَهْتُ.

فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَامَتْ عَيْنَاكَ، خَيْرًا رَأَيْتَ، وَخَيْرًا يَكُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: بَشَّرْتَ بِالْفَتْحِ وَنَعَيْتَ إِلَيَّ نَفْسِي، ثُمَّ دَمَعَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الْحَرْشَفَةُ التي رَأَيْتَنَا نَمشِي عَلَيْهَا حَتَّى صَعِدْنَا إِلى الْقُنَّةِ الْعَالِيَةِ فَأَشْرَفْنَا عَلى النَّاسِ فَإِنَّا نُكَابِدُ مِنْ أَمْرِ هذَا الْجُنْدِ وَالْعَدُوِّ مَشَقَّةً وَيُكَابِدُونَهُ، ثُمَّ نَعْلُو بَعْدُ وَيَعْلُو أَمْرُنَا، وَأَمَّا نُزُولُنَا مِنَ القُنَّةِ العَالِيَةِ إِلى الأَرْضِ السَّهْلَةِ الدَّمِثَةِ وَالزَّرْعِ وَالعُيُونِ وَالقُرَى وَالْحُصُونِ، فَإِنَّا نَنْزِلُ إِلى أَمْرٍ أَسْهَلَ مِمَّا كُنَّا فِيهِ مِنَ الخَصْبِ وَالمَعَاشِ، وَأَمَّا قَوْلِي لِلمُسلِمِينَ: شُنُّوا الغَارَةَ عَلى أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَإِني ضَامِنٌ لَكُمُ الْفَتْحَ وَالْغَنِيمَةَ فَإِنَّ ذلِكَ دُنُوُّ المسلمينَ إِلى بِلَادِ المُشْرِكِينَ، وَتَرْغِيبِي إِيَّاهُمْ عَلى الجِهَادِ وَالأَجْرِ وَالغَنِيمَةِ الَّتِي تُقْسَمُ لَهُمْ وَقَبُولُهُمْ، وَأَمَّا الرَّايَةُ الَّتي كَانَتْ مَعَكَ فَتَوَجَّهْتَ بِهَا إِلى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُمْ وَدَخَلْتَهَا وَاسْتَأْمَنُوا فَأَمَّنْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تَكونُ أَحَدَ أُمَرَاءِ المُسلمينَ، وَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلى يَدَيْكَ، وَأَمَّا الْحِصْنُ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ لِي فَهُوَ ذلِكَ الوَجْهُ الَّذِي يَفْتَحُ اللَّهُ لِي، وَأَمَّا الْعَرْشُ الَّذِي رَأَيْتَنِي عَلَيْهِ جَالِسًا فَإِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُنِي وَيَضَعُ المُشْرِكِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالى لِيُوسُفَ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ [سورة يوسف: 100]، وَأَمَّا الذي أَمَرَنِي بِطَاعَةِ اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيَّ السُّورَةَ فَإِنَّهُ نَعَى إِلَيَّ نَفْسِي، وَذلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى اللَّهُ إِلَيْهِ نَفْسَهُ حِينَ نَزَلَتْ هذِهِ السُّورَةُ وَعَلِمَ أَنَّ نَفْسَهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: لَآمُرَنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَأَنْهَيَنَّ عَنِ المُنْكَرِ، وَلَأَجْهَدَنَّ فِيمَنْ تَرَكَ أَمْرَ اللَّهِ، وَلَأُجَهزَنَّ الْجُنُودَ إِلى الظَّالِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا حَتَّى يَقُولُوا: اللَّهُ أَحَدٌ أَحَدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، هذَا أَمْرُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِذَا تَوَفَّانِي اللَّهُ فَلاَ يَجِدُنِي اللَّهُ عَاجِزًا وَلَا وَانِيًا، وَلَا فِي ثَوَابِ المُجَاهِدِينَ زَاهِدًا، فَعِنْدَ ذلِكَ أَمَّرَ الأُمَرَاءَ وَبَعَثَ إِلى الشَّامِ الْبُعُوثَ». 

قيادته لجند الأردن

كَانَ شُرَحبِيلُ بنُ حَسَنَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَائِدَ جُندِ الأُردُنِّ، وَهِيَ مِن أَهَمِّ مَنَاطِقِ الشَّامِ، وَتَضُمُّ عَدَدًا مِنَ الحُصُونِ وَالمُدُنِ المُهِمَّةِ، فَضلًا عَن قُربِهَا مِن طُرُقِ الإِمدَادِ البِيزَنطِيَّةِ.

وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأجناد الشام

رَوَى أَبُو بَكرٍ المَروَزِيُّ: “عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى الشَّامِ، فَمَشَى مَعَهُ نَحْوًا مِنْ مِيلَيْنِ، فَقِيلَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ لَوِ انْصَرَفْتَ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَنِ النَّارِ» قَالَ: ثُمَّ بَدَا لَهُ فِي الِانْصِرَافِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَامَ فِي الْجَيْشِ فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ لَا تَعْصُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَجْبُنُوا، وَلَا تُغْرِقُوا نَخْلًا، وَلَا تَحْرِقُوا زَرْعًا، وَلَا تَحْبِسُوا بَهِيمَةً، وَلَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا كَبِيرًا، وَلَا صَبِيًّا صَغِيرًا، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّذِي حَبَسُوهَا فَذَرُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قَدِ اتَّخَذْتِ الشَّيَاطِينُ أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ أَفْحَاصًا فَاضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَسَتَرِدُونَ بَلَدًا يَغْدُو عَلَيْكُمْ وَيَرُوحُ فِيهِ الطَّعَامُ وَالْأَلْوَانُ، فَلَا يَأْتِيَنَّكُمْ لَوْنٌ إِلَّا ذَكَرْتُمُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُرْفَعُ لَوْنٌ إِلَّا حَمَدْتُمُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ» ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: “بَلَغَنَا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأْمُرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنَادِيًا فَيُنَادِي: أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شَيْءٌ فَلْيَقُمْ، فَيَقُومُ أَهْلُ الْعَفْوِ فَيُكَافِئُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا كَانَ مِنْ عَفْوِهِمْ عَنِ النَّاسِ”.

دوره في معركة اليرموك

عِندَمَا عَرَفَ هِرَقلُ تَفَرُّقَ جُيُوشِ المُسلِمِينَ بَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخَاهُ لِأَبَوَيْهِ، وَاسْمُهُ تَذَارِقُ فِي تِسْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَبَعَثَ جَرَجَةَ بْنَ تُوذْرَا إِلَى نَاحِيَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَعَسْكَرَ بِإِزَائِهِ، وَبَعَثَ الدُّرَاقِصَ إِلَى شُرَحْبِيلَ بنِ حَسَنَةَ، وَبَعَثَ الْقَيْقَارَ – وَيُقَالُ: الْقَيْقَلَانُ ابْنُ نَسْطُورِسَ، فِي سِتِّينَ أَلْفًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ. وَقَالَتِ الرُّومُ: وَاللَّهِ لَنَشْغَلَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَنْ أَنْ يُورِدَ الْخُيُولَ إِلَى أَرْضِنَا. 

وَجَمِيعُ عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا سِوَى الْجَيْشِ الَّذِي مَعَ عِكْرِمَةَ ابْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ وَاقِفًا فِي طَرَفِ الشَّامِ رِدْءًا لِلنَّاسِ فِي سِتَّةِ آلَافٍ.

فَكَتَبَ الْأُمَرَاءُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يُعْلِمُونَهُمَا بِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمُ الصِّدِّيقُ أَنْ يَجْتَمِعُوا فَيَكُونُوا جُنْدًا وَاحِدًا، وَالْقَوْا جُنُودَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْتُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ وَاللَّهُ نَاصِرٌ مَنْ نَصَرَهُ، وَخَاذِلٌ مَنْ كَفَرَهُ، وَلَنْ يُؤْتَى مِثْلُكُمْ عَنْ قِلَّةٍ (يَعنِي لَن يُغلَبَ مِثلُكُم بِسَبِبِ قِلَّةِ العَدَدِ)، وَلَكِنْ مِنْ تِلْقَاءِ الذُّنُوبِ (يَعنِي إِن غُلِبْتُمْ فَبِسَبَبِ الذُّنُوبِ)، فَاحْتَرِسُوا مِنْهَا، وَلْيُصَلِّ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِأَصْحَابِهِ. وَقَالَ الصِّدِّيقُ: وَاللَّهِ لَأَشْغَلَنَّ النَّصَارَى عَنْ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ بَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. وَبَعَثَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِالْعِرَاقِ لِيَقْدَمَ إِلَى الشَّامِ، فَيَكُونَ الْأَمِيرَ عَلَى مَنْ بِهِ، فَإِذَا فَرَغَ عَادَ إِلَى عَمَلِهِ بِالْعِرَاقِ.

فَانسَحَبَ أَبُو عُبَيدَةَ مِنْ حِمصَ، وَانسَحَبَ شُرَحبِيلُ بنُ حَسَنَةَ مِنَ الأُردُنِّ، وَانسَحَبَ يَزِيدُ بنُ أَبِي سُفيَانَ مِنْ دِمَشقَ، وَأَخَذَ عَمروُ بنُ العَاصِ فِي الانسِحَابِ تَدرِيجِيًّا مِنْ فِلَسطِينَ لَيَلتَقُوا فِي اليَرمُوكِ.

وَخَرَجَ خَالِدٌ فِي تَعْبِئَةٍ لَمْ تُعَبِّئْهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ فَخَرَجَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ كُرْدُوسًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ (الكَرَادِيسُ أَيِ المُشَاةُ.)، كُلُّ كُرْدُوسٍ أَلْفُ رَجُلٍ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ فِي الْقَلْبِ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَمَعَهُ شُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَمَّرَ عَلَى كُلِّ كُرْدُوسٍ أَمِيرًا، وَعَلَى الطَّلَائِعِ قُبَاثَ بْنَ أَشْيَمَ، وَعَلَى الْأَقْبَاضِ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَالْقَاضِي يَوْمَئِذٍ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَقَاصُّهُمُ الَّذِي يَعِظُهُمْ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَقَارِئُهُمُ الَّذِي يَدُورُ عَلَى النَّاسِ فَيَقْرَأُ “سُورَةَ الْأَنْفَالِ” وَآيَاتِ الْجِهَادِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ. وَكُلُّ جُيُوْشِ الْمُسْلِمِيْنَ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ عَدَدُهُمْ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِيْنَ أَلْفًا، وَالْرُّوْمُ عَدَدُهُمْ قَرِيْبٌ مِنْ مائتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ أَلْفًا، وَكَانَ عَلَى الْخَيَّالَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ الْمُشِيرُ فِي الْحَرْبِ الَّذِي يَصْدُرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنْ رَأْيِهِ.

انتَصَرَ المُسلِمُونَ فِي اليَرمُوكِ، وَجَاءَ خَبَرُ وَفَاةِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

فتح الأردن

بَعدَ انتِصَارِ المُسلِمِينَ فِي اليَرمُوكِ، اتَّجَهَ شُرَحبِيلُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ استِكمَالَ فَتحِ بِلَادِ الأُردُنِّ.

فَافتَتَحَ مُدُنَهَا وَحُصُونَهَا، وَدَخَلَ أَكثَرَهَا عَنوَةً، بَينَمَا صَالَحَ أَهلَ طَبَرِيَّةَ عَلى الصُّلحِ بِأَمرِ أَبِي عُبَيدَةَ بنِ الجَرَّاحِ، فَكَانَ فَتحَهُ قَائِمًا عَلى الحِكمَةِ وَمُرَاعَاةِ مَصلَحَةِ المُسلِمِينَ وَأَهلِ البِلَادِ.

وَلَمَّا استَقَرَّ الأَمرُ لِلمُسلِمِينَ، وَلَّاهُ أَبُو عُبَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِدَارَةَ الأُردُنِّ، فَأَصبَحَ أَوَّلَ وَالٍ لِلمُسلِمِينَ عَليهَا.

موقفه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند عزله

لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ نَزَعَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَأَمَّرَ مَكَانَهُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ الْجَابِيَةَ فَنَزَعَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، وَأَمَرَ جُنْدَهُ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فِي الْأُمَرَاءَ الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعَجَزْتُ أَمْ خُنْتُ؟ قَالَ: لَمْ تَعْجَزْ وَلَمْ تَخُنْ، قَالَ: فَفِيمَ عَزَلْتَنِي؟ قَالَ: تَحَرَّجْتُ أَنْ أُؤَمِّرَكَ وَأَنَا أَجِدُ أَقْوَى مِنْكَ، قَالَ: فَاعْذُرْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، (أي اعذُرنِي أَمَامَ النَّاسَ) قَالَ: سَأَفْعَل، وَلَوْ عَلِمْتُ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ أَفْعَلْ (أي لَو كَانَ غَيرَ ذَلِكَ لَم أَعذُرْكَ أَمَامَ النَّاسَ)، قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ فَعَذَرَه.

زهده وورعه

مِنَ المَوَاقِفِ الَّتِي تُصَوِّرُ حَقِيقَةَ زُهدِهِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالحَاكِمُ: عَنِ الشِّفَاءِ ابْنَةِ عَبْدِ اللهِ، قَالَتْ: “جِئْتُ يَوْمًا حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَسَألتُهُ وَشَكَوْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ يَعْتَذرُ إِلَيَّ وَجَعَلْتُ أَلُومُهُ. قَالَتْ: ثُمَّ حَانَتِ الصَّلَاةُ الْأُولَى، فَدَخَلْتُ بَيْتَ ابْنَتِي، وَهِيَ عِنْدَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ، فَوَجَدْتُ زَوْجَهَا فِي الْبَيْتِ، فَجَعَلْتُ أَلُومُهُ، وَقُلْتُ: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ هَهُنَا؟ فَقَالَ: يَا عَمَّةُ، لَا تَلُومِينِي، كَانَ لِي ثَوْبَانِ اسْتَعَارَ أَحَدَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ. فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي كُنْتُ أَلُومُهُ مُنْذُ الْيَوْمَ وَهَذِهِ حَالُهُ وَلَا أَشْعُرُ، فَقَالَ شُرَحْبِيلٌ: مَا كَانَ إِلَّا دِرْعٌ رَقَّعْنَاهُ.

موقفه من طاعون عمواس

رَوَى الحَاكِمُ: “عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ غَنْمٍ، قَالَ: وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ، فَخَطَبَنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْسٌ، فَفِرُّوا مِنْهُ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ شُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ، فَقَالَ: كَذَبَ عَمْرٌو (أَي أَخطَأَ عَمرٌو)، صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَعَمْرٌو أَضَلُّ مِنْ جَمَلِ أَهْلِهِ (وَفِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ مِن حِمَارِ أَهلِهِ، يُشِيرُ بِذَلِك أَنَّهُ مِنَ السَّابِقِينَ، وَأَمَّا عَمرٌو فَتَأَخَّرَ إِسلَامُهُ)، وَلَكِنَّهُ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ، وَوَفَاةُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ”.

تنبيه: عِبَارَةُ «كَذَبَ عَمرٌو» فِي لُغَةِ العَرَبِ قَد تَأتِي بِمَعنَى: أَخطَأَ أَو لَم يُصِبْ، وَلَا يَلزَمُ مِنهَا اتِّهَامُ المُخَاطَبِ بِالكَذِبِ.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِأَرضٍ وَأَنتُم بِهَا، فَلَا تَخرُجُوا، فَإِنَّ المَوتَ فِي أَعنَاقِكُم، وَإِذَا كَانَ بِأَرضٍ فَلَا تَدخُلُوهَا، فَإِنَّهُ يُحرِقُ القُلُوبَ»، قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ هُوَ مُنقَطِعٌ.

وفاته في طاعون عمواس

بَعدَ حَيَاةٍ حَافِلَةٍ بِالإِيمَانِ، وَالجِهَادِ، وَالقِيَادَةِ، وََالتَّعلِيمِ، قَبَضَهُ اللهُ فِي طَاعُون عَمَوَاس سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ لِلهِجرَةِ، فِي خِلَافَةِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَومَئِذٍ نَحوَ سَبعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.

وَكَانَ طَاعُونُ عَمَوَاس مِن أَعظَمِ الابتِلَاءَاتِ الَّتِي نَزَلَت بِالمُسلِمِينَ فِي صَدرِ الإِسلَامِ، فَقَد فَقَدَتِ الأُمَّةُ فِيهِ عَدَدًا مِن خِيَرَةِ رِجَالِهَا، وَمِن كِبَارِ قَادَتِهَا وَعُلَمَائِهَا.

وَفِي هَذَا الوَبَاءِ تُوُفِّيَ أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ إِمَامُ العُلَمَاءِ، وَشُرَحبِيلُ بنُ حَسَنَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَغَيرُهُم، فَكَانَ ذَلِكَ مِن أَعظَمِ المَصَائِبِ الَّتِي أَلَمَّت بِالمُسلِمِينَ فِي بِلَادِ الشَّامِ.

غَيرَ أَنَّ المُؤمِنَ يَنظُرُ إِلى البَلَاءِ بِعَينِ الإِيمَانِ، وَقَد ثَبَتَ عَنِ النَّبيِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الطَّاعُون: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

الخاتمة

لَقَد كَانَ شُرَحبِيلُ بنُ حَسَنَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَاحِدًا مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَهُم دَورٌ فِي تَارِيخِ الإِسلَامِ. أَسلَمَ مُبَكِّرًا، وَهَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَصَحِبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَحَمَلَ رِسَالَتَهُ، ثُمَّ وَقَفَ مَعَ أَبِي بَكرٍ فِي قِتَالِ المُرتَدِّينَ، وَانتَقَلَ بَعدَ ذَلِكَ إِلى مَيَادِينِ الشَّامِ، فَكَانَ مِن كِبَارِ قَادَةِ الفَتحِ، وَأَوَّلُ مَن تَوَلَّى وِلَايَةَ الأُردُنِّ لِلمُسلِمِينَ.

وَمَعَ مَا فَتَحَ اللهُ عَلى يَدَيهِ مِنَ البِلَادِ، بَقِيَ قَلبُهُ مُعَلَّقًا بِالآخِرَةِ، مُتَوَاضِعًا، زَاهِدًا، مُحِبًّا لِلسُّنَّةِ، ثَابِتًا عَلى الحَقِّ، حَتَّى لَقِيَ رَبَّهُ فِي طَاعُون عَمَوَاس، رَاجِيًا مَا عِندَ اللهِ مِنَ الأَجرِ وَالثَّوَابِ.

فَرَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ، وَجَزَاهُ عَنِ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزَاءِ، وَجَمَعَنَا بِهِ فِي مُستَقَرِّ رَحمَتِهِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئكَ رَفِيقًا.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  • القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  • السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  • صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  • صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  • المستدرك لأبي عبد الله الحاكم.
  • المعجم الكبير للطبراني.
  • الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني. 
  • أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير. 
  • البداية والنهاية لابن كثير. 
  • تاريخ دمشق لابن عساكر. 
  • تاريخ الأمم والملوك للطبري.