المقدمة
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنعَمَ عَلَينَا بِإِظهَارِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، سَيِّدِ البَشَرِ، وَقَدَّرَ وِلَادَتَهُ فِي شَهْرِ رَبِيع الأَوَّلِ الشَّرِيفِ الأَزهَرِ، وَأَرسَلَهُ كَافَّةً لِلعَالَمِينَ، فَكَانَ خَيرَ مَن بَشَّرَ وَأَنذَرَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى ءَالِهِ وَأَصحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ. أَمَّا بَعدُ:
فَإِنَّ وِلَادَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن أَعظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنعَمَ اللهُ بِهَا عَلَى المُؤمِنِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَد مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولًا مِن أَنفُسِهِم﴾ [سورة آل عمران: ١٦٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلَّا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ١٠٧].
وهو القائل ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الأَخلَاقِ»، والقائلﷺ: «إِنَّمَا أَنَا رَحمَةٌ مُهدَاةٌ».اهـ
رفعة قدره وفضله العظيم ﷺ
فَمِن نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَينَا وَفَضلِهِ وَرَحمَتِهِ وَمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَجُوْدِهِ أَن بَزَغَت شَمسُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَفضَلِ مَخلُوقٍ، صَاحِبِ الكَرَمِ وَالجُودِ، الصَّادِقِ المَصدُوقِ، ذِي النَّسَبِ الشَّرِيفِ المَرمُوقِ، وَذِي الوَجهِ البَهِيِّ الطَّلُوقِ، الشَّفُوقِ الأَرحَمِ، وَالعَطُوفِ الأَكرَمِ، مَنْ بِمَولِدِهِ تَغَيَّرَ مَجرَى الدُّنيَا، مَن بِمَولِدِهِ أَنَارَت الدُّنيَا، فَنُورُهُ نُورُ الدَّهرِ وَأَكثَرُ وَبِعِزِّ الإِسلَامِ الَّذِي هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ أَعَزَّ اللهُ المُؤمِنِينَ، فَاللهُ أَكبَرُ، مَا أَعَزَّ مُحَمَّدًا.
وُلِـــــــدَ الحَبِيبُ وَخَدُّهُ مُتَوَرِّدُ ⁕⁕⁕ وَالنُّـــــــورُ مِن وَجَنَاتِهِ يَتَوَقَّدُ
جِبرِيلُ نَادَى فِي مَــنَصَّةِ حُـسنِهِ ⁕⁕⁕ هَذَا مَلِيحُ الوَجهِ هَذَا الأَوحَـدُ
هَذَا جَمِيلُ النَّعتِ هَذَا المُرتَضَى ⁕⁕⁕ هَذَا جَلِيلُ الوَصفِ هَذَا أَحمَدُ
يَا أَحبَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا مَن تَجتَمِعُونَ حُبًّا بِرَسُولِ اللهِ وَسَيِّدِ النَّاسِ وَأَفضَلِ الخَلقِ ﷺ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِحَبِيبِكُم عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ، وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ١١٣]
وَإِنَّ اللهَ فَضَّلَ مُحَمَّدًا وَاختَصَّهُ بِأَعلَى المَقَامَاتِ بَينَ المَخلُوقَاتِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ أَكْرَمُ الْبَشَرِ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأْفَضَلُ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ، وَأَعْلاهُمْ دَرَجَةً، وَأَقْرَبُهُمْ زُلْفَى.
تعظيم أصحابه ﷺ له وتوقيره وذكر بعض صفاته
الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم قَالُوا فِي وَصفِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ أَجمَلَ الخَلقِ خَلقًا وَخُلُقًا، قَالَ البَرَاءُ مَا رَأَيتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ وَإِذَا ضَحِكَ يَتَلأْلأُ فِي الْجُدُرِ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَانَ وَجْهُهُ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ؟ فَقَالَ لَا بَلْ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَكَانَ مُسْتَدِيرًا.
وَقَالَتْ أُمُّ مَعْبَدٍ فِي بَعْضِ مَا وَصَفَتْهُ بِهِ: أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَحْلَاهُ مِنْ بَعِيدٍ وَأحْسَنُهُ وأبهاه مِنْ قَرِيبٍ.
قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه فِي آخِرِ وَصْفِهِ لَهُ: مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ ومَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ يَقُولُ نَاعِتُهُ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ.
وَرُويَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي وَإِنِّي لِأَذْكُرُكَ فَمَا أَصْبِرُ حَتَّى أَجِيءَ فَأَنْظُرَ إِلَيْكَ وَإِنِّي ذَكَرْتُ مَوْتِي وَمَوْتَكَ فَعَرَفْتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ الْجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَإِن دَخَلتُهَا لَا أَرَاكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [سورة النساء: ٦٩]، فَدَعَا بِهِ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيث أَنَسٍ رضي الله عنه «مَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ»، رَوَاهُ التِّرمِذِّيُّ.
وَمُحَيًّا كَالشَّمسِ مِنكَ مُضِيءٌ أَسفَرَتْ عَنهُ لَيلَةٌ غَرَّاءُ
لَيلَةُ المَولِدِ الَّتِي كَانَت لِلدِّيـ نِ سُرُورٌ بِيَومِهِ وَازدِهَاءُ
يَومَ نَالَت بِوَضعِهِ ابنَةُ وَهْـ بٍ مِنْ فَخَارٍ مَا لَم تَنَلْهُ النِّسَاءُ
وَأَتَت قَومَهَا بِأَفضَلَ مِمَّا حَمَلَت قَبلُ مَريَمُ العَذرَاءُ
وَتَوَالَت بُشرَى الهَوَاتِفِ أَنْ قَد وُلِدَ المُصطَفَى وَحُقَّ الهَنَاءُ
وَلِذَلِكَ كَانَ الِاحتِفَالُ بِمَولِدِهِ الشَّرِيفِ، إِذَا خَلَا عَنِ المُنكَرَاتِ وَاشتَمَلَ عَلَى الطَّاعَاتِ، مِنَ السُّنَنِ الحَسَنَةِ الَّتِي يُثَابُ فَاعِلُهَا عَلَيهَا، لِمَا فِيهِ مِن شُكرِ اللهِ تَعَالَى، وَإِظهَارِ الفَرَحِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَتَجدِيدِ مَحَبَّتِهِ فِي القُلُوبِ، وَتَعلِيمِ سِيرَتِهِ وَأَخلَاقِهِ لِلأَجيَالِ.
معنى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
الِاحتِفَالُ بِالمَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ هُوَ إِظهَارُ بَعضِ مَظَاهِرِ الفَرَحِ وَالسُّرُورِ فَرَحًا بِهَذِهِ النِّعمَةِ العَظِيمَةِ، وَهِيَ نِعمَةُ بُرُوزِ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ إِلَى هَذِهِ الدُّنيَا وَهِدَايَتِنَا بِهِ.
فَلَيسَ المَقصُودُ مِنَ المَولِدِ مُجَرَّدَ اجتِمَاعٍ عَادِيٍّ، وَلَا مَا يَشُوبُهُ مِن مُخَالَفَاتٍ، بَلِ المَقصُودُ أَن يَجتَمِعَ المُسلِمُونَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَذِكرِ شَمَائِلِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيهِ، وَإِطعَامِ الطَّعَامِ، وَتَعلِيمِ النَّاسِ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ الكَرِيمَ هُوَ سَبَبٌ عَظِيمٌ فِي هِدَايَةِ اللهِ لَنَا إِلَى الإِسلَامِ.
شكر الله على نعمة مولد النبي ﷺ
عَمَلُ المَولِدِ شُكرٌ للهِ تَعَالَى عَلَى أَن أَظهَرَ مُحَمَّدًا ﷺ فِي مِثلِ هَذَا الشَّهرِ، وَلَيسَ عِبَادَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَالمُسلِمُونَ الَّذِينَ يَحتَفِلُونَ بِمَولِدِهِ ﷺ لَا يَعبُدُونَ مُحَمَّدًا، بَل يَعبُدُونَ اللهَ وَحدَهُ، وَيَشكُرُونَهُ عَلَى نِعمَةِ إِرسَالِ هَذَا الرَّسُولِ الكَرِيمِ.
وَقَد سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَن صَومِ يَومِ الِاثنَينِ فَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ: «ذَاكَ يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ – أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ»، فَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ يَومَ وِلَادَتِهِ ﷺ يَومٌ لَهُ مَزِيَّةٌ، وَأَنَّ شُكرَ اللهِ فِيهِ بِالطَّاعَةِ أَمرٌ حَسَنٌ.
وَإِذَا كَانَ صِيَامُ يَومِ الِاثنَينِ شُكرًا للهِ عَلَى نِعمَةِ المَولِدِ وَالوَحيِ، فَإِنَّ الِاجتِمَاعَ عَلَى القُرءَانِ وَالذِّكرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِطعَامِ الطَّعَامِ وَتَعلِيمِ السِّيرَةِ مِن بَابِ شُكرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النِّعمَةِ العُظمَى.
وَرَحِمَ اللهُ البُوصِيرِيَّ إِذ يَقُولُ:
مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الكَونَينِ وَالثَّقَلَينِ *** وَالفَرِيقَينِ مِن عُرُبٍ وَمِن عَجَمِ
هُوَ الحَبيبُ الَّذِي تُرجَى شَفَاعَتُهُ *** لِكُلِّ هَولٍ مِنَ الأَهوَالِ مُقتَحِمِ
فَاقَ النَّبِيِّينَ فِي خَلقٍ وَفِي خُلُقٍ *** وَلَم يُدَانُوهُ فِي عِلمٍ وَلَا كَرَمِ
مُنَزَّهُ عَن شَرِيكٍ فِي مَحَاسِنِهِ *** فَجَوهَرُ الحُسنِ فِيهِ غَيرُ مُنقَسِمِ
دَع مَا ادَّعَتهُ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِمِ *** وَاحكُم بِمَا شِئتَ مَدحًا فِيهِ وَاحتَكِمِ
وَانسُب إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئتَ مِن شَرَفٍ *** وَانسُب إِلَى قَدرِهِ مَا شِئتَ مِن عِظَمِ
فَإِنَّ فَضلَ رَسُولِ اللهِ لَيسَ لَهُ *** حَدٌّ فَيُعرِبَ عَنهُ نَاطِقٌ بِفَمِ
كَأَنَّهُ وَهْوَ فَردٌ مِن جَلَالَتِهِ *** في عَسكَرٍ حِينَ تَلقَاهُ وَفِي حَشَمِ
لَا طِيبَ يَعدِلُ تُربًا ضَمَّ أَعظُمَهُ *** طُوبَى لِمُنتَشِقٍ مِنهُ وَمُلتَثِمِ
ما يفعل في المولد من الطاعات
إِنَّ مَا يُفعَلُ فِي المَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ إِذَا كَانَ مِنَ الطَّاعَاتِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا أَمَرَ بِهِ الشَّرعُ، وَمِن ذَلِكَ:
• قِرَاءَةُ القُرءَانِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاقرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرءَانِ﴾ [سورة المزمل: ٢٠].
• ذِكرُ اللهِ تَعَالَى، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاذكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٤٥].
• الدُّعَاءُ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ادعُوا رَبَّكُم تَضَرُّعًا وَخُفيَةً﴾ [سورة الأعراف: ٥٥].
• التَّعَاوُنُ عَلَى الخَيرِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى﴾ [سورة المائدة: ٢].
• مَدحُ الرَّسُولِ ﷺ وَتَعظِيمُهُ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [سورة الفتح: ٩]، وَالتَّعزِيرُ هُنَا بِمَعنَى التَّعظِيمِ، وَالمَدحُ مِنَ التَّعظِيمِ.
• إِطعَامُ الطَّعَامِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيُطعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [سورة الإنسان: ٨].
• التَّذكِيرُ بِالخَيرِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكرَى تَنفَعُ المُؤمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات: ٥٥].
• الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٦].
فَإِذَا كَانَ كُلُّ مَا يُفعَلُ فِي المَولِدِ مِن هَذِهِ الطَّاعَاتِ مَأمُورًا بِهِ فِي القُرءَانِ وَالسُّنَّةِ، فَأَينَ الحَرَامُ فِي ذَلِكَ إِذَا خَلَا العَمَلُ عَنِ المُنكَرَاتِ؟
فَعَمَلُ المَولِدِ خَيرٌ وَبَرَكَةٌ، وَلَيسَ شَيئًا يَرُدُّ الأُمَّةَ إِلَى الوَرَاءِ، وَلَيسَ شَيئًا يُؤَخِّرُهَا، بَل يُجَدِّدُ حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَلبِ المُسلِمِ، وَيَبُثُّ فِيهِ الشُّعُورَ بِالحُبِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالمَيلِ إِلَيهِ، وَيُذَكِّرُهُ بِمَكَارِمِ أَخلَاقِهِ وَشَرِيعَتِهِ وَرَحمَتِهِ.
استحسان المسلمين عمل المولد والحث عليه والرد على بعض الشبه التي تثار حوله
وَقَدِ استَحسَنَ المُسلِمُونَ عَمَلَ المَولِدِ إِذَا خَلَا عَنِ المُنكَرَاتِ، كَتَحرِيفِ اسمِ اللهِ، أَوِ الكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَو مَا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ. فَالمُعتَبَرُ فِي هَذَا العَمَلِ أَن يَكُونَ قَائِمًا عَلَى الخَيرِ وَالأَدَبِ وَالتَّعظِيمِ المَشرُوعِ.
- فَالْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ ولا يُقالُ عَنْهُ لوْ كانَ خَيْرًا لَدَلَّ الرَّسُولُ أُمَّتَهُ عليهِ فَجَمْعُ الْمُصْحَفِ وَنَقْطُهُ وتَشْكيلُهُ عَمَلُ خَيرٍ مَعَ أنَّهُ ﷺ ما نَصَّ عليهِ ولا عَمِلَهُ.
- وَالْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ ولا يُقالُ الرَّسُولُ لَمْ يأتِ بِه فَلا نَعْمَلُهُ احْتِجَاجًا بِقولِهِ تعالى: ﴿وَما ءاتَاكُمُ الرَّسولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنْهُ فانْتَهوا﴾ [سورة الحجر: ٧]، فَلَيْسَ كُلُّ أمْرٍ لَمْ يأمُرْنا بِهِ الرَّسُولُ ولا نَهانا عَنْهُ فَهُوَ حَرامٌ، فالرَّسُولُ لَمْ يأمُرْنا بِنَقْطِ الْمُصْحَفِ ولا بجمع الناس على قارئ واحد في التراويح ولا نَهانا عَنْهُ فلَيْسَ حَرامًا عَلَيْنَا عَمَلُهُ لأنَّهُ مُوافِقٌ لِدينِهِ ﷺ، كَذَلِكَ عَمَلُ الْمَوْلِدِ الرَّسُولُ لَمْ يأمُرْنا بِهِ ولا نَهانا عَنْهُ فَلَيْسَ حَرامًا عَلَيْنا عَمَلُهُ لأَنَّهُ مُوافِقٌ لِدِينِهِ ﷺ.
- وَالْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ نَهْيٍ مِنْهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: «مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا ما لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌ» لأنَّهُ ﷺ أَفْهَمَنَا بِقَوْلِهِ «ما لَيْسَ مِنْهُ» أَنَّ الْمُحْدَثَ إِنَّما يَكُونُ ردًّا أيْ مَرْدُودًا إِذا كانَ على خِلافِ الشَّريعَةِ، وأَنَّ الْمُحْدَثَ الْمُوافِقَ لِلشَّريعَةِ لَيْسَ مَرْدُودًا. فالرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَقُلْ مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هَذا فَهُوَ رَدٌّ بَلْ قَيَّدَهَا بِقَولِهِ «ما لَيْسَ مِنْهُ» لِيُبَيِّنَ لَنَا أنَّ الْمُحْدَثَ إِنْ كانَ مِنْهُ (أي مُوافِقًا لِلشَّرْعِ) فَهُوَ مَشْرُوعٌ وإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ (أي لَمْ يَكُنْ موافِقًا لِلشَّرْعِ) فَهُوَ مَمْنوعٌ. وَلَمَّا كانَ عَمَلُ الْمَوْلِدِ أمْرًا مَشروعًا بِالدَّليلِ النَّقْلِيِّ مِنْ قُرْءانٍ وَسُنَّةٍ ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِمَرْدُودٍ.
- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ فيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ لَمْ يَكْتَمِلْ وَلا تَكذيبًا لِقَولِهِ تعالى في سورةِ المائدةِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائد: ٣]، لأنَّ مَعْناها أنَّ قواعِدَ الدِّينِ تَمَّت، وقَد نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قُرءانٌ كثيرٌ، ونَزَلَتْ ءايةُ الرِّبا وَنَزَلَت ءايةُ الكَلالَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. فآخِرُ ءايَةٍ نَزَلَتْ هِيَ قولُهُ تعالى في سورةِ البقرةِ: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فيهِ إِلى اللهِ ثُمَّ تُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُون﴾ [سورة البقرة: ٢٨١]، ذَكَرَ ذَلِكَ القُرطُبِيُّ في تَفْسيرِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما.
- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ فيهِ اتَّهامٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْخِيانَةِ بِدَعْوى أنَّهُ لَمْ يُعَرِّفْ أُمَّتَهُ بِهِ، فإِنْ كانَ كُلُّ فِعْلٍ أُحْدِثَ بَعْدَ الرَّسُولِ لَمْ يُعَرِّفِ النَّبِيُّ أُمَّتَهُ بِهِ مِمَّا هُوَ موافِقٌ لِلقُرءانِ والسُّنةِ يَكونُ فيه اتَّهامٌ لِلرَّسولِ بِالْخِيانَةِ فَعلى هذَا الكلامِ الفاسدِ فإنَّ أبا بَكرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وَعَلِيًّا وعُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ وصَفوةً مِنْ عُلَماءِ الأُمَّةِ اتَّهَمُوا الرَّسُولَ بِالْخِيانَةِ لأنَّهُم أَحْدَثُوا أشياءَ موافِقَةً للقُرءانِ والسُّنةِ مِمَّا لَمْ يُعَرِّفِ الرَّسولُ أُمَّتَهُ بِها.
- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَمَنِ اشْتَرَطَ لِجَوازِهِ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ عَمِلَهُ فَشَرْطُهُ باطِلٌ كَمَا أنَّ نَقْطَ الْمُصْحَفِ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَمَنِ اشْتَرَطَ لِجَوازِهِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ عَمِلَهُ فَشَرْطُهُ باطِلٌ لأنَّ هَذَينِ الشَّرْطَيْنِ لا أصْلَ لَهُمَا في دينِ اللهِ تعالى والرَّسُولُ ﷺ يقُولُ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتابِ اللهِ تعالى فَهُوَ باطِلٌ وإِنْ كانَ مِائَةَ شَرْطٍ»، رَواهُ البخاري.
- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ داخِلًا في البِدَعِ الَّتي نَهَى عَنْها رَسولُ اللهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «وكُلُّ بِدْعَةٍ ضلالَةٌ» وَقالَ النَّوَوَيُّ في شَرحِ صَحيحِ مُسْلِمٍ ما نَصُّهُ: “قَوْلُهُ ﷺ: «وَكُلُّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ» هَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ (أي لَفْظُهُ عامٌّ وَمَعناهُ مَخْصوصٌ)، وَالمُرَادُ بِهِ غالِبُ البِدَعِ”. وَمِنَ الأَمْثِلَةِ على العامِّ المَخصُوصِ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ: «كُلُّ عَيْنٍ زانيةٌ» وَمْعلومٌ شَرْعًا أنَّ هذا الْحديثَ لا يَشْمَلُ أَعْيُنَ الأنبياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لأنَّ اللهَ تعالى عَصَمَهُم مِنْ ذَلِكَ.
- وَمِنَ الأَمثِلَةِ عَلَى البِدَعِ المَنهِيِّ عَنهَا فِي الشَّرعِ كَبِدعَةِ المُجَسِّمَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ اللهَ جِسمٌ وَجَالِسٌ عَلَى العَرشِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ وَكَالمُعتَزِلَةِ القَائِلِينَ بِأَنَّ العَبدَ يَخلُقُ فِعلَهُ وَبِأَنَّ اللهَ مَا قَدَّرَ جَمِيعَ الأَشيَاءِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ فيهِ اخْتِزَالٌ لِمَحَبَّتِهِ ﷺ في يَوْمٍ واحِدٍ ألَيْسَ الرَّسُولُ ﷺ قال لِليهُودِ: «نَحْنُ أوْلى بِمُوسَى مِنْكُم» وَأَمَرَ بِصَوْمِ عاشُورَاءَ، فَهَلْ يَكُونُ الرَّسولُ بِذَلِكَ اخْتَزَلَ مَحَبَّةَ مُوسَى عليه السلام في يومٍ واحِدٍ فَقَط؟!
- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وإِظْهارُنَا لِلفَرَحِ والسُّرورِ في مِثْلِ هَذا اليوم بِوِلادَتِهِ وَبِعْثَتِهِ لَيْسَ قَدْحًا في مَحَبَّتِنا لَهُ لِمُجَرَّدِ أنَّ يَوْمَ وَفاتِهِ كانَ في نَظيرِ يَوْمِ وِلادَتِهِ لأنَّ أيامَ الأُسبوعِ على مَرِّ العُصُورِ لا يَخْلُو مِنها يَوْمٌ إِلا وَحَصَلَ فيهِ حادِثٌ أو مُصيبَةٌ ألَمَّتْ بِالْمُسلمينَ وأحْزَنَتْهُم، فَعَلَى قَوْلِكُم الْمُسْلِمونَ لا يَحْتَفِلُونَ بِعُرْسٍ ولا بِعيدٍ لأنَّهُ قَد يَكُونُ في مِثْلِ اليوْمِ الَّذي ماتَ فيهِ الرَّسُولُ أو في مِثْلِ اليَومِ الَّذي كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُقَّتْ شَفَتُهُ الشَّريفَةُ كَمَا حَصَلَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ.
- ثُمَّ ألَيْسَ الرَّسُولُ ﷺ قال: «خَيرُ يوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فيهِ خُلِقَ ءادَمُ وفيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وفيه أُخْرِجَ مِنْهَا» رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحيحِ، فَتَفْضيلُ الرَّسُولِ لِيوْمِ الْجُمُعَةِ وَتَفْضيلُنا لِهَذا اليوْمِ لَيْسَ فيهِ قَدْحٌ في مَحَبَّتِنا لآدَمَ مَعَ أنَّهُ نَظيرُ اليَومِ الَّذي أُخْرِجَ فيهِ مِنَ الْجَنَّةِ، كَذَلِكَ إِظْهارُنا لِلْفَرَحِ في مِثْلِ يَوْمِ مَولِدِهِ ما فيهِ قَدْحٌ لِمَحَبَّتِنا لَهُ مَعَ أنَّ وَفاتَهُ كَانَت في مِثْلِ هَذا اليومِ.
- الْمَوْلِدُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلا نُحَرِّمُهُ بِسَبَبِ ما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ فيهِ فَمَعْلومٌ أنَّ الحَجَّ في أيَّامِنا هذِهِ وَمِنْ قَبْلُ يَحْصُلُ فيهِ مُنْكَراتٌ مِنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ حَتَّى إِنَّهُ ومُنْذُ زَمَنٍ قال بَعْضُ العُلماءِ “ما أكْثَرَ الضَّجيجَ وأقَلَّ الْحَجيجَ”، كُلُّ هَذا لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ الْحَجِّ أوْ مَنْعِ النَّاسِ مِنْهُ، كَذَلِكَ سائِرُ العِبادَاتِ، كَذَلِكَ الْمولِدُ إنْ حَصَلَ فيهِ مُنكراتٌ مِنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ فلا نُحَرِّمُهُ على الإطْلاقِ بَلْ نُحَرِّمُ ما يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ فيهِ مِمَّا يُخالِفُ دينَ الله. ثُمَّ إِنْ حَصَلَ فَسادٌ في مَسْجِدٍ أيُغْلَقُ الْمَسْجِدُ أمْ يُنْهَى عَنِ الفَسَادِ الّذي فُعِلَ فيهِ؟
تعظيم النبي ﷺ ومحبته
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرسَلنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِتُؤمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [سورة الفتح:٨-٩]. فَاللهُ تَعَالَى أَمَرَ بِتَعظِيمِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَوقِيرِهِ، وَتَعظِيمُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَابِعٌ مِن مَحَبَّةِ المُسلِمِينَ لَهُ، وَمِن حِفظِ الجَمِيلِ لِهَذَا النَّبِيِّ الكَرِيمِ.
فَالرَّسُولُ ﷺ هُوَ الَّذِي عَلَّمَنَا التَّوحِيدَ، وَعَلَّمَنَا أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ لَا يُشبِهُ المَوجُودَاتِ، مَوجُودٌ بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ، وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، مَوصُوفٌ بِصِفَاتِ الكَمَالِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، مُنَزَّهٌ عَن كُلِّ نَقصٍ فِي حَقِّهِ، ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: ١١].
وَمِن تَعظِيمِهِ ﷺ أَن نُكثِرَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ، وَأَن نَتَعَلَّمَ سِيرَتَهُ، وَأَن نَتَخَلَّقَ بِأَخلَاقِهِ، وَأَن نُعَلِّمَ أَبنَاءَنَا حُبَّهُ وَتَعظِيمَهُ وَاتِّبَاعَهُ.
بشائر حمل ءامنة بالنبي ﷺ
ذُكِرَت فِي كُتُبِ السِّيرَةِ وَدَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بَشَائِرُ كَثِيرَةٌ وَأَنوَارٌ عَظِيمَةٌ صَاحَبَت حَملَ السَّيِّدَةِ ءَامِنَةَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمِن ذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِن أَنَّهَا رَأَت فِي حَملِهَا خِفَّةً وَبَرَكَةً، وَأَنَّهَا قَالَت: «وَاللهِ مَا رَأَيتُ مِن حَملٍ هُوَ أَخَفُّ مِنهُ وَلَا أَعظَمُ بَرَكَةً».
وَمِنَ البَشَائِرِ أَنَّهَا رَأَت أَو أُلهِمَت أَنَّهَا حَمَلَت بِسَيِّدِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ إِلَى الأَرضِ فَلتَقُل: «أُعِيذُهُ بِالوَاحِدِ، مِن شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ»، وَأَنَّ مِن ءَايَةِ ذَلِكَ أَن يَخرُجَ مَعَهُ نُورٌ يَملَأُ قُصُورَ بُصرَى مِن أَرضِ الشَّامِ، وَأَن تُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا.
وَهَذِهِ البَشَائِرُ كُلُّهَا تُشِيرُ إِلَى عِظَمِ شَأنِ هَذَا المَولُودِ الكَرِيمِ، وَإِلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَظهَرَ بِمَولِدِهِ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ.
نور المولد وما صاحبه من الآثار
مِن أَعظَمِ مَا ذُكِرَ فِي بَرَكَاتِ مَولِدِهِ ﷺ خُرُوجُ النُّورِ مَعَهُ، حَتَّى أَضَاءَت لَهُ قُصُورُ الشَّامِ. وَمَعنَى ذَلِكَ أَنَّ مَولِدَهُ ﷺ كَانَ إِعلَانًا عَن فَجرٍ جَدِيدٍ لِلدُّنيَا، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَظهَرَ بِهِ النُّورَ الَّذِي يَهدِي إِلَى الإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ وَمَحَاسِنِ الأَخلَاقِ.
وَقَد وَرَدَ فِي ذِكرِ ءَاثَارِ مَولِدِهِ ﷺ أَنَّ بَعضَ العَلَامَاتِ العَظِيمَةِ حَدَثَت لَيلَةَ وِلَادَتِهِ، كَانتِكَاسِ بَعضِ مَعَالِمِ الكُفرِ، وَارتِجَاجِ إِيوَانِ كِسرَى، وَانطِفَاءِ نَارِ فَارِسَ الَّتِي كَانُوا يُعَظِّمُونَهَا، وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ أَهلُ السِّيرَةِ وَدَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
وَعِندَ البَيهَقِيِّ وَغَيرِهِ أَنَّ آمِنَةَ بِنتَ وَهبٍ قَالَت: لَقَد عَلِقتُ بِهِ -تَعنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- فَمَا وَجَدتُ لَهُ مَشَقَّةً حَتَّى وَضَعتُهُ، فَلَمَّا فَصَلَ مِنِّي خَرَجَ مَعَهُ نُورٌ أَضَاءَ لَهُ مَا بَينَ المَشرِقِ إِلَى المَغرِبِ، ثُمَّ وَقَعَ إِلَى الأَرضِ مُعتَمِدًا عَلَى يَدَيهِ، ثُمَّ أَخَذَ قَبضَةً مِنَ التُّرَابِ فَقَبَضَهَا، وَرَفَعَ رَأَسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ بَعضُهُم: وَقَعَ جَاثِيًا عَلَى رُكبَتَيهِ، وَخَرَجَ مَعَهُ نُورٌ أَضَاءَت لَهُ قُصُورُ الشَّامِ وَأَسوَاقُهَا، حَتَّى رَأَيتُ أَعنَاقَ الإِبِلِ بِبُصرَى، رَافِعًا رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ.
وَرَوَى ابنُ سَعدٍ وَالبَيهَقِيُّ عَن عُثمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ: حَدَّثَتنِي أُمِّي أَنَّهَا شَهِدَت وِلَادَةَ آمِنَةَ بِنتِ وَهبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيلَةَ وَلَدَتهُ، قَالَت: فَمَا شَيءٌ أَنظُرُ إِلَيهِ فِي البَيتِ إِلَّا نُورٌ، وَإِنِّي أَنظُرُ إِلَى النُّجُومِ تَدنُو حَتَّى إِنِّي لِأَقُولُ: لَيَقَعنَ عَلَيَّ.
وَذَكَرَ القَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الشِّفَاءِ أُمِّ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ أَنَّهَا كَانَت قَابِلَتَهُ، وَأَنَّهَا أَخبَرَت بِهِ حِينَ سَقَطَ عَلَى يَدَيهَا وَاستَهَلَّ سَمِعَت قَائِلًا -أَي تَسمَعُ صَوتًا وَلَا تَرَى أَحَدًا- يَقُولُ: يَرحَمُكَ اللَّهُ. وَإِنَّهُ سَطَعَ مِنهُ نُورٌ رُئِيَت مِنهُ قُصُورُ الرُّومِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِسحَاقَ: فَلَمَّا، وَضَعَتهُ بَعَثَت إِلَى عَبدِ المُطَّلِبِ جَارِيَتَهَا –وَقَد مَاتَ أَبُوهُ وَهِيَ حُبلَى- فَقَالَت: قَد وُلِدَ لَكَ اللَّيلَةَ غُلَامٌ فَانظُر إِلَيهِ، فَلَمَّا جَاءَهَا أَخبَرَتهُ وَحَدَّثَتهُ بِمَا كَانَت رَأَت حِينَ حَمَلَت بِهِ وَمَا قِيلَ لَهَا فِيهِ وَمَا أُمِرَت أَن تُسَمِّيَهُ، فَأَخَذَهُ عَبدُ المُطَّلِبِ فَأَدخَلَهُ فِي جَوفِ الكَعبَةِ، فَقَامَ عَبدُ المُطَّلِبِ يَدعُو وَيَشكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَقُولُ:
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعطَانِي … هَذَا الغُلَامَ الطَّيِّبَ الأَردَانِ
أُعِيذُهُ مِن كُلِّ ذِي شَنَآنِ … مِن حَاسِدٍ مُضطَرِبِ العِنَانِ
وَفِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِأَبِي نُعَيمٍ: عَنِ ابنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ بُرَيدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُستَرضَعًا فِي بَنِي سَعدِ بنِ بَكرٍ، فَقَالَت أُمُّهُ آمِنَةُ لِمُرضِعَتِهِ: انظُرِي ابنِي هَذَا فَسَلِي عَنهُ، فَإِنِّي رَأَيتُ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي شِهَابٌ أَضَاءَت لَهُ الأَرضُ كُلُّهَا حَتَّى رَأَيتُ قُصُورَ الشَّامِ، فَسَلِي عَنهُ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَومٍ مَرَّت بِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي المَجَازِ إِذَا كَاهِنٌ مِن تِلكَ الكُهَّانِ، وَالنَّاسُ يَسأَلُونَهُ، فَقَالَت: لَأَسأَلَنَّ عَنِ ابنِي هَذَا مَا أَمَرَتنِي بِهِ أُمُّهُ آمِنَةُ، قَالَ: فَجَاءَت بِهِ، فَلَمَّا رَآهُ الكَاهِنُ أَخَذَ بِذِرَاعَيهِ وَقَالَ: أَي قَومُ، اقتُلُوهُ، اقتُلُوهُ، أَي قَومُ، اقتُلُوهُ، اقتُلُوهُ، قَالَت: فَوَثَبَت عَلَيهِ، فَأَخَذَت بِعَضُدَيهِ وَاستَغَثتُ، فَجَاءَ أُنَاسٌ كَانُوا مَعَنَا، فَلَم يَزَالُوا حَتَّى انتَزَعُوهُ مِنهُ وَذَهَبُوا بِهِ.
وَحدَّثَ دَاوُدُ بنُ أَبِي هِندٍ قَالَ: تُوُفِّيَ أَبُو النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُّهُ حُبلَى بِهِ، فَلَمَّا وَضَعَتهُ نَارَتِ الظِّرَابُ لِوَضعِهِ، وَاتَّقَى الأَرضَ بِكَفَّيهِ حِينَ وَقَعَ، وَأَصبَحَ يَتَأَمَّلُ السَّمَاءَ بِعَينَيهِ، وَكَفَؤُوا عَلَيهِ بُرمَةً ضَخمَةً فَانفَلَقَت عَنهُ فِلقَتَينِ.
وَرُوِيَ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ أَبَا طَالِبٍ يُحَدِّثُ أَنَّ آمِنَةَ بِنتَ وَهبٍ لَمَّا وَلَدَتِ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ عَبدُ المُطَّلِبِ، فَأَخَذَهُ وَقَبَّلَهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: هُوَ وَدِيعَتِي عِندَكَ، لَيَكُونَنَّ لِابنِي هَذَا شَأنٌ، ثُمَّ أَمَرَ فَنُحِرَتِ الجَزَائِرُ، وَذُبِحَتِ الشَّاءُ، وَأُطعِمَ أَهلُ مَكَّةَ ثَلَاثًا، ثُمَّ نُحِرَ فِي كُلِّ شِعبٍ مِن شِعَابِ مَكَّةَ جَزُورٌ لَا يُمنَعُ مِنهُ إِنسَانٌ وَلَا سَبُعٌ وَلَا طَائِرٌ.
وَلَيسَ المَقصُودُ مِن ذِكرِ هَذِهِ الآثَارِ مُجَرَّدَ حِكَايَةِ عَجَائِبَ، بَلِ المَقصُودُ أَن يَتَذَكَّرَ المُؤمِنُ أَنَّ وِلَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَت رَحمَةً وَهِدَايَةً وَبِدَايَةَ نُورٍ عَظِيمٍ لِلعَالَمِينَ.
ءاثار المولد في الدنيا
بِمَولِدِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ تَغَيَّرَ مَجرَى الدُّنيَا، فَقَد جَاءَ ﷺ بِالتَّوحِيدِ، وَدَعَا إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ، وَأَمَرَ بِمَكَارِمِ الأَخلَاقِ، وَنَهَى عَن مَسَاوِئِهَا، وَكَانَ كَمَا قَالَ ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الأَخلَاقِ».
وَكَانَ ﷺ رَحمَةً مُهدَاةً، أَخرَجَ اللهُ بِهِ مَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ مِنَ الضَّلَالِ إِلَى الهُدَى، وَمِنَ الجَهلِ إِلَى العِلمِ، وَمِنَ القَسوَةِ إِلَى الرَّحمَةِ، وَمِنَ الظُّلمِ إِلَى العَدلِ. فَمَولِدُهُ ﷺ لَيسَ حَدَثًا تَارِيخِيًّا فَقَط، بَل هُوَ مَظهَرٌ مِن مَظَاهِرِ رَحمَةِ اللهِ بِالعَالَمِينَ.
ثمرات الاحتفال بالمولد
مِن ثَمَرَاتِ الِاحتِفَالِ بِالمَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ أَنَّهُ يُجَدِّدُ فِي القُلُوبِ مَحَبَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَزِيدُ المُسلِمَ تَعَلُّقًا بِسِيرَتِهِ وَأَخلَاقِهِ، وَيُذَكِّرُهُ بِفَضلِهُ عَلَينَا، وَيَحمِلُهُ عَلَى كَثرَةِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ، وَعَلَى اتِّبَاعِهِ فِي العَقِيدَةِ وَالعَمَلِ وَالأَخلَاقِ.
وَمِن ثَمَرَاتِهِ أَنَّهُ يُعَلِّمُ الأَولَادَ وَالنَّاشِئَةَ سِيرَةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَغرِسُ فِيهِم تَعظِيمَهُ وَمَحَبَّتَهُ، وَيُعَرِّفُهُم بِأَنَّ هَذَا الرَّسُولَ الكَرِيمَ هُوَ الَّذِي دَعَا إِلَى التَّوحِيدِ، وَبَيَّنَ الحَلَالَ وَالحَرَامَ، وَأَرشَدَ إِلَى مَحَاسِنِ الأَخلَاقِ.
وَمِن ثَمَرَاتِهِ أَنَّهُ يَجمَعُ المُسلِمِينَ عَلَى الخَيرِ وَالتَّنَاصُحِ وَالتَّذكِيرِ، وَيَفتَحُ أَبوَابًا مِنَ البِرِّ، كَإِطعَامِ الطَّعَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَتَعلِيمِ العِلمِ، وَمَجَالِسِ الذِّكرِ، وَقِرَاءَةِ القُرءَانِ.
ضوابط الاحتفال المشروع
الِاحتِفَالُ المَشرُوعُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَلَى وَجهِ الطَّاعَةِ وَالأَدَبِ، وَيَخلُو مِن كُلِّ مُنكَرٍ وَمُخَالَفَةٍ لِلشَّرعِ. فَلَا يَجُوزُ أَن يُدخَلَ فِيهِ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا تَحرِيفٌ لِاسمِ اللهِ، وَلَا مَا يُخَالِفُ عَقِيدَةَ أَهلِ السُّنَّةِ، وَلَا مَا حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى.
فَإِن خَلَا المَولِدُ مِنَ المُنكَرَاتِ، وَاشتَمَلَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَتَعلِيمِ النَّاسِ الخَيرَ، فَهُوَ مِنَ السُّنَنِ الحَسَنَةِ، وَمِنَ الأَعمَالِ الَّتِي يُرجَى لِصَاحِبِهَا الثَّوَابُ.
بعض ما يذكر من بركات المولد الشريف
نَقَلَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ الشَّامِيُّ -وَهُوَ مِن تَلَامِيذِ السُّيُوطِيِّ- فِي السِّيرَةِ عَنِ الشَّيخِ أَبِي عَبدِ اللهِ بنِ النُّعمَانِ يَقُولُ: سَمِعتُ الشَّيخَ أَبَا مُوسَى الزَّرهُونِيُّ يَقُولُ: “رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّومِ فَذَكَرتُ لَهُ مَا يُقَالُ فِي عَمَلِ الوَلَائِمِ فِي المَولِدِ فَقَالَ ﷺ: مَن فَرِحَ بِنَا فَرِحنَا بِهِ“.
قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: لَو لَم يَكُن فِي ذَلِكَ إِلَّا إِرغَامُ الشَّيطَانِ وَسُرُورُ أَهلِ الإِيمَانِ.
قَالَ أَحمَدُ بنُ زَينِي دَحلَانَ مَا نَصُّهُ: وَلَازَالَ أَهلُ الإِسلَامِ يَحتَفِلُونَ بِشَهرِ مَولِدِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَيَعمَلُونَ الوَلَائِمَ، وَيَتَصَدَّقُونَ فِي لَيَالِيهِ بِأَنوَاعِ الصَّدَقَاتِ، وَيُظهِرُونَ السُّرُورَ، وَيَزِيدُونَ فِي المَبَرَّاتِ وَيَعتَنُونَ بِقِرَاءَةِ مَولِدِهِ الكَرِيمِ، وَيَظهَرُ عَلَيهِم مِن بَرَكَاتِهِ كُلُّ فَضلٍ عَمِيمٍ.
ثُمَّ قَالَ: فَرَحِمَ اللهُ امرَءًا اتَّخَذَ لَيَالِيَ شَهرِ مَولِدِهِ المُبَارَكِ أَعيَادًا، لِيَكُونَ أَشَدَّ عَلَى مَن فِي قَلبِهِ مَرَضٌ وَإِعيَاءُ دَاءٍ.اهـ
يَقُولُ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ بَعدَ هَذِهِ النُّقُولِ وَغَيرِهَا: فَمَن أَرَادَ تَعظِيمَ النَّبِيِّ ﷺ يَكفِيهِ هَذَا القَدرُ، وَمَن لَم يَكُن عِندَهُ تَعظِيمُ مَولِدِ النَّبِيِّ ﷺ لَو مَلَأتَ لَهُ الدُّنيَا فِي مَدحِهِ ﷺ لَم يَتَحَرَّك قَلبُهُ فِي المَحَبَّةِ لَهُ ﷺ، جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُم مِمَّن يُعَظِّمُهُ وَيَعرِفُ قَدرَهُ وَمِن أَخَصِّ خَاصِّ مُحِبِّيهِ وَأَتبَاعِهِ.
وَرَحِمَ اللهُ القَائِلَ:
سَأَظَلُّ أُعْلِنُهَا لِتَقْتَحِمَ المَدَى.. أَنَا مَا عَشِقْتُ كَمَا عَشِقْتُ مُحَمَّدَا
أَفَلَا أُحِبُّ مَنِ اهْتَدَيْتُ بِدِينِهِ؟ وَاللَّهُ يَمْدَحُهُ بِآيَاتِ الهُدَى
إِنْ كُنْتَ مِثْلِي لَا تَفُتْكَ وَصِيَّتِي.. وَاثْبُتْ عَلَى هَذَا إِلَى يَوْمِ الرَّدَى
إِنْ كُنْتَ مِثْلِي عَاشِقًا لِمُحَمَّدٍ.. فَاسْلُكْ طَرِيقَ الأَشْعَرِيِّ مُرَدِّدَا
وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْتُ عَصْرَ مُحَمَّدٍ.. لَجَعَلْتُ مِنِّي الرُّوحَ لِلْهَادِي فِدَا
وَلَرُحْتُ أَفْتَرِشُ التُّرَابَ لَوِ اقْتَضَى.. أَنْ لَا يَسِيرَ عَلَى التُّرَابِ المُقْتَدَى
سَلَّمْتُ نَفْسِي فِي هَوَاكَ رَضِيَّةً.. وَحَكَّمْتُ قَلْبِي فِي هَوَاكَ مُؤَبَّدَا
هَا نَحْنُ بَعْدَكَ يَا مُحَمَّدُ لَمْ نَزَلْ.. نَحْمِي الشَّرِيعَةَ رَغْمَ مَا عَاثَ العِدَا
وَالبَعْضُ قَدْ شَنُّوا عَلَيَّ وَشَنَّعُوا.. قَالُوا تَعَدَّى إِذْ يُنَادِي أَحْمَدَا
فَأَقُولُهَا وَالكُلُّ فِي هَذَا مَعِي: كُنْ أَشْعَرِيًّا لَا تَكُنْ مُتَرَدِّدَا
صَلُّوا عَلَى خَيْرِ البَرِيَّةِ كُلَّمَا.. صَلَّى عَلَيْهِ مُؤَذِّنٌ رَفَعَ النِّدَا
مَنْ لَا يُحِبُّكَ يَا نَبِيُّ هَجَرْتُهُ …فَمَحَتْهُ رِيحُ ثَبَاتِنَا فَتَبَدَّدَا
لَوْ كَانَ حُسَّادُ النَّبِيِّ يَغِيظُهُمْ .. مَدْحِي لَهُ سَأَظَلُّ أَمْدَحُ سَرْمَدَا
أَوْ كَانَ يُزْعِجُهُمْ إِقَامَةُ مَوْلِدٍ.. فِي كُلِّ يَوْمٍ سَوْفَ أُحْيِي المَوْلِدَا
وَخِتَامُ شِعْرِي دَعْكَ مِنْ مُتَفَيْهِقٍ.. حُبِّي لِطَاهَا سَاءَهُ فَتَعَقَّدَا
وَغَدًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَجْهِي أَبْيَضٌ.. وَيَكُونُ وَجْهُكَ يَا مُعَقَّدُ أَسْوَدَا
يَا مَنْ يُبَاهِي بِالدُّنَا وَبَرِيقِهَا.. إِنِّي أُبَاهِي أَنْ تَبِعْتُ مُحَمَّدَا
يَا مَنْ يُفَاخِرُ مُبْغِضًا لِمُحَمَّدٍ.. إِنَّا نُفَاخِرُ أَنْ نُحِبَّ مُحَمَّدَا
الخاتمة
هَذَا هُوَ نَبِيُّنَا، وَهَذِهِ ذِكرَاهُ، فَإِذَا كَانَتِ الأُمَمُ تَذكُرُ مَا يُسَمُّونَهُم عُظَمَاءَهُم وَيَتَغَنَّونَ بِهِم، فَنَحنُ نَذكُرُ أَعظَمَ الخَلقِ وَأَكرَمَ المُصلِحِينَ، مَن قَلَبَ مَسَارَ التَّارِيخِ، وَأَصلَحَ مِنَ الفَسَادِ مَا لَو أَنفَقتَ مِثلَ الجِبَالِ مَا استَطَعتَ أَن تُصلِحَهُ إِلَّا بِتَوفِيقٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأيِيدٍ مِنهُ.
فَإِن ذَكَرنَاهُ فَمِن حُبِّنَا لَهُ، وَإِن ذَكَرنَا سِيرَتَهُ فَاستِنزَالًا لِلخَيرِ وَالبَرَكَاتِ وَاستِكثَارًا مِنهَا، وَإِن ذَكَرنَا أَخلَاقَهُ فَلِنَتَعَلَّمَ مِنهَا وَنُعَلِّمَ النَّاسَ.
هَذَا مُحَمَّدٌ الَّذِي نُحِبُّهُ، هَذَا مُحَمَّدٌ الَّذِي نَتَّبِعُهُ، هَذَا مُحَمَّدٌ الَّذِي نَعشَقُهُ، هَذَا مُحَمَّدٌ الَّذِي نَسأَلُ اللهَ شَفَاعَتَهُ، هَذَا قَائِدُنَا مُحَمَّدٌ، هَذَا عَظِيمُنَا مُحَمَّدٌ، هَذَا قُرَّةُ أَعيُنِنَا مُحَمَّدٌ، هَذَا شَفِيعُنَا بِإِذنِ اللهِ، مُحَمَّدٌ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هُوَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ، مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولُ اللهِ صَادِقُ الوَعدِ الأَمِينُ.
فَطُوبَى لِمَن جَعَلَ مَولِدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَوسِمًا لِتَجدِيدِ المَحَبَّةِ وَالِاتِّبَاعِ، وَمَوسِمًا لِتَعلِيمِ الخَيرِ، وَمَوسِمًا لِشُكرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى نِعمَةِ سَيِّدِ الخَلقِ ﷺ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.