الرياء ومكايد الشيطان| معاصي القلب (1)

المقدمة

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ لَهُ الحَمدُ وَلَهُ الفَضلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، صَلَوَاتُ اللهِ البَرِّ الرَّحِيمِ وَالمَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَى سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ طَهَ الأَمِينِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ وَمَنِ استَنَّ بِسُنَّتِهِم وَاتَّبَعَ نَهجَهُم إِلَى يَومِ الفَصلِ وَالدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:

أهمية العلم والعمل

وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

أَمَرَنَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ أَن نَعمَلَ لِلآخِرَةِ البَاقِيَةِ وَلَا نَركُضَ وَرَاءَ هَذِهِ الدُّنيَا الفَانِيَةِ، وَالعَمَلُ لِلآخِرَةِ لَا يَكُونُ عَن جَهلٍ فِي عِلمِ الدِّينِ بَل العَمَلُ لِلآخِرَةِ يَكُونُ بِعِلمٍ وَمَن ثَمَّ نُتِبِعُ العِلمَ العَمَلَ، وَهَكَذَا يَكُونُ العَبدُ مِنَّا مُوَافِقًا سَعيُهُ لِمَا أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَكُونُ مِن أَهلِ النَّجَاةِ فِي الآخِرَةِ البَاقِيَةِ، الَّتِي يَنفَعُ العَبدَ فَيهَا عَمَلُهُ الصَّالِحُ المُوَافِقُ لِمَا جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَتَبَيَّنُ لَنَا مِمَا ذَكَرتُ أَنَّ النَّجَاةَ فِي الآخِرَةِ لَا تُطلَبُ بِالجَهلِ بِل بِالعِلمِ.

الاقتداء بالسلف الصالح

وَلِذَا نَجِدُ السَّلَفَ الصَّالِحَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، يَجِدُّونَ وَيَجتَهِدُونَ فِي تَحصِيلِ هَذَا العِلمِ وَلَا يَألُونَ فِي ذَلِكَ جَهدًا وَلَا يَدَّخِرُونَ وَقتًا إِلَّا وَيَشغَلُوهُ بِعِلمِ الدِّينِ تَعَلُّمًا وَتَعلِيمًا.

الوصية بحضور مجالس العلم

يَنبَغِي الاعتِنَاءُ بِحُضُورِ مَجَالِسِ العِلمِ، وَلَا يَنبَغِي أَن نَترُكَ أَنفُسَنَا وَمَن نَستَطِيعُ تَذكِيرَهُ بِحُضُورِ هَذِهِ المَجَالِسِ المُبَارَكَةِ، فَلَو كُشِفَ لَنَا مَا فِي مَجَالِسِ العِلمِ مِنَ الخَيرِ وَالبَرَكَةِ مَا تَرَكنَا مَجلِسَ عِلمٍ إِعطَاءً وَلَا تَلَقِّيًا، وَهَذِهِ مِن وَصَايَا العُلَمَاءِ. 

المعصية الأولى: العُجْب بطاعة الله

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْعُجْبُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَهُوَ شُهُودُ الْعِبَادَةِ صَادِرَةً مِنَ النَّفْسِ غَائِبًا عَنِ الْمِنَّةِ.

الشرح

مِنْ مَعَاصِي الْقَلْبِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْهَدَ الْعَبْدُ عِبَادَتَهُ وَمَحَاسِنَ أَعْمَالِهِ صَادِرَةً مِنْ نَفْسِهِ غَائِبًا عَنْ شُهُودِ أَنَّهَا نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيْ غَافِلًا عَنْ تَذَكُّرِ أَنَّهَا نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِهَا فَأَقْدَرَهُ عَلَيْهَا وَأَلْهَمَهُ فَيَرَى ذَلِكَ مَزِيَّةً لَهُ.

»هُنَا لَا نَتَكَلَّم عَنِ الْفَرَحِ بِالْنِّعْمَةِ وَأَنَّ هَذَا مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْهِوَبَيْنَ أَنْ يَنْسَى أَنَّ هَذَا مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلِيْهِ وَيَرى بِذَلِكَ لَهُ مَزِيَّة«.

حكم العجب

وَالْعُجْبُ لَا يُبْطِلُ الثَّوَابَ إِلَّا إِذَا كَانَ مُقَارِنًا لِلْعَمَلِ أَمَّا إِذَا حَصَلَ بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنَ العَمَلِ فَلَا يُحْبِطُ الثَّوَابَ لَكِنَّهُ حَرَامٌفَمَنْ تَرَكَ العُجْبَ وَابْتَعَدَ عَنْهُ فَقَدْ نَجَا وَسَلِمَ.

علاج العجب

حُكِيَ عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِي أَنَّهُ قَالَ:

»إِذَا خِفْتَ عَلَى عَمَلِكَ العُجْبَ فَاذْكُرُ رِضَا مَنْ تَطْلُبُ وَفِي أَيِّ النَّعَيمِ تَرْغَبُ وَمِنْ أَيِّ عِقَابٍ تَرْهَبُ وَأَيَّ عَاقِبَةٍ تَشْكُرُ وَأَيَّ بِلَادٍ تَذْكُرُ فَإِنَّكَ إِذَا فَكَّرْتَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ صَغُرَ فِي عَيْنِكَ عَمَلُكَ«

بِعِبَارَة أُخْرَى تَذَكَّر المَوْت.

تنبيه: التوفيق والخذلان

اللهُ تَعَالَى يُوَفِّقُ مَن يَشَاءُ لِمَا يَشَاءُ، فَالعِبَادُ مِنهُم مُوَفَّقُونَ خَلَقَ اللهُ فِيهِم القُدرَةَ عَلَى طَاعَتِهِ فَيَزدَادُونَ فِي الطَّاعَةِ وَلَا يَستَعظِمُونَ عَمَلَهُم وَيَنسَونَ فَضلَ اللهِ عَلَيهِم وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ المُوَفِّقُ، وَمِنَ العِبَادِ مَن هُو مَخذُولٌ خَلَقَ اللهُ فِيهِ القُدرَةَ عَلَى المَعصِيَةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَالتَّوفِيقُ هُوَ خَلقُ القُدرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالخُذلَانِ خَلَقَ القُدرَةَ عَلَى المَعصِيَةِ.

فَإِذَا كُنتَ مُوَفَّقًا فَاحمَدِ اللهَ تَعَالَى، لَا تُقَابِلِ الإِحسَانَ بِالإِسَاءَةِ، اللهُ أَحسَنَ إِلَيكَ فَقَابِلِ الإِحسَانَ بِالإِحسَانِ، أَحسَنَ إِلَيكَ بِأَن وَفَّقَكَ لِطَاعَتِهِ وَخَلَقَ فِيكَ القُدَرَةَ عَلَى الطَّاعَةِ فَلِمَاذَا بَعدَ ذَلِكَ تُقَابِلُ هَذَا التَّوفِيقَ بِالذَّنبِ فَتَقَعَ فِي العُجبِ بِالطَّاعَةِ، بَدَلَ أَن تَحمَدَ اللهَ، هُوَ خَالِقُكَ وَخَالِقُ عَمَلِكَ وَيَسَّرَ لَكَ أَسبَابَ الطَّاعَةِ فَعَمِلتَ خَيرًا بِتَوفِيقِهِ سُبحَانَهُ، بَعدَ ذَلِكَ تَنسَى فَضلَهُ عَلَيكَ، وَتَنسَى تَوفِيقَهُ لَكَ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَنسُبُ الفِعلَ لِنَفسِكَ دُونَ أَن تَذكُرَ فَضلَ اللهِ عَلَيكَ.

هَذَا لَا يَنبَغِي وَخُصُوصًا عِندَمَا تَذكُر قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحسِن كَمَا أَحسَنَ اللهُ إِلَيكَ﴾ [القصص:٧٧]

تحذير من الانقطاع عن الطاعة

إِذَا فَعَلتَ طَاعَةً فَاعلَم أَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَن يَسلُبَ عَنكَ هَذَا الفَضلَ وَهَذَا الخَيرَ وَلَا يُمَكِّنُّكَ مِن فِعلِهَا، فَإِيَّاكَ وَالعُجبُ بِطَاعَةِ اللهِ وَلَا تَنسَ فَضلَهُ عَلَيكَ. وَتَذَكَّر أَنَّهُ قَد يَجرِي خَيرٌ عَلَى يَدِ بَعضِ النَّاسِ وَهُوَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ، وَهَذَا سَبَبٌ لِطَردِ العُجبِ أَصلًا، فَإِيَّاكَ أَن تَقَعَ بِالعُجبِ وَابقَ عَلَى الخَوفِ وَالتَّرَقُّبِ وَالانتِبَاهِ لِنَفسِكَ.

نَعَم نَحمَدُ اللهَ أَن مَنَّ عَلَينَا بِالطَّاعَةِ وَبِالتَّوفِيقِ، لَكِن كُن عَلَى الخَوفِ وَالحَذَرِ وَلَا تَعجَب بِطَاعَةِ اللهِ وَتَنسَى فَضلَهُ عَلَيكَ.

حديث: إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر

فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ)

الخلاصة والنصيحة

فَالخُلَاصَةُ فِي الخِتَامِ وَالنَّصِيحَةِ هِيَ أَنَّهُ إِذَا جَرَى عَلَى يَدَيكُم خَيرٌ فَازدَادُوا فِيهِ وَاثبُتُوا عَلَيهِ وَلَا تَقطَعُوهُ وَلَا تَنسَوا أَن تَذكُرُوا فَضلَ اللهِ عَلَيكُم، وَلَا تَفعَلُوا كَمَا يَفعَلُ بَعضُ الأَشخَاصِ أَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ بَلَغَ الغَايَةَ وَالمُنتَهَى فَيَنقَطِعُ عَن طَاعَةِ اللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

بَعضُ النَّاسِ يُعَلِّمُ شَخصًا الفَرضَ العَينِيَّ مِن عِلمِ الدِّينِ، أَو يَفتَحُ دَرسًا فَيَعجَبُ بِنَفسِهِ وَيَترُكُ العَمَلَ رَاكِنًا عَلَى عَمَلِهِ نَاسِيًا لِفَضلِ اللهِ عَلَيهِ، ظَانًّا أَنَّهُ بَلَغَ النِّهَايَةَ وَالغَايَةَ. كُلُّ هَذَا مِن مَدَاخِلِ الشَّيطَانِ فَاحذَرُوهُ.

حَالُ الصَّالِحِينَ الخَائِفِينَ المُتَّقِينَ أَنَّهُم يَتَّهِمُونَ أَنفُسَهُم بِالتَّقصِيرِ وَلَا يَقَعُونَ بِالعُجبِ بِطَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

المعصية الثانية: الشَّكُّ في الله

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالشَّكُّ فِي اللَّهِ.

الشرح

أَنَّ مِنْ مَعَاصِي الْقَلْبِ الشَّكَّ فِي اللَّهِ أَيْ فِي وُجُودِهِ وَكَذَا الشَّكُّ فِي قُدْرَتِهِ أَوْ وَحْدَانِيَّتِهِ أَوْ حِكْمَتِهِ أَوْ عَدْلِهِ أَوْ فِي عِلْمِه أَوْ فِي صِفَةٍ أُخْرَى مِنَ الصِّفَاتِ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ.

»لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تُدْرَكُ مِنْ طَرِيقِ العَقْلِ كَمَا تُدْرَكُ مِنْ طَرِيقِ النَقْلِ«

حكم الشك

فَالشَّكُّ هُنَا يَضُرُّ »فَمَنْ حَصَلَ مِنْهُ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ بِلَا خِلَافٍ« وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدَ تَرَدُّدٍ مَا لَمْ يَكُنْ خَاطِرًا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ بِلَا إِرَادَةٍ.

الدليل من القرآن

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [سُورَةَ الْحُجُرَات/15]

دَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي وُجُودِ اللَّهِ أَوْ قُدْرَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَأَنَّ الإِيمَانَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْجَزْمِ وَأَنَّ التَّرَدُّدَ يُنَافِيهِ.

« فالتَّرَدُّدُ يَضُرُّهُ كَمَا أَنَّ الشَّكْ يَضُرُّه؟ لِأَنَّ هَذَا بِإِرَادَة وَهَذَا يُنَافِي قَوْلَ اللهِ تَعَالَى» ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾.

«فَأَعْلَمَنَا بِقَوْلِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَصِحُّ مَعَ الْإِرْتِيَابِ أَيِ الشَّكِّ أَيْ لَابُدَّ مِنَ الجَزْمِ، فَمَادَامَ العَبْدُ جَازِمًا غَيْرَ شَاكٍّ لَا يَضُرُّهُ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْقَلْبِ بِدُونِ إِرَادَتِهِ وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى ذَلِكَ».

الفرق بين الخاطر والشك

الخاطر لا يؤثر

مَنْ خَطَرَ لَهُ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَالِهِ أَيْ قَلْبِهِ خُطُورًا أَيْ بِلَا إِرَادَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ «لِأَنَّ الخَاطِرَ بِالْإِجْمَاعِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ بَلْ الَّذِي يَخْطُرُ لَهُ الكُفْر ثُمَّ لَا يَعْتَقِدُهُ بَلْ لَايَزَالُ عَقْدُ قَلْبِهِ جَازِمًا بِدِّينِ اللهِ تَعَالَى فَيَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِالْكَرَاهِيَةِ لِهَذَا الْخَاطِرِ فَلَهُ ثَوَابٌ» وَلَوْ تَكَرَّرَ هَذَا الْخَاطِرُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ مَنْعَهُ وَاللَّهُ لَا يُكَلِّفُ الْعَبْدَ إِلَّا مَا هُوَ فِي وُسْعِهِ وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ شَىْءٍ.

الدليل على أن الأعمال مخلوقة لله

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُم وَأَبْصَارَهُم﴾ [الأنعام:١١٠]

»هَذِهِ الايَةُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ صَرِيحٌ لَا يَقْبَلُ التَأْوِيلَ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ أعْمَالَ العِبَادِ مَخْلُوقَةٌ للهِ مَا كَانَ مِنْهَا بِاخْتِيَارِهِم وَمَا كَانَ مِنْهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمفَتَقْلِيبُ اللهِ أَفْئِدَةَ العِبَادِ فِيهِ دِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ خَالِقٌ لأَعْمَالِ القُلُوب، وَتَقْلِيبُ اللهِ أَبْصَارَ العِبَادِ فِيهِ دِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ خَالِقُ أَعْمَالِ الجَوَارِح«

[قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [ البقرة :٢٨٦]

»فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا يَخْطُرُ عَلَى القَلْبِ بِلَا إِرَادَةٍ إِنَّمَا هُوَ بِخَلْقِ اللهِ فَلَا مُؤَخَذَةَ عَلَى العَبْدِ إِنْ لَمْ يَعْمَل بِهَذَا الخَاطِر اَّلِذي خَطَرَ لَهُ«

مثال توضيحي

فَمَنْ خَطَرَ لَهُ خَاطِرٌ مِمَّا يُنَافِي إِثْبَاتَ وُجُودِ اللَّهِ أَوِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ الْحَقَّ اعْتِقَادًا جَازِمًا فَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا الْخُطُورِ فِي صِحَّةِ إِيمَانِهِ «لِأَنَّ هَذَا الخَاطِرَ لَمْ يُؤَثِّر فِي قَلْبِهِ شَكًّا وَلَا تَرَدُّدًا إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ وَسْوَسَةٍ وَخَاطِرٍ خَبِيثٍ رَدَّهُ هُوَ وَطَرَدَهُ فَلَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» بَلْ يَزْدَادُ ثَوَابًا بِكَرَاهِيَّتِهِ لِهَذَا الَّذِي يَخْطُرُ لَهُ «لِأَنَّ كَرَاهِيَةَ هَذَا الخَاطِر عَلَامَةُ الإَيمَانِ.

الشك مخرج من الملة

أَمَّا الشَّكُّ وَالْإِرْتِيَابُ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ أَوْ فِي مَا عُلِمَ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ عِلْمًا ظَاهِرًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَهُوَ كُفْرٌ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الْذِّينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]

فَأَعْلَمَنَا بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَنَّ الإِيمَانَ لَا يَصِحُّ مَعَ الارْتِيَابِ أَيْ الشَّكِّ أَيْ لَابُدَّ مِنَ الْجَزْمِفَمَا دَّامَ العَبْدُ جَازِمًا غَيْرَ شَّاكٍّ لَا يَضُرُّهُ مَا يَطْرَأُ عَلَى القَلْبِ بِدُونِ إِرَادَتِهِ وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى ذَلِكَ»

فَالْمُرَادُ بِالْخَاطِرِ غَيْرُ الشَّكِّ وَالِاعْتِقَاِد «وَإِنَّمَا الَّذِي يُؤَثِّرُ الشَّكُّ والتَّرَدُّدُ فِي الإِيمَانِ لِأَنَّ الشَّكَّ بِإِرَادَةٍ»

[وَيَتَمَيَّزُ الشَّكُّ عَنِ الْخَاطِرِ أَنَّ الْخَاطِرَ يَكُونُ بِلَا إِرَادَةٍ فَلَا يُنَافِي الْجَزْمَ بِالْقَلْبِ أَمَّا الشَّكُّ فَيُنَافِيهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ التَّرَدُّدَ فِي الْقَلْبِ].

علاج الوسواس

أَحيَانًا كَثرَةُ الخَوَاطِرِ هِيَ بِسَبَبِ الوُسوَاسِ وَالوُسوَاسُ إِمَّا خَبَلٌ فِي العَقلِ أَو قِلَّةٌ فِي العِلمِ، 

نصيحة السيد أحمد الرفاعي

كَانَ السَّيِّدُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ نَاصِحًا وَوَاعِظًا أَحَدَ مُرِيدِيهِ:

عَوِّد نَفسَكَ القِيَامَ فِي اللِّيلِ وَسَلِّمهَا مِنَ الرِّيَاءِ فِي العَمَلِ، وَابكِ فِي خَلَوَاتِكَ عَلَى ذُنُوبِكَ المَاضِيَةِ، وَاعلَم أَنَّ الدُّنيَا خَيَالٌ وَمَا فِيهَا زَوَالٌ، هِمَّةُ أَبنَاءِ الدُّنيَا دُنيَاهُم وَهِمَّةُ أَبنَاءِ الآخِرَةِ ءاخِرَتُهُم وَإيَّاكَ وَالتَّقَرُّبَ إِلَى أَهلِ الدُّنيَا فَإِنَّ التَّقرُّبَ مِنهُم يُقَسِّي القَلبَ، وَاشغَل ذِهنَكَ عَنِ الوُسوَاسِ، وَاحذَر نَفسَكَ مِن مُصَاحَبَةِ صَدِيقِ السُّوءِ فَإِنَّ عَاقِبَةَ مُصَاحَبَتِهِ النَّدَامَةُ وَالتَّأَسُّفُ يَومَ القِيَامَةِ.

كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى مُخبِرًا عَمَّن هَذَا حَالُهُ:

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا  [سورة الفرقان : 27-28]

فَبِئسَ القَرِينُ، فَاحفَظ نَفسَكَ مِنَ القَرِينِ السُّوءِ، يَا وَلَدِي تَمَسَّك بِسَبَبٍ لِمَعِيشَتِكَ بِطَرِيقِ الشَّرعِ مِن كَسبٍ حَلَالٍ وَأَكثِر التَّردُّدَ لِزِيَارَةِ المَترُوكِينَ مِنَ الفُقَرَاءِ، وَوَجِّه قَلبَكَ لِرَسُولِ اللهِ، وَعَمِّر قَلبَكَ بِالذِّكرِ وَجَمِّل قَالِبَكَ بِالفِكرِ وَاستَعِن بِاللهِ وَقُل عَلَى كُلِّ حَالٍ الحَمدُ للهِ وَأَكرِم ضَيفَكَ وَارحَم أَهلَكَ وَوَلَدَكَ وَزَوجَتَكَ وَخَادِمَكَ. اهـ

فَهَذِهِ الشُّكُوكُ وَالوَسَاوِسُ تَأتِي لِلشَّخصِ عِندَمَا يَبتَعِدُ عَن مَجَالِسِ العِلمِ، فَهَذَا مُهلِكٌ.

المعصية الثالثة: الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله

 قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.

الشرح

أَنَّ مِنَ الْمَعَاصِي الْقَلْبِيَّةِ الأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ «أَيْ مِنْ عَذَابِ اللهِ» وَالْقُنُوطَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.

الأمن من مكر الله

معنى مكر الله

الْأَمْنُ مِنْ عُقُوبَةِ اللهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]

أَيْ اللهُ عَاقَبَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿واللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين﴾ [آل عمران: ٥٤]

أَيْ اللهُ أَقْوَى فِي إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الْمَاكِرِينَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ»

حكم الأمن من مكر الله

فَمَعْنَاهُ الِاسْتِرْسَالُ فِي الْمَعَاصِي مَعَ الِاتِّكَالِ عَلَى الرَّحْمَةِ فَهَذَا مِنَ الْمَعَاصِي الْكَبَائِرِ مِمَّا لَا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ.

«مَعْنَاهُ الْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ عَلَى هَذَا التَّفْسِير الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّة لَا يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ»

«أَمَّا عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ فَمَعْنَى الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللهِ الاعْتِقَادُ بِأَنَّ اللهَ لَا يُعَاقِبُ أَحَدًا عَلَى الْمَعَاصِي بَعْدَ ثُبُوتِ الْإِيمَانِ بِالْمَرَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا قَالَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْطَّحَاوِيُّ وَالْنَّسفِيُّ وَغَيرُهُمَا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ» 

«الْشَّرْعُ يَقْضِي بِأَنَّ الْمُسْلِم الْفَاسِق تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ إِمَّا أَنْ يُعَذِّبَهُ اللهُ وَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ اللهُ عَنْهُ».

بيان معنى مكر الله في سياق المشاكلة

وَمَكرُ اللهِ مَعنَاهُ عُقُوبَةُ اللهِ، فَفِي الآيَاتِ المَذكُورَةِ إِسنَادُ المَكرِ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَكِن فِي سِيَاقِ المُشَاكَلَةِ.

[قَالَ السُّيُوطِيُّ: اللَّفظُ المُستَعمَلُ فِي المُشَاكَلَةِ نَحوُ “ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين”، قَالَ ابنُ نُجَيمٍ الحَنَفِيُّ: المُشَاكَلَةُ: ذِكرُ الشَّيءِ بِلَفظِ غَيرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحبَتِهِ.اهـ]

فَلَا يَكُونُ كَمَكرِ العِبَادِ، فَالمَكرُ مِنَ الخَلقِ خُبثٌ وَخِدَاعٌ لِإِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الغَيرِ بِاستِعمَالِ حِيلَةٍ، وَأَمَّا مِنَ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ مُجَازَاةُ المَاكِرِينَ بِالعُقُوبَةِ مِن حَيثُ لَا يَدرُونَ، وَبِعِبَارَةٍ أُخرَى إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَقوَى فِي إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى المَاكِرِينَ مِن كُلِّ مَاكِرٍ جَزَاءً لَهُم عَلَى مَكرِهِم، فَالمَكرُ بِمَعنَى الِاحتِيَالِ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ.

أمثلة أخرى على المشاكلة

وَكَذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى:

﴿اللهُ يَستَهزئُ بهم [ البقرة:١٥]

فَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَستَخِفُّ بِالمُنَافِقِينَ كَمَا يَستَخِفُّ العِبَادُ بَعضُهُم بِبَعضٍ، إِنَّمَا جَاءَت هَذِهِ اللَّفظَةُ أَي كَلِمَةُ يَستَهزِئُ فِي القُرءَانِ فِي سِيَاقِ المُشَاكَلَة أَيضًا عَلَى مَعنَى المُجَازَاةِ لِلكُفَّارِ عَلَى استِهزَائِهِم.

فَإِنَّ المُنَافِقِين [وَالمُنَافِقُونَ هُنَا هُمُ الَّذِينَ يَكرَهُونَ الإِسلَامَ فِي قُلُوبِهِم وَيَتَظَاهَرُونَ بِالإِسلَامِ أَمَامَ المُسلِمِينَ وَيَعمَلُونَ أَعمَالَ المُسلِمِينَ وَلَكِنَّ قُلُوبَهُم فِيهَا شَكٌّ أَو إِنكَارٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ] كَانُوا عِندَمَا يَجتَمِعُونَ بِأَمثَالِهِم يَتَكَلَّمُونَ بِذَمِّ الإِسلَامِ وَكَرَاهِيَتِهِ وَيَستَهزِئُونَ بِهِ وَبِعِبَادِ اللهِ المُسلِمِينِ، فَأَخبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُجَازِيهِم بِمَا يَلِيقُ بِهِم عَلَى استِهزَائِهِم، وَسَمَّى هَذِهِ المُجَازَاةَ استِهزَاءً مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَمِثَالُهَا قَولُ الشَّاعِر:

قَالُوا اقتَرِح شَيئًا نُجِد لَكَ طَبخَهُ  قُلتُ اطبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصًا

وَعَلَى مِثلِ ذَلِكَ يُحمَلُ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:٦٧]

أَي تَرَكُوا طَاعَةَ اللهِ بِالإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَرَكَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِن رَحمَتِهِ خَالِدِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لَا يُخَفَّفُ عَنهُم عَذَابُهَا.

وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [سورة النساء:١٤٢]

فَمَعنَى:

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ

أَي يُخَادِعُونَ المُؤمِنِينَ، فَجَعَلَ مُخَادَعَةَ المُؤمِنِينَ مُخَادَعَةً للهِ تَعَالَى:

﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ

يُجَازِيهِم عَلَى خِدَاعِهِم.

القنوط من رحمة الله

تعريف القنوط

وَأَمَّا الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فَهُوَ أَنْ يُسِيءَ الْعَبْدُ الظَّنَّ بِاللَّهِ فَيَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ أَلْبَتَّةَ وَأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ يُعَذِّبُهُ وَذَلِكَ نَظَرًا لَكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ مَثَلًا «كَمَنْ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ أَنَا عَمِلْتُ كَذَا وَكَذَا مِنَ الذُّنُوبِ اللهُ تَعَالَى لَا يَرْحَمُنِي بَلْ لَابُدَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي» فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ لَا يَنْقُلُ عَنِ الإِسْلَامِ.

مذهب الحنفية

«وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّة فَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ ذُنُوبَ العُصَاةِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ كُفْرٌ نَاقِلُ عَنِ الْإِيمَانِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ فَعَلَى هَذَا عَدُّوهُ كُفْرًا لِأَنَّهُ هَذَا يُعَدُّ تَكْذِيبًا لِلْشَّرْعِ»

الْرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ:

«التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ»

لِذَلِكَ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ كَفْرٌ نَاقِلُ عَنِ المِلَّةِ.

كلام الطحاوي في العقيدة الطحاوية

النص الأول

قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ:

وَالأَمْنُ وَالإِيَاسُ يَنْقُلانِ عَنْ مِلَّةِ الإِسْلامِ وَسَبِيلُ الْحَقِّ بَيْنَهُمَا لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ. اهـ

شرح كلمة الطحاوي هذه:

الأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَالإِيَاسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُخْرِجُ الإِنْسَانَ مِنْ دِينِ اللَّهِ هَذَا عَلَى تَفْسِيرِ الْحَنَفِيَّةِ فَعِنْدَهُمْ يَعْتَبِرُونَهُمَا كُفْرًا أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ هَذَيْنِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَلا يَعْتَبِرُونَهُمَا مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ.

وَسَبِيلُ الْحَقِّ بَيْنَ الأَمْنِ وَالإِيَاسِ نَقُولُ إِنْ مِتْنَا وَنَحْنُ بِحَالَةِ التَّوْبَةِ نَجَوْنَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فِى الْقَبْرِ وَفِى الآخِرَةِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ أَنْ يُسَامِحَنَا اللَّهُ وَلا يُعَذِّبَنَا بِذُنُوبِنَا وَيَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَنَا بِهَا.

وَتَفْسِيرُ الأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ أَنَّ الَّذِى نَفَى عَذَابَ اللَّهِ لِلْعُصَاةِ فَهَذَا أَمِنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَكَذَلِكَ الآيِسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَىِ الَّذِى يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الذَّنْبَ لِلْمُسْلِمِ التَّائِبِ فَهُوَ كَافِرٌ هَذَا تَفْسِيرُهُمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَأَمَّا الأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْمَعْدُودُ مِنَ الْكَبَائِرِ فَهُوَ أَنْ يَسْتَرْسِلَ فِى الْمَعَاصِى اتِّكَالًا عَلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَأَمَّا الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ فَهُوَ أَنْ يَجْزِمَ الشَّخْصُ أَنَّ اللَّهَ لا يَرْحَمُهُ لِذُنُوبِهِ بَلْ يُعَذِّبُهُ فَهُوَ أَيْضًا عِنْدَهُمْ كَبِيرَةٌ وَلَيْسَا عِنْدَهُمْ مِنْ نَوْعِ الرِّدَّةِ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى عَدَّهُمَا كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِى كِتَابِ الشَّهَادَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِى تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ.

النص الثاني من العقيدة الطحاوية

وقال الطحاوي أيضا في آخر العقيدة الطحاوية:

وَدِينُ اللَّهِ فِى الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ وَهُوَ دِينُ الإِسْلامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:١٩]

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:٣]

وَهُوَ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ وَبَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ وَبَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ وَبَيْنَ الأَمْنِ وَالإِيَاسِ فَهَذَا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَنَحْنُ بُرَءَاءُ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِى ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيـمَانِ وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ وَيعْصِمَنَا مِنَ الأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ مِثْلِ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ وَنَحْنُ مِنْهُمْ بَرَاءٌ وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلَّالٌ وَأَرْدِيَاءٌ وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ.

شرح النص الثاني

وَمَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَبَيْنَ الأَمْنِ وَالإِيَاسِ أَنَّ الإِسْلامَ الَّذِى هُوَ دِينُ اللَّهِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَهُوَ حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ إِذْ فِى الأَمْنِ عَمَّا أَوْعَدَ ظَنُّ الْعَجْزِ عَنِ الْعِقَابِ وَفِى الإِيَاسِ مِنْ رَحْمَتِهِ ظَنُّ الْعَجْزِ عَنِ الْعَفْوِ وَهُمَا يَنْقُلانِ عَنِ الْمِلَّةِ أَىْ أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى تَفْسِيرِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ لِلأَمْنِ وَالْيَأْسِ وَقَدِ اشْتُهِرَ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ عَدُّهُمَا مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ غَيْرِ الْمُثْبِتَةِ لِلرِّدَّةِ.

طريق النجاة: الخوف والرجاء

وَطَرِيقُ النَّجَاةِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا رَاجِيًا يَخَافُ عِقَابَ اللَّهِ عَلَى ذُنُوبِهِ وَيَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ.

«كَمَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِي: “وَسَبِيلُ الْحَقِّ بَيْنَهُمَا لِأَهْلِ القِبْلَةِ” ذَلِكَ هُوَ الوُقُوفُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ الْخَوْفِ وَالْرَّجَاءِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾  [سورَة الإسراء:٥٧]

وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُسْلِمِ وَرَجَائُهُ لَاعْتَدَلَا كَجَنَاحَيّ الطَّائِرِ».

«مَعَنْاهُ طَرِيقُ النَّجَاةِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالْرَّجَاءِفَلَا نَقُولُ عَمَّنْ مَاتَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَة هَذَا لَابُدَّ وَأَنْ سَيُعَذَّبَ.

أَمَّا عِنْدَ الْمَوْتِ فَيُغَلِّبُ الرَّجَاءَ عَلَى الْخَوْفِ«الَّذِي يُحْتَضَر يُغَلِّبُ الرَّجَاءَ عَلِى الْخَوْفِ أَمَّا فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ رَجَائُهُ وَخَوْفُهُ يَجْعَلُهُمَا مُسْتَوِيَيْن».

آيات وأحاديث الرجاء

تذكير المحتضر بآيات وأحاديث الرجاء

هَذَا هُوَ الاعتِدَالُ أَن يَكُونَ الشَّخصُ بَينَ الخَوفِ وَالرَّجَاءِ، لِذَلِكَ يُسَنُّ إِذَا حَضَرْتَ شَخصًا يَحتَضِرُ أَن تُذَكِّرَهُ بِآيَاتِ وَأَحَادِيثِ الرَّجَاءِ، وَلَا تُذَكِّرُهُ بِمَا يُخِيفُهُ، فَقَدِ انقَطَعَ عَنهُ تَقرِيبًا وَقتُ العَمَلِ.

الحديث الأول: يا ابن آدم

وَذَلِكَ مِثلُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَروِيِّ عَن أَنَسٍ رَضَيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ  يَقُولُ:

قَالَ اللهُ تَعَالَىيَا ابنَ ءادَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنكَ وَلَا أُبَالِييَا ابنَ آدَمَ، لَو بَلَغَت ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ استَغفَرتَنِي غَفَرتُ لَكَيَا ابنَ ءادَمَ، إِنَّكَ لَو أَتَيتَنِي بِقُرَابِ الأَرضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشرِك بِي شَيئًا لَأَتَيتُكَ بِقِرَابِهَا مَغفِرَةً

رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

الحديث الثاني: أنا عند ظن عبدي بي

وَكَحَدِيثِ البُخَارِيِّ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:

«يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَىأَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»

الحديث الثالث: إن رحمتي تغلب غضبي

وَكَحَدِيثِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

«لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِإِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي»

الحديث الرابع: غفرت لعبدي

وَكَحَدِيثِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

«إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَأَذْنَبَ ذَنْبًا– فَقَالَرَبِّ، أَذْنَبْتُ وَرُبَّمَا قَالَأَصَبْتُ– فَاغْفِرْ لِيفَقَالَ رَبُّهُأَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَرَبِّ، أَذْنَبْتُ، أَوْ أَصَبْتُ، آخَرَ فَاغْفِرْهُفَقَالَأَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَأَصَابَ ذَنْبًا– قَالَقَالَرَبِّ، أَصَبْتُ أَوْ قَالَأَذْنَبْتُ– آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَأَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثَلاثًا، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ»

الحديث الخامس: شفاعة النبي

وَكَحَدِيثِ البُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:

«إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، شُفِّعْتُ فَقُلْتُيَا رَبِّ أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، فَيَدْخُلُونَ، ثُمَّ أَقُولُ أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ»

فَقَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

شرح حديث: يا ابن آدم

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى يَا ابنَ ءادَمَ، لَوْ بَلغَت ذُنُوبُك أَي لَوْ وَصَلَت ذُنُوبُكَ مِنْ كَثْرَتِها إِلَى عَنانِ السَّماء قالَ بَعْضُهُم العَنان أَيِ السَّحاب قالَ بَعْضُهُم العَنان ما يَعِنَّ أَيْ يَظْهَرُ لَكَ مِنَ السّماء مَعناهُ لَوْ مَلأَت ذُنُوبُكَ الأَرض وَتَراكَمَت حَتّى وَصَلَت إِلَى السّماء، يَعْنِى لَو كانت كَثِيرَة جِدًا جِدًا جِدًا، قالَ تعالَى ثم اسْتَغْفَرْتَنِي فَتُبْتَ توْبَةً صَحيحَة، طَلَبْتَ مَغْفِرَتِي أَي بِالتّوبَةِ الصحيحَة، يَطلُبُها بِالتُّوْبَة وَالدُّعاء قالَ تعالَى غَفَرْتُ لَك.

الفرق بين التوبة والاسترسال

وَفَرْقٌ بَينَ هَذَا وَبَيْنَ الاسْتِرْسَالِ فِى المَعَاصِي يَفْعَلُ الإِنسانُ المعْصِيَةَ ثُمَ يَتُوبُ خَوْفًا مِنَ الله، فَتُغْفَرُ لَه. وَلَكِنْ هُنَاكَ شَىءٌ ءاخَرُ. أَنْ يسْتَرْسِلَ الإِنْسَانُ بِالمَعَاصِي وَيَقُولُ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. اللهُ يَغْفِرُ لِي. هَذَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ لَيسَ حَالًا حَسَنًا.

لَا يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ المُؤمِنُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ. لَا يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ المُؤمِنُ يَائِسًا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، كَأَنْ يَقُولَ: اللهُ لَنْ يَغفِر لِي، أَنا عَمِلْتُ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا. إِنَّمَا يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ المُؤمِنُ بَينَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ. يَخافُ عِقَابَ اللهِ وَيَرْجُو رَحْمَةَ الله.

َلَا يَسْتَرْسِلُ فِى المَعْصِيَةِ اعْتِمَادًا عَلَى رَحْمَةِ اللهِ وَلَا يَقُولُ لَنْ يَغفِرَ اللهُ لِي مَا فَعَلْتُ مِنَ المَعَاصِي. إِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللهِ التَّوْبَةَ الصَّادِقَةَ فَإِذَا تَابَ تَوْبَةً صَحِيحَةً، غَفَرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ. هَذَا الَّذِي يَنبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ. يَكُونَ بَينَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ.

فَيَنبَغِي أَنْ يَكُونَ المُؤمِنُ مِثلَ الطَّائِرِ الَّذِي يَطِيرُ بِجَنَاحَينِ. أَحَدُ الجَنَاحَيْنِ الخَوْفُ وَالآخَرُ الرَّجَاءُ.

حديث البطاقة

وَكَحَدِيثِ البِطَاقَةِ المَعرُوفِ:

يُؤْتَى يَوْمَ القِيامَة بِرَجُلٍ، فَيُنْشَرُ لَهُ سِجِلّاتٌ كَثِيرَةٌ، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدَّ البَصَرِ، كُلُّهَا ذُنُوبٌ وَخَطَايَا!! ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اذْكُر شَيئًا مِمَّا عَمِلْتَ مِنَ الخَيرِ. فَيَقُولُ مَا عَمِلْتُ!  يُبْهَتُ وَلَا يَذْكُرُ شَيئًا بَعدَ أَنْ يَرَى كُلَّ هَذِهِ السِّجِلّاتِ مَمْلُوؤَةٍ ذُنُوبٍ وَخَطَايَا! يُقَالُ لَهُ بَلَى! مَعنَاهُ أَنتَ مِتَّ عَلَى الإِيمَانِ.

ثُمَّ يُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْها: لَا إلهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ احْضَر وَزْنَك، فَتُوضَعُ لَهُ السِّجِلّاتُ فِى كَفّةٍ وَتُوضَعُ هَذِهِ البِطاقَةُ فَقَط فِى كَفَّةِ الحَسَنَاتِ فَتَرْجَحُ البِطَاقَةُ وَتَطِيشُ تِلْكَ السِّجِلَّاتِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَفْوِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ.

السَّبَبُ بِهَذَا مَوتُهُ عَلَى الإِيمَانُ. لَوْ مَاتَ عَلَى غَيرِ الإِيمَانِ، لَمَا نَفَعَهُ مَهمَا فَعَلَ.

حديث: لولا أنكم تذنبون

وَمِثلُ هَذَا حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي أَيُوبَ الأَنْصارِيّ رَضِيَ اللهُ تعالَى عَنْهُ أَنَّهُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاة لَمّا أَحَسَّ أَنَّهُ سَيَمُوتُ، قَالَ: كُنتُ قَدْ كَتَمْتُ عَنكُم شَيئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُول:

لَوْلا أَنَّكُم تُذْنِبُون لَخَلَقَ اللهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُم

وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ عَظِيمِ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى وَأَنَّ الإِنسَانَ مَهْمَا أَذنَبَ، عَلَيْهِ أَن لَا يَقنُطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ وَيُقبِلَ عَلَى الخَيرَاتِ يُؤَدِّيَ الوَاجِبَاتِ وَيَجْتَنِبُ المُحَرَّمَاتِ فَيَرْفَعُهُ هَذَا إِلَى دَرَجَةٍ عَظِيمَة.

لا يقول أحد فات الوقت

وَلَا أَحَدٌ يَقُولُ تَأَخَّرَ الوَقتُ! وَاحِدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الحَنَفِيَّةِ المَشهُورِينَ، كَانَ أَوَّلًا مَا دَرَسَ العِلْمَ حَتَّى بَلَغَ مِنَ السِّنِّ ثَمَانِينَ ثُمَّ أَلْقَى اللهُ فِى قَلبِهِ مَحَبَّةَ طَلَبِ العِلْمِ. فَبَدَأَ يَطلُبُ عِلْمَ الشَّرعِ فِى سِنِّ الثَّمَانِينَ فَدَرَسَ عِلْمَ الدِّينِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. مَدَّ اللهُ فِى عُمُرِهِ! فَبَقِيَ يَتَرَدَّدُ عَلَى المَشَايِخِ وَيَدْرُسُ عِنْدَهُم عِلْمَ الدّينِ فِى كُتُبِ الفِقهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ التَّمَكُّنَ فِى العِلْمِ. بَعْدَ ذلِكَ عَلَّمَ فَمَدَّ اللهُ بِعُمُرِهِ فَعَلَّمَ أَرْبَعِينَ سَنَة. اللهُ تعالَى كَرِيمٌ! اللهُ وَفَّقَهُ إِلَى صَالِحِ العَمَلِ وَعَلَّمَ النَّاسَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. بَدَأَ يُعَلِّمُ بِالمِائَةِ وَالعِشرِينَ. اللهُ تعالَى كَرِيم!

قصة الإمام أحمد: مع المحبرة إلى المقبرة

لا ينبَغِي أَنْ يَقُولَ الشّخصُ فَاتَ الوَقْت! أَحمَدُ بنُ حَنبَل رَآهُ إِنسان فِى يَدِهِ مِحْبَرَة (فِى ذلِكَ الوَقتِ، الَّذِي يَذْهَبُ لِيَحضُرَ الدَّرسَ يَأْخُذُ مَعَهُ أَيْضًا الْمِحْبَرَة لِيَضَعَ القَلَمَ فِى المِدَادِ ثُمَّ يَكْتُبُ) وَيُسْرِعُ فِى السَّيرِ، فَقَالَ لَهُ: إِلَى هَذَا الوَقتِ؟؟ يَعنِى أَنتَ صِرتَ فِى هذه المنزِلَة وَفِى هَذَا السِّنِّ، بَعدَكَ تَذهَبُ تَطلُبُ العِلمَ؟ قالَ لَهُ:

مَعَ المحْبَرَة إِلى المقبَرَة!”

أَبقَى فِى طَلَب العِلْم إِلَى الموْت!

العمر لحظات

فالعُمُر لَحَظات! إِمّا أَنْ يُمْضِيَهُ الإِنسَانُ فِى طَاعَةِ اللهِ وَإِمَّا أَنْ يُمْضِيَهُ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَإِمَّا أَنْ يُمْضِيَهُ فِى المَعَاصِي فَلِمَاذَا يُمْضِيَهُ فِى مَعْصِيَةِ اللهِ!! اللَّحظَةُ الَّتِي تَمُرُّ فَاتَت! لَنْ تَعُودَ!! ثُمَّ تَفُوتُهُ لَحظَةٌ فَكَيفَ إِذَا فَاتَت لَحظَةٌ بَعْدَ لَحظَةٍ وَيَوْمٌ بَعْدَ يَوْمٍ!!

كلام الأوزاعي: الساعات تعرض على العبد

قالَ الأَوْزاعِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَا مِنْ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الدُّنْيَا إِلَّا وَتُعْرَضُ عَلَى العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ! فَالسَّاعَةُ الَّتِي لَا يَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى فِيهَا تَتَقَطَّعُ نَفْسُهُ عَلَيْهَا حَسَراتٍ. فَكَيفَ إِذَا مَرَّت سَاعَةٌ بَعْدَ سَاعَةٍ وَيَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ؟

جيفة في الليل حمار في النهار

البَعْضُ أَيَّامُهُم ضَائِعَةٌ، كَمَا جَاءَ فِى الحَدِيثِ:

جِيفَةٌ فِى اللّيل حِمارٌ فِى النَّهار!”

عارِفٌ بِأَمْرِ الدُّنيا جاهلٌ بِأَمْرِ الآخِرَة. البَعضُ هَذَا حَالُهُم. لَا يَكسِبُ فِى لَيلِهِ مِنَ الطّاعَةِ، لَا يُصَلِّي المَغرِبَ وَلَا العِشَاءَ يَمُرُّ لَيلُهُ بِلَا فَائِدَةٍ فَيَنامُ مِثلَ الجِيفَةِ وَفِى الصَّبَاحِ لَا يُصَلِّي الصُّبحَ وَلَا الظُّهُرَ وَلَا العَصرَ، وَلَا يَدْرُسُ عِلْمَ الدِّينِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مِثْلَ الحِمَارِ، جِيفَةٌ فِى الليل حِمارٌ فِى النَّهار!” عَارِفٌ بِأَمْرِ الدُّنيَا، خَبِير بِطُرُقُ جَمْعِ المَالِ وَكَيفِيّةِ الوُصُولِ إِلَى الجَاهِ أَمَّا فِى أَمْرِ الآخِرَةِ جَاهِلٌ مَا تَعَلَّمَ مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيهِ مِن عِلمِ الدِّينِ، مَا عِنْدَهُ النُورُ الَّذِي يَسْتَضِيئُ بِهِ الإِنسَانُ.

العلم نور يستضيء به الإنسان

هَذِهِ الدُّنيَا مِثلَ العَتَمَةِ، المَكَانُ المُظْلِمُ المُعْتِمُ وَمَلِيءٌ بِالحُفَرِ وَالوُحُوشِ وَالهَوَامِ! كَيفَ يَمْشِي فِيهَا الإِنسَانُ مِنْ غَيرِ نُورٍ فَيَنْجُو؟ النُّورُ الَّذِي يَسْتَضِيئُ لَهُ الطَّرِيقَ هُوَ نُورُ العِلمِ! فَالعِلْمُ يَدُلُّهُ عَلَى العَمَلِ وَالعِلمُ لَا بُدَّ مَعَهُ العَمَلُ!

قصة عز الدين بن عبد السلام

عِزُّ الدِّينِ بنُ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ الله مَرّت عَلَيْهِ مُدَّة يَبِيتُ فِيهِ فِى المَسجِدِ. يَومًا مِنَ الأَيّامِ أَفاقَ جُنُبًا. أَرَادَ الخُرُوجَ مِنَ المَسجِدِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلجُنُبِ أَنْ يَمْكُثَ فِى المَسجِدِ وَلَكِن كَانَ البَابُ مُقْفَلٌ! مَا وَجَدَ طَرِيقَةً فَنَزَلَ فِى بِركَةِ الوُضُوءِ فِى المَسجِدِ ثُمَّ خَرَجَ. بَعْدَ ذلِكَ نَامَ فَأَفَاقَ جُنُبًا! فَنَزَلَ فِى البِركَةِ وَخَرَج فَأُغْمِيَ عَلَيهِ. مَا ظَنَّ أَنَّهُ سيَتَضَرَّر ثُمَّ أَفَاقَ.

لَمَّا أَفَاقَ، سَمِعَ صَوْتًا، يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تُرِيدُالعِلمُ أَوِ العَمَلُ؟ اللهُ أَعلَمَ لَعَلَّهُ صَوْتَ مَلَكٍ أَو صَوتَ أَيُّ مَخْلُوقٍ مِن مَخلُوقَاتِ اللهِ. اللهُ أَلْهَمَهُ بِالجَوابِ فَقَالَ: العِلْم لأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى العَمَلِ.

فَبَعْدَ هَذِهِ الحَادِثَةِ، أَقْبَلَ عَلَى العِلمِ، انشَرَحَ صَدْرُهُ لِطَلَبِ عِلْمِ الدِّين فَصَارَ مِنْ كِبارِ العُلَمَاءِ المَشهُورِينَ مِنْ أَهْلِ التَقوَى وَالزُّهُدِ وَطَاعَةِ اللهِ.

كرامته: يا ريح خذهم

فِى مَعْرَكَةٍ مَرَّةً، حَضَرَ القِتالَ مَعَ المُسِلِمينَ أَيَّامَ الصَّلِيبِيَّن. حَصَلَ أَنَّ الصَّلِيبِيّن دَخَلُوا بِمَرَاكِبِهِم فِى نَهْرِ النِّيلِ وَلوْ أَكْمَلُوا كَمَا كَانُوا، لَكانُوا سَبَّبُوا لِلمُسلِمِينَ ضَرَرًا كَبِيرًا، فَأَلْهَمَهُ اللهُ فَقَالَ: يَا رِيحُ خُذْهُم!” لَما قَالَ ذَلِكَ، أَخَذَتهُم الرِّيحُ فَحَطَّمَت مَرَاكِبَهُم وَأَهْلَكَتهُم!

الخاتمة: النجاة بفضل الله

فَيَنبَغِي أَنْ يُقْبِلَ الإِنسَانُ عَلَى عِلْمِ الدِّينِ وَأَنْ يَتَعَلَّمَهُ عَلَى وَجْهِهِ بِالإِتْقانِ مَعَ الإِخْلاصِ للهِ تعالَى وَأَنْ يَعْلَمَ بهِ، حَتَّى يَكُونَ فِى الآخِرَةِ مِنَ النّاجِين!

وَلا يَنْجُو أَحَدٌ وَلَا يَصْلُحُ حالُ أَحَدٍ وَلا يُقْبِلُ أَحَدٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ إِلَّا إِذَا شَاءَ اللهُ لَهُ ذلِكَ. إِلَّا إِذَا وَفَّقَهُ اللهُ لِذَلِكَ. إِلَّا بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِه، فَإِنّا نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَرحَمَنَا.