خطبة الجمعة | ﴿وَاشكُرُوا نِعمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُم إِيَّاهُ تَعبُدُونَ﴾

إِنَّ الحَمدَ لِلَّهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مَثِيلَ وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، اللهم صَلِّ وَسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ. عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُم وَنَفسِيَ بِتَقوَى اللهِ العَظِيمِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسلِمُونَ﴾ [سورة آلِ عِمرَانَ:١٠٢].

أَمَّا بَعدُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [سورة النحل:53]، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاشكُرُوا نِعَمَهُ، وَاعرِفُوا فَضلَهُ عَلَيكُم.

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مِنَ المَقَامَاتِ الشَّرِيفَةِ وَالمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ مَقَامَ الشُّكرِ، فَالشُّكرُ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، وَخُلُقٌ مِن أَخلَاقِ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ قَالَ تَعَالَى مَادِحًا نَبِيَّهُ نُوحًا عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبدًا شَكُورًا﴾ [سورة الإسراء:3]، وَقَالَ تَعَالَى عَن إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿شَاكِرًا لِّأَنعُمِهِ﴾ [سورة النحل:121].

وَاسمُ نَبِيِّنَا ﷺ هُوَ “مُحَمَّدٌ”، وَهُوَ أَشهَرُ أَسمَاءِهِ، وَهُوَ يُفِيدُ المُبَالَغَةَ فِي مَعنَى الحَمدِ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرُ الحَمدِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَت أُمَّتُهُ “الحَمَّادِينَ”؛ لِأَنَّهُم يُكثِرُونَ الحَمدَ لِلَّهِ تَعَالَى. فَإِذَا أَكَلَ الوَاحِدُ مِنهُم أَو شَرِبَ، أَو حَدَثَت لَهُم نِعمَةٌ، أَوِ اندَفَعَت عَنهُم نِقمَةٌ، يَقُولُون: الحَمدُ لِلَّهِ. وَهُوَ مُحَمَّدٌ وَأَحمَدُ؛ لِأَنَّهُ أَكثَرُنَا حَمدًا لِلَّهِ تَعَالَى.

وَمِن أَسمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَ اللهِ الشَّكُورُ، قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [سورة الشورى:23]، وَمَعنَاهُ: هُوَ الَّذِي يُثِيبُ عَلَى اليَسِيرِ مِنَ الطَّاعَةِ الكَثِيرَ مِنَ الثَّوَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام:160].

عِبَادَ اللَّهِ، المُؤمِنُ الكَامِلُ شَأنُهُ أَنَّهُ يَرضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ وَلَا يَتَسَخَّطُ؛ إِن أَصَابَتهُ النِّعَمُ فَهُوَ بِخَيرٍ؛ لِأَنَّهُ حَامِدٌ لِرَبِّهِ، شَاكِرٌ لَهُ عَلَى نَعمَائِهِ، وَإِن أَصَابَهُ الضُّرُّ يَصبِرُ، لَا يَتَسَخَّطُ عَلَى رَبِّهِ، فَيُؤجَرُ عَلَى مُصِيبَتِهِ. فِفِي الحَالَينِ تَجِدُ المُؤمِنَ الكَامِلَ عَلَى خَيرٍ.

وَالشُّكرُ عِبَادَ اللَّهِ يَكُونُ بِأَن يَصرِفَ الإِنسَانُ النِّعَمَ الَّتِي أَعطَاهُ اللَّهُ فِيمَا يُحِبُّ اللَّهُ، لَيسَ فِيمَا حَرَّمَهُ؛ أَي: يَستَعمِلَهَا فِي المَحَلِّ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ. فَقَد قَالَ الجُنَيدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: “الشُّكرُ هُوَ أَن لَا يَستَعِينَ العَبدُ بِنِعمَتِهِ تَعَالَى عَلَى مَعصِيَتِهِ”. فَإِنِ استَعمَلَهَا فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَهَذَا لَا يُقَالُ لَهُ: عَبدٌ شَاكِرٌ، فَضلًا عَن أَن يُقَالَ لَهُ: عَبدٌ شَكُورٌ. فَالعَبدُ الشَّكُورُ هُوَ الَّذِي بَالَغَ فِي الشُّكرِ، وَتَمَكَّنَ مِنَ استِعمَالِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ.

إِخوَانِي، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [سورة النحل:18]، وَمِن نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَجِبُ استِعمَالُهَا فِيمَا يُحِبُّ رَبُّنَا الجَوَارِحُ، فَيَجِبُ صَرفُهَا فِيمَا أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ، وَكَفُّهَا عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنهُ، فَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَكُونُ المُسلِمُ مِنَ الشَّاكِرِينَ.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [سورة النحل:53]، فَنِعمَةُ الصِّحَّةِ مِنَ اللَّهِ، وَنِعمَةُ الأَمنِ وَالرِّزقِ وَالأَهلِ وَالأَولَادِ مِنَ اللَّهِ، وَنِعمَةُ السَّمعِ وَالبَصَرِ وَالعَقلِ مِنَ اللَّهِ.

وَلَكِن لَو نَظَرنَا إِلَى نِعَمِ اللَّهِ عَلَينَا لَرَأَينَا أَعظَمَهَا عَلَى الإِطلَاقِ نِعمَةَ الإِسلَامِ: وَأَن جَنَّبَنَا اللَّهُ الكُفرَ، وَالحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ؛ فَنِعمَةُ الإِيمَانِ أَفضَلُ مِن نِعمَةِ الصِّحَّةِ وَالمَالِ. وَقَدِ اعتَادَ بَعضُ المُسلِمِينَ قَولَ كَلِمَةٍ حُلوَةٍ هِيَ: “الحَمدُ لِلَّهِ عَلَى نِعمَةِ الإِسلَامِ، وَكَفَى بِهَا مِن نِعمَةٍ”. وَلِذَلِكَ قَالُوا: “مَن أُعطِيَ الدُّنيَا وَلَم يُعطَ الإِيمَانَ فَكَأَنَّمَا مَا أُعطِيَ شَيئًا، وَمَن أُعطِيَ الإِيمَانَ وَلَم يُعطَ الدُّنيَا فَكَأَنَّمَا مَا مُنِعَ شَيئًا”.

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ لِلشُّكرِ صُوَرًا مُتَعَدِّدَةً: فَمِنهَا أَن يَفرَحَ العَبدُ بِنِعمَةِ اللَّهِ وَيَعرِفَ أَنَّهَا مِن فَضلِهِ، وَمِنهَا أَن يُعَظِّمَ نِعَمَ اللَّهِ وَإِن كَانَت صَغِيرَةً، فَرُبَّ نِعمَةٍ يَستَصغِرُهَا الإِنسَانُ وَهِيَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ، وَمِنهَا أَن يُكثِرَ مِن حَمدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ، وَمِنهَا ـ وَهُوَ مِن أَعظَمِهَا ـ أَن يَستَعِينَ العَبدُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَى طَاعَتِهِ.

تَقُولُ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا، مُخبِرَةً عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ فِي لَيلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي قَامَ يُصَلِّي فَبَكَى حَتَّى سَالَت دُمُوعُهُ عَلَى صَدرِهِ، ثُمَّ رَكَعَ فَبَكَى، ثُمَّ سَجَدَ فَبَكَى، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَبَكَى، فَلَم يَزَل كَذَلِكَ حَتَّى جَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُبكِيكَ وَقَد غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبدًا شَكُورًا؟ وَلِمَ لَا أَفعَلُ وَقَد أَنزَلَ عَلَيَّ: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾ [سورة آل عمران:190] الآيَةَ».اهـ أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم، فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ وَاشكُرُوا نِعَمَهُ، فَإِنَّ الشُّكرَ سَبَبٌ لِدَوَامِ النِّعَمِ وَزِيَادَتِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَئِن شَكَرتُم لَأَزِيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم:7]. فَالشُّكرُ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ النِّعَمِ، وَبَرَكَتِهَا، وَحُسنِ الانتِفَاعِ بِهَا. وَمِن ثَمَرَاتِ الشُّكرِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرضَى عَنِ العَبدِ أَن يَأكُلَ الأَكلَةَ فَيَحمَدَهُ عَلَيهَا، أَو يَشرَبَ الشَّربَةَ فَيَحمَدَهُ عَلَيهَا»، رَوَاهُ مُسلِمٌ. فَإِذَا كَانَ حَمدُ اللَّهِ عَلَى أَكلَةٍ أَو شَربَةٍ سَبَبًا لِرِضَاهُ، فَكَيفَ بِمَن يَشكُرُ اللَّهَ عَلَى نِعمَةِ الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالصِّحَّةِ وَالأَمنِ وَالعَافِيَةِ؟!

وَمِن ثَمَرَاتِ الشُّكرِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلنَّجَاةِ مِنَ العَذَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [سورة النساء:147]، وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِرِفعَةِ الدَّرَجَاتِ؛ فَكُلَّمَا ازدَادَ العَبدُ شُكرًا، وَاستَعمَلَ نِعَمَ اللَّهِ فِي طَاعَتِهِ، ازدَادَ فَضلًا وَرِفعَةً.

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اشكُرُوا اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ، وَاحفَظُوا نِعَمَ اللَّهِ بِطَاعَتِهِ، وَلَا تَستَعمِلُوا نِعَمَهُ فِي مَعصِيَتِهِ.

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾ [سورة الأَحزَابِ:56]، لَبَّيكَ اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ. اللَّهُمَّ فَرِّجِ الكَربَ عَنِ المَسجِدِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَاحفَظهُ مِن أَيدِي المُعتَدِينَ الظَّالِمِينَ، يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ انصُرِ المُسلِمِينَ فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ. اللَّهُمَّ فَرِّج كُرُوبَنَا، وَاستُر عُيُوبَنَا، وَأَذهِب هُمُومَنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّق مَلِكَ البِلَادِ لِمَا فِيهِ خَيرُ البِلَادِ وَالعِبَادِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَارزُقهُ البِطَانَةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تَأمُرُهُ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَاهُ عَنِ المُنكَرِ.

عِبَادَ اللهِ، ﴿إِنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النَّحلِ:90]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.