مجالس الذاكرين بستان العارفين

الخطبة الاولى

الحمد لله ما سبّحت بحمدِه ألسنةُ الذاكرين، إلهِ الأولين والآخرين وربِّ الخلائق أجمعين، {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، أنزل إلينا كتابا أوضَحَ به منازلَ السالكين وأيقظ به عقولَ الغافلين، أحمده تعالى على جزيلِ نعمِه في كل وقتٍ وحين، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له وأشهدُ أنَّ سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم سيدُ خلقِ الله أجمعين، اللهم صلّ وسلم على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيَ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}. وكن على ذكر أخي المسلم لقول الله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق:14].

  إخوة الإيمان والإسلام: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا اجتمعَ أهلُ النار – وهم الكفار – في النارِ ومعهم من شاء الله من المسلمينَ أن يعذبوا- قالَ أهلُ النارِ للمسلمينَ ما أغنى عنكم إسلامُكم وقد صِرتم معنا في النار؟ قالوا: تلك ذنوبٌ اقْتَرفْناها وإنّا نؤاخذُ بها، عند ذلك يأمر اللهُ مَلَكًا أن يُخرجَ من النار كلَّ من وحّدَ الله، كلَّ من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله أي معتقدا بها، فيقولُ الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين فنَخرجُ كما أُخرجوا ثم قرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2)}(رواه الحاكم) [سورة الحجر]”. 

  فأجملُ نعمة، وأعظمُ نعمة، هي نعمةُ الإسلام، فهي النعمةُ التي بسببها تُقْبَلُ أعمالُك الصالحةُ، فلا تُقبلُ لك صلاةٌ ولا صيامٌ ولا صدقةٌ ولا نحوُ ذلك من الأعمالِ الصالحةِ بلا إسلامٍ، يقول الله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه} [سورة فاطر:10] أَي أَنَّ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ كَلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَصْعَدُ إِلَى مَحَلِّ كَرَامَتِهِ وَهُوَ السَّمَاءُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أَي الْكَلِمُ الطَّيِّبُ يَرْفَعُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، أَي أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ هِي الأَصْلُ وَالأَسَاسُ لِرَفْعِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَي لِقَبُولِهَا، ومن هذه الأعمالِ التي شرطُ قَبولها الإسلامُ ذكرُ الله تعالى، وهو ما سأحدثكم عنه في خطبتي هذه. 

  إخوة الإيمان والإسلام: يقولُ الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)} (سورة الأحزاب) العاقلُ من إذا سمع: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أَصْغى لذلك، فإنه إما خيرٌ يؤمرُ به أو شرٌ ينهى عنه، وفي الآية خيرٌ تؤمرُ به، فالله يأمرُنا بأن نذكرَه، وكيفَ لا يكون ذكرُ اللهِ خيرًا؟! وهو ضياءٌ للقلوب، وجَلاءٌ للذنوب، فالله تعالى يأمرُنا أن نكثرَ من ذكرِه وتسبيحِه تعالى أي تنزيهِه عن مشابهة المخلوقين، فمعنى قولِك أخي المسلمَ: (سبحان الله) أي أنزِّهُ اللهَ تعالى تنزيهًا مطلقًا عن أي مشابهةٍ لمخلوقٍ من خلقِه، فمهما تصورتَ ببالكَ فاللهُ بخلافِ ذلكَ.

  أيها المسلمون: إنَّ ذكرَ اللهِ تعالى عبادةٌ عظيمةٌ؛ ولكنْ ومن المعلومِ لكل ذي لبٍّ أنَّ العبادةَ لها شروط، فكذا ذكرُ اللهِ فإنَّ له شروطًا ينبغي أن يُنْتَبَهَ إليهَا حتَّى تقبلَ عند اللهِ؛ فلا بدَّ أن يكونَ المرءُ مسلمًا حتَّى يُقْبَلَ منهُ، ولا بُدَّ مِنْ نيةٍ صحيحةٍ خالصةٍ للهِ تعالَى، وكذا لا بدَّ أن يكونَ نطقُك بالذكرِ صحيحًا، فمثلًا مَنْ أرادَ أنْ يصليَ علَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فليقلْ: (اللهمَّ صلّ على محمد) من غير ياءٍ ولا تَقُلْ: (اللهم صلِّي على محمد) بإثباتِ الياءِ في صلِّي؛ إذْ صَلِّي بالياءِ خطابٌ للأنثَى.

وقَدْ مَرَّ سيدُنا عُمَرُ رضي الله عنه باثنينِ يتبارَيَانِ بالرميِّ فقالَ أحدُهُمَا للآخر: أَسَبْتَ، بالسينِ بدلَ أن يقول أَصَبْتَ بالصَّادِ فقالَ له سيِّدُنا عمرُ: سوءُ الَّلحن أشدُّ مِنْ سوءِ الرميِّ(رواه البخاري في الادب المفرد). فإذَا كانَ سيُّدُنا عمرُ استَقْبَحَ هذَا الغَلطَ في أمرِ الرّمايةِ بينَ اثنين فكيفَ الغلطُ في ذكرِ الله تعالى؟!

  إخوة الإيمان: إن فضائلَ ذِكْرِ اللهِ تعالى والجلوسِ في مجالسِ الذكرِ عظيمةٌ، فبدَل أن تجلسَ في مجالسِ الغيبةِ والكلامِ الذي لا خيرَ فيه، اجلسْ في مجالسِ الخيراتِ والبركاتِ، المجالسِ التي يحفُّها أولياءُ اللهِ الصالحين، عنيت الملائكةَ الكرامَ؛ فقد روى البخاريُّ في صحيحه عن الصحابي الجليل أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا”. فأيُّ بركةٍ وأيُّ أسرارٍ هذه؟! 

  فاحرصْ أخي المسلمَ على ذكرِ الله تعالى في كلِّ حينٍ ولحظةٍ، ولا تُضَيِّعْ أوقاتَكَ وأنفاسَك بما لا خيرَ فيهِ، فعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ(رواه ابن ماجه في سننه). إذا قعدَ أو مشَى أو وضعَ جنبَه على فراشِه لِيَنَامَ يذكرُ الله عز وجل، فاملأْ وقتَك أخي بذكرِ الله تعالى. لو قالَ لك شخصٌ اعملْ عندي كلَّ يومٍ ساعةً فقط وخذْ قطعةَ ذهب، ماذا يكونُ جوابُك؟! سنَرَى كثيرًا من الناسِ تتراكضُ عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ(رواه الترمذي والحاكم وصححه) تُغْرَسُ له شجرةٌ ساقُهَا من ذهبٍ؛ ليسَ في الدنيا بلْ في الجنةِ، وشِبْرٌ من الجنةِ خيرٌ من الدنيا وما عليها، لأنه قال: (سبحانَ اللهِ العظيمِ وبحمْدِه) كم يأخذُ منهُ وقتًا؟! ومعَ ذلكَ كثيرٌ من الناسِ يغفُلونَ عن ذلك. فبدلَ أن تُضَيِّعَ أنفاسَك بمَا لا خيرَ فيه، امسِكْ سبْحَةً، وابدأ بذِكْرِ الله مِن نحوِ تسبيحٍ واستغفارٍ وتهليلٍ، فإنَّ السبحةَ نِعْمَ المُذَكِّرُ لذِكْرِ اللهِ تعالَى([١]).  أتريدُ أخي المسلمَ أنْ تَدْخُلَ الجنةَ بإذنِ الله تعالى اسمعْ معي هذا الوعدَ مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخولِ الجنةِ؛ فقد روى الطبرانيُّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قال حين يصبح وحين يمسي رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا فأنا الزعيم لآخذن بيده حتى أدخله الجنة”(حسنه الحافظ الهيثمي)فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “أنا الزعيمُ” أي أنا ضامنٌ، أي وعدٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعدُه صلى الله عليه وسلم لا شكَّ لا يخلف، بدخولِ الجنة، لمن يقولُ هذا الذكر الخفيفَ على اللسان، فكيف تضيعُ على نفسِك هذا الأجرَ العظيمَ بعد ذلك؟! فاحرص على ذكرِ الله تعالى بنيةٍ سليمةٍ ونطقٍ صحيحٍ ولا تضيعْ أنفاسَك بما لا خيرَ فيه، نسأل الله تعالى أن يرزقنا دخول الجنة، إنه على كل شيء قدير وبعباده لطيف خبير، هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. 

[1] ورد في الحديث: “نعم المذكر السبحه” وقد ذكره الحافظ السيوطي، وكذا ساق‎ ‎السيوطي‎ ‎ءاثارا في الجزء الذي سماه ‏‏-المنحة في السبحة- وقال في آخره :ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عدّ الذكر ‏بالسبحة، بل كان أكثرهم يعدّونه بها ولا يرون ذلك مكروها.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ.

 أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: من المظاهر الحسنةِ التي ينبغي المحافظةُ عليها: حلقاتُ ذكرِ الله تعالى وقراءةُ القرآنِ الكريم فينبغِي أن يبقَى ذِكر الله تعالى شعارًا ظاهرًا للمسلمينَ يرددُونه ويفخرونَ به، لأنه يذكرُنا بعزةِ الإسلامِ وأثره على النفوسِ والقلوب، ولا ضيرَ ولا بدعةَ سيئة في رفعِ الصوتِ بالذكر عقبَ الصلواتِ المكتوبةِ، بالتسبيحِ والتهليلِ والتكبيرِ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الصحابي الجليل عبد الله بْن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : (أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ) وكذلك لا يحرم ذكر الله تعالى ورفعُ الصوتِ به عند المشيِ في الجنازة، فبدلَ أن يتكلموا في الغيبةِ ونحوِ ذلك من أمورِ الدنيا مما لا خيرَ فيه، فليذكروا الله تعالى، فالمقامُ مقامُ اعتبارٍ واتعاظٍ لا لهوٍ وحرامٍ، وكذلك قراءةُ القرءانِ على الميتِ في بيوتِ العزاءِ جماعةً وفرادى، فهو من الأمورِ الحسنةِ، والتي ينتفعُ بها الميتُ بإذن الله تعالى، نسألُ الله تعالى أن يعلِّمَنا ما ينفعنا إنه على كل شيء قدير وبعباده لطيف خبير.

عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، وبلادَنا بالخيراتِ والأمطارِ والغيثِ العميمِ يا ربَّ العالمين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ.  عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.