الصداقة واختيار الصديق

الصداقة واختيار الصديق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:

يُعاني العديد مِن شبابنا في هذه الأيام من سوء اختيار الصديق، فالكثير منهم لا يعرفون المعايير الصحيحة لاختيار الصديق أثناء الحياة العلمية أو حتى العملية.

لماذا يُعدُّ هذا الأمر تحديًّا عند الكثيرين؟

لأنّه في الغالب لا يستطيع المرء أن يبقى بعزلة عن المجتمع الخارجي (سواء أكان مجتمع الدراسة أو العمل)، وفي كثير من الأحيان يحتاج إلى إنسان يصدقه في المعاملة والنّصح والإرشاد.

وحُسن اختيار الصّديق والجليس فلاح ونجاح، وتوفيق وصلاح.

فالصديق الصالح زينة في الرخاء، وعُدَّة وقتَ البلاء، وعون على الأعداء، فالعاقل من ألزم نفسه صحبة الأخيار وفارق مجالسة الأشرار.

ما هي الصداقة ومن هو الصديق؟

الصَّداقةُ مَصْدَرُ الصَّدِيق، واشتقاقُه أَنّه صَدَقَه المودَّة والنّصيحةَ.

والصَّدِيقُ: المُصادِقُ لَكَ.

فالصداقة: هي علاقة إيجابية اجتماعية وثيقة تشترك بين شخصين وأكثر، هذه العلاقة تجمعهم سواء بالأهداف أو النشاطات. 

من هو الصديق الجيّد؟

  • الصديق الجيّد: هو الذي يحفظ الأسرار.
  • الصديق الجيّد: هُوَ الصَّادِقُ فِي وِدَادِكَ، الَّذِي يُهِمُّهُ مَا يُهِمُّكَ.
  • الصديق الجيّد: هو الذي يدعمك، هو الذي يُثني على إنجازاتك، ولا يقلل من قيمتك.
  • الصديق الجيّد: هو من يمشي إليك عندما يمشي الجميعُ بعيداً عنك.
  • الصديق الجيّد: هو الذي يرفع شأنك بين الناس، وتفتخر بصداقتِه ولا تخجل من مصاحبتِه والسير معه.
  • الصديق الجيّد: هو الذي يفرح إذا احتجت إليه ويسرع لخدمتك دون مقابل.
  • الصديق الجيّد: هو الذي يتمنّى لك ما يتمنّى لنفسِه.
  • الصديق الجيّد: هو الذي يَقبل عُذرك ويُسامِحك إذا أخطأت ويَسُدُّ مَسَدَّك في غيابك.
  • الصديق الجيّد: هو الذي يظُنّ بك الظّنّ الحَسن، وإذا أخطأت بِحقِهِ يلتمس العُذر ويقول في نفسِهِ لعلّه لم يقصد.
  • الصديق الجيّد: هو الذي يحفظك في مالِكَ وأهلك وولدك وعِرضك.
  • الصديق الجيّد: هو الذي يكون معك في السّراء والضّراء وفي الفرح والحُزن وفي السَّعةِ والضّيق وفي الغِنى والفقر.
  • الصديق الجيّد: هو الذي يؤثِرك على نفسهِ ويتمنّى لك الخير دائمًا.
  • الصديق الجيّد: هو الذي ينصحك إذا رأى عيبك ويُشجعك إذا رأى منك الخير ويُعينك على العمل الصالح.
  • الصديق الجيّد: هو الذي يُحبّك في الله دون مصلحة مادية أو معنوية.
  • الصديق الجيّد: هو الذي يُفيدك بعملهِ وصلاحِهِ وأدبِهِ وأخلاقِهِ.

مما قيل من حِكَم وأمثال عن الصّديق والصّداقة

  • قال لقمان الحكيم: يَا بُنَيَّ جَالِسِ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ فَإِنَّ الْقُلُوبَ لَتَحْيَا بِالْحِكْمَةِ كَمَا تَحْيَا الْأَرْضُ الْمَيِّتَةُ بوابل القطر.
  • وقال بعض الأدباء: لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك، ويستر عيبك، فيكون معك في النوائب، ويؤثرك بالرغائب، وينشر حَسَنَتَكَ وَيَطوِي سَيِّئَتَك، فإن لم تجده فلا تصحب إلا نفسك.
  • وقال بعض العلماء: لا تصحب إلا أحد رجلين: رجل تَتَعلَّم منه شيئاً في أمرِ دينِك فينفَعك، أو رجل تُعلِّمه شيئاً في أمر دينه فيقبل منك، وأمَّا الثالث فاهرب منه.

أسس اختيار الصديق

يقول الإمام الغزالي

اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ كُلُّ إِنْسَانٍ، قَالَ ﷺ: الْمَرْءُ ‌عَلَى ‌دِينِ ‌خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ.

فينبغي مراعاة عدة أمور عند اختيار الصديق، منها:

أن يكون عاقلا

أي ‌الذي ‌يفهم ‌الأمور ‌على ‌ما ‌هي ‌عليه، فالْعَقْلُ هُوَ رَأْسُ الْمَالِ وَهُوَ الْأَصْلُ؛ فَلَا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ الْأَحْمَقِ.

والأحمق قد يضرك وهو يريد أن يَنفعك من حيث لا يدري.

أن يكون حسن الخلق

حُسن الخُلق لا بدَّ منه، فَرُبَّ عاقل يُدرِك الأشياء على ما هي عليه ولكن إذا غَلَبَهُ غَضَبٌ أطاع هواه وخالف ما هو المعلوم عنده لِعَجزه عن قهر صفاته وتقويم أخلاقه فَلَا خَيْرَ فِي صُحْبَتِهِ.

أن يكون غير فاسق ولا مبتدع

فالْفَاسِقُ الْمُصِرُّ على الفِسقِ لا فائدة في صحبته، لأنّ من يخاف الله لا يُصِرُّ على كبيرة، ومن لَا يَخَافُ اللَّهَ لَا تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُ وَلَا يوثق بصداقته بل يتغير بتغيّر الأغراض.

قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: (عن النبي ﷺ قال: “‌لا ‌تصاحب ‌إلا ‌مؤمنًا” تقيًّا، فإنّ صحبة الكافر والفاسق الذي لا يتقي اللَّه تعالى تغيّر الطباع).

وأما المُبتدع ففي صحبتِه خَطَر سِرَايَةِ البِدعَة وتَعَدِّي شؤمِها إليه، فالمبتدع مستحق للهجر والمقاطعة، فكيف تُؤثَر صحبته.

أن لا يكون حريصا على الدنيا

وَأَمَّا الْحَرِيصُ عَلَى الدُّنْيَا فَصُحْبَتُهُ سُمٌّ قَاتِلٌ؛ لِأَنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّشَبُّهِ وَالِاقْتِدَاءِ، فَمُجَالَسَةُ الْحَرِيصِ عَلَى الدُّنْيَا تُحَرِّكُ الْحِرْصَ، وَمُجَالَسَةُ الزَّاهِدِ تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا، فَلِذَلِكَ تُكرَه صُحبة طلّاب الدّنيا ويُستحب صُحبة الرَّاغبين في الآخرة.