الحمدُ لله رَبِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدنا مُحَمَّدٍ رسول الله، أمَّا بعدُ:
فإنَّ خيرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّ مِنْ هَدْيِ رسولِ الله ﷺ حُسْنَ الخُلُق.
قال رسول الله ﷺ
أَنَا زَعِيمٌ بِبَيتٍ فِي أَعلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ
رواه البيهقي في كتاب الآداب
معناه: أنا ضامنٌ لمنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بيتًا في أعلى الجنَّة.
معنى حسن الخلق
هو أنْ يعملَ الإنسانُ المعروفَ مَعَ الذي يُحسِن له ومَعَ الذي لا يُحسِن له لأنَّ قَصْدَهُ رِضَا اللهِ فلا يَهُمُّهُ رِضَا النَّاسِ بعدَ أنْ يَرْضَى الله عنه، وأنْ يصبرَ على أذى النَّاسِ وأنْ يَكُفَّ أذاهُ عن النَّاس، هذا معنى حُسْنِ الخُلُقِ.
فحسن الخلق عبارة عن ثلاثة أمور:
- الصبر على أذى الناس
- والإحسان إليهم
- وكَفُّ الأذى عن الغير
درجة حسن الخلق في الإسلام
المسلمُ المؤمنُ الذي يُحسِن خُلُقَه هذا له عندَ الله تعالى يومَ القيامة فضلٌ كبيرٌ، بحيثُ إنه يساوي الرَّجُلَ الذي يقومُ اللَّياليَ والنَّاسُ نيامٌ ويصومُ النهارَ، أيْ يُكْثِرُ من صيامِ النفلِ، المُؤْمِنُ الذي يُحَسِّنُ خُلُقَهُ هو في الدَّرَجَةِ سَوَاءٌ مَعَه.
قال رسولُ الله ﷺ
إِنَّ المُؤمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِم
رَوَاهُ أبو داودَ في سننه
قال رسولُ الله ﷺ
مَا مِنْ شَيءٍ يُوضَعُ فِي المِيزَانِ أَثقَلُ مِن حُسْنِ الخُلُقِ وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في سننه
معنى ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة
أي الذي يصوم ويصلي نفلا.
ما يعين المسلم على أن يحسن خلقه
حُسْنُ الخُلُقِ يَتَطَلَّبُ تركَ الغَضَب، والغَضَبُ شَرُّهُ كبير كثيرٌ، من النَّاسِ بسبب الغَضَب يكفرون، وكثيرٌ يَقْطَعُونَ أرحامَهم بسبب الغَضَب، وكثيرٌ من النَّاسِ يُقْدِمُونَ على القتلِ ظُلْمًا وعدوانًا بسبب الغَضَب، قال رَجُلٌ لرسولِ اللهِ ﷺ: يا رسولَ الله علِّمني شيئًا ولا تُكْثِرْ عليَّ لعلِّي أَعِيهِ، قال: “لَا تَغْضَبْ“، فرَدَّدَ ذلكَ مِرارًا كُلُّ ذلكَ يقول: “لَا تَغْضَبْ“، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وفي روايةٍ عند أحمدَ أنَّ الرَّجُلَ قال: ماذا يُبَاعِدُني من غَضَبِ الله، فقال له الرَّسُولُ ﷺ: “لَا تَغْضَبْ“.
معناهُ اكْظِمْ غَيْظَكَ إذا أَحْسَسْتَ بهِ ولا يحمِلَنَّكَ الغَضَبُ على معصيةِ الله.
كيف أكظم غيظي
خَيرُ ما يَستعينُ بهِ المؤمنُ على تسكينِ الغَضَبِ ذِكْرُ الله، وليسَ المعنى أنَّ الغَضَبَ نفسَه مَعصِية، لا، لأنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أنْ يدفعَ عنه الغَضَبَ الذي هو حالةٌ نَفسَانِيَّةٌ
خلق رسول الله ﷺ
كانَ رسولُ الله ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خَلْقًا وخُلُقًا، وكانَ خُلُقُهُ القرءانَ، فمَنْ أرادَ أنْ يَعْرِفَ خُلُقَ الرَّسُولٍ فليقرأ القرءانَ ولْيَفْهَمْهُ، فكُلُّ خَصْلَةِ خَيْرٍ أَمَرَ الله في القرءانِ بالتخلُّق بها فهي من خُلُقِ رسولِ الله ﷺ.
من الأخلاق التي جاء بها القرءان
- الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ.
- والصَّبْرُ على الأَذَى.
- وكَفُّ الأَذَى عن النَّاس.
- والإحسان إلى الجار وتحمل أذاه
الإحسان إلى الجار وتحمل أذاه
أخرج أبو بكرٍ اللآل في كتابهِ (مكارم الأخلاق) أنَّ النبيَّ ﷺ قال: “كنتُ بينَ شَرِّ جَارَيْنِ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ وأبي لَهَب كانا يرميانِ بما يخرجُ من النَّاسِ على بابي“. أيْ أنه ﷺ كانَ يَتَحَمَّلُ أذاهما مَعَ أنه كانَ أشجعَ خَلْقِ الله على الإطلاق، وقد أُوتِيَ من القُوَّةِ البَدَنيَّةِ قُوَّةَ أربعينَ رَجُلًا، ومَعَ ذلكَ كانَ العَفْوُ خُلُقَهُ والصَّبْرُ شيمتَه وتَحَمُّلُ أَذَى النَّاسِ له حَالَهُ ودَأْبَه.
ونشأَ رسولُ الله ﷺ يتيمًا لم يجالسِ العلماءَ والحُكَمَاءَ إلى أنْ نَزَلَ عليهِ الوحيُ، وقد جَمَّلَهُ الله بأحسَنِ الأدب وأحسنِ الخُلُقِ، ولقد كانَ الرَّسُولُ مُوَفَّقًا في تَصَرُّفاتهِ بتوفيقِ الله، وكانَ طاهرَ القلب، خالصَ الطَّوِيَّة سليمَ السَّريرة.
قصة تدل على عظم ثمرة حسن الخلق
كانَ أَحَدُ أحبارِ اليهودِ من أهلِ المدينةِ المُنَوَّرَةِ قد وَجَدَ في بعضِ الكُتُبِ القديمةِ أنَّ نبيَّ ءاخِرِ الزَّمَانِ لا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الجَهْلِ عليه إلَّا حِلْمًا، فأرادَ هذا الحَبْرُ اليهوديُّ، واسمُه زيدُ بنُ سَعْيَة، أنْ يمتحنَ رسولَ الله ليرَى إنْ كانَ الوَصْفُ الذي وَجَدَهُ في الكُتُبِ القديمةِ عن نبيِّ ءاخرِ الزَّمَانِ ينطبقُ عليه، فعاملَ الرَّسُولَ بدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ لأَجَلٍ معلوم، ثمَّ قبلَ أنْ يَحُلَّ الأَجَلُ بثلاثةِ أيام جاء زيدٌ إلى النبيِّ يطالبُه بالدَّينِ، ونالَ من الرَّسُولِ بكلماتٍ قبيحةٍ وشتائمَ، فأرادَ سَيِّدُنا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أنْ ينتقمَ منه، وكادَ يَبْطِشُ به ويقتلُه، فنهاهُ رَّسُولُ الله الحليمُ الصَّبُورُ ﷺ وَأَمَر بِرَدِّ دَينِه، عِندَها عَلِمَ اليهوديُّ أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا ﷺ هو رسولُ الله حَقًّا وأنه نبيُّ ءاخِرِ الزَّمان، فنطقَ بالشَّهَادَتين.