الخطبة الأولى
الحمد للهِ الذي أحسَنَ خَلْقَ الإنسانِ وعدَلَه، وألهمَهُ نورَ الإيمانِ فزيَّنهُ به وجمَّلَهُ، وعلَّمَهُ البيانَ فقدَّمَهُ بهِ وفضَّلَه، وأرسلَ عليهِ سِتْرا من رحمتِهِ وأسبَلَه، وأمدَّهُ بلسانٍ يُترجِمُ به عمّا حواهُ القلبُ وعَقِلَهُ، من علِمَ ذلك لزم الخيرَ وحصَّلَهُ، ونطقَ بلسانِهِ حقّا ينزلُهُ يومَ القيامةِ منزلَه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا زوجةَ ولا ولدَ ولا هيئةَ له، شهادةً أسألُ ربي أن تكونَ يومَ القيامةِ للمغفرةِ محصِّلة، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه الذي أكرمَهُ وبجَّلَهُ، ونبيُّهُ الذي أرسله بكتابٍ أنزلَه وأسمى وبيَّن سُبُلَه، اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وأكرمْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ وعلى من أحسنَ الاتباعَ وقبِلَه، ما كبَّرَ اللهَ عبدٌ وهلَّله.
عبادَ اللهِ خافوا اللهَ العظيمَ واتّقوه؛ فإنه القائلُ في كتابِهِ:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}(البقرة:235). والقائلُ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}(البقرة:281) فاللهَ اللهَ يا عبادَ الله.
إخوةَ الإيمانِ والإسلامِ: كان الناسُ في الجاهليةِ يغضبُ الواحدُ منهم لحظِّ نفسِهِ وعشيرتِه ولهذه الدنيا، وكانوا يفتخرون في الانتقامِ من الآخرِين إذا غضِبوا عليهم، فتراهم يتسلّطونَ على الضعيفِ ويشعلونَ الحروبَ الشديدةَ بين القبائِلِ والتي تستمرُ أعوامًا عديدة بسببِ فورةٍ عابرةٍ من غاضب. فجاءَ رسولُ اللهِ ﷺ وقوّمَ هذا الفسادَ ولم يكن هذا بالتنظيرِ -كما يعبّرُ البعض- بل علّمَ ﷺ مكارمَ الأخلاقِ ومحاسِنَها بأقوالِه وأفعالِه؛ فقد روى البخاريُّ في صحيحِهِ عن السيدةِ الطاهرةِ عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت في وصفِ رسولِ اللهِ ﷺ: “وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا” وأما حالُ الكثيرِ من الناسِ اليوم أنه لا ينتقمُ إلا لحظِّ نفسِهِ نسألُ اللهَ السلامة.
إخوة الإسلام: روى البخاريُّ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَوْصِنِي – أي دُلّني على خَيرَي ديني ودنياي- قَالَ: “لَا تَغْضَبْ” فَرَدَّدَ مِرَارًا(1) قَالَ:“لَا تَغْضَبْ” نهاهُ ﷺ عن الغضبِ مرارا وتكرارا؛ إذ الغضبُ يجمعُ خصالَ الشرِّ كلّه، فكم من إنسانٍ إذا غضِبَ يشتِمُ خالقَهَ والعياذُ بالله، أو يشتِمُ الدينَ الحقَّ الصحيحَ دينَ الإسلام، أو نحوَ ذلك مما يُخرجُ الإنسانَ عن الإسلامِ، والعجبُ ممن يبرِّرُ هذه الأقوالَ الخبيثةَ فيقولُ:”كنت معصّب” عندما قلتُها!! ظانًّا أن ذلك يُنقِذُه ويسلّمُهُ من الكفرِ!! ولكن خابَ ظنّه وخسِر؛ فلو كانتِ العصبيةُ عذرًا لَمَا أوصى النبيُّ ﷺ ذاك الرجلَ بتركِ الغضبِ مرارًا وتكرارًا. وشتّانَ بين من يشتِمُ اللهَ تعالى أو دينَه عندما يغضبُ على ولدِهِ أو زوجتِهِ أو صديقِهِ، وبين صحابةِ رسولِ اللهِ ﷺ الذين عُذِّبوا بشتّى أنواعِ العذابِ وصبروا ولم يتلفظُوا بالكفرِ، نسألُ اللهَ السلامة.
أيها المسلمون: العفوُ عن الناسِ ومقابلةُ الإساءةِ بالإحسان لا يعني بحالٍ أنك ضعيفٌ أو أنك عديمُ الشخصيةِ كما يزعمُ البعضُ، بل هو علامةُ القوةِ والترقي، ولنا في رسولِ اللهِ ﷺ القدوةُ الحسنةُ فقد استدان النبيُّ ﷺ ذاتَ مرةٍ من زيدِ بنِ سعنَة وكان يهوديا تمرًا، ثم إن زيدًا جاء إلى النبيِّ ﷺ قبلَ موعدِ سدادِ الدَّينِ بثلاثةِ أيامٍ، وشدّ النبيَّ ﷺ من مجامِعِ ثيابِهِ(2) وواجههُ بوجهٍ غليظ، ثم قال: يا محمدُ اقضني الدين، فإنكم ءالَ عبدِ المطلبِ قومٌ مُطلٌ(3)،وسيدُنا عمرُ رضي الله عنه ينظرُ إلى زيدٍ وعيناهُ تدورانِ في وجهِهِ(4) ثم يقولُ له: يا عدوَّ اللهِ لولا أنني لا أريدُ أن أتقدّمَ في حضرةِ رسولِ الله ﷺ بما لم يأمرْ به لضربتُ بسيفي رأسَكَ، والنبيُّ ﷺ يستمعُ لكلام سيدِنا عمرَ رضي الله عنه بهدوء، ثم ينظرُ لسيدنا عمرَ رضي الله عنه ويتبسّمُ له ويقولُ له: “يا عمرُ لو أنك واجهتَني وواجهتَهُ بغيرِ ذلك، فلو أمرتني بحسنِ القضاءِ وأمرتِه بحسنِ الطلبِ، اذهبْ به فأعطِهِ حقَّهُ وزدْهُ عشرينَ صاعًا من تمرٍ”، فلما أعطى سيدُنا عمرُ رضي الله عنه زيدًا الزيادةَ قال زيدٌ: ما هذه الزيادةُ يا عمرُ؟ قال: أمرني رسولُ اللهِ ﷺ أن أزيدَكَ بدلَ ترويعِك، فقال زيدٌ: أتعرفني يا عمرُ؟ قال: لا من أنت؟ فقال: أنا زيدُ بنُ سَعْنة، قال سيدُنا عمرُ رضي الله عنه: الحَبْرُ()؟ قال زيدٌ: نعم، فقال سيدُنا عمر رضي الله عنه: فما دَعاكَ أن فعلتَ برسولِ اللهِ ﷺ ما فعلتَ و قلتَ لهُ ما قلتَ، فقال زيدٌ: يا عمرُ لم يكنْ من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُه في وجهِ رسولِ اللهِ ﷺ حين نظرتُ إليه إلا اثنتين لم أَخْبُرْهُما منهُ: هل يسبِقُ حِلمُهُ جهلَهُ، ولا تزيدُهُ شدةُ الجهلِ عليه إلا حلمًا، ثم قال زيدٌ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله و أشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، فانظرْ أخي المسلم كيف أن رسولَ اللهِ ﷺ بحلمِهِ وعدمِ غضبِهِ كانَ سببًا في دخولِ زيدٍ في الإسلام، فدلَّ على أن تركَ الغضبِ علامةُ قوةٍ لا ضعفٍ كما يظنُّ ويزعمُ البعضُ، نسأل الله تعالى أن يرزقَنا الحلمَ ويبعدَنا عن الغضبِ لأجلِ الدنيا، إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِه لطيفٌ خبير، أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: بعضُ الناسِ يقولُ: “أنا لا أستطيعُ أن أتمالكَ نفسي عند الغضب” ولو أنه اقتدى برسولِ اللهِ ﷺ لاستطاعَ، فخيرُ معلمٍ ﷺ حثّنا ابتداءً على تركِ الغضب، ثم علّمنا إذا غضب الواحدُ منّا أن يفعلَ أمورًا تُذهبُ عنه الغضب، ومن ذلك: الاستعاذةُ أي قولُ أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم؛ فقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ أن رَجُلَين استبّا(5)عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ” ومن ذلك الوضوء، فقد قال رسولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ”(6)ومن ذلك السكوتُ عن الكلامِ الذي أغضبَه، فقد قال النبيُّ ﷺ: “وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ”(7)، أي فيسكتُ عن غير نحوِ الاستعاذةِ، ومن ذلك أن يغيّرَ الوضعَ الذي هو عليه، فقد روى الإمامُ أحمدُ في مسندِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ أبي ذرٍّ الغِفاريِّ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ”، نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا الاقتداءَ برسولِ الله ﷺ وبصحابتِه رضوانُ اللهِ عليهم، إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِه لطيفٌ خبير.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:{إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ، اللهم فرج كروبَنا واسترْ عيوبَنا وأذهبْ همومَنا يا ربَّ العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، وبلادَنا بالخيراتِ يا ربَّ العالمين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- أي أعاد هذا الصحابيُّ رضي الله عنه طلب الوصيةَ ثلاث مرات وفي كل مرة يجيبه الرسول ﷺ بترك الغضب.
- أي مسك زيد بن سعنة ثياب الرسول ﷺ من جهة العنق.
- أي تماطلون بقضاء الدين.
- كناية عن الغضب.
- عالمٌ من علماء اليهود.
- سبَّ وشتم كلاهما الآخر
- رواه أبو داود في سننه.
- رواه الإمام أحمد في مسنده.